يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
١٬٢٥٥ فقرة، ج ١٥ ص ٥
الصفحة ٢ من ٣٢
- ج ١٥ ص ٢٤
روى مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْرِ مولى عُمرَ بنِ عبيدِ الله، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، أنه قال: سألتُ عائشة: ما يُوجِبُ الغسلَ؟ فقالت: هل تَدرِي ما مَثلُك يا أبا سَلَمة؟ مثلُ الفَرُّوج يَسمَعُ الدِّيكةَ تَصرُخُ فيَصرُخُ معها، إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسلُ.
قال أبو عُمر: على هذا القول جمهورُ أهل الفتوى بالحجازِ والعراقِ والشام ومصر، وإليه ذهَب مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والليثُ بنُ سَعْد، والأوزاعيُّ، والثوريُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد، والطَّبَريُّ (٢) .
-
واختلَف أصحابُ داودَ (٣) في هذه المسألة؛ فبعضُهم قال بما عليه الفقهاءُ والجمهورُ على ما وصَفْنا من إيجاب الغُسل بمُجاوزةِ الختانِ الختانَ، ومنهم مَن قال: لا غُسْلَ عليه إلا بإنزالِ الماءِ الدافق. وجعل في الإكْسال الوضوء.
- ج ١٥ ص ٢٥
واحْتَج مَن ذَهَب هذا المذهبَ بما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، عن هشام بنِ عُروة، قال: أخبَرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوبَ الأنصاريُّ، قال: أخبرني أُبيُّ بنُ كَعْب أنه قال: يا رسولَ الله، إذا جامَع الرجلُ المرأةَ فلم يُنزِل؟ قال: "يَغْسِلُ ما مسَّ المرأة، ثم يَتوَضَّأُ ويُصَلِّي" (١) .
-
وذكَره البُخاريُّ (٢) ، عن مُسدَّد، بإسنادِه مثلَه سواء.
-
وذكَره عبدُ الرزاق (٣) ، عن ابن جُرَيج، قال: حدَّثني هشامُ بنُ عُروة. بإسنادِه مثلَه حرفًا بحرف.
-
وهذا حديثٌ صحيحٌ من جهةِ الإسناد، إلا أن حديثَ عائشةَ يُعارضُه؛ لأنَّ مثلَها لا يَجهَلُ الحكمَ في هذا المعنى، وأيضًا فإن حديثَ أُبيِّ بنِ كَعْب هو في نفسِه واهٍ، من جهةِ رجوع أبيِّ بنِ كَعْبٍ عن القولِ به وهو الذي رواه، ولو كان عندَه غيرَ منسوخ لَمَا رجَع عنه؛ لأنَّ ما لم يُنْسَخْ من الكتابِ والسُّنة لا يجوزُ تركُه بوجْهٍ من الوُجوه، وقد كان هشامُ بنُ عُروة يقولُ (٤) به.
-
ذكَر عبدُ الرزاق (٥) ، عن مَعْمَر، قال: سمِعتُ هشامَ بنَ عُروةَ يقول: لقد أصَبْتُ فأكسَلْتُ ولم أُنزِلْ، فما اغتَسَلْتُ.
- ج ١٥ ص ٢٦
وذكر عبد الرزاق (١) أيضًا، عن الثوريِّ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، عن أُبيِّ بنِ كَعْب، أنه سَمِعَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا جامَع أحدُكم فأكْسَل فليتوضَّأْ وضوءَه للصلاة" .
قال أبو عُمر: مَن روَى هذا الحديثَ عن أُبيِّ بنِ كَعْب، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لزِمه القولُ به، وعساهُ لم يبلُغْه رُجوعُ أُبيِّ بنِ كَعْب عنه، وأما رجوعُ أُبيِّ بنِ كَعْبٍ عن ذلك:
فروَى مالكٌ في "موطئه" (٢) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبدِ الله بنِ كَعْبِ مولى عثمانَ بنِ عَفان، أن محمودَ بنَ لَبيدٍ الأنصاريَّ سأل زيدَ بنَ ثابتٍ عن الرَّجل يُصيبُ أهلَه ثم يُكسِلُ ولا يُنزِلُ، فقال زيدٌ: يَغتَسِلُ. فقال محمودُ بنُ لَبيد: إن أُبَيَّ بنَ كَعْب كان لا يَرى الغُسلَ. فقال زيدٌ: إن أُبيًّا نزَع عن ذلك قبلَ أن يموت.
-
وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيب قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهاب، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: حدَّثني أُبيُّ بنُ كَعْبٍ أنَّ الفُتْيا التي كانوا يُفتُون بها؛ قولهم: إنّما الماءُ من الماء. رُخْصَةٌ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخَص فيها في أول الإسلام، ثم أمَر بالغُسْلِ بعدُ (٣) .
- ج ١٥ ص ٢٧
فهذا بيِّنٌ في أن الماءَ من الماءِ منسوخٌ بالتقاءِ الخِتانين (١) .
-
وروَى هذا الحديثَ مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ لم يتَجاوَزْه (٢) ، ولم يَسمَع الزهريُّ هذا الحديثَ من سَهْلِ بن سَعْد (٣) .
- ج ١٥ ص ٢٨
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ بَحْر، قال: سمِعتُ موسى بنَ هارونَ يقول: كان الزهريُّ إنما يقولُ في هذا الحديث: "قال سَهْلُ بنُ سَعْد" . ولم يَسمَع الزهريُّ هذا الحديثَ من سَهْلِ بنِ سَعْد، وقد سمِع من سَهْلٍ أحاديث، إلا أنه لم يَسمعْ هذا منه، رواه ابنُ وَهْب، عن عَمْرو بنِ الحارث، عن الزُّهريِّ قال: حدَّثني بعضُ مَن أرْضَى، أن سَهْلَ بنَ سَعْدٍ أخبَره. قال موسى: ولَعَمْري إنْ كان الزُّهريُّ سمِعه من أبي حازم، فإن أبا حازم رضًا، فقد روَى أبو حازم هذا الحديثَ عن سَهْلِ بنِ سَعْد:
قال أبو عُمر: أما روايةُ ابنِ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن الزُّهريِّ في هذه القصة؛ فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال:
ج ١٥ ص ٢٩أخبرني عَمْرُو بنُ الحارث، عن ابنِ شهاب، قال: حدَّثني بعضُ مَن أرْضَى، أن سَهْلَ بنَ سَعْدٍ الساعديَّ أخبَره، أنَّ أُبيَّ بنَ كَعْبٍ أخبَره، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعَل ذلك رُخصةً للناسِ في أول الإسلام، ثم أمَر بالغُسْل، ونَهَى عن ذلك. قال أبو داود: يعني: الماءُ من الماء.
قال أبو داود (١) : وحدَّثنا محمدُ بنُ مِهْران البزّازُ الرازيُّ، قال: حدَّثنا مُبشِّرٌ الحَلَبيُّ، عن محمدٍ أبي غسّان، وهو ابنُ مُطرِّف، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: حدَّثني أُبيُّ بنُ كَعْب، أنَّ الفُتْيا التي كانوا يُفْتُون: الماءُ من الماء. كانت رُخصةً رخَّصها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في بَدْءِ الإسلام، ثم أمَر بالاغتسالِ بعدُ.
ج ١٥ ص ٣٠قال أبو داود (١) : وحدَّثني أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمْرُو بنُ الحارث، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الماءُ مِن الماء" . وكان أبو سَلَمة يَفعلُ ذلك.
-
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، من جهةِ النقل ثابتٌ، ولكنه يحتملُ التأويل؛ لأنَّ قوله: "الماءُ مِن الماء" . ليس فيه ما يَدفعُ: الماءُ من التقاءِ الختانَين؛ لأنَّ مَن أوجَب الغُسلَ من التقاءِ الختانَين يقول: الماءُ من الماء، ومن التقاءِ الختانَين أيضًا، زيادةُ حكم.
-
وقد قيل: معنى "الماءُ من الماء" : في الاحتلام، لا في اليَقظة. وهذا مجتمَع عليه فيمَن رأى أنه يُجامعُ ولم يُنزِل، أنه لا غُسْلَ عليه. وهذا لعَمْري تأويلٌ محتمَلٌ في: "الماءُ مِن الماء" لولا أنّ بعضَهم يَروي حديثَ أُبيِّ بنِ كَعْبٍ وحديثَ أبي سعيدٍ الخُدريِّ بغيرِ هذا اللفظ، وذلك قوله: "إذا جامَع أحدُكم فأكْسَل أو أقْحَط فلا يَغتَسِلْ، ولكن يتوَضَّأ" .
-
ذكَر عبدُ الرزاق (٢) ، عن الثوريِّ، عن الأعمش، عن ذَكْوان، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أُعْجِلَ أحدُكم أو أقْحَط فلا يَغتَسْلْ" .
- ج ١٥ ص ٣١
ورواه شُعبة، عن الحكم، عن ذَكْوانَ أبي صالح، عن أبي سعيد، مثلَه (١) .
-
وهذا يَحتملُ أن يكونَ أُعجِل فلم يَبلغْ مجاوزِةِ الخِتانِ الخِتانَ، إلا أنه قد رُوِيَ عن عثمان، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ما:
حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، عن شَيْبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، أن عطاءَ بنَ يَسارٍ أخبَره، أنَّ زيدَ بنَ خالدٍ الجُهَنيَّ أخبَره، أنه سأل عثمانَ بنَ عفان، قال: قلت: أرأيتَ إذا جامَع الرَّجلُ امرأتَه ولم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتَوضَّأ كما يتوَضَّأ للصلاة، وَيغسِلُ ذَكرَه، سمِعتُه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: وسأل عن ذلك عليًّا، والزُّبير، وطلحة، وأُبيَّ بنَ كَعْب، فأمَروه بذلك.
-
وذكَره البخاريُّ (٤) ، عن سَعْدِ بنِ حَفْص خالِ النّفيليِّ، عن شيبان، بإسنادِه مثلَه سواءً إلى آخرِه.
-
ورواه حسينٌ المعلِّمُ كما رواه شيبانُ عن يحيى سواء (٥) .
- ج ١٥ ص ٣٢
وهو حديثٌ انفَرد به يحيى بنُ أبي كثير، وقد جاء عن عثمان، وعليٍّ، وأبيِّ بنِ كَعْب، ما يَدفَعُه من نقلِ الثقاتِ الأثباتِ ويُعارِضُه، وقد دفَعه جماعةٌ منهم أحمدُ بنُ حنبل وغيرُه، وقال عليُّ بنُ المَدينيِّ: هو حديثٌ شاذٌ، وقد أفتَى عثمانُ وعليٌّ وأُبيٌّ بخلافِه.
قال يعقوبُ بنُ شيبة: سمِعتُ عليَّ بنَ المَدينيِّ، وذكَر حديثَ يحيى بنِ أبي كثير هذا فقال: إسنادُه جيدٌ، ولكنه حديثٌ شاذٌّ. قال: وقد رُوِيَ عن عثمان، وعليٍّ، وأبيِّ بنِ كَعْب، أنهم أفْتَوا بخلافِه.
قال يعقوبُ بنُ شيبة: هو حديثٌ منسوخ، كان في أولِ الإسلام، ثم جاء بعدُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه أمَر بالغُسل من مسِّ الختانِ الختانَ، أنزَل أم لم يُنزِل (١) .
ج ١٥ ص ٣٣قال أبو عُمر: روَى مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن عُمرَ بنَ الخطاب، وعثمانَ بنَ عفان، وعائشةَ زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كانوا يقولون: إذا مسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغسلُ. وهذا هو الصحيحُ عن عثمانَ من نقلِ الثقاتِ الأئمةِ الحُفّاظ.
- ج ١٥ ص ٣٤
وذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، قال: كان عُمرُ، وعثمانُ، وعائشةُ، والمهاجرون الأوَّلون، يقولون: إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغُسْل.
-
وعلى أن لفظَ حديثِ عُثمانَ المرفوع ليس فيه تصريحٌ لمجاوزةِ الختانِ الختانَ، وهو محتمِلٌ للتأويل الذي ذكَرْناه في حديثِ أبي سعيد.
وقال الأثرم: قلت لأحمدَ بنِ حنبل: حديثُ حسينٍ المعلِّم، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن زيدِ بنِ خالدٍ قال: سألتُ خمسةً من أصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ عثمانَ بنَ عفان، وعليَّ بنَ أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأبيَّ بنَ كَعْب، قالوا: الماءُ من الماء. فيه علةٌ تَدْفَعُه بها؟ قال: نعم، بما يُروَى عنهم من خلافِه. قلت: عن عثمان، وعليٍّ، وأبيِّ بنِ كَعْب؟ قال: نعم.
وقال أحمدُ بنُ حنبل: الذي أرَى، إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسْل. قيل له: قد كنتَ تقولُ غيرَ هذا؟ فقال: ما أعلَمُني قلتُ غيرَ هذا قطُّ. قيل له: قد بلَغَنا ذلك عنك (٢) ، قال: اللهُ المستعانُ.
قال أبو عُمر: قد تُكُلِّم في حديثِ أبي سَلَمةَ للاختلافِ عنه فيه؛ لأنَّ ابنَ شهابٍ يَرويه عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيد، ويحيى بنَ أبي كثير يَرْويه عن أبي سَلَمة، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن زيدِ بنِ خالد، عن عثمان. ومن أهل الحديثِ مَن جعلَهما حديثَين وصحَّحهما، وهو الصواب (٣) ؛ لأنّ حديثَ أبي سعيد رُوِيَ من وجوءه عن أبي سعيد، فهو غيرُ حديثِ عثمانَ بلا شكٍّ، واللّهُ الموفِّق للصواب.
- ج ١٥ ص ٣٥
وأما الرِّواياتُ عن الصحابةِ ومَن بعدَهم في هذا الباب؛ فمنها ما ذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن الثوريِّ، عن جابر، عن الشعبيِّ، قال: حدَّثني الحارثُ، عن عليٍّ، وعَلْقمةُ، عن عبدِ الله بنِ مسعود، ومَسْروقٌ، عن عائشة، قالوا: إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسْلُ. قال مسروقٌ: وكانت أعلمَهم بذلك. يعني عائشة.
-
وعن مَعْمَر، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عَقيل، أن عليًّا قال: كما يجبُ منه الحدُّ، كذلك يَجبُ منه الغُسْلُ (٢) .
-
وعن محمّدِ بنِ مُسلم، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن أبي جعفر، أن عليًّا وأبا بكرٍ وعُمرَ قالوا: ما أوجَب الحدَّيْن؛ الرجمَ والجَلْد، أوجَب الغُسْل (٣) .
-
وعن عليٍّ وشريح قالا: أيُوجِبُ الحدَّ ولا يُوجِبُ قَدَحًا من ماءٍ (٤) ؟!
-
وعن ابنِ جُرَيج وعبدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: إذا جاوَز الختانُ الختانَ وجَب الغُسْل (٥) .
-
وعن الثوريِّ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمة، أنَّ ابنَ مسعودٍ سُئِل عن ذلك فقال: إذا بلَغْتُ ذلك اغتسَلْتُ. قال سُفيان: والجماعةُ على الغُسْل (٦) .
قال أبو عُمر: ذكَر ابنُ خُوَيْزمَنْدادَ أن إجماعَ الصحابةِ انعَقَد على إيجابِ الغُسلِ من التقاءِ الختانين. وليس ذلك عندَنا كذلك، ولكنا نقول: إن الاختلافَ في هذا ضعيفٌ، وأن الجمهورَ الذين هم الحُجّةُ على مَن خالَفهم من السلفِ والخلفِ انعَقَد إجماعُهم على إيجاب الغُسْل من التقاءِ الختانين ومجاوزَةِ الختانِ الختانَ، وهو
ج ١٥ ص ٣٦الحقُّ إن شاء الله، وكيف يجوزُ القولُ بإجماع الصحابةِ في شيء من هذه المسألة مع ما ذكَرْناه في هذا الباب، ومع ما ذكَره عبدُ الرزاق (١) ، عن ابنِ عُيَينة، عن زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن زيدِ بنِ خالد، قال: سمِعتُ خمسةً من المهاجرين لا آلُو، منهم عليُّ بنُ أبي طالب، فكلُّهم قال: الماءُ مِن الماء.
قال عبدُ الرزاق (٢) : وأخبرَنا ابنُ مجاهد، عن أبيه، قال: اختلَف المهاجرون والأنصارُ فيما يُوجبُ الغُسْل؛ فقالت الأنصار: الماءُ من الماء. وقال المهاجرون: إذا مسَّ الختانُ الختانَ وَجَبَ الغُسْل. فحكَّموا بينَهم عليَّ بنَ أبي طالب واختَصَموا إليه، فقال عليٌّ: أرأيتُم لو رأيتُم رجلًا يُدخِلُ ويُخرِجُ، أيجِبُ عليه الحدُّ؟ قالوا: نعم. قال: فيُوجِبُ الحدَّ، ولا يُوجِبُ صاعًا من ماء؟! فقضى للمهاجرين، فبلَغ ذلك عائشةَ فقالت: ربما فعَلْنا ذلك أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقُمْنا واغتسَلْنا.
قال (٣) : وأخبرنا ابنُ عُيينة، عن عَمْرِو بنِ دينار، قال: أخبَرني إسماعيلُ الشَّيبانيُّ عن امرأةِ رافع بنِ خَديج، أنَّ رافعَ بنَ خديج (٤) كان لا يَغتَسِلُ إلا إذا أنزَل الماء. وكان إسماعيلُ قد خلَف على امرأةِ رافع.
ج ١٥ ص ٣٧قال (١) : وأخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني عَمْرُو بنُ دينار، عن عُبيد الله بنِ أبي عياض، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ أنه قال: الماءُ مِن الماء.
قال (٢) : وأخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: قال لي عطاءٌ: سمِعتُ ابنَ عباس يقول: الماءُ مِن الماء.
قال: وأخبَرنا ابنُ عُيَينة، عن عَمْرو، عن عطاء، عن ابنِ مسعود، مثلَه.
قال أبو عُمر: عطاءٌ لم يَسمعْ من ابنِ مسعود، وقد قدَّمْنا بإسنادٍ صحيح عن ابنِ مسعودٍ خلافَ هذا (٣) .
-
وأما أصحابُ داودَ فاختلَفوا في هذه المسألة؛ فطائفةٌ منهم قالت بما عليه جمهورُ الفقهاءِ من إيجاب الغُسْل إذا التَقَى الخِتانان، ومنهم مَن أبي ذلك وقال: لا غُسْلَ إلا بالإنزال. وهو المشهورُ عن داود (٤) . واحتجَّ مَن ذهَب مذهبَه في ذلك بأن الحديثَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر: "الماءُ مِن الماء" . أثبتُ من جهةِ النقل؛ رواه أُبيُّ بنُ كَعْب، وعثمانُ بنُ عفان، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وغيرُهم، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال في الإكسال الوُضوء، وفي الإنزال الغُسْل (٥) .
قالوا: وعلى ذلك جماعةُ الأنصارِ وجمهورُهم، ومن المهاجرين: عليٌّ وابنُ عباس، وعثمان، وغيرُهم. وضعَّفوا حديثَ عليٍّ في إيجاب الغُسْلِ من التقاءِ الختانين؛ لأنه يَدورُ على جابرٍ الجُعفيِّ والحارثِ الأعور، وهما ضعيفان.
ج ١٥ ص ٣٨وقالوا: حديثُ عثمانَ المُسندُ أولى بالمصير إليه مما رُوِى عنه في ذلك؛ لأنَّ الحديثَ عليه حجةٌ، وليس هو على الحديثِ حجةً، وإنما يسُوغُ ما ذهَب إليه راوي الحديث إذا لم يَدْفَعْه، فأما إذا دفَعَه فالحُجّة في المسنَد. ولهم في هذا المعنى كلامٌ يطولُ تركْتُه.
قالوا: ورجوعُ أبيٍّ بن كَعْبٍ عن ذلك لا يَصحُ؛ لأنَّ خبرَ زيدِ بنِ ثابتٍ وأبيٍّ في ذلك يدورُ على عبدِ الله بنِ كَعْب، ولم يَصحَّ له سماعٌ من زيدِ بنِ ثابت، وإنما يَروي عن خارجةَ بنِ زيد، وهو أيضًا غيرُ مشهور بنقلِ العلم، وخبرُ ابن شهاب في ذلك لم يَسمَعْه من سَهْلِ بنِ سَعْد، ولا يُدرَى مَن بينَهما على صحة (١) .
قالوا: وأقلُّ أحوالِ هذه المسألة أن تَتكافأ فيها الحُججُ، فتتعارَضَ فيها الآثارُ، فيُرجَعُ حينئذٍ إلى ظاهرِ كتاب الله، وليس في كتاب الله إيجابُ الغُسْل إلا على مَن كان جُنبًا، ولا جُنبَ إلا الذي يُنزِلُ الماءَ الدافق.
قالوا: ووجهٌ آخر، أن الفرائضَ لا تجبُ إلا بيقين، ولا يقينَ في هذه المسألةِ إلا على قولِ مَن لم يُوجِبِ الغُسْل إلا بإنزالِ الماء، وهو الاتفاقُ الذي يُقطَعُ عليه ويُستَيْقَن، وباللّه التوفيق.
قال أبو عُمر: لا مَدخلَ عندَ أولي الألباب من العلماءِ للنظرِ عندَ ثبوتِ الأثر، وما ادَّعاه هؤلاء من ثبوتِ حديث: "الماءُ مِن الماء" . فقد مضَى الجوابُ عن ذلك، وعلّةُ حديثِ أُبيٍّ بيِّنة؛ لرُجوعِه عن الفُتْيا به، ومعلومٌ أنه لا يجوزُ أن يدعَ الناسخَ ويأخذَ المنسوخ، ولا حُجّة في حديثِ أبي أيوب؛ لأنه إنما يَرْويه عن أُبيِّ بنِ كَعْب، وحديثُ أبي سعيدٍ وغيرِه يحتمِلُ أن يكونَ أكْسَل ولم يُجاوِز الختانُ الختانَ، فهذا فيه الوضوءُ؛ للمُلامسةِ والمباشرة، ولا يَصِحُّ عن المهاجرين ما ذُكِرَ،
ج ١٥ ص ٣٩بل الصَّحيحُ عنهم غيرُ ما وُصِفَ، على ما تقدَّم عنهم في هذا الباب، وحديثُ عثمانَ المرفوعُ لا يَصحُّ؛ لأنه لو صحَّ عن عثمانَ وعندَه، ما خالَف، وقد كان يُفْتي بخلافِه، وكلُّ خبرٍ مَرويٍّ في: "الماءُ مِن الماء" . محتملٌ للتأويل على ما وصَفْنا في هذا الباب. وخبرُ ابنِ شهابٍ عن سَهْلٍ صحيحٌ عندَنا؛ لروايةِ أبي حازم له، وموضعُ ابنِ شهاب مَوضِعُه، وعبدُ الله بنُ كَعْب معروف؛ روَى عنه يحيى بنُ سعيد، ومحمدُ بنُ إسحاق، وغيرُهما، وقد مضَى القولُ في هذه المعاني مبسوطًا لمن تدبَّرها.
-
وأمّا ما رجَّحوه من الاحتياطِ في تركِ إيجابِ الفَرْضِ إلا بيقين، فإنه يَدخُلُ عليهم أنّ الصلاةَ لا تَجبُ أن تُؤدَّى إلا بطهارةٍ مجتمع عليها، وقد أجمعْنا على أن المُجامعَ إذا أكْسَل ولم يُنزِلْ فقد وجَبَت عليه طهارةٌ، وصار في حالةٍ لا يدخُلُ معها في الصلاةِ حتى يَطهُر، وأجمَعوا أنّ الغُسلَ طهارةٌ له إن فعلَه، ولم يُجمِعوا على أن الوُضوءَ طهارةٌ له، فالواجبُ على الاحتياطِ القولُ بالغُسل إن شاء الله، والأحوطُ الصحيحُ في هذا ما جاء عن عائشةَ مرفوعًا وموقوفًا، وعلى حديثِها المدارُ في هذا الباب، وحديثُ أبي هُريرةَ مثلُه (١) ، ولا يَصِحُّ فيه دعوى إجماع الصحابة، وقد يَقرُبُ فيه دعوى إجماع مَن دونهم، إلا مَن شذَّ ممّن لا يُعَدُّ خلافًا عليهم ويلزَمُه الرُّجوعُ إليهم، والقولُ بأنْ لا غُسْلَ من التقاءِ الختانين شُذوذٌ، وهو عندَ جمهورِ الفقهاءِ مهجورٌ مرغوبٌ عنه مَعيبٌ، والجماعةُ على الغُسْل، وباللّه التوفيق.
- ج ١٥ ص ٤٠
حديثٌ ثالثٌ ليَحيى بنِ سَعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رجُلًا من أسْلَمَ جاء إلى أبي بكرٍ الصديق، فقال له: إنَّ الآخِرَ (٢) زنَى. فقال له أبو بكر: هل ذكَرتَ ذلك لأحدٍ غيري؟ فقال: لا. فقال له أبو بكر: فتُبْ إلى الله، واستَترْ بسِتْرِ الله، فإنّ الله يقبلُ التوبةَ عن عِبادِه. فلم تُقرِرْه نفسُه حتى أتى عُمرَ بنَ الخطاب، فقال له عُمرُ مثلَ الذي قال له أبو بكر، فلم تُقْرِرْه نفسُه حتى جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: إن الأخِر زَنَى. فقال سعيد: فأعْرَض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثَ مرات (٣) ، كلّ ذلك يُعرضُ عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا أكثَر عليه بعَث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهلِه، فقال: "أيَشْتَكي؟ أبه جِنَّة؟ " . فقالوا: يا رسولَ الله، واللّه إنه لَصحيح. فقال: "أبِكرٌ أم ثيّبٌ؟ " فقالوا: بل ثَيّبٌ يا رسولَ الله. فأمَر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرُجِم.
-
هذا الحديثُ مرسلٌ عندَ جماعةِ الرُّواة عن مالك (٤) ، وقد تابَعه على إرسالِه طائفةٌ من أصحاب يحيى بن سعيد.
- وروَى هذا الحديثَ الزُّهريُّ، فاختُلف عليه:
-
فرواه يونس، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة، عن جابر، أنَّ رجلًا من أسلمَ أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، الحديثَ (٥) .
- ج ١٥ ص ٤١
ورواه شُعيبُ (١) بنُ أبي حمزة (٢) وعُقيلُ بنُ خالد (٣) ، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمةَ وسعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة. قال شُعيبٌ: أتى رجلٌ من أسلَمَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. وقال عُقَيلٌ: أتى رجلٌ من المُسلمين رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. بمعنى واحد، وألفاظٍ مختلفة، ولم تَختلِفْ ألفاظُهم في أنه ماعزٌ الأسلَميُّ، وأنه ردَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعَ مرات.
-
وروَى هذا الحديثَ مالكٌ (٤) ، عن ابنِ شهاب مرسلًا، وقد ذكَرناه في مراسيل (٥) ابنِ شهاب، وذكَرْنا هناك الآثارَ المرويةَ في هذا الباب، وكثيرًا من الأحكام التي تُوجبُها ألفاظُها، والحمدُ للّه.
-
وفي هذا الحديثِ من الفقه: أن السِّترَ أوْلى بالمُسلم على نفسه - إذا واقَع حدًّا من الحدود - من الاعتراف به عندَ السلطان، وذلك مع اعتقادِ التوبةِ والنَّدَم على الذَّنْب، وتكونُ نيَّتُه ومعتَقدُه ألّا يعود، فهذا أوْلى به من الاعتراف، فإن الله يقبَلُ التوبةَ عن عبادِه، ويُحبُّ التوابين، وهذا فعلُ أهل العَقْلِ والدِّين؛ النّدَمُ والتوبةُ، واعتقادُ أن لا عودةَ، ألا تَرى إلى قوله: "أيَشْتَكي؟ أبِه جِنّةٌ؟ " .
-
وروَى يزيدُ بنُ هارون، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنّ ماعزَ بنَ مالكٍ الأسلميَّ أتى إلى أبي بكر، فأخبَره أنه زَنَى، فقال له أبو بكر: هل ذكَرتَ ذلك لأحدٍ قبلي؟ فقال: لا. فقال له أبو بكر: استَتِرْ بسِتْرِ الله، وتُبْ إلى الله؛ فإن الناسَ يُعَيِّرونَ ولا يُغَيِّرونَ، وإنّ اللهَ يَقبَلُ التوبةَ عن عبادِه (٦) .
- ج ١٥ ص ٤٢
وأما إعراضُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه، ففيه مذاهبُ لأهلِ العلم؛ منهم مَن زعَم أن ذلك كان لأنَّ الإقرارَ لا بدّ أن يكونَ أربعَ مرات، كالشهادات على الزِّنى، وكان إعراضُه لئلّا يَتمَّ الإقرارُ الموجبُ للحدِّ، محبّةٌ في السّتر، فلمّا تمَّ الإقرارُ على حُكمِه أمَر بالرَّجْم.
-
ومنهم مَن قال: مرةٌ واحدةٌ تُجزئ. وقد ذكَرْنا مذاهبَهم والآثارَ التي منها نزَع وفرَّع كلُّ فريق منهم قولَه في بابِ مُرسلِ ابنِ شهاب من هذا الكتاب (١) .