يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
١٬٢٥٥ فقرة، ج ١٥ ص ٥
الصفحة ٢٨ من ٣٢
- ج ١٥ ص ٤٦٧
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمر، عن ابنِ شهاب، عن عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من مُصيبةٍ تُصيبُ المؤمنَ إلا أُجِرَ فيها، حتى الشوكةِ تُصيبُه" (١) .
-
وهذا الحديثُ رواه مالك (٢) ، عن يزيدَ بنِ خُصَيْفة، عن عُروة، عن عائشة (٣) .
-
ورواه يزيدُ بنُ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم، عن عَمْرة، عن عائشة. رواه عن ابنِ الهادِ: اللَّيثُ، والدَّراورديُّ، وابنُ أبي حازم.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث (٤) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى
ج ١٥ ص ٤٦٨أبو يحيى الناقدُ ببغداد، حدَّثنا أبو مُسلم عبدُ الرحمن بنُ يونس المُستَملي، حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي فُدَيك، أخبَرنا ابنُ أبي ذئب، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا اشتكَى المؤمنُ أخلَصه اللهُ، كما يُخلِصُ الكِيرُ الخَبَثَ" (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضَرُ بنُ محمدٍ الأسديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ عَمْرٍو الخُزاعيُّ (٢) ، قال: قرَأنا على مَعْقِلِ بنِ عُبيدِ الله، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنه سمِع النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يمرضُ مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ، ولا مُسلمٌ ولا مُسلمةٌ، إلّا حطّ اللهُ به خطيئتَه" (٣) .
- ج ١٥ ص ٤٦٩
أخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، عن نافعِ بنِ يزيد، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ ربيعة، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ السائب؛ أنّ عبدَ الحميدِ بنَ عبدِ الرّحمن بنِ أزْهَرَ حدّثَه عن أبيه عبدِ الرّحمن بن أزْهَرَ؛ أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنّما مَثَلُ العبْدِ المؤمنِ حينَ يُصيبُه الوعَكُ أو الحُمّى، كمَثَلِ حديدةٍ تدخُلُ في النارِ فيذْهَبُ خبَثُها ويبْقى طيبها" (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: هذا الكتابُ أعطاني نافعُ بنُ يزيد، وأنا أشكُّ في أن أكونَ عَرَضْتُه عليه وأظنُّني عرَضْتُه، قال: قال نافعُ بنُ يزيد: حدَّثني جعفرُ بنُ ربيعة، فذكَرَه بإسنادِه سواءً إلى آخره.
-
والآثارُ في هذا كثيرةٌ، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ، والحمدُ لله.
- ج ١٥ ص ٤٧٠
حديثٌ حادٍ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، قال: بلَغني أنَّ أسعدَ بنَ زُرارةَ اكتوَى في زمنِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- من الذُّبَحَة (٢) فمات.
-
وهذا قد رُويَ مُسندًا من حديثِ ابنِ شهاب، عن أنس، إلا أنَّه لم يروِه بهذا الإسنادِ عن ابنِ شهاب إلا مَعْمَرٌ وحدَه، وهو عندَ أهل العلم بالحديثِ خطأ، يقولون: إنه ممّا أخطَأ فيه مَعْمَرٌ بالبصرة.
-
ويقولون: إنّ الصوابَ في ذلك حديثُ ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كوَى أسعدَ بنَ زُرارة.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسعدة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أنسِ بنِ مالك، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كوَى أسعدَ بنَ زُرارةَ من الشوكة (٣) .
ج ١٥ ص ٤٧١قال أبو عُمر: الشوكةُ الذُّبَحَة.
-
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليّ بنِ زيدٍ الصائغ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يعقوبَ الطَّالْقانيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كوَى أسعدَ بنَ زُرارةَ من الشَّوْصة (١) .
-
هكذا قال، وإنما المعروفُ: من الشوكة: وهي الذُّبَحَةُ، وأما الشَّوْصةُ: فهي ذاتُ الجَنْب (٢) ، وقد يُكتوَى منها أيضًا.
-
أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ محمدِ بنِ غالبٍ التمّار. وأخبَرنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حزم، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله محمدُ بنُ الربيع بنِ سُليمانَ الأزديُّ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيدِ بنِ مُسلم، قال: حدَّثنا حَجّاجُ بنُ محمد، عن ابن جُرَيج، عن ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عاد أبا أُمامةَ أسعدَ بنَ زُرارة، وكان رأسَ النقباءِ ليلةَ العقبة، أخَذته الشوكةُ بالمدينةِ قبلَ بدر، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "بئسَ الميتُ هذا ليهودَ؛ يقولون: ألا دفَع عنه؟ ولا أملِكُ له ولا لنفسي شيئًا" . فأمَر به رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فكُوِيَ من الشوكة -طُوِّقَ عُنُقُه بالكَيِّ- فلم يلبَثْ أبو أُمامةَ إلا يسيرًا حتى مات (٣) .
- ج ١٥ ص ٤٧٢
حدَّثنا عبدُ الرّحمن (١) ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ وابنُ سِمعان، عن ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عاد أسعدَ بنَ زُرارةَ وبه الشوكة، فلمّا دخَل عليه قال: "بئسَ الميتُ هذا ليهود؛ يقولون: لولا دفَع عنه؟ ولا أملِكُ له ولا لنفسي شيئًا" . فأمَر به فكُوِيَ فمات (٢) .
قال ابنُ وَهْب: وأخبَرني عَمْرُو بنُ الحارث، أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ حدَّثه، أنَّ أسعدَ بنَ زُرارةَ أخَذْته الذُّبَحَة، فكَواهُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "بئس الميِّتُ هذا ليهودَ" . فذكَر مثلَه.
-
واكتوَى عبدُ الله بنُ عُمرَ من اللَّقْوَة (٣) ، وكوَى واقدًا ابنَه (٤) ، واكتوَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْن (٥) .
- ج ١٥ ص ٤٧٣
وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه نهَى عن الكَيِّ من حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن.
-
حدَّثني عبدُ الرّحمن بن يحيى (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ الفَضْل أبو جعفرٍ الدَّيْبُليّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ صَبِيح، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، قال: قرأ جريرٌ على أيوبَ كتابًا وأنا شاهدٌ، لأبي قِلابةَ فلم يُنكِرْه، أنَّ زيدَ بنَ ثابت كان يَرْقي من الأذن، وكان في ذلك الكتاب عن أنسِ بنِ مالك قال: كُوِيتُ من ذاتِ الجَنْب فشهِدَني أبو طَلْحةَ وأنسُ بنُ النَّضْر، وأبو طَلْحةَ كوَاني (٢) .
-
ورواه أبانٌ العطّارُ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أنسِ بنِ مالك، أو قال: حدَّثني أبو قِلابة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: اكتوَيتُ من ذاتِ الجَنْبِ ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حيٌّ، وشهِدني أبو طَلْحة، وأنسُ بنُ النَّضْر، وزيدُ بنُ ثابت، وأبو طَلْحةَ كوَاني.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رجاء، قال: حدَّثنا همّام، عن قتادة، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: نُهينا عن الكَيِّ (٣) .
قال إسماعيل (٤) : وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحجّاج، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث،
ج ١٥ ص ٤٧٤قال: حدَّثنا يونس، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نهَى عن الكَيِّ (١) .
قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عِمْرانَ بنِ حُدَير، عن أبي مِجْلَز، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: نهَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-عن الكَيِّ (٢) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عفّان، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن مُطَرِّف، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نهَى عن الكَيِّ، فاكتوَينا، فلم نُفلِحْ، ولم نُنجِحْ (٣) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الخليل، قال: حدَّثنا أبو النَّضْر، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ المُغيرة، عن سعيدٍ الجُريريِّ، عن مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّير، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: سمِعتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ينهَى عن الكَيِّ. قال: فما زال بي البلاءُ حتى اكتوَيتُ، فما أفلَحتُ، ولا أنجَحتُ. قال عِمْران: وكان يُسلَّمُ عليَّ، فلما اكتوَيتُ فقَدتُ ذلك. ثم راجَعه بعدَ ذلك السلام (٤) .
ج ١٥ ص ٤٧٥قال أبو عُمر: حديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه نهَى عن الكَيِّ، يُعارِضُه حديثُ أنسِ بنِ مالك، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه كوَى أسعدَ بنَ زُرارة، وأنَّ أنسَ بنَ مالكٍ اكتوَى في زمنِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ينهَه عن ذلك، وحديثُ جابر أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-كوَى سَعْدَ بنَ معاذ. ويحتمِلُ أن يكونَ حديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ على الأفضل في إخلاصِ اليقينِ والتوكُّل.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ مَرْزوق، قال: أخبرنا عِمْرانُ، عن قتادة، عن أنس، قال: كوَاني أبو طَلْحةَ ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينَ أظهُرِنا، فما نُهيتُ عنه (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيان، قال: حدَّثني أبو الزُّبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كوَى سَعْدَ بنَ معاذٍ مرَّتين (٢) .
- ج ١٥ ص ٤٧٦
ورواه اللَّيثُ، عن أبي الزُّبير، عن جابر (١) .
-
وروَى ابنُ أبي ليلى، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ أُبيَّ بنَ كَعْبٍ رُمِيَ في أكْحَلِه يومَ قريظة، فبَعث إليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فكَواهُ (٢) .
-
وروَى الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر مثلَه في أُبيّ (٣) .
-
وهو عندَ أهل العلم بالحديثِ والسِّيَر خطأ، وإنما هو سَعْدُ بنُ معاذ، كما روَى الثوريُّ وغيرُه، عن أبي الزُّبير، عن جابر.
-
ومما يُعارَضُ به أيضًا حديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن في الكَيِّ، حديثُ ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن كان الشفاءُ ففي ثلاث، أو الشفاءُ في ثلاث؛ شرطةِ مِحْجَم، أو شَرْبةِ عسل، أو كَيَّةِ نار" .
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بنِ يوسف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البَغويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، قال: حدَّثنا مَروانُ بنُ شُجاعٌ الخُصَيفيُّ، عن سالم الأفطس، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباس، قال: "الشفاءُ في ثلاث؛ في شَرْبةِ عسل، أو شرطةِ مِحْجَم، أو كَيَّةِ نار" . ورفَع الحديث (٤) .
- ج ١٥ ص ٤٧٧
وروى زُهيرُ بنُ مُعاوية، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن كان في شيءٍ مما تتداوَوْن به شفاءٌ، ففي شرطةِ مِحْجَم، أو شَرْبةِ عسل، أو حبّاتٍ سُود، أو لَذْعةِ نار، وما أُحِبُّ أن أكتوِيَ" (١) .
قال أبو عُمر: الكيُّ بابٌ من أبوابِ التداوي والمعالجة، ومعلومٌ أن طلبَ العافيةِ بالعلاج والدُّعاءِ مباحٌ بما قدَّمنا من الأصول في غير موضع من هذا الكتاب، وحَسْبُك بما أورَدنا من ذلك في باب زيدِ بنِ أسلم (٢) ، فلا يَجبُ أن يُمْتَنَع من التداوي بالكَيِّ وغيرِه إلا بدليل لا مُعارِضَ له، وقد عارَض النهيَ عن الكيِّ من الإباحةِ ما هو أقوى، وعليه جمهورُ العلماء، ما أعلَمُ بينهم خلافًا، أنهم لا يَرَون بأسًا بالكيِّ عندَ الحاجةِ إليه.
قال أبو عُمر: فمَن ترَك الكيَّ ثقةً بالله، وتوكُّلًا عليه، كان أفضلَ؛ لأنَّ هذه منزلةُ يقينٍ صَحِيح، وتلك منزلةُ رُخْصةٍ وإباحة.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة. وأخبرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ
ج ١٥ ص ٤٧٨سلام، قال: حدَّثنا زهيرُ بنُ حَرْب، قال (١) : حدَّثنا جريرٌ، جميعًا عن منصور، قال شُعبة: قال: سمِعتُ مجاهدًا، وقال جرير، عن مُجاهد، قال: حدَّثنا العَقّارُ بنُ المغير بنِ شُعبةَ عن أبيه حديثًا فلم أحفَظْه، فسألتُ حَسّانَ بنَ أبي وَجْزةَ فأخبَرني، قال: حدَّثني العقّارُ، عن أبيه، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما توكَّلَ - وقال شُعبة: لم يتوكَّلْ- مَنِ استرقَى أو اكتْوَى" .
قال أبو عُمر: معناه، واللهُ أعلم: ما توكَّل حقَّ التوكُّل مَن استرقَى أو اكتوَى؛ لأنَّ مَن ترَك ذلك توكُّلًا على الله، وعلمًا بأن ما أصابه لم يكنْ ليُخطِئَه، وأن أيامَ الصحةِ لا سَقَمَ فيها، كان أفضلَ منزلة، وأعلى درجة، وأكملَ يقينٍ وتوكل، واللهُ أعلم.
-
وقد قيل: إن الذي نُهيَ عنه من الكيِّ هو ما يكونُ منه قبلَ نزولِ البلاء، حفظًا للصحة، وأمّا بعدَ نزولِ ما يُحتاجُ فيه إلى الكَيِّ فلا.
-
وحدَّثثا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبَرنا عاصمٌ، عن زِرٍّ، عن عبدِ الله، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "عُرِضَت عليَّ الأممُ في الموسم، فرأيتُ أُمَّتي، فأعجبَتْني كثرتُهم وهيئتُهم، قد مَلَؤوا السهلَ والجبل" ، قال: يا محمدُ إنَّ مع هؤلاءِ سبعينَ ألفًا يدْخلُونَ الجنّةَ بغيرِ حساب، الذينَ لا يسْتَرقونَ ولا يكْتَوونَ ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلُون. فقام عُكّاشةُ بنُ مِحْصَن فقال: "يا نبيَّ الله، ادعُ اللهَ أن
ج ١٥ ص ٤٧٩يجْعلَني منهم، قال: "اللَّهُمَّ اجعَلْهُ منهم" ثم قامَ آخر فقال: ادْعُ اللهَ أن يجعَلَني منهم، قال: "سَبقَكَ بها عُكّاشةُ" (١) .
قال أبو عُمر: ثبت عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إنّ الله يُحبُّ أن تُؤتى رُخَصُة كما يُحِبُّ أن تُجتَنبَ عزائمُه، أو تُؤتى عزائمُه " (٢) . وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خير بين أمرَين اختارَ أيسَرَهُما (٣) ، وقد أذِنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في الرُّقى ورَقَى نَفْسَه وغيرَه، وقال في الطِّيَرة: " وما منّا إلّا مَنْ ولكنّ اللهَ يُذْهِبُه بالتوكّل" (٤) ، وقد مضى في هذه الأبواب كلِّها منَ البيان في كتابنا هذا ما يَشْفي ويَكْفي لمَنْ وقف عليه وتدبَّرَهُ، وبالله العوْنُ والتَّوفيق.
- ج ١٥ ص ٤٨٠
حديثٌ ثانٍ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيد
مالكٌ (١) ، عن يَحيى بن سعيد؛ أنَّه قال: جاءت امرأةٌ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسولَ الله، دارٌ سكنّاها والعدَدُ كثير، والمالُ وافرٌ، فقلَّ العدَدُ، وذهب المالُ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "دَعُوها ذمِيْمة" .
قال أبو عُمر: قوله: "ذَمِيمة" ؛ أي: مَذْمومة، يقول: دَعُوها وأنتم له ذامُّون كارِهون، لِما وقَع بنفوسِكُم من شُؤمِها. والذّميم: القبيحُ الوجه.
-
وهذا حديثٌ محفوظٌ من وجوه:
منها: حديثُ أنس، يرويه عِكْرمةُ بنُ عمّار، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن أنس (٢) .
-
ومنها حديثُ ابنِ عُمر، إلا أنَّه لم يَرْوه إلّا صالحُ بنُ أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، وليس بالقويِّ في الزُّهريِّ، وثقاتُ أصحابِ الزهريِّ يَرْوونه عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارث بنِ نوفل، عن عبدِ الله بنِ شدّاد، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهو مرسل (٣) .
- ج ١٥ ص ٤٨١
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: أخبَرنا ابنُ أبي عُمر، قال: حدَّثنا سُفيان، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الله بن عبد الله بنِ الحارث بنِ نوفل، عن عبدِ الله بنِ شدّاد، أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إنا سكَنّا هذه الدارَ ونحن ذوو وَفْرٍ فهلَكْنا، وذوو نَشَب (١) فافتقَرْنا، وذاتُ بيننا حسَنٌ فاختلَفْنا. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "دَعُوها ذميمة" . قالت: وكيف نَدَعُها يا رسولَ الله؟ قال: "تَبيعونها أو تَهَبُونَها" (٢) .
-
وذكَره عبدُ الرزاق (٣) ، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ (٤) بنِ نوفل، عن عبدِ الله بنِ شدّاد بنِ الهادِ، أنَّ امرأةً من الأنصار قالت: يا رسولَ الله، سكَنّا دارَنا ونحن كثيرٌ فهلَكْنا، وحَسَنٌ ذاتُ بيننا فساءتِ أخلاقُنا، وكثيرةٌ أموالُنا فافتقَرْنا. قال: "أفلا تَنتقِلُون منها ذميمةً؟ " . قالت: وكيف نصنَعُ بها يا رسولَ الله؟ قال: "تَبيعُونَها أو تَهَبُونَها" .