زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ١٠ من ٤٠

  1. وذكَر حبيبٌ (١) ، عن مالكٍ، قال: السِّقايةُ البرَّادةُ يُبَرَّدُ فيها الماءُ، تُعلَّقُ. وقال الأخفشُ: أهلُ الحجازِ يُسَمُّون البَرَّادةَ سقايةً، ويُسمُّون الحوضَ الذي فيه الماءُ سَقايةً.

    وقال ابنُ وَهْب: بلَغني أنّها كانت قِلادةَ خَرَزٍ، وذهبٍ، ووَرِقٍ.

    وقال ابنُ حبيبٍ: من قال: إنّ السِّقايةَ قِلادةٌ، فقد وَهِمَ وأخطَأ، وهو قولٌ لا وجهَ له عندَ أهلِ العلم باللِّسان (٢) .

    قال أبو عُمر: ظاهرُ هذا الحديثِ الانقطاعُ؛ لأنّ عطاءً لا أحفظُ له سماعًا من أبي الدَّرداءِ، وما أظنُّه سمِع منه شيئًا؛ لأنّ أبا الدَّرداءِ تُوفِّي بالشام في خلافةِ عثمانَ لسنَتَين بَقِيَتا من خلافتِه، وذكَر ذلك أبو زُرعةَ (٣) ، عن أبي مُسْهِرٍ، عن سعيدِ بن عبد العزيز. وقال الواقديُّ (٤) : تُوفِّي أبو الدَّرداء سنةَ اثنتين وثلاثين، ومولدُ عطاءِ بن يسارٍ سنةَ إحدى وعشرين. وقيل: سنةَ عشرين (٥) .

    قال أبو عُمر: وقد روَى عطاءُ بن يسارٍ، عن رجلٍ من أهل مصرَ، عن أبي الدَّرداءِ حديثَ: {لَهُمُ الْبُشْرَى} [يونس: ٦٤] (٦) . وممكن أن يكونَ سمِع عطاءُ بن يسارٍ

    ج ٣ ص ١٧٧من مُعاويةَ؛ لأنّ معاويةَ تُوفِّي سنةَ ستِّينَ، وقد سمِع عطاءُ بن يسار من أبي هريرةَ، وعبدِ الله بنِ عَمْرو بن العاص، وعبدِ الله بنِ عُمرَ، وجماعةٍ من الصحابة هم أقدمُ موتًا من معاويةَ، ولكنّه لم يشهَدْ هذه القصةَ؛ لأنّها كانت في زمنِ عمرَ، وتُوفِّي عمرُ سنةَ ثلاثٍ وعشرين أو أربعٍ وعشرين من الهجرة.

    ج ٣ ص ١٧٦
  2. واختُلِف في وقتِ وفاةِ عطاءِ بن يسارٍ؛ فقال الهيثمُ بن عديٍّ: توفِّي سنةَ سبعٍ وتسعين. وقال الواقديُّ (١) : توفِّي عطاءُ بن يسارٍ سنةَ ثلاثٍ ومئة، وهو ابنُ أربعٍ وثمانين سنةً، أخبَرني بذلك أُسامةُ بن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه.

  3. على أنّ هذه القصةَ لا يعرِفُها أهلُ العلم لأبي الدَّرداءِ إلّا من حديثِ زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، وأنكَرها بعضُهم؛ لأنّ شبيهًا بهذه القصةِ عرَضت لمعاويةَ مع عُبادة بن الصَّامت، وهي صحيحةٌ مشهورةٌ محفوظةٌ لعبادةَ مع معاويةَ من وجوهٍ وطرقٍ شَتّى (٢) .

  4. وحديثُ تحريم التَّفاضُلِ في الوَرِقِ بالوَرِقِ، والذَّهَبِ بالذَّهَبِ، لعُبادةَ محفوظٌ عندَ أهل العلم، ولا أعلمُ أنّ أبا الدَّرداءِ روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الصَّرفِ، ولا في بَيعِ الذَّهبِ بالذهبِ، ولا الوَرِقِ بالوَرِقِ حديثًا، واللهُ أعلمُ.

    ج ٣ ص ١٧٨
  5. وكان معاويةُ يذهَبُ إلى أنّ النهيَ والتحريمَ إنّما ورَد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدِّينار المَضْروب، والدِّرهم المَضْروبِ، لا في التِّبر من الذهبِ والفضةِ بالمَضْروب، ولا في المَصُوغ بالمَضْروب. وقيل: إنّ ذلك إنّما كان منه في المَصُوغ خاصَّةً، والله أعلمُ، حتى وقَع له مع عُبادةَ ما يأتي ذكرُه في هذا الباب، وقد سأل عن ذلك أبا سعيدٍ بعدَ حينٍ، فأخبَره عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بتحريم التَّفاضُلِ في الفضَّةِ بالفضَّةِ، والذَّهبِ بالذَّهبِ؛ تِبرُهما وعَينُهما، وتِبرُ كلِّ واحدٍ منهما بعَينِه. وإنّما كان سؤالُه أبا سعيدٍ استثباتًا؛ لأنّه كان يعتقِدُ أنّ النَّهيَ إنّما ورَد في العَيْن، ولم يكنْ، واللهُ أعلمُ، عَلِمَ بالنَّهي حتى أعلَمه غيرُه. وخَفاءُ مثل هذا على مثلِه غيرُ نكيرٍ؛ لأنّه من عِلْم الخاصَّة، وذلك موجودٌ لغيرِ واحدٍ من الصحابة. ويَحتمِلُ أن يكونَ مذهبُه كان كمذهبِ ابن عبّاسٍ، فقد كان ابنُ عباسٍ - وهو بحرٌ في العلم - لا يرى بالدِّرهم بالدِّرهمين يدًا بيدٍ بأسًا حتى صرَفه عن ذلك أبو سعيد.

  6. وذكَر الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ عيسى، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو حُرّةَ، قال: سأل رجلٌ ابنَ سيرينَ عن شيءٍ، فقال: لا علمَ لي به. فقال الرجلُ: إنِّي أحبُّ أن تقولَ فيه برأيك. قال: إنِّي أكرهُ أنْ أقولَ فيه برأي، ثم يَبدُوَ لي غيرُه فأطْلُبَكَ فلا أجِدَك، إنّ ابنَ عباسٍ قد رأى في الصَّرفِ رأيًا ثم رجع عنه.

  7. أخبرني عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا

    ج ٣ ص ١٧٩بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن (١) سُليمانَ الرَّبَعيِّ، عن أبي الجَوزاء قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ وهو يأمرُ بالصَّرفِ؛ الدِّرهمُ بالدِّرهمين، والدِّينارُ بالدِّينارَين، يدًا بيدٍ، فقدِمتُ العراقَ، فأفتَيتُ الناسَ بذلك، ثم بلَغَني أنّه نزَل عن ذلك، فقدِمْتُ مكةَ فسألْتُه، فقال: إنّما كان ذلك رأيًا منِّي، وهذا أبو سعيدٍ يُحَدِّثُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يَنْهَى عنه.

    قال أبو عُمر: حديثُ أبي سعيدٍ في الصَّرْفِ عندَ مالكٍ (٢) ، عن نافع، عن أبي سعيدٍ، يأتي ذِكْرُه في باب نافع من هذا الكتاب إن شاء الله. فغيرُ نكيرٍ أنْ يَخْفَى على معاويةَ ما خَفِيَ على ابن عباسٍ. وقد رَوَيْنا عن معاويةَ، كما قدَّمْنا ذِكرَه، أنّه كان يذْهَبُ إلى أنّ الرِّبا في المَضْروبِ دونَ غيرِه، وهو شيءٌ لا وجهَ له عندَ أحدٍ من أهلِ العلم، وقد قلنا: إنّ قصتَه المذكورةَ في هذا الحديثِ مع أبي الدرداءِ لا تُوجدُ إلّا في حديثِ زيدٍ هذا. وإذا (٣) كان ابنُ عباسٍ، وعُمرُ قبلَه، وأبو بكرٍ قبلَهما، يَخْفَى عليهم ما يُوجدُ عندَ غيرِهم ممَّن هو دُونَهم، فمعاويةُ أحرَى أن يُوجدَ عليه مثلُ ذلك مع أبي الدَّرْداء.

  8. وأمّا قصَّةُ معاويةَ مع عُبادةَ في ذلك، فحدَّثني أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن حَكيم بن جابرٍ، عن عُبادةَ بن الصامتِ، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "الذَّهبُ بالذَّهبِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، الكِفَّةُ بالكِفَّةِ،

    ج ٣ ص ١٨٠والفضةُ بالفضةِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، الكِفَّةُ بالكِفَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يدًا بيدٍ، والشعيرُ بالشعيرِ، مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، والتمرُ بالتمرِ، مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ ". قال: حتى ذكَر: " الملحُ بالملح مثلًا بمثلٍ، يدًا بيَدٍ ". فقال معاويةُ: إنّ هذا لا يقولُ شيئًا. فقال له عُبادةُ: إنِّي والله لا أُبالي ألّا أكونَ بأرضِكم هذه (١) .

  9. وحدَّثنا (٢) عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ القطّانُ، عن إسماعيلَ، قال: حدّثني حكيمُ بن جابرٍ، عن عُبادةَ بن الصَّامت، قال: سمِعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَر نحوَه إلى قوله: "المِلحُ بالمِلح". وقال: قال معاويةُ: إنّ هذا لا يقولُ شيئًا. فقال عبادةُ: إنِّي والله ما أُبالي ألّا أكونَ بأرضِ معاويةَ، أشهَدُ أنِّي سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ ذلك (٣) .

  10. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسَرْهَدٍ، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بن سُليمانَ، عن خالدٍ الحذّاء،

    ج ٣ ص ١٨١قال: أنبأني أبو قلابةَ، عن أبي أسماءَ (١) ، عن عُبادةَ بن الصامت، أنّهم أرادوا بيعَ آنيةٍ من فضةٍ إلى العطاء، فقال عُبادةُ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفضَّةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلح، يدًا بيدٍ، مثلًا بمثلٍ، من زاد أو ازداد فقد أربَى" .

  11. هكذا قال المُعتمرُ: عن خالدٍ الحذّاء، عن أبي قلابةَ، عن أبي أسماءَ، وهو خطأٌ، والصَّوابُ في هذا الحديث ما قاله أيُّوبُ (٢) : عن أبي قلابةَ، عن أبي الأشعث. وقولُ المعتمر: عن خالدٍ، عن أبي قلابةَ، عن أبي أسماءَ خطأٌ، وقد خالَفه الثوريُّ (٣) وغيرُه (٤) عن خالدٍ. وأخطَأ أيضًا المعتمرُ في قولِه: إنّ الآنيةَ بيعَتْ إلى العطاء. وإنّما بيعت في أعطِياتِ الناسِ لا إلى العطاءِ، وإنّما الحديثُ لأبي قلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ، لا لأبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ. كذلك روَى الثوريُّ، عن خالدٍ الحَذَّاء، عن أبي قِلابةَ.

  12. ذَكَر وكيعٌ (١) ، وعبدُ الرَّزَّاق (٢) ، وعبدُ الملكِ بن الصَّبَّاح (٣) ، كلُّهم عن الثوريِّ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي قلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ بن الصَّامتِ قال: كان معاويةُ يبيعُ الآنيةَ من الفضةِ بأكثرَ من وزنها، فقال عبادةُ: سمِعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "الذَّهب بالذَّهب، وزنًا بوزنٍ، والفضَّةُ بالفضَّةِ، وزنًا بوزنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ، مِثْلًا بمِثْلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرُ مِثْلًا بمِثْلٍ، والتَّمرُ بالتَّمرِ مِثلًا بمِثْلٍ، والمِلحُ بالمِلح، مِثلًا بمِثلٍ، وبيعُوا الذهبَ بالفضَّة يدًا بيدٍ كيف شئتُم، والبُرَّ بالشعير، يدًا بيدٍ كيفَ شئتُم، والتمرَ بالمِلح يدًا بيدٍ كيفَ شئتُم" . هذا لفظُ حديثِ عبد الرَّزَّاق، وقال وكيعٌ: "إذا اختلَفتِ الأصنافُ فبيعوا كيف شئتُم" ؛ يعني: يدًا بيدٍ.

    ج ٣ ص ١٨٢
  13. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، حدَّثهم قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال (٤) : حدَّثنا عبدُ الوهّاب بن عبد المجيد، عن أيُّوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أبي الأشعث، قال: كنّا في غَزاةٍ وعلينا معاويةُ، فأصَبْنا ذهبًا وفضة، فأمَر معاويةُ رجلًا ببيعِها للناس في أعْطِيَاتهم، فتسارَع الناسُ فيها، فقام عُبادةُ فنهاهم، فردُّوها، فأتَى الرجلُ معاويةَ فشكا إليه، فقام

    ج ٣ ص ١٨٣معاويةُ خطيبًا، فقال: ما بالُ رجالٍ يتحدَّثون عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديثَ يكذِبُون فيها لم نسمَعْها؟ فقام عُبادةُ فقال: والله لنُحدِّثنَّ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بما سمِعنا وإن كرِهَ معاويةُ، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعُوا الذَّهبَ بالذَّهبِ، ولا الفضَّةَ بالفضَّة، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعيرَ بالشَّعيرِ، ولا التَّمرَ بالتَّمرِ، ولا المِلحَ بالمِلح، إلّا مِثْلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، عينًا بعينٍ" .

  14. وحدَّثنا عبدُ الوارث، حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بن عمرَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ قال: كنتُ في حَلْقةٍ بالشام فيها مُسلمُ بن يسارٍ، فجاء أبو الأشعث، فقالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث. فجلَس، فقلتُ: حدِّثْ أَخانا حديثَ عُبادةَ بن الصَّامت. قال: نعم، غزَونا وعلى الناس معاويةُ، فغنِمنا غنائمَ كثيرةً، فكان فيما غنِمنا آنيةٌ من فضَّةٍ، فأمَر معاويةُ رجلًا ببيعِها في أعطياتِ الناس، فسارَع الناسُ في ذلك، فبلَغ عبادةَ بنَ الصَّامتِ ذلك، فقام فقال: إنِّي سمِعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ينهَى عن بيع الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفضَّةِ بالفضَّة، والبُرِّ بالبُرِّ، والشَّعيرِ بالشَّعيرِ، والتَّمْرِ بالتَّمر، والمِلْح بالمِلْح، إلّا سواءً بسواءٍ، عينًا بعينٍ، من زاد أو ازداد فقد أربَى. فردَّ الناسُ ما أخَذوا، فبلَغ ذلك معاويةَ، فقام خطيبًا فقال: ألا ما بالُ رجالٍ يُحدِّثون عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديثَ، قد كنّا نشهَدُه ونصحَبُه فلم نسمعْها منه؟ فقام عبادةُ بن الصامتِ فأعادَ القصَّةَ، ثم قال: لَنُحدِّثَنَّ بما سمِعنا من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كرِه معاويةُ - أو قال: وإن رَغِمَ معاويةُ - ما أُبالي أن أصحبَه (١) في جُنْدِه ليلةً سوداءَ. قال حمّادٌ: هذا، أو نحوه (٢) .

  15. وروَى هذا الحديثَ محمدُ بن سيرينَ، عن مسلم بن يسارٍ وعبد الله بن عُبيدٍ، عن عُبادةَ.

    ج ٣ ص ١٨٤
  16. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن سلمةَ بن علقمةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: حدثني مسلمُ بن يسارٍ وعبدُ الله بن عُبيدٍ - وقد كان يُدعَى ابنَ هُرمزَ - قالا: جمَع المنزلُ بين عُبادةَ بن الصامتِ وبينَ معاويةَ، إمّا في بيعةٍ أو في كنيسةٍ، فقام عبادةُ فقال: نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الذَّهب بالذَّهب. فذكَر نحوَ ما تقدَّم، وزاد: وأمَرنا أنْ نبيعَ الذَّهبَ بالفضَّة، والفضَّةَ بالذَّهبِ، والبُرَّ بالشَّعيرِ، والشَّعيرَ بالبُرِّ، يدًا بيدٍ، كيف شئنا (١) .

  17. حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي العوَّام، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسَّانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن رجلين أحدُهما مسلمُ بن يسارٍ، عن عُبادةَ بن الصامتِ نحوَه (٢) .

  18. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ قراءةً منِّي عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (١) ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ جُدعانَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن مسلم بن يسارٍ، عن عُبادةَ بن الصَّامتِ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الذَّهبُ بالذَّهبِ، مثلًا بمثلٍ، والوَرِقُ بالوَرِقِ، مِثلًا بمِثلٍ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، مِثلًا بمِثلٍ، والحِنطةُ بالحِنطةِ، مثلًا بمِثلٍ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، مِثلًا بمِثلٍ" - حتى خصَّ الملحَ بالملحِ، مِثلًا بمِثلٍ - "فمن زاد أو ازداد فقد أربَى" . واللفظ لحديث الحُميديّ.

    ج ٣ ص ١٨٥
  19. وروَى هذا الحديثَ بكرٌ المزَنيُّ، عن مسلم بن يسارٍ، عن عُبادةَ، كما رواه محمدُ بن سيرينَ.

  20. حدَّثنا عبد الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مباركُ بن فَضالةَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الله المزَنيُّ، عن أبي عبد الله مسلم بن يسارٍ، قال: خطَب معاويةُ بالشام، فقال: ما بالُ أقوام يزعُمون أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن الصَّرفِ، وقد شَهِدنا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم نسمَعْه نهَى عنه؟ فقام عبادةُ بن الصامتِ، فقال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى أن يُباعَ الذَّهبُ بالذَّهبِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، والوَرِقُ بالوَرِقِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ - وذكَر ستَّةَ أشياءَ، البُرَّ، والتَّمْرَ، والشَّعيرَ، والمِلْحَ، إلّا مِثلًا بمثلٍ - لَنُحدِّثَنَّ بما سمِعنا وإنْ كرِهتَ يا معاويةُ، لَندعَنَّك ولَنلحَقَنَّ بأميرِنا عمرَ. فقال: أيُّها الرجلُ، أنتَ وما سمِعتَ (٢) .

  21. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم السِّمَّريُّ (١) ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن مُسلم بن يسارٍ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ بن الصامتِ، أنّه قام فقال: أيُّها الناسُ، إنّكم قد أحدَثتُم بُيُوعًا لا أدري ما هي، وإنّ الذَّهبَ بالذَّهبِ، وزنًا بوزنٍ، تِبرَه وعَينَه، يدًا بيدٍ - زاد محمدُ بن الجهم: والفضةَ بالفضةِ، وزنًا بوزنٍ، يدًا بيَدٍ، تِبرَها وعَينَها. ثم اتَّفَقا - ولا بأسَ ببيعِ الذَّهبِ بالفضةِ والفضةُ أكثرُهما، يدًا بيدٍ، ولا يصلُحُ نَساءً، والبُرَّ بالبُرِّ مُدْي بمُدْيٍ (٢) ، يدًا بيَدٍ، والشعيرَ بالشعيرِ، مُدْيٍ بمُدْيٍ، يدًا بيدٍ، ولا بأسَ ببيعِ الشعيرِ بالبُرِّ والشعيرُ أكثرُهما، يدًا بيدٍ، ولا يصلُحُ نسيئةً، والتَّمرَ بالتَّمرِ - حتى عدَّ المِلحَ بالمِلح - مِثلًا بمِثلٍ، يدًا بيدٍ، من زاد أو ازداد فقد أربَى (٣) .

    قال قتادةُ: وكان عبادةُ بدريًّا عَقَبِيًّا، أحدَ نُقباءِ الأنصارِ، وكان بايَع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على ألّا يَخافَ في الله لومةَ لائم.

    ج ٣ ص ١٨٦
  22. هكذا روَاه ابنُ أبي عَروبةَ، عن قَتادةَ، عن مسلم بن يسارٍ موقوفًا، فذَكَر

    ج ٣ ص ١٨٧الحديثَ. وتابَع هشامٌ الدَّستُوائيُّ سعيدَ بن أبي عَروبةَ على هذا الإسناد، عن قتادةَ، عن مُسلم بن يسارٍ (١) .

  23. ورواه همّامٌ، عن قتادةَ، عن أبي الخليلِ، عن مُسلم المكيِّ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ بن الصامت، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه بمعناه (٢) . وسعيدٌ وهشامٌ كلاهما عندَهم أحفظُ من همّام.

  24. فهذا ما بلَغنا في قصَّة معاويةَ مع عُبادةَ في بيع الآنيةِ بأكثرَ من وزنِها، ذهبًا كانت أو فضةً، وذلك عندَ العلماءِ معروفٌ لمعاويةَ مع عُبادةَ لا مع أبي الدَّرداء، واللهُ أعلمُ. ومُمكِنٌ أن يكونَ له مع أبي الدَّرداء مثلُ هذه القصة أو نحوُها، ولكنَّ الحديثَ في الصَّرفِ مَحفوظٌ لعُبادةَ، وهو الأصلُ الذي عوَّل عليه العلماءُ في باب الرِّبا، ولم يختلِفوا أنّ فعلَ معاويةَ في ذلك غيرُ جائزٍ، وأنّ بيعَ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفضَّةِ بالفضَّةِ، لا يجوزُ إلّا مِثلًا بمِثل، تِبرِهما وعَينِهما ومَصوغِهما، وعلى أيِّ وجهٍ كانت، وقد مضَى في باب حُميدِ بن قيسٍ حديثُ ابن عمرَ في الصائغ الذي أراد أن يأخُذَ فضلَ يدِه، فقال ابنُ عمرَ: لا، هذا عهدُ نبيِّنا إلينا، وعهدُنا إليكم (٣) .

  25. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاح، قال: حدَّثنا موسى بن معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن خالدٍ الحذَّاء، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عُبادةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الذَّهبُ بالذَّهب، والفضَّةُ بالفضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ،

    ج ٣ ص ١٨٨والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلح، مِثلًا بمِثلٍ، سواء بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلَفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتُم إذا كان يدًا بيدٍ" (١) .

  26. وقرأتُ على عبد الوارث، أنّ قاسمًا حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا أُمَيٌّ الصَّيرَفيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح (٢) سنةَ مئةٍ، قال: كتَب أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي اللهُ عنه إلى عُمّالِه: ألّا تشتروا الذَّهبَ بالذَّهب إلّا مِثلا بمِثلٍ، ولا الفضّةَ بالفضةِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا الحِنطةَ بالحِنطةِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا الشعيرَ بالشعيرِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا التَّمرَ بالتَّمرِ إلّا مِثلًا بمِثلٍ.

    قال أبو عُمر: على هذا مذهبُ الصحابة، والتابعين، وجماعةِ فقهاءِ المسلمين، إلّا في البُرِّ والشعير، فإنَّهم اختلَفُوا في ذلك، فلا وجهَ للإكثارِ فيه.

  27. حدَّثني خلفُ بن القاسم بن سهل الحافظ، قال: حدَّثنا أبو الميمون البَجَليُّ عبدُ الرحمن بن عُمرَ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن المبارك، عن يحيى بن حمزةَ، عن بُرْدِ بن سِنانٍ، عن إسحاقَ بن قَبيصةَ بن ذُؤيبٍ، عن أبيه،

    ج ٣ ص ١٨٩أنّ عُبادةَ أنكَر على معاويةَ شيئًا، فقال له: لا أُساكنُك بأرضٍ أنت بها. ورحَل إلى المدينة، فقال له عمرُ: ما أقدَمَك؟ فأخبَره، فقال له: ارجِعْ إلى مكانِك، فقبَّح اللهُ أرضًا لستَ فيها ولا أمثالُك. وكتب إلى معاويةَ: لا إمارةَ لك عليه.

    قال أبو عُمر: فقولُ عُبادةَ: لا أُساكِنُك بأرضٍ أنت بها. أو قولُ أبي الدَّرداء على ما في حديثِ زيدِ بن أسلمَ، يَحتملُ أن يكونَ القائلُ ذلك قد خافَ على نفسِه الفتنةَ لبقائِه بأرضٍ يَنفُذُ فيها في العلم قولٌ خلافُ الحقِّ عندَه، وربَّما كان ذلك منه أنَفةً لمجاورةِ من رَدَّ عليه سُنَّةً عَلِمَها من سُننِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - برأيِه، وقد تضيقُ صدورُ العلماءِ عندَ مثل هذا، وهو عندَهم عظيمٌ؛ رَدُّ السُّننِ بالرَّأي. وجائزٌ للمرءِ أن يهجُرَ من خاف الضَّلالَ عليه، ولم يسمَعْ منه ولم يُطِعْه، وخاف أن يُضلَّ غيرَه، وليس هذا من الهجرةِ المكروهةِ، ألا ترى أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر الناسَ ألّا يُكلِّموا كعبَ بنَ مالكٍ حينَ أحدَث في تخلُّفِه عن تبوكَ ما أحدَث، حتى تاب اللهُ عليه (١) ؟ وهذا أصلٌ عندَ العلماء في مجانبةِ من ابتدَع، وهجرتِه، وقطعِ الكلام معه. وقد حلَف ابنُ مسعودٍ ألّا يُكلِّمَ رجلًا رآه يَضحَكُ في جِنازةٍ.

  28. أخبرنا عبدُ الرحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بن بحرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن هارونَ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن الوليدِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد الرحمن بن حُميدٍ الرُّؤاسيِّ، عن رجلٍ من عَبْسٍ، أنّ ابنَ مسعودٍ رأى رجلًا يضحَكُ في جنازةٍ، فقال: تضحَكُ وأنت في جنازةٍ؟! والله لا أُكلِّمُك أبدًا (٢) .

  29. وغيرُ نكيرٍ أن يجهلَ معاويةُ ما قد عَلِم أبو الدَّرداءِ وعُبادةُ؛ فإنّهما جليلان من فقهاءِ الصَّحابةِ وكُبَرائِهم.

    ج ٣ ص ١٩٠قال أبو عُمر: حديثُ عُبادةَ المذكورُ في هذا الباب، وإن كانوا قد اختلَفوا في إسنادِه، فهو عندَ جماعةٍ من فقهاءِ الأمصارِ أصلُ ما تدورُ عليه عندَهم معاني الرِّبا، إلّا أنّهم اختلَفت مذاهبُهم في ذلك، على ما أوضحناه في باب ابن شهابٍ، عن مالكِ بن أوسِ بن الحَدَثان، من هذا الكتاب (١) ، والحمدُ لله.

    قال أبو عُمر: ولا يوجدُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شيءٌ ذكَر فيه الرِّبا غيرَ هذه السِّتَّةِ الأشياءِ المذكورة في حديثِ عُبادةَ؛ وهي الذَّهبُ، والفضةُ، والبُرُّ، والشَّعيرُ، والتَّمرُ، والمِلحُ، فجعَلها جماعةُ علماءِ المُسلمين القائلين بالقياسِ أُصولَ الرِّبا، وقاسوا عليها ما أشبَهها وما كان في معناها، واستدلُّوا بقولِه في الحديث: حتى خصَّ المِلْحَ بالملح. فجعَلوا الملحَ أصلًا لكلِّ إدام، فحرَّموا التَّفاضلَ في كلِّ إدامٍ، وحرَّموا التَّفاضلَ في كلِّ مأكولٍ، على عِلَلٍ أُصولُها مُستنبطةٌ من هذا الحديث؛ فذهَب العراقيُّون إلى أنّ العلَّةَ فيها الكيلُ والوزنُ (٢) ؛ لأنّ كلَّ ما ذُكِر من الأنواع السِّتّة لم تَخْلُ من كيلٍ أو وزنٍ، وكذلك جاءَ الحديثُ به نصًّا؛ قال في الذهب وفي الوَرِقِ: "وزنًا بوزنٍ" . وقال في غير ذلك: "مُدْيٌ بمُدْي" . ونحوَ ذلك.

  30. وجعَل الشافعيُّ (٣) العِلَّةَ في ذلك الأكلَ لا غيرُ، إلّا في الذَّهبِ والوَرِقِ فلم يَقِسْ عليهما غيرَهما؛ لأنّهما أثمانُ المبيعات، وقِيَمُ المُتلَفات (٤) . وكذلك قولُ أصحابِ مالكٍ في الذهبِ والورِقِ، وعلَّلوا الأربعةَ بأنّها أقواتٌ مُدَّخَرةٌ (٥) ، فأجازوا التَّفاضلَ فيما لا يُدَّخرُ إذا كان يدًا بيدٍ، ولا بأسَ عندَهم برُمّانةٍ برُمَّانتين،

    ج ٣ ص ١٩١وتُفَّاحةٍ بتفَّاحتين، أو ما كان مثلَ ذلك، يَدًا بيدٍ. وذلك غيرُ جائزٍ عندَ الشافعيِّ؛ لأنّ العلَّةَ في ذلك عندَه الأكلُ، وسواءٌ عندَه ما يُدَّخَرُ وما لا يُدَّخرُ.

  31. والرِّبا عند جماعةِ العلماءِ في الصِّنفِ الواحدِ يدخُلُه من جهتَين، وهما النَّساءُ، والتَّفاضُلُ، فلا يجوزُ شيءٌ من الأنواع السِّتَّةِ بمثلِه إلّا يدًا بيدٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، على ما نصَّ عليه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -، فإذا اختلَف الجنسُ جاز فيه التَّفاضلُ، ولم يجُزْ فيه النَّساءُ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بيعوا الذَّهبَ بالوَرِقِ كيف شئتُم، يدًا بيدٍ، وبيعوا البُرَّ بالشَّعيرِ كيف شئتُم، يدًا بيدٍ" (١) . إلّا أنّ مالكًا جعَل البُرَّ والشَّعيرَ جنسًا واحدًا، فلم يُجِزْ فيه التَّفاضُلَ؛ لشيءٍ روَاه عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ (٢) ، وعبد الرحمنِ بن الأسودِ بن عبد يغوثَ (٣) ، من روايةِ سُليمانَ بن يَسَارٍ. وخالَفه في ذلك جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ. وسنذكُرُ هذا المعنى مجوَّدًا في باب عبد الله بن يزيدَ مولى الأسود بن سفيانَ، من كتابِنا هذا إن شاء الله.

    قال أبو عُمر: لا ربا عندَ العلماءِ في غير هذه الأنواع السِّتَّة وما كان في معناها، على عِلَلِهم وأُصولهم التي ذكَرنا، ولا حرامَ عندَهم في شيءٍ من البُيوع بعدَ ما تضمَّنت أُصولهُم المذكورةُ في هذا الباب على ما وصفنا، إلّا من طريق الزيادةِ في السَّلَف، والقولِ بالذَّرائع عندَ من قال بها؛ وهم: مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما. وكان سعيدُ بن المسيِّب، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وجماعةٌ (٤) ، ذهَبوا إلى أنّ لا ربا إلّا في ذَهَبٍ أو وَرِقٍ، أو ما كان يُكالُ أو يُوزنُ ممّا يُؤكلُ أو يُشربُ. استدلالًا

    ج ٣ ص ١٩٢- واللهُ أعلمُ - بحديثِ عُبادةَ المذكورِ في هذا الباب، وكانوا ينفُون القولَ بالذَّرائع، ويقولون: لا يُحكَمُ على مُسلم أو غيرِه بظنٍّ، ولا تُشرَعُ الأحكامُ بالظُّنون، ولا ينبغي أن يُظَنَّ بالمُسلم إلّا الخيرُ. ورُوِي عن عمرَ أنّه قال: إنّما الرِّبا على من أراد أن يُرْبي (١) .

  32. فهذا ما في السُّنَّةِ من أُصولِ الرِّبا، وأمّا الرِّبا الذي ورَد به القرآنُ فهو الزِّيادةُ في الأجَل يكونُ بإزائِه زيادةٌ في الثَّمن، وذلك أنّهم كانوا يتبايعون بالدَّين إلى أجَلٍ، فإذا حلَّ الأجَلُ قال صاحبُ المال: إمّا أن تقضِيَ، وإما أن تُربيَ؛ فحرَّم اللهُ ذلك في كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، واجتمعت عليه أمَّتُه. ومن هذا الباب عندَ العلماءِ: ضَعْ وتعجَّلْ (٢) ؛ لأنّه عكسُ المسألةِ، ومَن رخَّص فيه لم يكنْ عندَه من هذا الباب، وجعَله من بابِ المعروف.

  33. وأمّا مَن نفَى القياسَ من العلماءِ، فإنَّهم لا يَرَون الرِّبا في غير السِّتَّة الأشياءِ المذكور في حديثِ عبادةَ بن الصَّامتِ، وما عداها عندَهم فحلالٌ جائزٌ بعُموم قولِ الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: ٢٧٥] . وممّن يُروى عنه هذا القولُ قتادةُ، وما حفِظتُه لغيرِه، وهو مذهبُ داودَ بن عليّ وغيرِه (٣) ، ولهذا البابِ تلخيصٌ يَطولُ شرحُه ويتَّسعُ القولُ فيه، وفيما ذكَرتُ لك كفايةٌ ومقنعٌ لمن تدبَّر وفَهِم، وبالله التوفيقُ. وقد ذكَرنا منه نُكَتًا مُوعبةً كافيةً في غير موضعٍ من كتابِنا هذا. والحمدُ لله.

  34. حديثٌ ثاني عشر لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ ثابت

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن رجلٍ من بني أسَد، قال: نَزَلْتُ أنا وأهلي ببقيع الغَرْقد، فقال لي أهلي: اذهَبْ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاسألْه لنا شيئًا نأكُلُه. وجعَلوا يَذكُرون مِن حاجتِهم، فذهَبتُ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجدْتُ عندَه رجلًا يسألُه، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا أجدُ ما أُعْطيك" ، فتولَّى الرجلُ وهو مُغضَبٌ، ويقولُ: لَعَمْري، إنّك لتعطي مَنْ شئْتَ. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّه لَيغضَبُ عليَّ ألّا أجدَ ما أُعطيه، مَن سأل منكم وله أُوقيَّةٌ أو عَدْلهُا فقد سأل إلحافًا" . قال الأسَدِيُّ: فقلتُ: لَلَقْحَة لنا خيرٌ (٢) من أوقيّةٍ - قال [مالك] (٣) : والأُوقيةُ أربعون درهمًا - فرجَعتُ ولم أسألْه، فقُدِمَ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ ذلك بشعيرٍ وزبيبٍ، فقسَم لنا منه حتى أغْنَانا الله.

    ج ٣ ص ١٩٣
  35. هكذا رواه مالكٌ، وتابعَه هشامُ بن سعدِ (٤) وغيرُه (٥) ، وهو حديثٌ صحيحٌ، وليس حكمُ الصاحبِ إذا لم يُسَمَّ كحكم مَن دُونَه إذا لم يُسَمَّ عندَ العلماء؛ لارتفاع الجُرْحَة عن جَميعهم، وثبوتِ العدالةِ لهم؛ قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله أحمدَ بنِ حنبل: إذا قال رجل من التابعين: حدَّثني رجلٌ من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولم يُسَمِّه، فالحديثُ صحيحٌ؟ قال: نعم.

  36. وقد روَى عُمارةُ بن غَزِيّةَ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوَ هذا الحديث الذي رواه عطاءُ بن يسارٍ، عن الأسَديِّ، قال أبو سعيدٍ: اسْتُشْهِدَ أبي يومَ أحدٍ، وتَرَكَنا بغير مالٍ، فأصابَتْنا حاجةٌ شديدةٌ، فقالت لي أمِّي: أي بُنَيَّ، ائْتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاسألْه لنا شيئًا. قال: فجِئْتُ وهو في أصحابه جالسٌ، فسَلَّمْتُ وجَلَسْتُ (١) ، فاستَقْبَلني، وقال: "من استَغنَى أغْناه اللهُ، ومن اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ، ومن استكْفَ كفاهُ اللهُ" . قال: قلتُ: ما يُريدُ غيري. فرجَعْتُ ولم أُكَلِّمْه في شيءٍ، فقالت لي أُمِّي: ما فعَلْتَ؟ فأخبَرْتُها الخبرَ، فرزَقنا اللهُ شيئًا، فصبَّرَنا وبلَّغَنا حتى ألحَّتْ علينا حاجةٌ هي أشدُّ منها، فقالت لي أُمِّي: ائْتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فسألْه لنا شيئًا. قال: فجئتُه وهو في أصحابه جالسٌ، فاستَقْبَلني، فأعاد القولَ الأوّلَ، وزاد فيه: "مَن سأل وله أُوقيّةٌ، أو قيمةُ أُوقيّة، فهو مُلْحِفٌ" . فقلتُ: الياقوتةُ (٢) خيرٌ من أُوقيّةٍ، فرَجَعْتُ ولم أسألْه (٣) .

    ج ٣ ص ١٩٤
  37. هكذا رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي سعيدٍ، ورواه مالكٌ (١) ، عن ابن شهابٍ، عن عطاءِ بن يَزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ بغيرِ هذا اللفظ، والمعنَى واحدٌ، إلّا أنّه لم يَذْكُرْ فيه: "مَن سأل وله أُوقيّةٌ" إلى آخرِه. وإنما هذا موجودٌ من رواية مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن رجلٍ من بني أسدٍ، على ما تقدَّمَ في هذا الباب.

    ج ٣ ص ١٩٥
  38. وهذا الحديثُ من حديثِ ابن شهابٍ محفوظٌ كما رواه مالكٌ، وليس يُحفظُ حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ المذكورُ فيه الأوقيّةُ إلّا بالإسنادِ المذكورِ عن عُمارةَ بن غَزيّة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ، عن أبيه، وهو لا بأسَ به (٢) . وقد احتجَّ به أحمدُ بن حنبلٍ، وسنَذْكُرُ قولَه في ذلك إن شاء الله تعالى.

  39. وفي حديثِ زيدِ بن أسلمَ هذا من الفِقْه: مَعرِفَةُ ما كان عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من الحِلْم، وما كان القومُ فيه من الصَّبْرِ على الإقلالِ وقلَّةِ ذاتِ اليدِ.

  40. وأمّا قولُ الرجلِ فيه: والله إنّك لتُعْطي مَن شِئْتَ. فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ من الأعراب الجُفاة الذين لا يَدْرون حُدودَ ما أنزَل اللهُ على رسوله.