يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
١٬٢٥٥ فقرة، ج ١٥ ص ٥
الصفحة ٢٩ من ٣٢
- ج ١٥ ص ٤٨١
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ يوسفَ الأزديُّ، قال: حدَّثنا سَهْلُ بنُ إبراهيم -وأجازَهُ لنا سَهْلُ بنُ إبراهيم- قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصّائغ، قال: حدَّثنا أبو حذيفة، قال: حدَّثنا عِكْرِمةُ بنُ عَمّار، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن أنس، قال: جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله، إنّا كنّا في دارٍ كثيرٌ فيها عددُنا، كثيرةٌ فيها أموالُنا،
ج ١٥ ص ٤٨٢ثم تحوَّلْنا إلى دارٍ أُخرى قلَّ فيها عددُنا، وقلَّت فيها أموالُنا. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ذَرُوها ذميمةً" (١) .
قال أبو عُمر: هذا عندي، والله أعلمُ، قاله لقوم خَشِيَ عليهم التزامَ الطِّيرِة، فأجابَهُم بهذا مُنْكِرًا لقولِهم؛ لِمَا رأى من تشاؤُمِهم وتطيُّرِهم بدارِهم، وثبوتِ ذلك في أنفسِهم، فخافَ عليهم ما قيل في الطِّيرَة: إنها تلزَمُ مَن تطيَّرَ. وعساهُم ممّن سمِع قولَه -صلى الله عليه وسلم-: "لا طِيرَةَ" (٢) ، وقولَه: "ليس منّا مَن تَطيَّرَ" (٣) .
- ج ١٥ ص ٤٨٣
وقولَه: "وإذا تطيَّرتُم فامضُوا، وعلىْ الله فتوكَّلُوا" (١) ، وقولَه: "ما منّا إلّا مَنْ يعني يتطيَّر" (٢) ولكن الله يُذهِبُه بالتّوكُّل، وقولَه: "مَنْ ردّتْهُ الطِّيرَةُ عن مَسِيره، فقد قارَفَ (٣) الشِّرك" (٤) .
-
فلمّا اشتُهِرَ هذا من سُنّتِه -صلى الله عليه وسلم- ثم أتتْهُ هذه المرأةُ فذَكَرتْ عن دارِها ما ذَكَرتْ، أو أتى معَها غيرُها فذكَرُوا نحوَ ذلك؛ أجابَهم دأنْ يتركوها ذَميمةً، لأنّه كان بالمؤمنينَ رؤوفًا رحيمًا.
-
والأصل في الطِّير والشُّؤْم ما ذكَرْنا في بابِ ابنِ شهاب، عن سالم وحمزةَ ابنَي عبدِ الله بنِ عُمرَ (٥) ، وبالله التَّوفيق.
-
وسنذكُر هذه الآثارَ ومثلَها في باب قوله: "لا طِيَرةَ ولا غُولَ ولا هامَةَ" من هذا الكتابِ في أوّلِ بلاغاتِ مالكٍ عن رجالٍ سمّاهُم، إن شاء الله.
- ج ١٥ ص ٤٨٤
حديثٌ ثالثٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: للِقْحةٍ تُحلَبُ: "مَن يَحلِبُ هذه؟ " . فقام رجل، فقال له (٢) رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما اسمُكَ؟ " . فقال الرجل: مُرَّةُ. فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اجلِسْ" . ثم قال: "مَن يحلِبُ هذه؟ " . فقام رجلٌ، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما اسمُك؟ " . فقال: حربٌ. فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اجلِسْ" . ثم قال: "مَن يَحلِبُ هذه؟ " . فقام رجلٌ، فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما اسمُك؟ " . فقال: يَعيشُ. فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "احلُبْ" .
-
وهذا عندي، واللهُ أعلم، ليس من بابِ الطِّيِرة؛ لأنه محُالٌ أن ينهَي عن شيءٍ ويفعلَه، وإنما هو من باب طلَبِ الفألِ الحَسَن، وقد كان أخبَرهم عن شرِّ الأسماءِ أنه حربٌ ومُرَّةُ، فأكَّد ذلك حتى لا يتسمَّى بها أحدٌ، واللهُ أعلم.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ عبد الرّحمن (٣) ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُثمانَ بنِ صالح، قال: حدَّثنا النَّضْرُ بنُ عبدِ الجبار، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعة، عن جعفرِ بنِ ربيعة، عن ربيعةَ بنِ يزيد، عن عبدِ الله بنِ عامر اليَحْصُبيّ، عن مُعاويةَ بنِ أبي سُفيان، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَيْرُ الأسماءِ عبدُ الله، وعبدُ الرّحمن، وحارثٌ، وهَمّامٌ؛ حارثٌ يحرُثُ لدُنْياه، وهمّامٌ يهُمُّ بالخير، وشرُّ الأسماءِ حربٌ ومُرّةُ" (٤) .
- ج ١٥ ص ٤٨٥
وهذا ممّا قلنا من باب الفأل؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُعجِبُه الاسمُ الحسنُ، والفألُ الحَسَنُ، وكان يكرَهُ الاسمَ القبيح؛ لأنه كان يتفاءلُ بالحَسَنِ من الأسماء (١) .
-
أخبرنا عبدُ الرّحمن بنُ يحيى (٢) قراءةً منِّي عليه، أن عليَّ بنَ محمدِ بنِ مسرورٍ الدّبّاغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود (٣) ، قال: حدَّثنا سُحْنُون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني ابنُ لَهيعة، عن الحارثِ بنِ يزيد، عن عبدِ الرحمن بن جُبير، عن يَعيشَ الغِفاريّ، قال: دعا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يومًا بناقة، فقال: "مَن يَحلِبُها؟ " . فقام رجلٌ فقال: "ما اسمُك؟ " . قال: مُرّةُ. قال: "اقعُدْ" . ثم قام آخر فقال: "ما اسمُك؟ " . قال: جَمْرة. قال: "اقعُدْ" . ثم قام رجلٌ فقال: "ما اسمُك؟ " . قال: يَعيشُ. قال: "احلُبْها" (٤) .
- ج ١٥ ص ٤٨٦
وروى حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن حُميد، عن بَكْرِ بنِ عبدِ الله المُزَنيِّ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا توجَّه لحاجةٍ يُحبُّ أن يسمَع: يا نَجيحُ، يا راشدُ، يا مُبارك (١) .
-
أخبرنا عبدُ الله (٢) ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ القاسم الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا أبو أُميّة (٣) ، قال: حدَّثنا
ج ١٥ ص ٤٨٧الأصمعيُّ، عن ابنِ عَوْن، عن ابنِ سيرين، قال: كانوا يَستحِبُّون الفألَ ويكرهون الطِّيَرة. قال: فقلتُ لابن عَوْن: يا أبا عَوْن، ما الفألُ؟ قال: أن تكونَ باغيًا فتسمَع: يا واجدُ. أو تكونَ مريضًا فتسمَع: يا سالمُ.
-
وقد رُوِيَ من حديثِ بُريدَة أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يتطَيَّرُ من شيء، ولكن كان إذا سأل عن اسم الرجل فكان حَسَنًا رُئيَ البشاشةُ في وَجْهِه، وإن كان سيِّئًا رُئيَ ذلك فيه، وإذا سأل عن اسم الأرضِ فكان حسنًا رُئيَ ذلك فيه.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٢) : حدَّثنا حسينُ بنُ حُرَيث، قال: حدَّثنا أوسُ بنُ عبدِ الله بنِ بُريدة، عن الحُسينِ بنِ واقد، عن عبدِ الله بنِ بُريدة، عن أبيه، قال: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لا يتَطيَّر، ولكن كان يتفاءل. فركِبَ بُريدةُ في سبعينَ راكبًا من أهل بيتِه من بني أسلَم، فتلقَّى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ليلًا، فقال له نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أنت؟ " . قال: أنا بُريدة. فالتفَت إلى أبي بكر فقال: "يا أبا بكر، بردَ أمرُنا وصلَح" . ثم قال: "ممّن؟ " . قال: مِن أسلَمَ. قال لأبي بكر: "سَلِمْنا" . قال: ثم قال: "ممّن؟ " . قال: مِنْ بني سَهْم، قال: "خرجَ سهْمُكَ" .
ج ١٥ ص ٤٨٨قال أحمدُ بنُ زهير: قال لنا أبو عمّار: سمِعتُ أوْسًا يُحدِّث بهذا الحديثِ بعدَ ذلكَ عن أخيه سَهْلِ بنِ عبدِ الله، عن أبيه عبد الله بنِ بُريدة، عن بُريدة فأعَدْتُ ثلاثًا: مَنْ حدّثكَ؟ قال: سَهْلٌ أخي.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله، وشُعبةُ، عن قَتادة، عن أنس، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا عَدْوى ولا طِيَرة، وأحبُّ الفأْلَ" قيل: وما الفألُ؟ قال: "الكلمةُ الحسَنةُ" (١) (٢) .
- ج ١٥ ص ٤٨٩
حديثٌ رابعٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد؛ أنه قال: إنّ الرّجلَ ليُصلِّي الصّلاةَ وما فاتَتْهُ ولَما فاتَهُ من وقْتِها أعظَمُ، أو أفضلُ (٢) من أهلِه ومالِه.
-
وهذا موقوفٌ في الموطّأ، ويستَحيلُ أن يكونَ مثلَهُ رأيًا، فكيف وقد رُوِيَ مرفوعًا بإسنادٍ ليس بالقويِّ.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٌ بنِ عيسى القرئ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البغويُّ، قالْ حدَّثني جدِّي، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ الوليد، عن ابنِ أبي ذئب، عن المَقبُريِّ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ أحدَكم ليُصلِّي الصلاةَ وما فاتَهُ من وقتِها أشدُّ عليه من أهلِه ومالِه" (٣) .
-
وهذا يدلّ على أنّ أولَ الوقتِ أفضلُ. وكان مالكٌ فيما حكَي ابنُ القاسم عنه لا يُعجِبُه قولُ يحيى بنِ سعيد هذا (٤) .
قال أبو عُمر: أظنُّ ذلك واللهُ أعلمُ من أجل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ما بين هذين وقتٌ" (٥) .
- ج ١٥ ص ٤٩٠
فجعَل أولَ الوقتِ وآخرَه وقتًا، ولم يقل: إنّ أولَه أفضلُ. والذي يَصحُّ عندي من تركِ مالكٍ الإعجابَ بهذا الحديث؛ لأنَّ فيه: "وما فاتَه من وقتِها أفضلُ من أهلِه ومالِه" . أو: "أشدُّ عليه من ذَهابِ أهلِه ومالِه" . وهذا اللفظُ قد ثبَت عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال فيمن فاتتْه صلاةُ العصر فوتًا عندَ أهلِ العلم كليًّا حتى يخرجَ وقتُها كلُّه، ولا يُدرِكَ منها رَكْعةً قبلَ الغروب، وهذا المعنى يُعارضُ ظاهرَ قولِه في هذا الحديث: "وما فاتَتْه، ولما فاتَه من وقتِها" . لأنَّ قوله: "فاتَه وقتُها" . غيرُ قوله: "فاتَه من وقتِها" . فكأنَّ مالكًا رحمه اللهُ لم يرَ أنّ بينَ (١) أول الوقتِ ووَسَطِه وآخرِه من الفَضْلِ ما يُشبهُ مُصيبةَ مَن فاتَه ذلك بمصيبةِ مَن ذهِب أهلُه ومالُه؛ لأنَّ ذلك إنما ورَد في ذَهابِ الوقتِ كلِّه. هذا عندي معنَى قول مالك، واللهُ أعلم (٢) ؛ لأنَّ في هذا الحديثِ أنَّ فواتَ بعضِ الوقتِ كفواتِ الوقتِ كلِّه، وهذا لا يقولُه أحدٌ من العلماء، لا مَن فضَّلَ أولَ الوقتِ على آخرِه ولا مَن سوّى بينهما؛ لأنَّ فَوتَ بعض الوقتِ مباح، وفوتَ الوقتِ كلِّه لا يجوز، وفاعلُه عاصٍ لله إذا تعمَّد ذلك، وليسَ كذلك مَن صلّى في وَسَطِ الوَقْتِ وآخرِه، وإن كان مَن صَلّى في أولِ الوقتِ أفضلَ منه، وتَدبَّرْ هذا تجدْه كذلك إن شاء الله.
قال أبو عُمر: مَن فضَّلَ أولَ الوقتِ فله دَلائلُ وحُجَجٌ قد ذكَرناها في مواضعَ من هذا الكتاب، والحمدُ لله، وهذا الحديثُ من أحسنِها، والوجهُ فيه أنه
ج ١٥ ص ٤٩١غيرُ معارضٍ لحديثِ ابنِ عُمر (١) ؛ لأنَّ الإشارةَ في حديثِ هذا الباب إلى تفضيلِ أولِ الوقتِ وتعظيم عملِ الصلاةِ والبِدارِ إليها فيه، والتحقيرِ للدّنيا.
-
يقول: إنّ مَن ترَك الصلاةَ إلى آخرِ وقتِها وهو قادرٌ على فعلِها، فقد ترَك من الفضلِ وعظيم الأجر ما هو أعظمُ وأفضلُ من أهلِه ومالِه؛ لأنَّ قليلَ الثواب في الآخرةِ فوقَ ما يُؤتَى المرءُ في الدنيا من الأهلِ والمال، ولموضعُ سَوْطٍ في الجنةِ خيرٌ من الدّنيا وما فيها (٢) .
-
ويدلُّك على ما ذكَرنا حديثُ العلاء، عن أنس مرفوعًا: "تلك صلاةُ المنافقين" (٣) . يعيبُ تاركَ العصرِ إلى اصفرارِ الشمسِ من غيرِ عذر. وحكمُ صلاةِ الصبحِ وصلاةِ العشاءِ كحكم صلاةِ المحصرِ عندَ العلماء؛ لأنها لا تَشتركُ مع غيرِها بعدَها، فحديثُ هذا الباب ورَد في تفضيل الصلاةِ لأولِ وقتِها، على ما ذكَرنا، لا أنّ فاعلَ ذلك كمَن وُتِرَ أهلَه ومالَه، واللهُ أعلم.
-
وقد مَضَى القولُ في معنَى قولِه عليه السلام: "مَن فاتَتْهُ صلاةُ العَصْرِ فكأنّما وَتِر أهلَه ومالَه" . في باب نافع من كتابنا هذا (٤) . والحمدُ لله.
-
قرأتُ على عبدِ الوارث بنِ سُفيان، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا
ج ١٥ ص ٤٩٢عُثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ مِغْوَل، عن الوليدِ بنِ العَيْزار، عن أبي عَمْرٍو الشيبانيِّ، عن عبدِ الله، قال: سألتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ العَمَلِ أفضلُ؟ قال: "الصَّلاةُ في أولِ وقتِها" (١) .
قال: وحدَّثنا عُثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا المَسعوديُّ، عن عبدِ الملك بنِ عُمَير، عن ابن أبي حَثْمَة (٢) ، عن الشِّفاء، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أفضلُ العملِ الصلاةُ على أولِ وقتِها" (٣) .
قال وحدَّثنا عُثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عُمر، عن القاسم بنِ غَنّام، عن بعضِ أمهاتِه، عن أمِّ فَرْوة، أنها سألت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ العملِ أفضلُ؟ فقال: "الصلاةُ في أولِ وقتِها" (٤) .
- ج ١٥ ص ٤٩٣
وروَى الليثُ بنُ سَعْد، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن القاسمِ بنِ غنّام، عن جَدّتِه الدُّنيا، عن جَدتِه القُصوَى أمِّ فَرْوة، وكانت من المُبايعات، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سُئل: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ فقال: "الصلاةُ لأولِ وقتِها" (١) .
-
وهذه الآثارُ قد عارضَها من صحيح الآثارِ ما هو مذكورٌ في موضعِه من هذا الكتاب إن شاء الله (٢) .
- ج ١٥ ص ٤٩٤
حديثٌ خامسٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، أنَّه قال: بلَغني أنَّ أولَ ما يُنظرُ فيه من عَمَل العَبْدِ الصَّلاةُ، فإن قُبِلت منه نُظرَ فيما بَقِيَ من عَمَلِه، وإن لم تُقبلْ منه لم يُنظَرْ في شيءٍ من عَمَلِه.
-
وهذا لا يكونُ رأيًا ولا اجتهادًا، وإنما هو توقيفٌ، وقد رُوِيَ مُسندًا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من وُجُوه صِحاح.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الخَضرِ بنِ عبدِ الله (٢) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ موسى الساميُّ، حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن داودَ بنِ أبي هند، عن زُرارةَ بنِ أوفَى، عن تميم الداريّ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ صلاتُه" (٣) .
- ج ١٥ ص ٤٩٥
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢) : حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن سُفيانَ بنِ حُسين، عن عليِّ بنِ زيد، عن أنسِ بنِ حكيم الضَّبِّيّ، قال: قال لي أبو هُريرة: إذا أتيتَ أهلَ مصرِكَ فأخبِرْهم أنِّي سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ المسلمُ الصلاةُ المكتوبة، فإن أتمَّها، وإلا قيل: انظُروا هل له من تطوُّع؟ فإن كان له تطوُّع أُكمِلتِ الفريضةُ من تطوُّعِه، ثم يُفعلُ بسائرِ الأعمالِ المفروضةِ مثلُ ذلك" .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن أحمد (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ بنِ العباس، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عليٍّ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدِ بنِ غالب. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود،
ج ١٥ ص ٤٩٦قال (١) : حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عليّة، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ الحَسَن، عن أنسِ بنِ حكيم الضَّبِّيّ، أنه أتى المدينةَ فلقيَ أبا هُريرةَ فقال له: يا فتى، ألَا أحدِّثُكَ حديثًا لعلّ اللهَ أن ينفعَك به؟ قلت: بلى. قال: إنَّ أولَ ما يُحاسَبُ به الناسُ يومَ القيامةِ من أعمالِهم الصَّلاةُ، فيقولُ ربُّنا تبارك وتعالى لملائكتِه وهو أعلم: انظُروا في صلاةِ عبدي؛ أتمَّها أم نقَصَها؟ فإن كانت تامّةً، كُتِبت له تامّةً، وإن كان انتقَص منها شيئًا، قال: انظُروا هل لعبدي من تطوُّع؟ فإن كان له تطوُّع، قال: أكمِلُوا لعبدي فريضتَه من تطوُّعِه. ثم تؤخَذُ الأعمالُ على ذلك. قال يونُس: وأحسَبُه عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
قال أبو داود (٢) : وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن داودَ بنِ أبي هند، عن زُرارةَ بنِ أوفى، عن تميم الدَّاريّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بهذا المعنى. قال: "ثم الزكاةُ مثلُ ذلك، ثم تؤخَذُ الأعمالُ على حَسَبِ ذلك" .
قال أبو عُمر: أما إكمالُ الفريضةِ من التطوع، فإنما يكونُ ذلك، واللهُ أعلم، فيمَن سَهَا عن فريضةٍ فلم يأتِ بها أو لم يُحسِنْ رُكوعَها ولم يدرِ قَدْرَ ذلك، وأمّا مَن تعمَّد تركَها، أو نسِيَ ثم ذكَرها فلم يأتِ بها عامدًا، واشتغَل بالتطوُّع عن أداءِ فَرضِه وهو ذاكرٌ له، فلا تُكمَلُ له فريضتُه تلك من تطوُّعِه، واللهُ أعلم.
- ج ١٥ ص ٤٩٧
وقد رُوِيَ من حديثِ الشاميين في هذا البابِ حديثٌ هو عندي مُنكرٌ واللهُ أعلم؛ يَرويه محمدُ بنُ حِميَر، عن عَمْرِو بنِ قيسٍ السَّكُونيّ، عن عائذِ (١) بنِ قُرط، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صلَّى صلاةً لم يُكمِلْ فيها رُكُوعَه وسُجودَه وخُشوعَه، زيدَ فيها من سُبُحاتِه حتى تَتِمَّ" (٢) . وهذا لا يُحفَظُ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلّا من هذا الوجه،
ج ١٥ ص ٤٩٨وليس بالقويِّ، وإن صحَّ كان معناه أنه خرَج من صلاتِه وقد أتمَّها عندَ نفسِه، وليست في الحكم بتامّة، واللهُ أعلم. هذا على أنه قد كان يلزَمُه أن يتعلَّم، فإن عُذِّب عُذِّب على تركِ التعلُّم، وإن عُفِىَ عنه، فاللّهُ أهلُ العفوِ وأهلُ المغفرة.
-
وأما قولُه في حديث يحيى بن سعيد: "فإن قُبِلت منه نُظِر فيما بقيَ من عملِه " فمعنى القبولِ واللهُ أعلم: أن تُوجدَ تامّةً على ما يلزَمُه منها لُزومَ فرض، فإذا وُجِدتْ كذلك قُبِلت ونُظِر في سائرِ عملِه. وآثارُ هذا البابِ تعضُدُ هذا التأويلَ إن شاء الله، ولا يصِحُّ غيرُه على الأصولِ الصِّحاح، واللهُ أعلم.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبانُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا قتادة، عن الحَسَن، عن أنسِ بنِ حكيم، عن أبي هُريرة، أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامة يُحاسَبُ بصلاتِه، فإن صلَحت فقد أفلحَ وأنجَح، وإن فسَدت فقد خاب وخسِر" .
- ج ١٥ ص ٤٩٩
حديثٌ سادسٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، أنه قال: بلَغني أن المرءَ (٢) ليدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه درجةَ القائم بالليل، الظامئ بالهواجر.
-
وهذا لا يجوزُ أن يكونَ رأيًا، ولا يكونُ مثلُه إلا توقيفًا، وقد رُوِيَ مرفوعًا إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مُسنَدًا من وُجوهٍ حِسان، من حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ هذا وغيرِه.
-
حدَّثناه خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ عُثمانَ الحِمْصيُّ، قال: حدَّثنا اليمانُ بنُ عَدِيّ، عن زُهير، عن يحيى بنِ سعيد، عن القاسم، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الرجلَ ليُدرِكُ بحُسنِ الخُلُقِ درجةَ الساهرِ بالليل، الظامئ بالهواجر" (٣) .
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا سَهْلُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَهْل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ الهيثم الجَزَريُّ البَلَديُّ الزُّهريُّ أبو إسحاق، قال: حدَّثنا أبو اليمان، قال: حدَّثنا عُفيرُ بنُ مَعدانَ
ج ١٥ ص ٥٠٠الحِمصيُّ، عن سُلَيم بنِ عامر، عن أبي أُمامة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ الرجلَ لَيُدركُ بحُسن خُلُقِه أجرَ الساهرِ بالليل، الظامئ بالهواجر" (١) .
-
أخبَرنا عبدُ الرّحمن بنُ يحيى (٢) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُليمان، قال: حدَّثنا سُحنونُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال (٣) : أخبَرني بنُ لَهيعة، عن الحارثِ بنِ يزيد، عن ابنِ حُجَيْرة، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عَمْرو، قال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنَّ المُسلمَ المسدَّدَ ليُدرِكُ درجةَ الصوّام القوّام بآياتِ الله بحُسْنِ خُلُقِه وكرَم ضريبتِه" .
-
أخبَرنا أحمدُ بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن، قال: حدَّثنا سُفيانُ،
ج ١٥ ص ٥٠١عن حَبيب، عن ميمونِ بنِ أبي شَبيب، عن أبي ذَرّ، قال: قال لي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّقِ اللهَ حيثُ كُنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ" (١) .