يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
١٬٢٥٥ فقرة، ج ١٥ ص ٥
الصفحة ٣ من ٣٢
- ج ١٥ ص ٤٢
وفي قوله عليه السلام: أَيْشْتَكي؟ أبِه جِنّةٌ؟ ". دليلٌ على أنه إنما ردَّه وأعرَض عنه من أجل ذلك، واللّهُ أعلم، لا ليتمَّ إقرارُه أربعَ مراتٍ كما زعَم مَن قال ذلك. ويدلُّ على صحةِ هذا التأويل قولُه - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابنِ شهاب: " واغْدُ يا أُنيسُ على امرأةِ هذا، فإن اعْتَرفَت فارْجُمها" (٢) . ولم يقل: إن اعتَرفَت أربعَ مرات.
-
وفي حديث الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المُهاجر، عن عِمْرانَ بن حُصين، أن امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إني أصَبْتُ حدًّا فأقِمْه علَيَّ. فأمَر بها فشُكَّت عليها ثيابُها (٣) . وقد ذكَرنا هذا الخبرَ في باب يعقوبَ بن زيدٍ من هذا الكتاب.
- ج ١٥ ص ٤٣
وفيه أيضًا دليلٌ على أن المجنونَ لا يلزَمُه حدٌّ، ولهذا ما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أَيَشتَكي؟ أبِه جِنّةٌ؟ " . وهذا إجماعٌ، أن المجنونَ المَعتُوهَ لا حدَّ عليه، والقلمُ عنه مرفوعٌ.
-
وفيه دليلٌ على أن إظهارَ الإنسانِ ما يأتيه من الفواحشِ حُمقٌ لا يفعَلُه إلا المجانينُ، وأنه ليس من شأنِ ذوي العُقول كشفُ ما واقَعوه (١) من الحُدود والاعترافُ به عندَ السلطانِ وغيرِه، وإنما من شأنهم السترُ على أنفُسِهم والتوبةُ من ذنوبهم، وكما يلزَمُهم السترُ على غيرهم فكذلك يلزَمُهم السترُ على أنفسِهم، وسنذكُرُ في هذا الباب والباب الذي بعدَه في السترِ أحاديثَ يَستدِلُّ بها الناظرُ في كتابنا على صحّةِ هذا إن شاء الله.
-
وفيه دليلٌ على أن حدَّ الثيِّب غيرُ حدِّ البِكْرِ في الزِّنى، ولهذا ما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أبكرٌ هو أم ثيبٌ؟ " . ولا خلافَ بينَ علماءِ المسلمين أن حدَّ البكرِ في الزِّنى غيرُ حدّ الثيِّب، وأن حدَّ البكرِ الجلدُ وحدَه، وحدَّ الثيبِ الرجمُ وحدَه، إلا أن من أهلِ العلم مَن رأى على الثيِّب الجلْدَ والرجْمَ جميعًا، وهم قليل، رُوِيَ ذلك عن عليٍّ (٢) ، وعُبادة (٣) ، وتعلَّق به داودُ وأصحابُه، والجمهورُ على أن الثيِّبَ يُرجَمُ ولا يُجلَدُ. وقد ذكَرْنا الاختلافَ في ذلك في باب ابنِ شهاب، عن عبيدِ الله (٤) .
- ج ١٥ ص ٤٤
وأما أهلُ البدع من الخوارج والمعتزلة، فلا يرَوْن الرجمَ على أحدٍ من الزُّناة؛ ثيِّبًا كان أو غيرَ ثيِّب، وإنّما حدُّ الزُّناة عندَهم الجلْدُ، الثيِّبُ وغيرُ الثيِّب سواءٌ عندَهم، وقولهُم في ذلك خلافُ سُنّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخلافُ سبيلِ المؤمنين، فقد رجَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاءُ بعدَه، وعلماءُ المسلمين في أقطارِ الأرض متَّفقون على ذلك من أهل الرأي والحديث، وهم أهلُ الحق، وباللّه التوفيق.
-
وأما قوله: "إن رجلًا من أسلَم جاء إلى أبي بكرٍ الصديق" فهذا الرجلُ هو ماعزٌ الأسلميُّ، لا يَختلِفُ أهلُ العلم في ذلك، وقد تقدَّم من روايةِ يزيدَ بنِ هارون، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنه ماعزُ بنُ مالكٍ الأسلميّ (١) . وهو معروفٌ عندَ العلماءِ محفوظٌ، لا يختلِفون فيه (٢) .
-
أخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سِماك، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماعزُ بنُ مالك، فاعترَف مرتين، فقال: "اذهَبوا به ثم رُدُّوه" . فاعترَف مرَّتين، حتى اعترَف أربعًا، فقال: "اذهَبوا به فارجُموه" (٣) .
قال ابنُ سَنْجَر (٤) : وحدَّثنا عارم، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن سِماكِ بنِ حَرْب،
ج ١٥ ص ٤٥عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباس، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لماعز: "ما بلَغَني عنكَ؟ " . قال: وما بلَغَك عنِّي؟ قال: "وقَعتَ على جاريةِ بني فُلان؟ " . قال: نعم. قال: فشَهِدَ على نَفْسه أربعَ شهادات، أو أقرَّ أربعَ مرّات. قال: فأمَر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - برجمه. وفي الباب بعدَ هذا في قصةِ هزّال بيانُ ذلك أيضًا (١) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله (٢) ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا عبدُ المجيد، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: رجَمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجُلًا من أسْلَم، ورجُلًا من اليهودِ وامرأة (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا عبدُ الصّمدِ بنُ عبدِ الرَّحمن المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ الحسين، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمرَ الزَّهرانيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ لَهيعة، قال: حدَّثنا أبو الزُّبير، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبد الله: هل رجَمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
ج ١٥ ص ٤٦قال: رجَمَ رجلًا من أسلَمَ، ورجُلًا من اليهودِ وامرأة، وقال لليهوديِّ: "نحن نَحكُمُ عليكم اليومَ" (١) .
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ إسماعيلَ أبو عيسى الأسوانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ وَكيع بن الجرّاح الرُّواسيُّ، قال: حدَّثني أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامرٍ الشَّعبيِّ، عن عبدِ الرحمن بن أبْزى، عن أبي بكرٍ الصديق، أن ماعزًا أقرَّ على نفسِه بالزِّنى عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثَ مرات، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إن إقْرَرْتَ الرابعةَ أقَمْتُ عليكَ الحدَّ" . فأقَرَّ عندَه الرابعة، فأمَر به فحُبِس، ثم سأل عنه فذكَروا خيرًا، فرُجِم (٢) .
- ج ١٥ ص ٤٧
وليس في هذا الحديثِ حجّةٌ من أجلِ جابرٍ الجُعفيِّ، وإنما ذكَرناه ليُعرَف، وقد أجمعوا على أنه يُكتبُ حديثُه، واختلَفوا في الاحتجاج به، وكان يحيى وعبدُ الرحمن لا يُحدِّثان عنه، وكان أحمدُ وابنُ معينٍ يضعِّفانه، وشهِد له بالصدقِ والحفظ؛ الثوريُّ، وشُعبة، ووَكيعٌ، وزهيرُ بنُ مُعاوية، وقال وَكيع: مهما شكَكْتُم في شيءٍ فلا تَشُكُّوا أن جابرًا الجُعفيّ ثقةٌ.
-
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَكَم (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: أخبَرني عثمانُ بنُ أبي سَوْدة، قال: حدَّثني مَن سمِع عُبادةَ بنَ الصامتِ يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللهَ ليَسْتُرُ العبدَ مِن الذنبِ ما لم يَخرِقْه" . قالوا: وكيف يَخرِقُه يا رسولَ الله؟ قال: "يُحَدِّثُ به الناسَ" (٢) .
-
وأما قوله: "إن الآخِرَ زَنَى" فالروايةُ بكسْرِ الخاء، وهو الصوابُ، ومعناه أن الرَّذْلَ الدَّنيء زَنَى (٣) ، كأنَّه يدعُو على نفسِه ويَعيبُها بما نزَل به من مُواقَعةِ الزِّنى.
قال أبو عُبيد: ومن هذا قولهم: السؤالُ آخِرُ كسبِ الرجل؛ أي: أرذلُ كسبِ الرجل.
وقال الأخفشُ: كَنَى عن نفسِه، فكسَر الخاءَ، وهذا إنما يكونُ لمَن حدَّث عن نفسِه بقبيح يكرَهُ أن يَنسِبَ ذلك إلى نفسِه.
- ج ١٥ ص ٤٨
حديث رابعٌ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنه قال: بلَغني أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ - من أسلَمَ يقال له: هَزّالٌ: "يا هَزّالُ (٢) ، لو ستَرتَه بردائِك لكانَ خيرًا لك" .
قال يحيى بنُ سعيد: فحدَّثْتُ بهذا الحديثِ في مجلسٍ فيه يزيدُ بنُ نُعَيم بنِ هَزّالٍ الأسْلَميُّ، فقال يزيدُ: هَزّالٌ جَدِّي، وهذا الحديثُ حقٌّ.
-
وهذا الحديثُ لا خلافَ في إسنادِه في "الموطأ" على الإرسال (٣) كما ترَى، وهو يَستنِدُ من طرقٍ صِحاح.
-
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن يزيدَ بنِ نُعيم، عن جدِّه هَزّال، وعن محمدِ بنِ المنْكَدر، عن هَزّال، أنه أمَر ماعزًا الأسلَميَّ أن يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيُخبِرَه بحَدَثِه، فأتاه ماعزٌ، فأخبَره بحَدَثِه، فأعْرَض عنه مِرارًا، وهو يُردِّدُ ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعَث إلى قومِه فسألهم: "أبِه جِنّةٌ؟ " . فقالوا: لا. فسأل عنه: "أثيِّبٌ أم بِكْرٌ؟ " . قالوا: ثيِّبٌ. فأمَر به فرُجِم، ثم قال: "يا هَزّالُ، لو ستَرْتَه بردائِكَ كان خيرًا لكَ" (٤) .
- ج ١٥ ص ٤٩
وأخبَرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ نُعيم بنِ هَزّال، عن أبيه، أن ماعزَ بنَ مالكٍ كان في حِجْرِ أبيه هزّال، فلمّا فجرَ قال له أبي: لو أتيتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبَرتَه. فلهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهزّال حينَ لَقِيَه: "يا هَزّالُ، لو سترْتَه بردائِكَ كان خيرًا لكَ" (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البغداديُّ بُكيرٌ بمكّة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يونسَ الكُدَيميُّ، قال: حدَّثنا الربيعُ بنُ يحيى الأُشنانيُّ،
ج ١٥ ص ٥٠قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ المُنكدر، عن ابنِ هَزّال، عن أبيه، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو ستَرْتَه بردائِك كان خيرًا لك" (١) .
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ، وإن كنا ذكَرْناه من روايةِ الكُدَيميِّ، فإنه محفوظٌ عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ المنكدر، عن ابنٍ لهَزّال، عن هَزّال، وعن يحيى بنِ سعيد، عن يزيدَ بنِ نُعيم بنِ هَزّال، من وجوه. وقد ذكَرْنا الحُكْمَ في معاني هذا الحديثِ في مواضعَ سلَفَت من كتابنا، والحمدُ للّه (٢) .
-
وقد رُوِيَت آثارٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في فَضْلِ السِّتْرِ على المُسلم، أذكُرُ منها ما حضَرني ذِكْرُه بعوْنِ الله.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الفضل عارمٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن سُليمانَ الأعمش، عن أبي صالِح، عن أبي هُريرة - وربّما قال: عن أبي سعيد - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن نَفَّس عن مُسلم كُرْبةً من كُرَب الدُّنيا، نَفَّس اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ الآخرة، ومَن يسَّر على مُسلم في الدُّنيا (٣) ، يسَّر اللهُ عليه في الدُّنيا والآخرة، ومَن سَتَر على مُسلم، ستَر اللهُ عليه في الدُّنيا والآخرة، واللّهُ في عَوْنِ العبدِ ما كان العبدُ في عَوْنِ أخيه" (٤) .
- ج ١٥ ص ٥١
حدَّثنا أحمدُ بنُ عُمر (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عبدِ الله بنِ سيف، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مَسْلَمةَ بنِ
ج ١٥ ص ٥٢قَعْنَب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن محمدِ بنِ واسع، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله: "مَن فرَّج عن أخيه كُرْبةً من كُرَب الدنيا، فرَّج اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ الآخرة، ومَن ستَر أخاهُ، ستَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرَة، واللّهُ في عوْنِ العبدِ ما كان العبدُ في عَونِ أخيه" (١) .
-
أخبرنا أحمدُ بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن أبيه، عن مولى لخارجةَ حدَّثه، عن أبي صيّادٍ الأسودِ
ج ١٥ ص ٥٣الأنصاريِّ - وكان عَريفَهم - أن رجلًا قدِم، فحَلَّ ببابِ مَسلمةَ بنِ مَخْلَد، واستَأذَن، فأذِن له، وقال: حُلَّ. قال: لا، ولكن أرْسِلْ معي إلى عقبةَ بنِ عامر. فأرْسَل معه أبا صيّاد، فدخَلُوا على عقبة، فرحَّب به، فقال الرجلُ لعقبة: هل تَذكُرُ مجلِسًا كنا فيه عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن ستَر عورةَ مؤمنٍ كانت له كمَوْؤودةٍ أحْياها؟ " قال عقبة: نعم، لَعَمْري إني لَحاضرٌ ذلك، وسمِعتُه منه. فكبَّر الرجلُ، وقال: لهذا ارْتَحَلْتُ. ورجَع (١) .
- ج ١٥ ص ٥٤
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ سُليمانَ المِنْقَريُّ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا همّامُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي طلحة، قال: حدَّثنا شيبةُ الحَضْرميُّ، قال: شهِدتُ عُروةَ بنَ الزُّبير يُحدِّثُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز، عن عائشةَ قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثٌ كنتُ حالِفًا عليهنّ، ولو حلَفْتُ على الرابعةِ رجَوْتُ ألّا آثَمَ؛ لا يَجعلُ اللهُ مَن له سهْمٌ في الإسلام كمَن لا سهمَ له" . قال: "وسِهامُ الإسلام الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ، ولا يُحبُّ رجلٌ قومًا إلا جاء معهم يومَ القيامة، ولا يتوَلَّى اللهَ عبدٌ في الدُّنيا فيُولِّيَه غيرَه يومَ القيامة، والرابعة، لا يَستُرُ اللهُ على عبدٍ في الدنيا إلا ستَرَه يومَ القيامة" .
-
هكذا قال: شَيبةُ الحَضْرميُّ، وإنما هو شَيبةُ الخُضْريُّ، وكذلك رواه عفانُ، عن همّام؛ ذكَره ابنُ أبي شيبة (١) ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا همامٌ، قال: سمِعتُ إسحاقَ بنَ عبدِ الله بنِ أبي طلحة، قال: حدَّثني شَيبةُ الخُضْريُّ، أنه شهِد عُروةَ يُحدِّثُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز، عن عائشة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَجعلُ اللهُ رجلًا له سهمٌ في الإسلام كمَن لا سهمَ له" . وذكَر الحديثَ سواءً إلى آخرِه بمعناه، وزاد: فقال عُمرُ بنُ عبدِ العزيز: إذا سمِعتُم بمثل هذا الحديثِ عن مثل عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فاحْفَظُوه.
- ج ١٥ ص ٥٥
حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم بنِ سَهْلِ بنِ محمدِ بنِ أسودَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو الطّيبِ محمدُ بنُ جعفرٍ غُنْدَرٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعد، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ الحسَن (١) ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سُلَيْم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ كثير، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقول: إن الملائكةَ مع ابنِ آدم، فإذا ذكَر أخاهُ المسلمَ بخيرٍ قالتِ الملائكة: ولكَ مثلُه. وإذا ذَكَره بشَرٍّ، قالت الملائكة: ابنَ آدم، المستورَ عورتُه، ارْبَعْ على نفْسِك، واحمَدِ اللهَ الذي سترَ عورتَكَ (٢) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسم (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنِ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قال: حدَّثنا سُهَيْلٌ، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَستُرُ عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستَره اللهُ يومَ القيامة" (٤) .
-
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله ومحمدُ بنُ إبراهيم (٥) ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُباب، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ نَشيطٍ الوَعْلانيُّ، عن كَعْبِ بن عَلْقمة،
ج ١٥ ص ٥٦عن دُخَيْن أبي الهيثم كاتبِ عُقبة، قال: قلت لعُقبةَ بنِ عامر: إنَّ لنا جيرانًا يَشْرَبون الخمر، وأنا داعٍ لهم الشُّرَطَ فيَأخُذونهم. قال: لا تَفعَلْ، ولكن عِظْهم وتهدَّدْهم. قال: ففَعَل ذلك بهم شهرًا. ثم جاء دُخَيْنٌ إلى عُقبة، فقال: إنِّي نهيتُهم فلم يَنتَهوا، وإنِّي داعٍ لهم الشُّرَط. فقال له عُقبة: وَيْحكَ لا تفعَلْ، فإنِّي سمِعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَن ستَر على مؤمنٍ عَوْرةً فكأنّما استَحْيا موؤودةً" (١) .
-
وهذا الحديثُ رواه ابنُ وَهْب، عن إبراهيمَ بنِ نَشيط، عن كَعْبِ بنِ عَلْقَمة، عن كثيرٍ مولى عُقبةَ بنِ عامر، عن عُقبةَ بنِ عامر، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن رأى عورةً فستَرها، كان كمَن اسْتَحيا موؤودةً من قبرِها" (٢) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن نَفَّس عن مُسلم كُرْبةً مِن كُربِ الدُّنيا، نَفَّس اللهُ عنه كُرْبةً مِن كُرَبِ الآخرة، ومَن ستَر مسلمًا، ستَره
ج ١٥ ص ٥٧اللهُ في الدُّنيا والآخرة، ومَن يسَّر على مُعْسِر، يسَّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، واللّهُ في عوْنِ العبدِ ما كان العبدُ في عوْن أخيه، ومَن سلَك طريقًا يَلتَمِسُ فيها علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنّة، وما اجتمَع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ الله، يَتلُون كتابَ الله، ويَتدارَسونه بينَهم، إلا نزَلت عليهم السَّكينة، وغشِيَتهم الرَّحمة، وحفَّتهمُ الملائكةُ، وذكَرهُم اللهُ فيمَن عندَه، ومَن أبطَأ به عملُه لم يُسْرِعْ به حَسَبُه" (١) .
-
حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الصَّبّاحيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ وَرْدِ بنِ عبد الله، حدَّثني أبي، حدَّثنا عديٌّ (٢) ، عن داودَ بنِ أبي هند، عن عِكْرِمة، عن ابنِ عباسٍ أن عمارَ بنَ ياسرٍ أخَذ سارقًا، فقال: ألا أسْتُرُه لعلَّ الله يَستُرُني (٣) .
- ج ١٥ ص ٥٨
حديثٌ خامسٌ ليحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب، أنه قال: ما صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظُّهرَ والعصرَ يومَ الخندَقِ حتَّى غابَتِ الشمسُ.
-
وهذا يَستندُ من حديثِ ابنِ مسعود، وحديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ (٢) ، وحديثِ جابر، وبعضُها أتمُّ معنًى من بعض، وقد يجوزُ أن يكونَ هذا النِّسيانُ ولَّدَه شُغْلٌ عظيمٌ.
-
روَى هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن جابر، قال: جعَل عُمرُ بنُ الخطاب يَسُبُّ كفارَ قُريش يومَ الخندق، ويقول: يا رسولَ الله، واللّه ما صلَّيتُ العصرَ حتى غابَتِ الشمسُ، أو كادتْ تَغيبُ. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "واللّه ما صلَّيتُها" . فنزَلنا معه إلى بُطْحان (٣) ، فتوَضَّأ للصلاة، وتوَضَّأنا معه، فصلَّى العصرَ بعدَما غربَتِ الشمس، ثم صلَّى بعدَها المغرب (٤) .
-
وأما قولُه - صلى الله عليه وسلم - يومَ الخندق: "شغَلُونا عن الصلاةِ الوُسطَى صلاةِ العصرِ حتَّى غرَبَتِ الشمسُ" . فقد ذكَرْنا طُرقَ هذا الحديثِ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، وذكَرْنا حديثَ أبي سعيدٍ الخدريِّ، وحديثَ ابنِ مسعودٍ في بابِ مُرسلِ زيدٍ أيضًا، وفي حديثِهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شُغِل يومئذٍ عن أربع صلوات: الظُّهر، والعصر،
ج ١٥ ص ٥٩والمغرب، والعشاء. وفي حديث جابر: العصرِ وحدَها. وفي مُرسَل سعيد: الظُّهر والعصر. والمعنى في ذلك كلِّه سواء، والحمدُ لله.
-
قرأتُ على عبدِ الله بن محمدِ بنِ يوسف، أنّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ يحيى حدَّثه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زياد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبّار، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْر، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سَنْبَر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: جعَل عُمرُ بنُ الخطاب يَسُبُّ كفارَ قريش يومَ الخندق، ويقول: يا رسولَ الله، ما صلَّيتُ العصرَ حتى كادَت الشمسُ تَغيبُ. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "والله ما صلَّيتُها" . فنزلنا معهُ إلى بُطْحان، فتوضَّأ للصلاة، وتوضَّأنا معه، فصلَّى العصرَ بعدَما غرَبتِ الشمسُ، ثم صلَّى بعدَها المغرب (١) .
-
وقد تقدَّم القولُ في معاني هذا الحديث في باب زيدِ بنِ أسلَم (٢) .
- ج ١٥ ص ٦٠
حديثٌ سادسٌ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّه قال: صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - بعدَ أن قدِمَ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا نحوَ بيتِ المقدس، ثم حُوِّلَتِ القِبلَةُ قبلَ بَدْرٍ بشهرَين.
-
هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عن مالك، عن يحيى بن سعيدِ مرسلًا (٢) .
-
ورواه محمدُ بنُ خالدِ بنِ عَثْمة، عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - بعدَ أن قدِمَ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا نحوَ بيتِ المقدس، حتى (٣) حُوِّلَت القبلةُ قبلَ بدرٍ بشهرين (٤) . انفَرَد به عن محمدِ بنِ خالدِ بنِ عَثْمةَ عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ نَجيح، وعبدُ الرحمنِ ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به.