ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني

٤٣٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٩٣

الصفحة ٦ من ١١

  1. وكذلك رواه القعنبيُّ، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ وربيعةَ، جميعًا عن يزيدَ مولَى المنبعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكَر مثلَ حديثِ مالكٍ سواءً في ضالَّةِ الغَنَم، وفي ضالَّةِ الإبل، وفي اللُّقَطَةِ، إلا أنَّه قال: "عرِّفْها سنةً، فإن لم تُعرَفْ فاستَنْفِعْ بها، ولتكنْ وديعةٌ عندك" (٢) .

    ج ٢ ص ٤٩٠
  2. وحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا حجَّاجُ بنُ منهالٍ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن يحيى بن سعيدٍ وربيعةَ، عن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّ رجلًا سأل النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ضالَّةِ الإبل، فقال: "ما لَك ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَأكُلُ الشَّجَرَ، وتَرِدُ الماءَ، حتى يأتيَها باغِيها" . ثم سألَه عن ضالَّةِ الغَنَم، فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" . ثم سألَه عن اللُّقَطَة، فقال: "اعرِفْ عِفاصَها، وعِدَّتَها، فإن جاءَ صاحبُها فعَرَفها، فادْفَعْها إليه، وإلا فهي لك" (١) .

    ج ٢ ص ٤٩١
  3. واختلَف الفقهاءُ في التَّافِهِ اليسيرِ المُلتَقَطِ؛ هل يُعرَّفُ حولًا كاملًا أم لا؟ فقال مالكٌ: إن كان تافِهًا يَسيرًا تَصدَّقَ به قبلَ الحول (٢) . قال ابنُ حبيب: كالدِّرهم ونحوِه.

  4. وذكَر ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ (٣) : أنَّه قال في اللُّقَطَة، مثلَ المِخْلاة، والحَبْل،

    ج ٢ ص ٤٩٢والدَّلْوِ، وأشبَاهِ ذلك: إنَّه إن كان في طريقٍ وضَعه في أقرَبِ الأماكنِ إليه ليُعْرَفَ، وإن كان في مدينةٍ انتفَع به وعرَّفه، ولو تَصَدَّقَ به كان أحبَّ إليَّ، فإن جاءَ صاحبُه كان على حقِّه.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: ما كان عَشَرةَ دراهمَ فصاعدًا عَرَّفَها حولًا، وما كان دونَ ذلك عرَّفها على قدرِ ما يَرى (١) .

    وقال الحَسنُ بنُ حَيٍّ كقولِهم سواءً، إلَّا أنَّه قال: ما كان دُونَ عشَرةِ دراهمَ عرَّفَه ثلاثةَ أيام (٢) .

    وقال الثوريُّ: الذي يَجِدُ الدرهم يُعرِّفُه أربعةَ أيام؛ رواه عنه أبو نعيم (٣) .

    وقال الشافعيُّ (٤) : يُعرِّفُ القليلَ والكثيرَ حولًا كاملًا، ولا تَنطَلِقُ يَدُه على شيءٍ منه إلَّا بعدَ الحول، فإذا عرَّفه حولًا، أكَلَه بعدَ ذلك أو تَصَدَّق به، فإذا جاء صاحبُه، كان غَريمًا في الموتِ والحياة. قال: وإن كان طعامًا لا يَبقَي، فله أنْ يأكُلَه ويَغرَمَه لربِّه.

    قال المزنيُّ (٥) ، وممَّا وُجِد بخطِّه: أحبُّ إليَّ أن يَبيعَه ويُقيمَ على تعريفِه

    ج ٢ ص ٤٩٣حولًا ثم يَأكُلَه. قال المزنيُّ: هذا أوْلَى [القولين] (١) به؛ لأنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ للمُلْتَقِطِ: "فشأنَكَ بها" . إلَّا بعدَ السَّنَة، ولم يُفرِّقْ بين القليل والكثير.

    قال أبو عمر: التعريفُ عندَ جماعةِ الفقهاءِ، فيما علِمتُ، لا يكونُ إلَّا في الأسواق، وأبوابِ المساجدِ، ومواضع العامَّة واجتماعِ الناس.

  5. ورُوِيَ عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابن عمرَ، وجماعةٍ من السَّلَفِ يطولُ ذِكْرُهم (٢) . أنَّ اللُّقَطَةَ يُعرِّفُها واجِدُها سنةً، فإن لَمْ يأْتِ لها مُستَحِقٌ، أكَلها واجِدُها إن شاء، أو تَصَدَّقَ بها، فإن جاءَ صاحبُها وقد تَصَدَّقَ بها، فهو مُخيَّرٌ بينَ الأجر والضَّمان. وبهذا كلِّه أيضًا قال جماعةُ فقهاءِ الأمصار؛ منهم مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، والليثُ، والشافعيُّ، ومَن تبِعَهم، إلَّا ما بيَّنا عنهم في كتابِنا هذا من تفسيرِ بعضِ هذه الجملةِ ممَّا اختلَفوا فيه.

  6. وأجمَعوا أنَّ الفقيرَ له أن يَأكُلَها بعدَ الحوْل، وعليه الضَّمانُ. واختلَفوا في الغنيِّ؛ فقال مالكٌ: أمَّا الغنيُّ فأحبُّ إليَّ أن يَتصدَّقَ بها بعدَ الحول، ويَضْمَنَها إن جاء صاحبُها (٣) .

    وقال ابنُ وهبٍ: قلتُ لمالكٍ في حديثِ عمرَ بنِ الخطَّاب حينَ قال للذي وجَد الصُّرَّةَ: عرِّفْها ثلاثًا، ثم احبِسْها سنةً، فإن جاء صاحبُها، وإلا فشأنك بها: ما شأنُه بها؟ قال: يَصنَعُ بها ما شاء؛ إن شاء أمسَكها، وإن شاء تَصدَّقَ بها، وإن شاء استَنْفَقَها، فإن جاء صاحبُها أدَّاها إليه (٤) .

    ج ٢ ص ٤٩٤وقال الأوزاعيُّ: إن كان مالًا كثيرًا جعَله في بيتِ المال بعد السنة (١) .

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يأكُلُها الغنيُّ البتَّةَ بعدَ الحول، وإنَّما يأكُلُها الفقيرُ، ويتَصَدَّقُ بها الغنيُّ، فإن جاء صاحبُها، كان مُخيَّرًا على الفقيرِ الآكلِ وعلى الغنيِّ المتصدِّقِ في الأجرِ والضَّمان (٢) .

    وقال الشافعيُّ: يَأكُلُ اللُّقَطَةَ الغنيُّ والفقيرُ بعدَ الحول؛ لأنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ وغيرِه قد قال لواجِدِها: "شأنكَ بها بعدَ السَّنَة" . ولم يُفرِّقْ بينَ الغنيِّ والفقير، وعلى مَن أكلَها أو تَصَدَّقَ بها الضَّمانُ إن جاء صاحبُها (٣) .

    قال أبو عمر: احتجَّ بعضُ مَن يَرَى أنَّ الغنيَّ لا يَأكُلُ اللُّقَطَةَ بعدَ الحولِ بما ذكَره ابنُ عُيينةَ في حديثِ زيدِ بنِ خالدٍ المذكورِ عنه في هذا الباب؛ بقوله: "وعَرِّفْها سنةً، فإن عُرِفَت وإلا فاخلِطْها بمالِك" . قالوا: فهذا دليلٌ على أنَّ السائلَ عن حُكمِ اللُّقَطَةِ والضَّالّةِ في ذلك الحديثِ كان غنيًّا، فخرج الجوابُ عليه من قولِه: "فشأنك بها" ، وقولِه: "فاخلِطْها بمالِك" وقولِه: "ولْتكنْ وديعةً عندَك" ، ونحوُ هذا ممّا رُوِيَ من اختلافِ ألفاظِ الناقِلين لهذا الحديثِ من الألفاظِ الموجِبةِ لا تكونُ عندَه مرفوعةً لصاحبِها، وهي تفسيرُ معنَى قولِه: "شأنك بها" .

  7. وحجَّةُ مَن أجاز للغنيِّ أكلَها، ظاهرُ الحديثِ، بقولِه: "شأنك بها" . وفيخلِطْها بمالِك". ولم يَسألْه: أفقيرٌ هو أم غنيٌّ؟ ولا فرَّق له بينَ الفقر والغنيِّ، ولو كان بينَ الفقيرِ والغنيِّ فَرْق في حُكمِ الشَّرْعِ، لبيَّنَه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والفقيرُ

    ج ٢ ص ٤٩٥قد يَكونُ له مالٌ لا يُخرِجُه إلى حدِّ الغِنَي، فيجوزُ أن يُقالَ له: "اخلِطْها بمالِك" .

  8. وفي ذلك دليلٌ على انطلاقِ يَدِه عليها بما أحَبَّ، كانطلاقِ يَدِه في مالِه، ألا ترَى إلى قولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديثِ عياضِ بن حمارٍ: "فإن جاء صاحبُها فهو أحقُّ بها، وإلا فهو مالُ الله يُؤتيهَ من يَشاء" (١) ؟ وهذا معناه انطلاقُ يَدِ المُلتَقِطِ وتَصرُّفُه فيها بعدَ الحَولِ، ولكنَّه يَضمَنُها إن جاء صاحبُها وأحبَّ ذلك، بإجماع المسلمين؛ لأنَّه مُستهلِكٌ مالَ غيرِه (٢) ، ومن استَهْلكَ لغيرِه شيئًا من المال، ضَمِنَه بأيِّ وجهٍ استهلَكَه، وهذا ما لا خلافَ فيه، فأغنَى ذلك عن الإكثار.

  9. واختلَفوا في دفع اللُّقَطَةِ إلى مَن جاء بالعلامةِ دُونَ بَيِّنَةٍ، فقال مالكٌ: تُستَحَقُّ بالعلامة. قال ابنُ القاسم: ويُجْبَرُ على دفعِها إليه، فإن جاء مُستَحِقٌّ فاستَحقَها ببَيِّنَةٍ، لَمْ يَضْمَنِ المُلتَقِطُ شيئًا. قال مالكٌ: وكذلك اللُّصوصُ إذا وُجِد معهم أمتِعةٌ، فجاء قومٌ فادَّعَوها وليست لهم بَيِّنَةٌ، أنَّ السلطانَ يَتَلَوَّمُ في ذلك، فإن لَمْ يَأْتِ غيرُهم دَفَعها إليهم، وكذلك الآبِقُ. وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ، والحسنِ بنِ حيٍّ، أنَّها تُدفعُ لمن جاء بالعلامة (٣) . والحُجَّةُ لمن قال بهذا القولِ قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اعرِفْ عِفَاصَها ووِكاءَها وعِدَّتَها، فإن جاء صاحبُها فعَرَفها فادْفَعْها إليه" . وهذا نصٌّ في موضع الخلافِ يوجِبُ طَرْحَ ما خالَفَه.

    وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٤) : لا تُستَحَقُ إلَّا ببيِّنةٍ، ولا يُجْبَرُ على دَفْعِها لمَن جاء بالعلامةِ، ويَسَعُه أن يَدفَعَها إليه فيما بينَه وبينَه دونَ قَضاءٍ.

  10. وذكَر المزنيُّ (١) عن الشافعيِّ قال: فإذا عرَّف طالبُ اللُّقَطَةِ العِفَاصَ، والوِكَاءَ، والعَدَدَ، والوَزنَ، وحلَّاها بحِلْيَتِها، ووقَع في نفسِ المُلْتَقِطِ أنَّه صادقٌ، كان له أنْ يُعطِيَه إيَّاها، ولا أُجْبِرُه؛ لأنَّه قد يُصيبُ الصفةَ بأن يَسمَعَ المُلْتَقِطَ يَصِفُها. قال: ومعنى قولِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اعرِفْ عِفاصَهَا ووِكاءَها" واللّهُ أعلمُ، لأنْ يُؤدِّيَ عِفاصَها ووِكاءَها معها، وليُعْلِمَ إذا وضَعَها في مالِه أنَّها لُقَطَةٌ، وقد يكونُ ليَستَدِلَّ على صِدقِ المعترِفِ (٢) ، أرأيتَ لو وصَفها عشَرةٌ، أيُعطَونَها ونحن نعلَمُ أنَّ كلَّهم كاذبٌ إلَّا واحدًا بغيرِ عَيْنِه، يُمكنُ أن يكونَ صادقًا.

    قال أبو عمر: القولُ بظاهرِ الحديثِ أولَي، ولم يُؤمَرْ بأنْ يَعرِفَ عِفاصَها ووِكاءَها وعلاماتِها إلَّا لذلك. وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن عَرَفَها، فادْفَعْها إليه" . هكذا قال حمادُ بنُ سلمةَ في حديثه، ومَن كان أسعدَ بالظاهرِ كان أفلَحَ، وباللّه التوفيقُ.

    ج ٢ ص ٤٩٦
  11. واختلَفوا فيمَن أخَذ لُقَطةً ولم يُشهِدْ على نفسِه أنَّه التقَطَها وأنَّها عندَه يُعرِّفُها، ثم هلَكَت عندَه وهو لَمْ يُشهِدْ:

    فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمَّدٌ: لا ضمانَ عليه إذا هلَكت عندَه من غيرِ تَضْييعٍ منه، وإن كان لَمْ يُشهِدْ. وهو قولُ عبدِ الله بنِ شُبرُمة (٣) .

    وقال أبو حنيفةَ، وزفرُ: إن أشهَدَ حينَ أخَذها أنَّه يأخُذُها ليُعرِّفَها، لَمْ يَضمَنْها إن هلَكَت، وإن لَمْ يُشهِدْ ضَمِنها (٤) . وحُجتُهما في ذلك ما حدَّثني أحمدُ بنُ محمدِ بن أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفضلِ الدِّينَوَريُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العباسِ

    ج ٢ ص ٤٩٧محمدُ بنُ عبدِ الحكم القِطْريُّ، قال: حَدَّثَنَا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعبةُ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، قال: سمِعتُ يزيدَ بنَ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ أبا العلاءِ يُحدِّثُ، عن أخيه مطرِّفِ بن عبدِ الله بنِ الشَّخِّيرِ، عن عياضِ بنِ حمارٍ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن التَقَط لُقَطَةً، فليُشهِدْ ذا عَدلٍ، أو ذوَيْ عَدلٍ، وليُعَرِّفْ، ولا يَكتُمْ، ولا يُغيِّبْ، فإن جاء صاحبُها، فهو أحقُّ بها، وإلا فهو مالُ الله يُؤتيه مَن يشاءُ" (١) .

    قال الطَّحاويُّ (٢) : وهذا الحديثُ يحتَمِلُ أن يكونَ مُرادُه في الإشهادِ الإشادةَ والإعلانَ وظهورَ الأمانةِ. قال: ولما لَمْ يكنِ الإشهادُ في الغُصُوبِ يُخرجُها عن حُكمِ الضَّمانِ، وكان الإشهادُ في ذلك وتَركُ الإشهادِ سواءً، وهي مضمونة أبدًا،

    ج ٢ ص ٤٩٨أشهَدَ أم لَمْ يُشهِدْ - وجَب أن تكونَ اللُّقَطَةُ أمانةً أبدًا، لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ولتكنْ وديعةً عندَك" . ولإجماعهم على أنَّه إذا أشهَدَ لَمْ يَضمَنْ، وكذلك إذا لَمْ يُشهِدْ.

    قال أبو عمر: معنى هذا الحديث عندي واللّه أعلمُ: أنَّ مُلتَقِطَ اللُّقَطَةِ إذا عرَّفَها، وسلَك فيها سُنَّتَها، ولم يكنْ مُغيِّبًا، ولا كاتمًا، وكان مُعلِنًا مُعرِّفًا، وحصَل بفعلِه ذلك أمِينًا، لا يَضمَنُ إلَّا بما تُضمَنُ به الأماناتُ، وإذا لَمْ يُعرِّفْها، ولم يَسلُكْ بها سُنَّتَها، وغيَّبَ، وكتَم، ولم يُعلِمِ الناسَ أنَّ عندَه لُقَطَةً، ثم قامَت عليه البيِّنةُ بأنَّه وجَد لُقطةً ذكَرُوها، وضمَّها إلى بينيه، ثم ادَّعَى تَلَفَها، ضمِن؛ لأنَّه بذلك الفعلِ خارجٌ عن حُدودِ الأمانةِ، وباللّه التوفيقُ.

  12. وقال بعضُ أهلِ العلمِ في قولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للسَّائلِ عن اللُّقَطَة: "اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، فإن جاء صاحبُها وعَرَفها" : يعني بعلامتِها: دليلٌ بيِّنٌ على إبطالِ قولِ كلِّ من ادَّعَى علمَ الغيبِ في الأشياءِ كلِّها؛ من الكَهنةِ، وأهلِ التَّنجيم، وغيرِهم، لأنه لو علِم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه يُوصَلُ إلى علمِ ذلك من هذه الوجوه، لَمْ يكنْ لقولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في معرفةِ علامتِها وجهٌ. واللّهُ أعلمُ. فهذا ما في الحديثِ من أحكامِ اللُّقَطَةِ، ووجُوهِ القولِ فيها.

  13. وأمّا حُكمُ الضَّوَالِّ من الحيوان، فإنَّ الفقهاءَ اختَلَفوا في بعضِ وُجُوهِ ذلك، فقال مالكٌ (١) في ضالَّةِ الغنم: ما قَرُبَ من القُرَى فلا يَأكلُها، ويَضُمُّها إلى أقربِ القُرَى (٢) تُعرَّفُ فيها. قال: ولا يَأكُلُها واجِدُها ولا من تُرِكت عندَه حتى تَمُرَّ بها سنةٌ كاملةٌ، هذا فيما يوجَدُ بقُربِ القُرَي، وأمَّا ما كان في الفَلَواتِ والمَهامِهِ، فإنَّه يأخُذُها، ويأكُلُها، ولا يُعرِّفُها، فإن جاء صاحبُها فليس له شيءٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" .

    ج ٢ ص ٤٩٩قال (١) : والبقرُ بمنزلةِ الغنم إذا خِيفَ عليها السِّباعُ، فإن لَمْ يُخَفْ عليها السِّباعُ فبمنزلةِ الإبل: وقال في الإبل: إذا وجدَها في فلاةٍ، فلا يَعرِضُ لها، فإن أخَذها فعرَّفَها، فلم يَجئْ صاحبُها، خلَّاها في الموضع الذي وجَدَها فيه. قال: والخيلُ، والبِغالُ، والحميرُ، يُعرِّفُها، ثم يَتصدَّقُ بثَمَنِها (٢) ؛ لأنَّها لا تُؤكَلُ.

    قال مالك (٣) : لا تُباعُ ضَوَالُّ الإبل، ولكنْ يَرُدُّها إلى موضعِها الذي أُصيبَت فيه، وكذلك فعَل عمرُ بن الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنه (٤) .

  14. واتَّفق قولُ مالكٍ وأصحابه: أنَّ الإمامَ إذا كان غيرَ عَدْلٍ ولا مأمونٍ، لَمْ تؤخَد ضوالُّ الإبل، وتُرِكت مكانَها، فإن كان الإمامُ عَدلًا، كان له أخذُها وتعريفُها، فإن جاء صاحبُها، وإلا ردَّها إلى المكان. هذه روايةُ ابن القاسم، عن مالكٍ (٥) .

    وقال أشهبُ: لا يَرُدُّها، ويبيعُها، ويُمسِكُ ثمنَها (٦) ، على ما رُوِي عن عثمانَ (٧) .

  15. وقال ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، فيمَن وجَد شاةً أو غَنَمًا بجانبِ قريةٍ: إنَّه لا يأكُلُها حتى تَمُرَّ بها سنةٌ أو أكثرُ، فإن كان لها صُوفٌ أو لبنٌ، وكان قُرْبَه مَن

    ج ٢ ص ٥٠٠يَشترِي ذلك الصُّوفَ واللبنَ، فليَبِعْه، ولْيَدفَعْ ثمنَه لصاحبِ الشاةِ إن جاء.

    قال مالكٌ: ولا أرَى بأسًا أن يُصيبَ من نَسلِها ولبنِها بنحوِ قيامِه عليها.

    قال ابنُ وهبٍ: عن مالكٍ، فيمَن وجَد تَيسًا قُربَ قريةٍ، إنَّه لا بأسَ أن يترُكَه يَنْزُو على غنمِه ما لَمْ يُفسِدْه ذلك.

    وقال الأوزاعيُّ في الشاة: إن أكَلها واجِدُها ضَمِنها لصاحبِها (١) .

    وقال الشافعيُّ: تُؤخَذُ الشاةُ، ويُعَرِّفُها آخِذُها، فإن لَمْ يجِئْ صاحبُها، أكَلها، ثم ضَمِنَها لصاحبِها إن جاء. قال: ولا يَعرِضُ للإبلِ والبقرِ، فإن أخَذ الإبلَ ثم أرسَلها ضَمِن. وذَكَر أنَّ عثمانَ خالَف عمرَ، فأمَر ببَيْعِها، وحبْسِ أثمانِها لأربَابِها. واحتجَّ بقولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "رُدَّ على أخيكَ ضالَّتَه" . وبقولِه في اللُّقَطَةِ: "ولتكنْ وديعةً عندَك" . ومَن أرسَل الوديعةَ وعرَّضَها للضَّياع، ضَمِنها بإجماع (٢) .

    وقال (٣) مالكٌ وأبو حنيفة: مَن وجَد بعيرًا في بادية أو غيرها فأخَذَه ثم أرسَلَه، لَمْ يضمَنْه، بخلاف اللُّقَطة. وشبَّهه بعضُ أصحابهما بالصَّيد يصيدُه المُحرمُ ثم يُرسلُه أنه لا شيءَ عليه. فأمّا الشافعيُّ فالضالّةُ عنده هاهنا كاللُّقَطة لاجتماعِهما في أنه مالٌ هالكٌ مُعيَّن قد لزِمَه حفظُه بعدَ أخْذِه، فوَجَب أن يصيرَ بإزالة يدِه عنه ضامنًا كالوديعة.

    قال أبو جعفرٍ الأزديُّ، هو الطَّحاويُّ (٤) : جوابُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ضَوالِّ الإبلِ بغيرِ ما أجاب في ضالَّةِ الغنم، إخبارٌ منه عن حالٍ دونَ حالٍ، وذلك على

    ج ٢ ص ٥٠١المواضع المأمونِ عليها فيها التَّلَفُ، فإذا تُخوِّفَ عليها التَّلَفُ فهي والغَنَمُ سَواءٌ. قال: ولم يُوافِقْ مالكًا أحدٌ من العلماءِ على قولِه في الشاة: إن أكَلها لَمْ يَضمَنْها إذا وجَدها في الموضع المَخُوف. قال: واحتِجاجُه بقولِه عليه السلام: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" لا معنَى له؛ لأنَّ قولَه: "هي لك" ليس هو على معنى التَّمليكِ، كما أنَّه إذا قال: "أو للذِّئب" لَمْ يُرِدْ به التمليكَ؛ لأنَّ الذِّئبَ يأكُلُها على مِلكِ صاحبِها، فكذلك الواجِدُ إن أكَلها، أكَلها على مِلكِ صاحبِها، فيَضمَنُها. واحتَجَّ بحديثِ سُليمانَ بنِ بلالٍ في اللُّقَطَةِ: "ولتكُنْ وديعةً عندَك" (١) . قال: وذلك يُوجِبُ ضَمانَها إذا أكَلها.

    قال أبو عمر: في قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "رُدَّ على أخيك ضالَّتَه" من حديثِ عبدِ الله بن عمرِو بن العاص (٢) ، دليلٌ على أنَّ الشاةَ على ملكِ صاحبِها، وذلك يُوجِبُ الضَّمانَ على آكِلِها، وباللّه التوفيق.

  16. وقد (٣) قال مالكٌ وهو الذي لا يرى على أكِلِها في الموضع المَخُوفِ شيئًا: إنّ ربَّها لو أدركَها لحمًا في يد واجِدها، وفي يد الذي تُصدِّق بها عليه وأراد أخْذَ لحمِها كان ذلك له، ولو باعها واجدُها كان لربِّها ثمنُها الذي بِيعَتْ به. وهذا يدلُّ على أنَّها على مِلْك مالِكِها عندَه. فالوجْهُ تضمينُ آكِلِها إن شاء اللهُ لأنه لا فَرْقَ بين أكلِ الشاةِ في الوقت الذي أُبيحَ له أخْذُها وبين أكْل اللُّقَطةِ واستهلاكِها بعدَ الحوْل، لأنّهما قد أُبيحَ لكلِّ واحدٍ منهما أن يفعلَ بها ما شاءَ، ويتصرَّفَ فيها بما أحبَّ، ثم أجمَعُوا على ضمان اللُّقَطةِ لصاحبها إن جاء طالبُها، فكذلكَ الشاةُ.

  17. ومن حُجَّةِ مالكٍ قولُه: "هي لك، أو لأخيك" ؛ لأنَّه يَحتمِلُ أن يُريدَ بذِكرِ الأخ صاحبَها، وَيحتَمِلُ أن يُريدَ: لك أو لغيرِك من الناسِ الواجِدين لها.

  18. وأيّ الوجهينِ كان، فالظاهرُ من قولِه: "أو للذِّئب" . يُوجبُ تلفَها، أي: إنْ لَمْ تَأخُذْها أنت ولا مثلُك، أكَلها الذِّئبُ، وأنتَ ومثلُك أوْلَى من الذِّئب. فكأنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعَلها طُعمةً لِمَن وجَدها. فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجهَ للضَّمانِ في طُعمةٍ أطعَمها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقد شَبَّهَها بعضُ المتأخِّرين مِن أصحابِه بالرِّكازِ. وهذا بعيد، لأنَّ الرِّكازَ لَمْ يصِحَّ عليه مِلكٌ لأحدٍ قبلُ.

    ج ٢ ص ٥٠٢
  19. ويجوزُ أن يُحتَجَّ أيضًا لمالكٍ في تركِ تَضْمينِ آكِلِها بإجماعِهم على إباحةِ أكلِها، واختلافِهم في ضَمانِها، والاختلافُ لا يُوجِبُ فَرضًا لَمْ يكنْ واجِبًا. وهذا الاحتِجاجُ مُخالِفٌ لأصولِ مالكٍ ومذهبِه (١) ، وقد قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" ، ولم يَقُلْ ذلك في الإبلِ ولا في اللُّقَطَةِ، وذلك فرقٌ بيِّنٌ إن شاء اللهُ.

  20. هذا مما يُمكِنُ أن يُحتَجَّ به لمالكٍ في ذلك، وفي المسألةِ نظرٌ، والصحيحُ ما قَدَّمْتُ لك (٢) ، وباللّه التوفيقُ.

  21. وقد قال سُحنونٌ في "المستَخْرجةِ" (٣) : إن أكَل الشاةَ واجِدُها في الفَلاةِ، أو تصدَّقَ بها، ثم جاء صاحبُها، ضَمِنَها. وهو القياسُ (٤) من قولِ مالكٍ، أنَّ مَن أكَل طعامًا قد اضطُرَّ إليه لغيرِه، لَزِمَه قِيمَتُه، والشاةُ أوْلَى بذلك، واللّهُ أعلمُ.

  22. وروَى أشهبُ، عن مالكٍ (٥) ، في الضَّوالِّ من المواشي يَتصَدَّقُ بها المُلْتَقِطُ بعدَ التعريف، ثم يَأتي ربُّها: إنَّه ليس له شيءٌ. قال: وليستِ المواشي مثلَ الدَّنانير.

  23. واختلَف الفقهاءُ أيضًا في النَّفقةِ على الضَّوالِّ واللَّقيط؛ فقال مالكٌ فيما ذكَر ابنُ القاسم عنه (١) : إن أنفَق المُلْتَقِطُ على الدَّوابِّ، والإبل، وغيرِها، فله أن يَرجِعَ على صواحبِها بالنَّفقَةِ، وسواءٌ أنفَق عليها بأمرِ السلطانِ أو بغيرِ أمرِه.

    قال (٢) : وله أن يَحبِسَ بالنفقةِ ما أنفَق عليه، ويكونُ أحقَّ به، كالرهن.

    قال: ويَرجِعُ على (٣) صاحبِ اللُّقَطَةِ بكِراءِ حَملِها.

    ج ٢ ص ٥٠٣
  24. وقال مالكٌ في اللَّقِيطِ إذا أنفَق عليه المُلتَقِطُ، ثم أقام رجلٌ البَيِّنَةَ أنَّه ابنُه: فإنَّ المُلْتَقِطَ يَرجِعُ على الأبِ إن كان طَرَحَه مُتعمِّدًا، وكان موسِرًا، وإن لَمْ يكنْ طَرَحَه ولكن ضَلَّ منه، فلا شيءَ على الأب، والمُلْتَقِطُ مُتطوِّعٌ بالنَّفَقَة (٤) .

    وقال الشافعيُّ فيما روَاه عنه الربيعُ في "البُويطِيِّ" : إذا أنفَقَ على الضَّوَالِّ مَن أخَذها، فهو مُتطوِّعٌ، فإن أراد أن يَرجعَ على صاحبِها، فليَذْهَبْ إلى الحاكم حتى يَفرِضَ له النَّفقَةَ، ويُوكِّلَ غيرَه بأن يَقبِضَ تلك النَّفقَةَ منه، ويُنْفِقَ عليها، ولا يكونُ للسلطان أن يأذنَ له أن يُنفِقَ عليها إلَّا اليومَ واليومَين، فإن جاوز ذلك، أُمِر ببيعها (٥) .

    وقال المزنيُّ عنه (٦) : إذا أمَره الحاكمُ بالنفقةِ كانت دَيْنًا، وما ادَّعَى قُبِل منه إذا كان مثلُه قَصْدًا. قال المُزَنيُّ: لا يُقبَلُ قولُه، وليس كالأمين.

    ج ٢ ص ٥٠٤وقال ابنُ شُبرمةَ (١) : إذا أنفَق على العبد، رجَع على صاحبِه على كُلِّ حالٍ، إلَّا أن يكونَ قد انتفَعَ به وخدَمه، فتكونَ النَّفقَةُ بمنفَعتِه. وقال في المُلتقَط: إن أنفَقَ عليه المُلْتَقِطُ احتسابًا لَمْ يَرجِعْ، وإن كان على غيرِ ذلك احتُسِب بمَنفَعتِه، وأُعطيَ نفقتَه بعدَ ذلك.

    وقال الحسنُ بنُ حَيٍّ: لا يَرجِعُ على صاحبِه من نفقتِه بشيءٍ في الحكم، ويُعجِبُني في الورعِ والأخلاقِ أن يَرُدَّ عليه نَفَقتَه.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢) : إذا أنفَق على اللُّقَطَةِ والآبِقِ بغيرِ أمرِ القاضي، فهو مُتطوِّعٌ، وإن أنفَق بأمرِ القاضي، فهو دَينٌ على صاحبِها إذا جاء، وله أن يحبِسَها بالنفقةِ إذا حضَر صاحِبُها، والنَّفَقَةُ عليها ثلاثةَ أيام ونحوَها حتى يَأمُرَ القاضي ببيع الشاةِ وما أشبَهَها، ويقضيَ النفقةَ، وأمَّا الغلامُ والدَّابَّةُ، فيُكْرِي ويُنفِقُ عليها من الأُجرَة. قالوا: وما أنفَق على اللَّقيطِ فهو مُتطوِّعٌ، إلَّا أن يَأمُرَه الحاكمُ. وقال ابنُ المبارك، عن الثوريِّ: إنْ أنفَق بأمرِ الحاكمِ في الضَّالَّةِ واللَّقيطِ كان دَينًا. وقال اللَّيثُ في اللَّقيطِ: إنَّه يَرجِعُ المُلتَقِطُ بالنَّفقةِ على أبيه إذا ادَّعاه. ولم يُفرِّقْ. وهو معنَى قولِ الأوزاعيِّ؛ لأنَّه قال: كلُّ مَن أنفَق على مَن لا تجبُ له عليه نفقةٌ، رجَع بما أنفَق، والحمدُ للّه، وبه توفيقُنا.

  25. حديثٌ خامسٌ لربيعةَ بنِ عبد الرَّحمنِ مُسنَدٌ صحيح

    مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمن، عن محمَّدِ بنِ يحيى بن حَبَّانَ، عن ابنِ مُحَيْريزٍ، أنَّه قال: دخلْتُ المسجدَ، فرأيْتُ أبا سعيدٍ الخُدْريَّ، فجلَسْتُ إليه، فسألْتُه عن العَزْل، فقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ: خَرَجْنا مع رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوةِ بني المُصْطَلِقِ، فأصَبْنا سَبْيًا مِن سَبْيِ العرب، فاشْتَهيْنا النساءَ، واشتدَّتْ علينا العُزْبةُ، وأحْبَبْنا الفِداءَ، فأردْنا أن نَعْزِلَ، فقلْنا: نَعْزِلُ ورسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينَ أظْهُرِنا قبلَ أن نسألَه؟! فسألناه عن ذلك، فقال: "ما عليكم ألَّا تَفعَلوا، ما من نسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامةِ إلَّا وهي كائنةٌ" .

    ج ٢ ص ٥٠٥
  26. هكذا (٢) جاءَ هذا الحديثُ في "الموطَّأ" (٣) .

    قال أبو عمر: وروايةُ ربيعةَ لهذا الحديثِ عن محمدِ بنِ يحيى بن حَبَّانَ تدخُلُ في بابِ روايةِ النظر عن النظيرِ، والكبيرِ عن الصغير، وفي هذا ما يَدُلُّكَ على ما كان القومُ عليه من البحثِ عن العلم، واستدامةِ طلبِه العُمُرَ كلَّه، عندَ كلِّ مَن طُمِعَ به عندَه.

  27. وقد روَى هذا الحديثَ جُويريةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ مُحيريزٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ. وما أظُنُّ أحدًا روَاه عن مالكٍ بهذا الإسنادِ غيرَ جُويريةَ. ذكَره النسائيُّ (٤) ، عن العباسِ العَنْبَريِّ، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ أسماءَ، عن جُويريةَ، عن مالكٍ.

  28. وكذلك روَاه شُعيبُ (١) بنُ أبي حَمْزةَ، عن الزهريِّ، عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ (٢) .

    ج ٢ ص ٥٠٦
  29. وخالَفَهما إبراهيمُ بنُ سعدٍ (٣) فرواه عن الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد الخُدريّ.

  30. وحديثُ مالكٍ، وشعيبٍ، وعُقيلٍ، هو الصَّوابُ عندَهم. واللّه أعلمُ.

  31. وأمَّا (٤) حديثُ جُوَيْرِيَةَ، فحَدَّثَنَاه خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ أحمدَ بن عبد الله، قال: حَدَّثَنَا يُوسفُ بنُ يعقوبَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن أسماءَ، قال: حَدَّثَنَا جُويريةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ،

    ج ٢ ص ٥٠٧عن ابنِ مُحَيْريزٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أخبَره، أنَّه قال: أصَبْنا سبايَا، فكنَّا نَعْزِلُ، فسألْنا رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال لنا: "وإنَّكم لتَفْعَلون؟ ما من نسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامةِ إلَّا وهي كائنة" (١) .

  32. وأمَّا (٢) حديث عُقيل، فأخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ الأعناقيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عُزيزٍ (٣) ، قال: حَدَّثَنَا سلامةُ، عن عُقيلٍ، قال: سألتُ ابنَ شهابٍ عن الرجلِ يعزِلُ عن امرأتِه، فقال: أخبَرني عبدُ الله بن محَيْريزٍ القرشيُّ، أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ أخبَره قال: بينَما نحن عندَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ قال له رجل: يا رسولَ الله، إنَّا نُصيبُ سبايَا، ونُحبُّ الأثمانَ، فكيف ترَى في العَزْل؟ فقال له رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وإنَّكم لتَفْعَلونَ ذلك؟ لا عليكم ألّا تَفْعَلوا، فإنَّها ليست نَسَمَةٌ كتَب اللهُ لها أن تَخرُجَ إلَّا وهي خارجةٌ" (٤) . فلا نرَى أنَّ هذا كان نَهيًا من رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعَزِيمةً.

  33. وأَمَّا ابنُ مُحيريزٍ هذا: فاسمُه عبدُ الله، نزَل المدينةَ، وهو مَعدودٌ في الشاميِّين، من جِلَّةِ التابعين وخيارِهم (٥) ، روَى عنه مكحولٌ.

  34. وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ أن العربَ تُسْبَى وتُسْتَرَقُّ، وهو أصحُّ حديث يُروَى في هذا المعني، وفيه ردٌّ على مَن قال: إنَّ العربَ لا تُسْتَرَقُّ. وفيه إباحةُ الوَطْءِ بمِلْكِ اليمين، وأنَّ ما وقَع في سَهْم الإنسانِ من الغَنيمةِ مِلكُ يَمينِه، وذلك، والحمدُ للّه، من أطيبِ الكَسْبِ، وهو ممَّا أحلَّه اللهُ لهذه الأمَّةِ، وحرَّمَه على مَن قبلَها. وجوازُ الوطءِ بمِلْكِ اليمينِ مُقيَّدٌ بمعانٍ في الشريعة:

    منها: أنَّه لا يَدخُلُ في ذلك ذواتُ المحارم من النسبِ والرَّضاع.

    ج ٢ ص ٥٠٨
  35. ومنها: ألّا توطأَ من ليست كتابيةً حتى تُسْلِمَ.

  36. ومنها: ألّا تُوطَأَ حامل حتى تَضَعَ، ولا حائِل (١) حتى تَحِيضَ حيضةً.

  37. وأمَّا وَطْءُ نساءِ بني المُصْطَلِقِ، فلا يَخلُو أمرُهُنَّ من أن يَكُنَّ من نساءِ العربِ الذين دانوا بالنصرانيَّةِ أو اليهوديَّةِ، فيَحِلُّ وَطْؤُهُنَّ، أو يَكُنَّ من الوَثنيَّاتِ، فتكونَ إباحةُ وَطْئِهِنَّ منسوخةً بقولِ الله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} ؛ يعني: الوَثَنِيَّاتِ ومَن ليس من أهلِ الكتابِ {حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: ٢٢١] . وعلى هذا جماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ وجمهورُ العلماءِ، وما خالفَه فشذوذٌ لا يُعرَّجُ عليه، ولا يُعَدُّ خِلافًا.

  38. وفيه أنَّ الرجلَ يجوزُ له أن يُخْبِرَ عن نفسِه بما فيه ممَّا لا نَقِيصةَ عليه في دينِه منه، من شهوةِ النِّساءِ للعَفافِ، وحبِّ المالِ للتَّستُّرِ والكَفافِ، والاستغناءِ عن الناسِ، ألا ترَى إلى قولِه: اشتدَّتْ علينا العُزْبةُ، وأحْبَبْنا الفِداءَ؟

  39. وأمَّا قولُه: "فما عليكم" ، فـ "ما" بمعنَى "ليس" ، و "لا" زائِدَ، كقولِه تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: ١٢] . بمعنى: أن تَسْجُدَ. فيكونُ

    ج ٢ ص ٥٠٩تَقديرُ الكلام: قولُه عليه السلام: ما عليكم أنْ تَفْعلوا؛ أي لا حَرَجَ عليكم في العَزْل (١) .

  40. وقولُه: "ما مِن نسَمةٍ كائنةٍ إلى يومِ القيامة" أراد: ما مِن نسَمةٍ قدَّر اللهُ أن تكونَ إلَّا ولا بُدَّ من كونها، فلا يُوجِبُ العَزْلُ منعَ الولدِ، كما لا يُوجبُ الاسْتِرسالُ أن يَأتيَ الولدُ، بل ذلك بيدِهِ تعالى لا إلهَ إلَّا هو.