يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
١٬٢٥٥ فقرة، ج ١٥ ص ٥
الصفحة ١٨ من ٣٢
- ج ١٥ ص ٢٩٦
وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفقه: أن الصائدَ إذا أثبَت الصيدَ برُمْحِه أو نَبْلِه، فقد ملَكه بذلك، إذا كان الصيدُ لا يمتنعُ من أجل ذلك الفعل؛ لقولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يُوشكُ أن يأتيَ صاحبُه" .
-
وقد استدلَّ قومٌ بهذا الحديثِ أيضًا على جوازِ هِبَةِ المشاع؛ لقول البهزيِّ للجماعة: شأنكُم بهذا الحمار. ثم قسَمه أبو بكرٍ بينهم بأمرِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.
- ج ١٥ ص ٢٩٧
وفيه من الفقه: جوازُ أكلِ الصيدِ إذا غاب عنه صاحبُه أو بات عنه، وإذا عرَف أنها رميَّتُه، وليس في حديثِ مالكٍ ما يدُلُّ على أن ذلك الظبْيَ كان قد غابَ عن صاحبِه ليلةً، وذلك في حديثِ حَمّادِ بنِ زيد؛ لقولِه فيه: "أصبتُ هذا بالأمس" .
-
وقد اختلَف الفقهاءُ في هذا المعنى؛ فقال مالك (١) : إذا أدرَكه الصائدُ من يومِه أكَله، في الكَلْبِ والسَّهم جميعًا، وإن كان ميِّتًا، إذا كان فيه أثرُ جرحِه، وإن كان قد بات عنه لم يأكُلْه.
وقال الثوريُّ (٢) : إذا غابَ عنه يومًا وليلةً كرِهتُ أكلَه.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه (٣) : إذا توارَى عنه الصيدُ وهو في طَلَبِه فوجَده وقد قتَله، جاز أكلُه، وإن ترَك الطلبَ واشتغَل بعملٍ غيرِه ثم ذهَب في طلبِه فوجَده مقتولًا والكلبُ عندَه، كرِهنا أكلَه.
وقال الأوزاعيُّ (٤) : إذا وجَده من الغدِ ميِّتًا ووجَد فيه سهمًا أو أثرًا فليأكُلْه.
وقال الشافعيُّ (٥) : القياسُ ألا يأكلَه إذا غابَ عنه. ورُوِي عن ابن عباس: كُلْ ما أصْمَيْتَ، ودع ما أنميتَ (٦) . يريد: كُلْ ما عاينتَ صيدَه وموتَه من سلاحِك أو كلبِك، ودع ما غابَ عنك.
-
وفي حديث أبي رَزِين، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه كَرِه أكْلَ ما غاب عنك مصرعُه
ج ١٥ ص ٢٩٨من الصيد (١) . وهو حديثٌ مرسلٌ؛ لأنه ليس بأبي رَزِينٍ العُقَيليِّ، وإنما هو أبو رَزِينٍ مولى أبي وائل؛ رواه عنه موسى بنُ أبي عائشة، من حديثِ الثوريِّ وغيرِه (٢) .
-
وروَى أبو ثعلبةَ الخُشَنيُّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الذي يُدرِكُ صيدَه بعدَ ثلاث: "يأكُلُه ما لم يُنتِنْ" (٣) .
-
وفي حديثِ عديٍّ بنِ حاتم أنه سأل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصيدِ يغيبُ عن صاحبه الليلةَ والليلتين، فقال: "إذا وجَدتَ فيه سهمَك، ولم تجدْ أثرَ سَبُع، وعلِمتَ أن سهمَك قتلَه، فكُلْ" (٤) .
-
وفي حديثِ هذا الباب ردّ لقولِ أبي حنيفةَ وأصحابه في اشتراطِهم التراخيَ في الطَّلب؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يقلْ للبهزيِّ: هل تراخَيْتَ في طلَبه. وأباح أكله لأصحابه المُحْرِمين، ولم يسأله عن ذلك.
- ج ١٥ ص ٢٩٩
حديثٌ ثامنٌ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميِّ، أنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: كنتُ نائمةً إلى جَنبِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، ففقَدْتُه من الليل، فلمَستُه بيدي، فوضَعتُ يَدي على قدمَيْه وهو ساجدٌ يقول: "أعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وبمُعافاتِكَ من عُقوبتِكَ، وبكَ منكَ، لا أُحْصِي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنَيْتَ على نفسِكَ" .
-
هذا حديثٌ مرسلٌ في "الموطأ" (٢) عندَ جماعةِ الرواة، لم يختلفوا عن مالكٍ في ذلك (٣) ، وهو يستنِدُ من حديثِ الأعرج، عن أبي هُريرة، عن عائشةَ، ومن حديثِ عُروة، عن عائشةَ، من طرقٍ صحاحٍ ثابتة:
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ (٤) قراءةً مني عليه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل الدِّينَوَريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير الطبريُّ، قال: حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيم البَرْقيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثني عُمارةُ بنُ غَزِيّة، قال: سمِعتُ أبا النَّضْرِ يقول: سمِعتُ عُروةَ بنَ الزبيرِ يقول: قالت عائشةُ زوجُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: فقَدتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان معي على فراشي، فوجَدتُه ساجدًا راصًّا عَقِبَيْه، مُستقبِلًا بأطرافِ أصابعِه القِبْلة، فسمِعتُه يقول:
ج ١٥ ص ٣٠٠"أعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وبعفوِكَ من عُقوبتِكَ، وبكَ منكَ، أُثني عليك، لا أبلُغُ كلَّ ما فيك" . قالت: فلمّا انصرَف قال: "يا عائشةُ، أخَذكِ شيطانُك؟ " . فقلت: أما لكَ شيطانٌ؟ قال: "ما من آدميٍّ إلا له شيطانٌ" . فقلت: يا رسولَ الله، وأنتَ؟ قال: "وأنا، ولكنِّي دعوتُ اللهَ فأعانَني عليه فأسلَمَ" (١) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنِ أبي شيبة، قال (٢) : وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى المقرئ، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ إبراهيمَ المقرئُ ببغداد، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ إسماعيلَ
ج ١٥ ص ٣٠١المَحامليُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ شُعيب. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم الحافظُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان بنِ السكنِ الحافظُ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا يعقوبُ الدَّورَقيُّ، وعليُّ بنُ شُعيب، ومحمدُ بنُ عثمانَ بنِ كرامة، قالوا: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عُمر، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عبدِ الرحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرة، عن عائشة، قالت: فقدتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ ليلةٍ من الفراش، فالتمَستُه في البيت، وجعَلتُ أطلبُه بيدي، فوقَعت يدي على قدَمَيْه وهما منتصِبَتان - وفي حديث قاسم: منصوبتان- وهو ساجدٌ، فسمِعتُه يقول: "أعوذُ برضاك من سَخَطِك، وبمعافاتِك من عقوبتِك، وأعوذُ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسِك" . ولفظُهم متقاربٌ، والمعنى سواءٌ.
-
وفي هذا الحديثِ، والله أعلم، دليلٌ على أنّ اللَّمْسَ باليدِ لا ينقُضُ الطهارةَ إذا كان لغيرِ شهوة، واللهُ أعلم، وفي ذلك نظرٌ؛ لأنَّ من العلماءِ مَن لا يَنقُضُ الطهارةَ بمُلامَسةِ اليدِ على كلِّ (١) حال، ومنهم مَن يَنقُضُها بمُلامسةِ اليدِ على كلّ حال، وقد بيَّنَّا مسألةَ المُلامَسة، وما للعلماءِ فيها من المذاهب، وما بينَهم في ذلك من التنازُع، وما احتجَّ به كلُّ فريقٍ منهم لمذهبِه، ومهَّدنا ذلك وأوضحناه في باب أبي النَّضْر من كتابنا هذا (٢) ، والحمدُ لله.
-
وروينا عن مالك أنه قال في قوله في هذا الحديث: "لا أُحصي ثناءً عليك" . يقول: وإن اجتهدتُ في الثناءِ عليكَ، فلن أُحصِيَ نعمَكَ وثناءَكَ وإحسانَكَ.
قال أبو عُمر: في قوله: "أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك" . دليلٌ على أنه لا يبلُغُ وصفَه، وأنه لا يوصَفُ إلا بما وصَفَ به نفسَه تبارك اسمُه، وتعالى جدُّه، ولا إلهَ غيرُه.
- ج ١٥ ص ٣٠٢
وقد رُوِيَ عن يحيى بنِ سعيدٍ من حديثِ عائشةَ حديثٌ يوافقُ حديثَ هذا الباب في بعض معانيه، وهو عندي حديثٌ آخَرُ، واللهُ أعلم.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيد، عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادة، أنَّ عائشةَ ذكَرت أنها فقَدت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ ليلة، فأتتْه فإذا هو في المسجد، فأدخَلَتْ يدَها في شَعَرِه وانصرَفتْ، فقال: "ما شأنُكِ؟ أقد جاءَك شيطانُكِ؟ " . قلت: أوَ ما لَكَ شيطانٌ؟ قال: "بلى، ولكنَّ اللهَ أعانَني عليه فأسلَمَ" (٢) .
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا عبدُ الوَهّاب، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيد يقول: أخبرني عُبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ أنَّه بلَغه أنَّ عائشةَ كانت نائمةً عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ففقَدتْه من الليل، فسمِعت صوتَه وهو يصلِّي، قالت: فقُمتُ إليه فأدخلتُ يَدي في شعرِه فمَسَستُه؛ أبه بللٌ، ثم رجَعتُ إلى فراشي، ثم إنه سلَّمَ، فقال: "أجاءَكِ شيطانُك؟ " . فقلت: أما لك شيطانٌ؟ قال: "بلى، ولكن اللهَ أعانَني عليه فأسلَمَ" (٣) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤) ،
ج ١٥ ص ٣٠٣قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن حَمّادِ بنِ سَلَمة، عن هشام بنِ عَمْرو، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن عليٍّ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يقولُ في آخر وترِه: "اللهم إني أعوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ، وأعوذُ بمعافاتِكَ من عُقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ، لا أُحصِي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ" .
- ج ١٥ ص ٣٠٤
حديث تاسعٌ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمْرة، أنه قال: جاء عُثمانُ بنُ عفانَ إلى صلاةِ العشاء، فرأى أهلَ المسجدِ قليلًا، فاضطجَع في مؤخَّرِ المسجدِ ينتظِرُ الناسَ أن يكثُروا، فأتاه ابنُ أبي عَمْرةَ فجلَس إليه، فسأله مَن هو؟ فأخبَره، فقال له: ما معكَ من القرآن؟ فأخبَره، فقال عثمان: مَن شَهِد العشاءَ فكأنّما قامَ نصفَ ليلة، ومن شَهِد الصُّبحَ فكأنّما قامَ ليلةً.
-
وهذا أيضًا لا يكونُ مثلُه رأيًا، ولا يُدرَكُ مثلُ هذا بالرأي، وقد رُوِيَ مرفوعًا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
ورواه ابنُ جُريج، عن يحيى بنِ سعيد، قال: أخبَرني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميُّ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي عَمْرة قال: خرَج عثمانُ إلى العشاءِ الآخرة. فذكَر مثلَ حديثِ مالكٍ سواءً إلى آخرِه بلفظِه ومعناه موقوفًا لم يرفعْهُ؛ ذكَره عبدُ الرزاق (٢) ، عن ابنِ جريج. وكذلك رواه عن يحيى بنِ سعيدٍ موقوفًا كما رواه مالكٌ وابنُ جريج: يزيدُ بنُ هارون، وعبدُ الوهّاب الثقفيُّ (٣) .
-
ورواه عثمانُ بنُ حكيم بنِ عبادِ بنِ حُنَيف -وهو عندَهم ثقةٌ لا بأسَ به، وليس كيحيى بنِ سعيدٍ في الإتقانِ والجلالة- عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن ابنِ أبي عَمْرةَ، عن عثمانَ مرفوعًا.
-
رواه عن عثمانَ بنِ حكيم: سُفيانُ الثوريُّ، وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ العبديُّ (٤) :
ج ١٥ ص ٣٠٥ذكَره عبدُ الرزاق (١) ، عن الثوريِّ، عن عُثمانَ بنِ حكيم، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي عَمْرةَ، عن عثمانَ بنِ عفان، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن صلَّى العشاءَ في جماعةٍ فهو كنصفِ قيام ليلة، ومَن صلَّى العشاءَ والصُّبحَ في جماعةٍ فهو كقيام ليلة" .
-
وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤) : حدَّثنا إسحاقُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي سهيل، يعني عثمانَ بنَ حكيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي عَمْرة، عن عُثمانَ بنِ عفان، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن صلَّى العشاءَ في جماعةٍ كان كقيام نصفِ ليلةٍ، ومَن صلَّى العشاءَ والفجرَ في جماعةٍ كان كقيام ليلةٍ" . هكذا في حديثِ عثمانَ بنِ حكيم هذا المرفوع: "من صلَّى العشاءَ والفجرَ في جماعةٍ فكأنما قام ليلةً" .
- ج ١٥ ص ٣٠٦
وفي حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ من قولِ عثمانَ رضي الله عنه: مَن شَهِد الصبحَ في جماعةٍ فكأنما قام ليلةً. لم يذكُرْ معها العشاءَ، وكذلك في حديثِ الشِّفاء، عن عُمرَ بنِ الخطاب من قوله.
-
ذكَره مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن أبي بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمة، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب فقد سُليمانَ بنَ أبي حثمةَ في صلاةِ الصُّبح، وأنَّ عُمرَ غدَا إلى السُّوق، ومسْكَنُ سُليمانَ بين المسجدِ والسُّوق، فمرَّ على الشِّفاءِ أمِّ سُليمان، فقال: لم أرَ سُليمانَ في الصُّبح. فقالت: إنه بات يصلِّي فغلَبتْهُ عيناهُ. فقال عُمر: لَأنْ أشهدَ صلاةَ الصُّبح أحبُّ إليَّ من أن أقومَ ليلةً.
-
هكذا رواه مالكٌ، وخالفه معمرٌ في إسنادِه، والقولُ في ذلك قولُ مالك، واللهُ أعلم.
-
ورواه أبو حفصٍ الأبارُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ مرفوعًا، إلا أنه جعَل في موضع العشاءِ الصُّبحَ، وفي موضع الصُّبح العشاءَ.
-
حدَّثناه أحمدُ بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الصيرفيُّ، قال: حدَّثنا أبو الربيع الزهرانيُّ، عن عُمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ الأبّار، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمْرة، عن عُثمانَ بنِ عفان، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةُ العشاءِ في جماعةٍ تعْدِلُ قيامَ ليلة، وصلاةُ الصُّبح في جماعةٍ تعدلُ قيامَ نصفِ ليلة" (٣) .
- ج ١٥ ص ٣٠٧
ذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن سُليمانَ بنِ أبي حَثْمة، عن الشِّفاءِ ابنةِ عبدِ الله، قالت: دخَل عليَّ بيتي عُمرُ بنُ الخطاب، فوجَدَ عندي رجُلَيْن نائمَيْن، فقال: ما شأنُ هذَين؟ أمَا شهِدَا معنا الصلاة؟ قالت: يا أميرَ المؤمنين، صَلَّيَا مع الناس -وكان ذلك في رمضانَ- فلم يزالا يُصلِّيانِ حتى أصبَحا، ثم صلَّيا الصُّبحَ، ثم ناما. فقال عُمر: لَأنْ أصلِّي الصُّبحَ في جماعةٍ أحبُّ إليَّ من أن أُصلِّي ليلةً حتى أُصبِحَ.
-
ليس في هذا الحديثِ حُكْمٌ، وإنما فيه فَضْلُ صلاةِ الفَرِيضةِ في جماعة، وقد زعَم بعضُ الناسِ أنَّ فيه دليلًا على جوازِ صلاةِ الرجلِ وحدَه وإن كانت مفضولةً، وليس ذلك بالبيِّن في هذا الحديث؛ لأنه يجوزُ أن يكونَ صلَّاها بعدُ كالفائتة، وقد مضَى القولُ في هذه المسألة (٢) .
- ج ١٥ ص ٣٠٨
حديثٌ موفي أربعينَ ليَحيى بنِ سعيدٍ يَحيى عن عَمْرة
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، قال: حدَّثتني عَمْرةُ بنتُ عبدِ الرحمن، أنَّها سَمِعتْ عائشةَ أمَّ المؤمنين تقول: خرَجنا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لخمسٍ بَقين من ذي القَعْدَة، ولا نُرَى إلا أنه الحجُّ، فلما دَنَونا من مكةَ أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مَن لم يكُنْ معه هَدْيٌ إذا طافَ بالبيتِ وسَعَى بين الصَّفَا والمَرْوةِ أن يَحِلَّ. قالت عائشة:
فدُخِل علينا يومَ النحرِ بلَحْم بقَر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: نحَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أزواجِه.
قال يحيى بنُ سعيد: فذكَرتُ هذا الحديثَ للقاسم بنِ محمد، فقال: أتتْكَ والله بالحديثِ على وجهِه.
قال أبو عُمر: هذا خلافُ روايةِ عُروةَ عنها (٢) ؛ لأنَّ عُروةَ يقول عنها: خرَجنا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فأهلَلنا بعُمرة. وهي حجّةٌ واحدةٌ، وخروجٌ واحدٌ، وقد تقدَّم القولُ في ذلك كلِّه مبسوطًا في بابِ ابنِ شهاب، عن عُروة، من هذا الكتاب.
-
وأمّا قولها: "فلمّا دنَوْنا من مكةَ أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مَن لم يكُنْ معه هديٌ إذا طاف بالبيتِ وسعَى بينَ الصفا والمروة أن يَحِلَّ" فهذا فسخُ الحجِّ في العُمرة، وقد تواتَرت به الروايةُ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من طُرقٍ صِحاح من حديثِ عائشةَ وغيرها،
ج ١٥ ص ٣٠٩ولم يُرْوَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- شيءٌ يدفَعُه، إلا أن أكثرَ العلماءِ يقولون: إن ذلك خُصوصٌ لأصحابِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
واعتلُّوا بأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- إنما أمَر أصحابَه بأن يفسَخُوا الحجَّ في العُمرة، ليُريَ الناسَ أنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ جائزةٌ؛ وذلك أنَّ قريشًا كانت تراها في أشهُرِ الحجِّ من أفجَرِ الفُجور، وكانت لا تستجيزُ ذلك البتة، وكانت تقول: إذا خرَج صَفَر -وكانوا يجعلون المُحَرَّمَ صَفَر (١) - وبرَأ الدَّبَر (٢) ، وعفا الأثَر، حلَّت العمرةُ لمن اعتَمَرْ. فأمَر رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- صحابَه مَن لم يكنْ منهم معه هَدْي أن يفسَخَ حجَّه في عُمرة، ليعلمَ الناسُ أنه لا بأسَ بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ.
-
واعتلُّوا بقولِ اللّه عزَّ وجلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] . وهذا يُوجبُ إتمامَ الحجِّ على كلِّ مَن دخَل فيه، إلا مَن خُصَّ بالسُّنةِ الثابتة، وهم أصحابُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- على الوجهِ الذي ذكَرنا.
- ج ١٥ ص ٣١٠
واعتلُّوا بأنّ عُمرَ بنَ الخطاب كان يقول: مُتْعتانِ كانتا على عهدِ رسولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، أنا أنهَى عنهما، وأعاقِبُ عليهما؛ متعةُ النساء، ومتعةُ الحجِّ (١) ؛ يعني فَسْخَ الحجِّ في العمرة، ومعلومٌ أنَّ عُمرَ لم يكنْ لينهَى عن شيءٍ فعَله رسولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- أو أباحه أو أمَر به، ولا ليعاقِبَ عليه، إلا وقد علِمَ أنَّ ذلك إمّا خصوصٌ، وإمّا منسوخٌ، هذا ما لا يَشُكُّ فيه ذو لُبٍّ.
-
واعتلُّوا أيضًا بما رُوِيَ في ذلك عن أبي ذرٍّ وبلالِ بنِ الحارثِ المزنيِّ (٢) ، أنَّ ذلك خُصوصٌ لأصحاب النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
وممّن ذهَب إلى أنَّ فسْخَ الحجِّ في العُمرةِ لا يجوزُ لأحدٍ اليوم، وأنه لم يَجُزْ لغيرِ أصحابِ رسولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سَعْد، في جماعةٍ من التابعين بالحجاز، والعراق، والشام، ومصرَ. وبه قال أبو ثور، وإسحاقُ بنُ راهُوية، وأبو عُبيد، والطبريُّ، وهو قولُ أكثرِ أهل العلم (٣) .
-
وكان أحمدُ بنُ حنبل وداودُ بنُ عليٍّ (٤) يذهبان إلى أن فسْخَ الحجِّ في العمرةِ جائزٌ إلى اليوم ثابت، وأنَّ كلَّ مَن شاءَ أن يفسَخَ حجَّه في عَمرةٍ إذا كان ممّن لم يسُقْ هَدْيًا، كان ذلك له اتِّباعًا للآثارِ التي رُوِيت عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.
ج ١٥ ص ٣١١وقال أحمدُ بنُ حنبل: في فسخ الحجِّ أحاديثُ ثابتةٌ لا تُتركُ لمثلِ حديثِ أبي ذرٍّ وحديث بلالِ بنِ الحارث. وضعَّفهما، وقال: مَن المُرقِّعُ بنُ صَيْفيٍّ الذي يرويه عن أبي ذرٍّ (١) ؟! قال (٢) : ورُوِيَ الفسخُ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من حديثِ جابر (٣) ، وعائشة (٤) ، وأسماءَ ابنةِ أبي بكر (٥) ، وابنِ عباس (٦) ، وأبي موسى الأشعريِّ (٧) ، وأنسِ بنِ مالك (٨) ، وسَهْلِ بنِ حُنَيف (٩) ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ (١٠) ،
ج ١٥ ص ٣١٢والبراءِ بنِ عازب (١) وابنِ عُمرَ (٢) ، وسَبْرةَ الجُهَنيِّ (٣) .
قال أحمد (٤) : مَن أهلَّ بالحجِّ مفردًا أو قرَن الحجَّ مع العُمرة، فإن شاء أن يجعلَها عُمرة فعَل (٥) ، ويفسَخُ إحرامَه في عُمرة، إن شاء فعَل، وإن شاء لم يفعلْ. واحتجَّ أيضًا أحمدُ ومَن ذهَب مذهبَه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبَلتُ من أمري ما استدبَرتُ ما سُقْتُ الهَدْيَ، ولجعَلتُها عُمرةً" (٦) .
- ج ١٥ ص ٣١٣
وبقولِ سُراقةَ بنِ جُعْشُم: يا رسولَ اللّه، علِّمْنا تعليمَ قوم أسلَموا اليومَ، أعُمْرتُنا هذه لعامِنا هذا، أم لأبدٍ؟ فقال: "بل لأبدٍ، بل لأبدٍ" (١) .
قال أبو عُمر: ليس في هذا حُجّةٌ؛ لأنَّ قولَه -صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبَلتُ من أمري
ما استدبَرتُ لجعلتُها عُمرةً". إنما معناه: لأهلَلتُ بعُمْرة، وجعَلتُ إحرامي بعُمرةٍ أتمتَّعُ بها. وإنما هذا حُجّةُ لمَن فضَّل التمتُّع، وأما مَن أجاز فَسْخَ الحجِّ في العُمرة، فما له في هذا حُجّة؛ لاحتمالِه ما ذكَرنا، وهو الأظهرُ فيه.
-
وأما قولُه لسُراقة: "بل للأبد" . فإنما معناه: أن حَجّتَه تلك وعُمرتَه ليس عليه ولا على مَن حجَّ معه غيرُها للأبد، ولا على أُمَّتِه غيرُ حجة واحدة، أو عُمرةٍ واحدة في مذهبِ مَن أوجَبها في دَهْرِه للأبد، لا فريضةَ في الحجِّ غيرُها. هذا معنى قولِه لسراقة، واللّهُ أعلم.