زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥

الصفحة ٩ من ٤٠

  1. واختُلِفَ عن الثَّوريِّ (٥) في هذه المسألة، فرُوِيَ عنه أنّه قال: لا يَجوزُ الوُضوءُ بالماءِ المُسْتَعمل. وأظُنُّه حُكِيَ عنه أيضًا أنّه قال: هو ماءُ الذُّنوب. وقد رُوِيَ عنه خلافُ ذلك؛ وذلك أنّه أفْتَى مَن نَسِيَ مسْحَ رأسِه أن يأخذَ من بَلَلِ لِحْيَتِه فيَمْسَحُ

    ج ٣ ص ١٥٢به رأسَه. وهذا واضِحٌ في استِعمالِ الماءِ المستعمَل. وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عُمَرَ، وأبي أُمامةَ، وعطاءِ بن أبي رباح، والحسن البصريِّ، والنَّخعيِّ، ومكْحولٍ، والزهريِّ، أنهم قالوا فيمن نسِي مسحَ رأسِه فوجَد في لِحْيَتِه بلَلًا: أنّه يُجْزِئُه أن يَمسحَ بذلك البَلَل رأسَه (١) . فهؤلاء كلّهم أجازوا الوُضوءَ بالماءِ المُستعمل.

    ج ٣ ص ١٥١
  2. وأما مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومن قال بقولهم، فلا يجوزُ عندَهم لمَن نَسي مسحَ رأسِه ووجَد في لحيتِه بَلَلًا أن يَمسحَ رأسَه بذلك البَلَلِ، ولو فعَل لم يُجْزِئْه، وكان كمن لم يَمسحْ، وكان عليه الإعادةُ لكلِّ ما صلَّى بذلك الوُضوءِ عندَهم؛ لأنّه ماءٌ قد أُدِّيَ به فرضٌ فلا يُؤَدَّى به فرض آخَرُ كالجِمارِ وشِبْهِها.

    قال أبو عُمر: الجِمارُ مختلفٌ في ذلك منها.

    وقال بعضُ المُنتَمِينَ إلى العِلم من أهل عصرِنا: إنّ الكبائرَ والصغائرَ تكَفِّرُها الصلاةُ والطهارةُ، واحتجَّ بظاهرِ حديث الصُّنابحيِّ هذا، وبمثله من الآثار، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فما ترَون ذلك يُبْقي من دَرَنِه؟ " (٢) ، وما أشْبَه ذلك. وهذا جَهْلٌ بَيِّنٌ، ومُوافَقةٌ للمُرجِئة فيما ذهَبوا إليه من ذلك، وكيف يجوزُ لذي لُبٍّ أن يَحملَ هذه الآثارَ على عُمومِها وهو يسمَعُ قولَ الله عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: ٨] ، وقوله تبارك وتعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: ٣١] في آي كثير من كتابه.

  3. ولو كانت الطَّهارةُ والصلاةُ وأعمالُ البرِّ مُكَفِّرةً للكبائر، والمُتطَهِّرُ المُصَلِّي غير ذاكرٍ لذنبِه الموبِق، ولا قاصدٍ إليه، ولا حضَره في حينِه ذلك الندمُ عليه، ولا خطَرت خَطيئتُه المُحيطةُ به ببالِه - لما كان لأمرِ الله عزَّ وجلَّ بالتوبةِ معنًى، ولكان كلُّ مَن توضَّأ وصلَّى يُشهَدُ له بالجنة بإثرِ سَلامِه من الصلاة، وإن ارتكَب قبلَها ما شاء من الموبقاتِ الكبائر. وهذا لا يقولُه أحدٌ ممّن له فَهْمٌ صحيحٌ. وقد أجمَع المسلمون أنّ التوبةَ على المُذْنب فرضٌ، والفُروضُ لا يَصِحُّ أداءُ شيءٍ منها إلّا بقَصْدٍ ونيّةٍ واعتقادِ أن لا عَوْدةَ، فَأمّا أنْ يُصلِّيَ وهو غيرُ ذاكِر لما ارْتَكَبَ من الكبائر، ولا نادم على ذلك، فمُحالٌ، وقد قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "النَّدَمُ تَوْبَةٌ" (١) . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الصَّلَواتُ الخمسُ، والجُمُعة إلى الجُمُعة، كفَّارةٌ لما بينهنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ" .

    ج ٣ ص ١٥٣
  4. حدَّثنا يونُسُ بن عبد الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ (٢) ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرِ بن أبي كثيرٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجمُعةُ إلى الجمُعة، كَفّارةٌ لما بينَهُنَّ من الخطايا ما لم تُغشَ الكبائرُ" (٣) .

  5. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو بَكرِ محمدُ بن أبي العوَّام، قال: حدَّثنا عمرُ بن سعيدٍ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصين، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمُعةُ إلى الجمُعةِ كفَّارةٌ لما بينَهما لمن اجْتَنَبَ الكبائرَ" (١) .

    ج ٣ ص ١٥٤
  6. وروى عبد الرزاق (٢) قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ الله بن مسعودٍ: الصَّلواتُ الخمسُ كفَّارةٌ لما بَينَهنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ.

    قال (٣) : وأخبَرني الثوريُّ عن أبيه، عن المُغير بن شُبيلٍ، عن طارق بن شهابٍ، سمِع سَلْمان الفارسيَّ يقول: حافِظُوا على هذه الصلواتِ الخَمْس، فإنَّهنَّ (٤) كفَّارةٌ لهذه الجراح ما لم تُصَبِ المَقْتَلةُ.

  7. وحدَّثنا سعيدٌ (٥) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٦) ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاحٍ (٧) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال (٨) : حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن مُغيرةَ، عن زيادِ بن كُلَيْبٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمَة (٩) ، عن سَلْمان (١٠) ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا

    ج ٣ ص ١٥٥أُحَدِّثُكم عن يوم الجمعةِ؟ لا يَتَطَهَّرُ رَجُلٌ ثم يأتي الجمعةَ فيَجْلِسُ ويُنْصِتُ حتى يَقْضِيَ الإمامُ صلاتَه، إلّا كانت له كفّارةَ ما بينَ الجمعةِ إلى الجمعةِ ما اجْتُنِبتِ الكبائرُ ".

    قال أبو بكر (١) : وحدَّثنا إسحاقُ بن منصور، عن أبي كُدَيْنَةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عَلقمةَ، عن القَرْثَع (٢) ، عن سَلْمانَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أُحَدِّثُكَ عن يوم الجمعة، مَن تَطَهَّرَ وأتَى الجمعةَ، ثم أنْصَتَ حتى يَقْضِيَ الإمامُ صلاتَه، كانت كفّارةً لما بينَها وبينَ الجمعةِ التي تَليها ما اجْتُنِبَت المَقْتَلَةُ".

    قال (٣) : وحدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرَةَ، عن أبي مَعْشَرٍ زيادِ بن كُلَيْبٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ، عن القَرْثَع، عن سَلْمانَ، عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، مثلَ حديثِ إسحاقَ بن منصورٍ، عن أبي كُدَيْنَة.

  8. وهذا يُبَيِّنُ لك ما ذكَرْنا، ويُوضِّحُ لك أنّ الصغائرَ تُكفَّرُ بالصلواتِ الخمس لمَن اجْتَنَبَ الكبائرَ، فيكونُ على هذا معنى قول الله عز وجل: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: ٣١] : الصَّغائرَ بالصلاةِ والصوم والحجِّ وأداءِ الفرائضِ وأعمالِ البِرِّ، وإن لم تَجتَنِبوا الكبائرَ ولم تتوبوا منها لم تَنْتَفِعُوا بتكْفيرِ الصغائرِ إذا واقَعْتُم المُوبقاتِ المُهلكاتِ، والله أعلمُ.

  9. وهذا كلُّه قبلَ الموت، فإن مات صاحبُ الكبير فمَصيرُه إلى الله؛ إن شاء غفَر له، وإن شاء عذَّبه، فإن عذَّبه فبجُرمِه، وإن عَفا عنه فهو أهلُ العفوِ وأهلُ المغفرة. وإن تابَ قبلَ الموتِ وقبلَ حضورِه ومُعايَنتِه، وندِم، واعتقَد ألّا يَعودَ، واستغفَر ووَجِل، كان كمن لم يُذنِبْ. وبهذا كلِّه الآثارُ الصِّحاحُ عن السَّلَفِ قد

    ج ٣ ص ١٥٦جاءت، وعليه جماعةُ علماءِ المسلمين، ولو تَدبَّر هذا القائلُ الحديثَ الذي فيه ذكرُ خروجِ الخطايا من فَمِه وأنفِه ويدَيه ورِجْليه ورأسِه (١) ، لعلِم أنّها الصغائرُ في الأغلب، ولعلِم أنّها مَعْفُوٌّ عنها بتَرْكِ الكبائرِ؛ دليلُ ذلك قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "العينان تَزْنيان، واليَدان تَزْنيان، والفمُ يَزْني، ويُصَدِّقُ ذلك كُلُّه الفَرْجُ أو يُكَذِّبُه" . يريدُ، واللهُ أعلمُ، أنّ الفَرْجَ بعملِه يُوجِبُ المَهلكَةَ، وما لم يكنْ ذلك فأعمالُ البِرِّ يَغْسلْنَ ذلك كلَّه.

  10. وقد كنتُ أرغَبُ بنفسِي عن الكلام في هذا الباب لولا قولُ ذلك القائل، وخَشِيتُ أن يَغتَرَّ به جاهلٌ فيَنْهَمِكَ في المُوبقاتِ اتِّكالًا على أنّها تُكَفِّرُها الصلواتُ الخمسُ دونَ الندم عليها والاستغفارِ والتوبةِ منها، واللهُ أعلم، ونسألُه العِصمةَ والتوفيق.

  11. حدَّثني سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا الحجَّاجُ بن المِنْهال، قال: حدَّثنا حمادُ بن سَلَمَة، عن ثابتٍ، وعليِّ بن زيدٍ، وحُميدٍ، وصالح المُعلِّم، ويونسَ، عن الحَسَن، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصلواتُ الخمسُ والجمُعةُ إلى الجمُعة، كفّارةٌ لما بَينهُنَّ ما اجْتُنبَتِ الكبائرُ" (٢) .

  12. وأما حديثُ عَمْرو بن عَبَسَةَ في هذا الباب - ومنه قام حديثُ الصّنابحيِّ واللهُ أعلمُ.

  13. فحدَّثنا (١) أبو عبد الله محمدُ بن خليفةَ رحمه الله، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسين الآجُرِّيُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، حدَّثنا أبو أيوبَ سليمانُ بن عبد الرحمنِ الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسينٍ، عن شهْرِ بن حَوْشَبٍ، أنّه لَقِيَ أبا أُمامةَ الباهليَّ، فسأله عن حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ السُّلَميِّ حينَ حدَّث شُرَحْبيلَ بن السِّمْطِ وأصحابَه أنّه سمِع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "مَن رمَى بسَهم في سبيل الله فبلَغ، أخطَأ أو أصاب، كان سَهْمُه ذلك كعِدْلِ رَقبةٍ من ولَدِ إسماعيلَ، ومَن خرَجت له شَيْبةٌ في سبيل الله كانت له نورًا يومَ القيامة، ومَن أعتَقَ رَقَبةً مُسلمةً كانت له فِكاكًا من جَهنَّم، ومَن قام إلى الوضوء يَراه حقًّا عليه فمَضمَضَ غُفِرتْ له ذنوبُه مع أولِ قطرةٍ من طهورِه، فإذا غسَل وجْهَه فمِثْلُ ذلك، فإذا غَسَل رِجْليه فمثلُ ذلك، فإن جلَس جلَس سالِمًا، وإن صَلَّى تُقُبِّلَ منه" (٢) .

    ج ٣ ص ١٥٨قال شَهْرٌ: فحدَّثني أبو أُمامةَ، عن عمرِو بن عَبَسةَ بهذا الحديث، سمِعه من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، إلّا أنّ إسماعيلَ بن عيّاشٍ أجمَعوا أنّه ليس بحجّةٍ فيما يَنفرِدُ به (١) .

    ج ٣ ص ١٥٧
  14. وحدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مروانَ الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ عيّاشٍ، هو إسماعيلُ، قال: حدَّثَني يحيى بن أبي عَمْرٍو السَّيبانيّ (٢) ، عن أبي سَلّام الحَبَشيِّ وعمرِو بن عبد الله، أنَّهما سَمِعا أبا أُمامةَ الباهليَّ يُحَدِّثُ عن عمرِو بن عَبَسَةَ السلميِّ، قال: رَغِبْتُ عن آلهةِ قومي في الجاهليّة، ورأيتُ أنّها آلهةُ باطلٍ؛ كانوا يَعبُدُون الحجارةَ، والحجارةُ (٣) لا تَضرُّ ولا تَنفَعُ. قال: فلَقِيتُ رَجُلًا من أهلِ الكتاب، فسألتُه عن أفضلِ الدِّين، فقال: رَجُلٌ يخرُجُ من مكّةَ، ويَرْغَبُ عن آلهةِ قومِه، ويَدْعُو إلى غيرِها، وهو يَدْعُو إلى أفضل (٤) الدِّين، فإذا سَمِعْتَ به فاتَّبِعْه. فلم يكنْ لي هَمٌّ إلّا مكَّةَ آتِيها (٥) فأسألُ: هل حدَث فيها حدثٌ أو أمْرٌ؟ فيقولون: لا. فأنصَرِفُ إلى أهلي، وأهلي بالطَّريق غيرُ بعيدٍ، فأعتَرضُ خارجي مكَّةَ، فأسألُهم: هل حَدَثَ فيها حَدَثٌ أو أمْرٌ؟ فيقولون: لا. فإنِّي قاعِدٌ على الطَّريقِ إذ مَرَّ بي راكبٌ، فقلتُ: من أينَ جئتَ؟ فقال: من مكّةَ. قلتُ: حَدَثَ فيها حَدَثٌ؟ قال: نعم، رجلٌ رغِب عن آلهةِ قومِه، ويَدْعو (٦) إلى غيرِها. قلتُ: صاحبي الذي أُريدُ. فشَدَدْتُ راحلَتي برَحْلِها، فجئتُ منزلي الذي كنتُ أنْزِلُ فيه، فسألتُ عنه، فوجَدْتُه مُسْتَخْفِيًا بشَأنِه، ووجَدْتُ قريشًا عليه جُرَآءَ، فتلطَّفتُ حتى دخَلتُ،

    ج ٣ ص ١٥٩فسَلَّمْتُ عليه، ثم قلتُ: ما أنتَ (١) ؟ فقال: "أنا نبيٌّ" . فقلتُ: وما النبيُّ؟ قال: "رسولُ الله" . قلتُ: مَن أرسلَك؟ قال: "الله" . قلتُ: فَبِمَ أرسَلَك؟ قال: "بأنْ تُوصَلَ الأرحامُ، وتُحْقَنَ الدِّماءُ، وتأمَن السُّبُلُ، وتُكَسَّرَ الأوثانُ، ويُعْبَدَ اللهُ وحدَه لا يُشْرَكُ به شيءٌ" . قلتُ: نِعْمَ ما أرْسَلَك، فاشْهَدْ أنِّي قد آمَنْتُ بكَ، وصدَّقْتُ بك، أمْكُثُ معك، أم ماذا ترَى؟ قال: "قد ترَى كراهِيةَ الناس لِما جئتُ به، فامكُثْ في أهلِك، فإذا سمِعتَ بأنِّي خَرَجْتُ مَخْرَجي فائتِني" . فلمّا سمِعتُ به خرَج إلى المدينةِ سِرْتُ حتى قدِمتُ عليه، قلتُ: يا نبيَّ الله، تَعرِفُني؟ قال: "نعم، أنتَ السُّلَميُّ الذي جئتَني، فقلْتَ لي كذا وكذا" . فاغْتَنَمْتُ ذلك المجلسَ، وعرفتُ أنّه لا يكونُ لي أفرغَ قلبًا منه (٢) في ذلك المجلسِ، قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الساعاتِ أسَمَعُ؟ قال: "جَوْفُ اللَّيل الآخِرِ، والصلاةُ مشهودةٌ متقَبَّلةٌ حتى تخرُجَ الشَّمْسُ، فإذا رأيْتَها خرَجتْ حمراءَ فأقْصِرْ عنها؛ فإنّها تَخرُجُ بين قَرْنَيْ شيطانٍ، وتُصَلِّي لها الكفارُ، فإذا ارتفَعتْ قَدْرَ رُمْح أو رُمْحَين فصلِّ، فإنّ الصلاةَ مشهودةٌ متقبَّلةٌ حتى يَسْتَوِيَ الرُّمْحُ بالظِّلِّ، فإذا استوَى الرُّمْحُ بالظِّلِّ فأقْصِرْ عنها، فإنّه حينَ تُسْجَرُ أبوابُ جهنَّمَ، فإذا فاءَ الظِّلُّ (٣) فصلِّ، فإنّ الصلاةَ مَشهودةٌ مُتقبَّلةٌ حتى تَغرُبَ الشَّمْسُ، فإذا رأيتَها حَمْراءَ فأقْصِرْ عنها، فإنّها تغرُبُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وتُصلِّي لها الكفارُ" . ثم أخَذَ في الوُضوءِ، وقال: "إذا توضَّأتَ فغسَلتَ يَدَيْكَ خرَجتْ خطايا يَدَيْكَ من أطرافِ أنامِلكَ مع الماء، فإذا غسَلتَ وجْهَكَ ومَضْمَضْتَ واستَنْثَرْتَ خَرَجتْ خطايا وجهِكَ من فيكَ وخَياشِيمِكَ مع الماء، فإذا مَسَحْتَ برأسكَ وأُذنَيْكَ خرَجتْ خطايا رأسكَ وأُذنَيكَ من أطرافِ شَعَرِكَ مع الماء، فإذا

    ج ٣ ص ١٦٠غسَلتَ رجليكَ خرَجتْ خطايا رِجْلَيكَ وأنامِلِكَ مع الماءِ، فصَلَّيتَ فحمِدْتَ ربَّكَ بما هو أهلُه انْصَرَفْتَ من صلاتِكَ كيومَ ولَدَتْكَ أمُّكَ " (١) .

    قال أبو داود: وقرَأْتُ على المُؤَمَّل بن إهابٍ، قال: حدَّثنا النَّضْرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عِكْرمةُ بن عمّار العِجْليُّ، قال: حدَّثنا شَدَّادُ بن عبد الله أبو عمَّارٍ ويحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي أُمامةَ - قيل لعكرمةَ: ولَقِيَ شدَّادٌ أبا أُمامةَ؟ قال: نعم، وواثلَةَ، وصَحِبَ أنسَ بن مالكٍ إلى الشام - قال: قال عَمْرُو بن عَبَسةَ السُّلَميُّ: كنتُ في الجاهليّة أظنُّ أنّ الناسَ على ضلالةٍ، وأنّهم ليسوا على شيءٍ وهم يَعبُدونَ الأوثانَ. قال: فسَمِعتُ برَجُلٍ بمكَّةَ. فساقَ الحديثَ بمعنى ما تقدَّم. قال: فقَدِمْتُ المدينةَ، فدخَلتُ عليه، فقلتُ: يا رسولَ الله، أتَعْرِفُني؟ قال: "نعم، ألستَ الذي لَقِيتَني بمكّةَ؟ ". قال: فقلتُ: بلى. وقلتُ: يا نبيَّ الله، أخبِرْني عمّا علَّمك اللهُ وأجْهَلُه، أخبِرْني عن الصلاة. قال: " صلِّ صلاةَ الصُّبْح، ثم أقْصِرْ عن الصلاةِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، وحتى تَرتَفِعَ، فإنّها تَطلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وحينئذٍ يَسجُدُ لها الكفارُ، ثم صلِّ، فإنَّ الصلاةَ مَشهوةٌ مَحْضُورةٌ حتى يَستقلَّ (٢) الظِّلُّ بالرُّمْح،

  15. ثم أقْصِرْ عن الصلاةِ، فإنه حينئذٍ تُسْجَرُ جهنَّمُ، فإذا أقبَل الفَيْءُ فصَلِّ، فإنّ الصلاةَ مَشْهودَةٌ محَضورَةٌ حتى تُصَلَّيَ العصرَ، ثم أقْصِرْ حتى تَغْرُبَ الشمسُ، فإنّها تَغْرُبُ بينَ قَرْنَي شيطانٍ، وحينئذٍ يَسجُدُ لها الكفارُ ". فقلتُ: أيْ نبيَّ الله، الوضوءُ؛ حدِّثْني عنه؟ قال: " ما منكم من رجلٍ يُقرِّبُ وَضُوءَه، فيتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِقُ ويَسْتَنْثِرُ، إلّا خرَجتْ خطايا وجهِه وفيهِ وخَياشِيمِه مع الماء، ثم إذا غسَل وجهَه كما أمَره اللهُ خرَجتْ خطايا وجهِه من طَرَفِ لِحْيَتِه مع الماء، ثم يَغسِلُ يدَيْه إلى المِرْفَقَين إلّا خرَجتْ خطايا يدَيْه من أنامِلِه مع الماء، ثم يَمسحُ برأسِه إلّا خرَجتْ خطايا رأسِه من أطرافِ شَعَرِه مع الماء، ثم يَغْسِلُ قَدَمَيْه إلى الكَعْبَين إلّا خرَجتْ خطايا رِجْليه من أنامِلِه مع الماء، فإن هو قام فصَلَّى فحَمِد اللهَ، وأثْنَى عليه، ومَجَّدَه بالذي هو أهلُه إلّا انصرَف من خَطيئَتِه كيومَ ولَدَتْه أُمُّه " (١) . وذكَر باقي الكلام.

    قال (٢) : وحدَّثنا أبو تَوْبَةَ الرَّبيعُ بن نافع، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُهاجِرِ، عن العبّاسِ بن سالمٍ، عن أبي سلّام، عن أبي أُمامةَ، عن عَمْرِو بن عَبَسةَ السُّلَميِّ أنّه قال: أتَيْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في أوّلِ ما بُعِثَ وهو بمكَّةَ، وهو حينَئذٍ مُسْتَخفٍ، فقلتُ: مَن أنتَ؟ قال: "أنا نبيٌّ ". قلتُ: وما النبيُّ؟ فذكَر الحديثَ. وقال: قلتُ: يا رسولَ الله، عَلِّمْني ممّا عَلَّمَكَ اللهُ. فقال: " سَلْ عمّا شِئْتَ ". فقلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الليلِ أفضلُ؟ قال: " جَوْفُ الليلِ الآخِرِ، فصلِّ ما شِئْتَ، فإنَّ الصلاةَ مَشهودَةٌ مَكتوبةٌ حتى تُصلِّيَ الصُّبحَ، ثم أقْصِرْ حتى تَطْلُعَ الشمسُ وتَرتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ

    ج ٣ ص ١٦٢أو رُمْحَين، فإنّها تَطْلُعُ بين قَرْنَي شيطانٍ، وتُصلِّي لها الكُفّارُ، ثم صلِّ ما شِئْتَ، فإنّ الصلاةَ مَشهودَةٌ مَكتوبةٌ حتى يَعْتدِلَ رُمْحٌ بظِلِّه، ثم أقْصِرْ، فإنّ جهنَّمَ تُسْجَرُ وتُفْتَحُ أبوابُها، فإذا زاغَتِ الشمسُ فصلِّ ما شِئْتَ، فإنّ الصلاةَ مَكتوبةٌ مَشهودَةٌ حتى تُصلِّيَ العصرَ، ثمَّ أقْصِرْ حتى تَغرُبُ الشمسُ، فإنّها تَغرُبُ بينَ قَرْنَي شيطانٍ وتُصَلِّيَ لها الكفارُ، فإذا توضَّأتَ فاغْسِلْ يَدَيْكَ، فإنّك إذا غسَلتَ يَدَيْكَ خرَجتْ خطاياكَ من أطرافِ أنامِلِكَ، ثم إذا غسَلتَ وَجْهَكَ خرَجتْ خطاياكَ من وجْهِكَ، ثم إذا مَضْمَضتَ واسْتَنْثَرْتَ خرَجتْ خطاياك من فِيْكَ ومناخِرك، ثم إذا غَسَلْتَ ذِراعَيْكَ خرَجتْ خطاياكَ من ذِراعَيكَ، ثم إذا مسَحْتَ برأسِك خرَجتْ خطاياك من أطرافِ شَعَرِكَ، ثم إذا غسَلتَ رِجْلَيكَ خرَجتْ خطاياكَ من أطرافِ أنامِلِ رِجْليكَ، فإن ثَبَتَّ في مَجْلِسِكَ كان لك حَظُّكَ من وُضُوئِكَ، فإن قُمْتَ فَذَكَرْتَ ربَّكَ وحَمِدْتَ، ورَكَعْتَ له رَكْعَتَين تُقْبِلُ عليهما بقَلْبِكَ - كُنتَ (١) من خطاياكَ كيومَ ولَدَتْكَ أُمُّكَ ".

    ج ٣ ص ١٦١
  16. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيْس، قال: حدَّثنا أبو يزيدَ شَجَرَةُ بن عيسَى، قال: حدَّثنا عليُّ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن منصورٍ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن رَجلٍ من أهل الشام، عن كعبِ بن مُرَّةَ البَهْزيِّ، قال: قال رَجُلٌ: يا رسولَ الله، أيُّ الليلِ أسْمَعُ؟ قال: "جَوفُ اللَّيلِ الآخِرِ، ثم الصلاةُ مَقبولةٌ حتى تُصلِّيَ الفجرَ، ثم لا صلاةَ حتّى تكونَ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْح أو رُمْحَين، ثم الصلاةُ مَقبولَةٌ حتى يَقُومَ الظِّلُّ قَيامَ الرُّمْح، ثم لا صلاةَ حتى تَزولَ الشمسُ، ثم الصلاةُ مَقبولةٌ حتى تكونَ الشمسُ قد دَنَتْ للغُروبِ قَدْرَ رُمْح أو رُمْحَين،

    ج ٣ ص ١٦٣فإذا غسَلتَ وجْهَكَ خرَجتْ خطاياكَ من وجهِكَ، وإذا غسَلتَ ذِراعَيْكَ خرَجتَ الخطايا من ذِراعَيْكَ، وإذا غسَلتَ رجليكَ خرَجتِ الخطايا من رجليكَ " (١) .

    قال أبو عُمر: ليس في شيءٍ من هذه الآثار: "فإذا مسَح برأسِه خرَجتِ الخطايا من أُذُنَيه"، وذلك موجودٌ في حديثِ الصُّنابحيِّ، وسائرُ حديثِ الصُّنابِحيِّ كلِّه على ما في حديثِ عَمْرو بن عَبَسَةَ المذكورِ في هذا الباب، والحمدُ لله، وإنّما ذكَرْناها ليَتَبيَّنَ بها حديثُ الصُّنابحيِّ وَيتَّصِلَ ويَسْتَنِدَ؛ فلذلك ذكَرْناها لتَقِفَ على حُجَّة نَقْلِها وتُسْكُنَ إليها، وبالله التوفيق.

  17. حديثٌ عاشرٌ لزَيْد بن أسْلَم مُسْندٌ ثابت

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي رافعٍ مولَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اسْتَسْلَف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَكْرًا، فجاءَتْه إبلٌ من الصَّدَقة. قال أبو رافع: فأمَرني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقضِيَ الرجلَ بَكْرَه، فقلتُ: لم أجِدْ في الإبل إلّا جملًا خِيارًا رَباعيًا. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعْطِه إيّاه، فإنّ خِيارَ الناس (٢) أحسنُهم قضاءً" .

    قال أهلُ اللغة: البَكْرُ من الإبل: الفَتيُّ، والخِيارُ: المختارُ الجيِّدُ. قال صاحبُ "العين" (٣) : ناقةٌ خِيار، وجملٌ خِيارٌ، والجمعُ خِيارٌ أيضًا. ويقالُ: أربَعَ الفَرَسُ، وأربعَ الجملُ: إذا ألقَى رَبَاعِيَته (٤) ، فهو رَباعٌ، والأنثَى رَباعِيَةٌ.

    قال أبو عُمر (٥) : معلومٌ أنّ اسْتِسْلافَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الجملَ البَكْرَ المذكورَ في هذا الحديث لم يكن لنفسِه؛ لأنّه قَضاه من إبل الصَّدَقة، ومعلومٌ أنّ الصدقةَ مُحَرَّمةٌ عليه، لا يَحِلُّ له أكلُها ولا الانتفاعُ بها، وقد مضَى بيانُ هذا في بابِ (٦) ربيعةَ، ولهذا عَلِمْنا أنّه لم يكنْ ليؤَدِّيَ عن نفسِه من مالِ المساكين، وإذا صحَّ هذا، عَلِمْنا أنّه إنّما اسْتَسْلَف الجملَ للمساكين واسْتَقْرَضه عليهم؛ لِما

    ج ٣ ص ١٦٥رأى مِن الحاجة، ثم ردَّه من إبل الصَّدَقة، كما يَسْتَقْرِضُ وَلِيُّ اليتيم عليه نظرًا له، ثم يَرُدُّه من مالِه إذا طرَأ له مالٌ، وهذا كلُّه لا يُنازع فيه، والحمدُ لله.

    ج ٣ ص ١٦٤
  18. وقد اختلَف العلماءُ في حال المسْتَقْرَضِ منه الجملُ المذكورُ في هذا الحديث؛ فقال منهم قائلون: لم يكن المسْتَقْرَضُ منه ممَّن تجِبُ عليه صدقةٌ، ولا يَلْزَمُه زكاةٌ؛ لأنّه قد رَدَّ عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صدقَتَه، ولم يَحتَسِبْ له بها، وقتُ أخْذِ الصدقاتِ وخروجِ السُّعاةِ وقتًا واحدًا يَستوي الناسُ فيه، فلمّا لم يَحْتَسِبْ له بما أخَذ منه صدقةً، عُلِم أنّه لم يكنْ ممَّن تلْزَمُه صدقةٌ في ماشيتِه؛ لقصورِ نصابِها عن ذلك، واللهُ أعلم. هذا قولُ من لم يُجِزْ تعجيلَ الزكاةِ قبلَ محِلِّها.

    وقال آخرون: جائرٌ أن يكون المسْتَقْرَضُ منه في حين رَدِّ ما اسْتُقْرِضَ منه إليه ممَّن لا تَجِبُ عليه الصدقةُ؛ لجائِحَةٍ لحِقَتْه في إبلِه ومالِه قبلَ تمام الحولِ، فوجَب ردُّ ما أُخِذ منه إليه. ومثالُ ذلك الاسْتِسْلافِ في هذا الموضع عندَ هؤلاء، أن يقولَ الإمامُ للرجل: أقْرِضْني على زكاتِكَ لأهلِها، فإن وجَبتْ عليك زكاةٌ بتمام مِلْكِك للنِّصابِ حَوْلًا فذاك، وإلّا فهو دَينٌ لك أرُدُّه عليك من الصَّدقة. وهذا كلُّه على مذهب مَن أجاز تعجيلَ الزكاةِ قبلَ وقتِ وُجوبِها.

  19. وقد اختلَف الفقهاءُ في تعجيلِ الزَّكَواتِ قبلَ حُلولِ الحَوْلِ، فأجاز ذلك أكثرُ أهل العلم. وممّن ذهَب إلى إجار تعجيلِ الزكاةِ قبلَ الحُلول: سفيانُ الثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ بن راهُويةَ، وأبو عُبيدٍ. ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بن جُبيرٍ، وإبراهيمَ النخَعيِّ، وابن شهابٍ، والحَكَم بن عُتيبةَ، وابن أبي ليلى (١) .

    ج ٣ ص ١٦٦وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ (١) : يجوزُ تَعجيلُ الزكاةِ لما في يَدِه، ولما يَستَفيدُه في الحول وبعدَه بسنين. وقال زُفَرُ: التعجيلُ عمّا في يَدِه جائزٌ، ولا يجوزُ عمّا يَسْتَفيدُه. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يجوزُ تَعجيلُ الزكاةِ لسنتين (٢) . وقال مالكٌ (٣) : لا يجوزُ تَعْجيلُها قبل الحلول إلّا بيسيرٍ.

    وقالت طائفةٌ: لا يجوزُ تَعْجيلُها قبلَ محِلِّها بيَسيرٍ ولا كثيرٍ، ومَن عجَّلها قبلَ محَلِّها لم يُجْزِئْه، وكان عليه إعادَتُها، كالصلاة، ورُوِي ذلك عن الحسنِ البصريِّ (٤) . وهو قولُ بعض أصحابِ داودَ (٥) ، وروى خالدُ بن خِداشٍ وأشهَبُ، عن مالكٍ مثلَ ذلك.

    قال أبو عُمر: مَنْ لم يُجِزْ تَعْجيلَها قاسَها على الصلاةِ وعلى سائر ما يَجبُ مُؤقّتًا؛ لأنه لا يُجزئُ مَن فعَله قبلَ وَقْتِه، ومَن أجاز تَعجِيلَها قاس ذلك على الدُّيون الواجبةِ لآجالِ محدودةٍ، أنّه جائزٌ تَعْجيلُها، وفرَّق بين الصلاةِ والزكاة، بأن الصلاةَ يستوي الناسُ كلُّهم في وقتِها، وليس كذلك أوقاتُ الزكاة؛ لاختلاف أحوالِ الناس فيها، فأشْبَهتِ الدُّيونَ إذا عُجِّلتْ.

  20. وقد استدَلَّ الشافعيُّ على جوازِ تَعجيلِ الزكاةِ بهذا الحديث (٦) . وفي قضاءِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المستَسْلَفَ منه البَكْرُ جَمَلًا جيِّدًا، دليلٌ على أنّه لم يكنْ ممن عليه

    ج ٣ ص ١٦٧صدقةٌ؛ لأنّه لم يَحْتَسِبْ له بذلك؛ قضاه وبَرِئَ إليه منه. ولا حُجَّةَ للشافعيِّ فيما اسْتَدَلَّ به من هذا الحديث في جوازِ تعجيلِ الزكاة.

  21. وقد احتَجَّ بعضُ من نصَر مذهبَه على ما ذكَرْناه بأن قال: جائزٌ أن يكونَ الذي اسْتَقْرَض منه البَكْرَ ممَّن تَحِلُّ له الصدقةُ، فأعطاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - غيرَ بَعيرِه بمقدارِ حاجتِه، وجمَع في ذلك وضعَ الصدقةِ في موضعِها وحُسنَ القضاءِ. قال: وجائزٌ أنْ يَسْتَسْلِفَ الإمامُ للفقراءِ ويَقضيَ من سَهمِهم أكثرَ ممّا أخذ لما يرَاه من النَّظرِ والصلاح إذا كان ذلك من غيرِ شرطٍ ولا منفعةِ تعجيل.

  22. ثم نعودُ إلى القول في معنَى الاسْتِسْلافِ المذكورِ في هذا الحديث، فنقولُ: إن قال قائلٌ: لا يجوزُ أن يكونَ الاستَقراضُ المذكورُ على المساكين؛ لأنّه لو كان قرضًا على المساكين لما أعطَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من أموالهم أكثرَ ممّا استقرَضَ لهم. قيل له: لمّا بَطَل أنْ يَستقرِضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على الصَّدَقة لغنيٍّ، وأن لا يَسْتَقرِضَها لنفسِه، لم يَبقَ إلّا أنّه استقرَضها لأهلِها؛ وهم الفقراءُ ومَن ذُكِر معهم، وكان في هذا الحديث دليلٌ على أنّه جائز للإمام إذا اسْتَقْرَض للمساكينِ أنْ يَرُدَّ من مالهم أكثرَ ممّا أخَذ على وجهِ النَّظَر والصلاح، إذا كان من غيرِ شرطٍ، ووجهُ النَّظرِ في ذلك والمصلحةِ معلومٌ، فإنّ منفعةَ تعجيلِ ما أخَذه لشدّةِ حاجةِ الفقير إليه أضعافُ ما يَلحَقُهم في ردِّ الأفضل؛ لأنّ مَيْلَ الناسِ إلى العاجلِ من أمر الدُّنيا أكثرُ (١) من ميلِهم إلى الآجل.

  23. فإن قيل: إن المُستَقْرَضَ منه غنيٌّ، فكيف نُعطيه أكثرَ ممّا أُخِذَ منه، والصدقةُ لا تَحِلُّ لغنيٍّ؟ فالجوابُ عن هذا: أنّه جائزٌ ممكن أن يكونَ المُستَقْرَضُ منه قد ذهَبتْ إبلُه بنوعٍ من جَوائح الدنيا، وكان في وقتِ صرفِ ما أُخِذَ منه إليه

    ج ٣ ص ١٦٨فقيرًا تَحِلُّ له الزكاةُ، فأعْطاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خيرًا من بعيرِه بمقدارِ حاجَتِه، وجمَع في ذلك وضعَ الصدقةِ في موضعِها، وحُسنَ القَضاءِ، وجائزٌ أن يكونَ غارِمًا أو غازِيًا ممّن تَحِلُّ له الصدقةُ مع الغِنى (١) ، فيعطيه لذلك أفضلَ ممّا أخَذ منه، فيجمَعُ في ذلك حسنَ القضاء ووضْعَ الصدقةِ موضِعَها، والله أعلمُ، وسيأتي في ذكر الخمسةِ الأغنياءِ الذين تَحِلُّ لهم الصَّدَقةُ فيما بعدُ من حديث زيد بن أسلمَ إن شاء الله.

  24. وفي هذا الحديث أيضًا من الفقه: إثباتُ الحيوان في الذِّمَّة، وإذا صحَّ ثُبوتُ الحيوانِ في الذمَّةِ بما صحَّ مِن جوازِ اسْتِقْراضِ الحيوان، صحَّ فيه السَّلَمُ على الصِّفَةِ، وبَطَل بذلك قولُ من لم يُجِزْ الاسْتِقْراضَ في الحيوان، ولا أجازُوا السَّلَم فيه.

  25. واختلَف الفقهاءُ في السَّلَم في الحيوان، وفي اسْتِقْراضِه، فذهَب العراقيُّون إلى أن السَّلَمَ في الحيوانِ لا يجوزُ. وممّن قال بذلك: أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والحَسَن بنُ صالح (٢) . ورُوِيَ ذلك عن ابن مسعودٍ، وحذيفةَ، وعبدِ الرحمن بن سَمُرَة (٣) .

  26. وحُجَّةُ من قال بهذا القول: أن الحيوانَ لا يُوقَفُ على حقيقةِ صِفتِه؛ لأنّ

    ج ٣ ص ١٦٩مَشْيَه وحَركاتِه ومَلاحَتَه وخُبرتَه (١) ، كلُّ ذلك لا يُدْرَكُ وَصفُه، وكلُّ ذلك يَزِيدُ في ثمنِه ويَرفَعُ من قِيمتِه. فادَّعَوا النسخَ في حديثِ أبي رافع المذكورِ وما كان مثلَه، وقالوا: نسَخه ما قضَى به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، في أنّه أوجَب على المُعْتِق نَصيبَه مِن عبدٍ بينَه وبينَ آخَرَ، إذ أوْجَب عليه قيمةَ نَصيبِ شريكِه (٢) ، ولم يُوجِبْ عليه نصفَ عبدٍ مثلِه.

    وقال داودُ بن عليٍّ وأصحابُه: لا يجوزُ السَّلَمُ في الحيوان، ولا في شيءٍ من الأشياء، إلّا في المكيلِ والموزونِ خاصةً، وما خرَج عن المكيلِ والموزونِ فالسَّلَمُ فيه غيرُ جائزٍ عندَهم؛ لحديثِ ابن عباسٍ، عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أول قال: "مَن أسلَم فليُسلِمْ في كيلٍ معلوم، ووَزْنٍ مَعلُوم، إلى أجلٍ معلوم" (٣) ، ولنَهيِه عن بيعِ ما ليس عندَك؛ قالوا: فكلُّ ما لم يكنْ مَكيلًا أو موزونًا فداخلٌ في بيعِ ما ليس عندَك.

    قال أبو عُمر: بنَوا هذا على ما أصَّلُوا من أن كلَّ بيع جائزٌ بظاهرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥] ، إلّا بيع ثبَت في السُّنةِ النهيُ عنه، أو أجمَعتِ الأُمَّةُ على فسادِه.

  27. وقال أهلُ المدينة، ومالكٌ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والليثُ، والشافعيُّ

    ج ٣ ص ١٧٠وأصحابُه: السَّلَمُ في الحيوانِ جائزٌ بالصِّفة (١) ، وكذلك كلُّ ما يُضْبَطُ بالصفَةِ في الأغلب. وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ أبي رافع هذا؛ لما فيه من ثبوتِ الحيوانِ في الذِّمَّة، ومثلُه حديثُ أبي هريرة في اسْتِقْراضِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الجَملَ (٢) . ومن حُجَّتِهم أيضًا إيجابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - دِيَةَ الخطأ في ذمَّةِ مَن أوْجَبها عليه، وهي أخماسٌ؛ عشرونَ بنتَ مخاضٍ، وعشرونَ بنتَ لَبُونٍ، وعشرونَ ابنَ لَبُونٍ، وعشرونَ حِقَّةً، وعشرونَ جَذَعَةً، ودِيَةَ شِبْهِ العَمْدِ، وذلك مِن الإبلِ ثلاثون جَذَعَةً، وثلاثونَ حِقَّةً، وأربعون خَلِفَةً في بُطونها أولادُها (٣) . فجعَل الحيوانَ دَيْنًا في الذِّمَّةِ إلى أجَل، وقد كان ابنُ عمرَ يُجِيزُ السَّلَمَ في الوُصَفاءِ (٤) ، وأجازَ أصحابُ أبي حنيفةَ أن يُكاتِبَ الرجلُ عبدَه على مملُوكٍ، وهذه مناقضةٌ منهم، وأجاز الجميعُ النكاحَ على عبدٍ موصوفٍ.

  28. وذكَر الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني يحيى بن سعيدٍ، قال: قلتُ لربيعةَ: إنّ أهلَ أنْطابُلُسَ (٥) حدَّثوني أنّ خيرَ بن نُعيم (٦) كان يَقْضي عندَهم بأنه لا يَجوزُ السَّلَفُ في الحيوان، وقد كان يُجالِسُك، ولا أحسَبُه قضَى به إلّا عن رأيك؟ فقال لي ربيعةُ: قد كان

    ج ٣ ص ١٧١ابنُ مسعودٍ يقولُ ذلك. قال يحيى: فقلتُ: وما لنا ولابن مسعودٍ في هذا، قد كان ابنُ مسعودٍ يتَعَلَّمُ منا ولا نتَعَلَّمُ منه، وقد كان يَقْضِي في بلادِه بأشياءَ، فإذا جاءَ المدينةَ وجَد القضاءَ على غير ما قضَى به، فيَرْجِعُ إليه.

  29. وأمّا اعتِلالُ العراقيِّين بأنّ الحيوانَ لا يُمكِنُ صِفَتُه، فغيرُ مُسلَّم لهم؛ لأن الصِّفَةَ في الحيوانِ يأتي الواصفُ منها بما يَدْفع الإشكالَ، ويُوجِبُ الفَرْقَ بين الموصوفِ وغيرِه، كسائرِ الموصوفاتِ من غير الحيوان، وإذا أمكَنَتِ الصِّفَةُ في الحيوان، جاز السَّلَمُ فيه بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَصِفُ المرأةُ المرأةَ لزَوْجِها حتّى كأنّه يَنْظُرُ إليها" (١) . فجعَل - صلى الله عليه وسلم - الصِّفةَ تقومُ مقامَ الرُّؤية.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢) : لا يجوزُ اسْتِقراضُ شيءٍ من الحيوان، كما لا يجوزُ السَّلَمُ فيه؛ لأنّ ردَّ المثلِ لا يُمْكِنُ؛ لتعَذُّرِ المماثلةِ عندَهم في الحيوان.

    وقال مالكٌ، والأوزاعيُّ، والليثُ، والشافعيُّ: يجوزُ اسْتِقراضُ الحيوانِ كلِّه إلّا الإماءَ، فإنّه لا يجوزُ اسْتِقراضُهُنَّ (٣) . وعندَ مالكٍ فيما ذكَر ابنُ الموَّاز: إنِ اسْتقْرَض أَمَةً ولم يَطَأْها رَدَّها بعَينِها، وإن وَطِئها لَزِمَته القيمةُ ولم يرُدَّها. وعندَ الشافعيِّ: يَرُدُّها ويَرُدَّ معها عُقْرَها (٤) - يعني صَداقَ مِثْلِها - وإن حمَلَتْ

    ج ٣ ص ١٧٢ردَّها بعدَ الولادة، وقيمةَ ولدِها إن وُلدوا أحياءً يومَ سقَطوا، وما نقَصَتْها الولادةُ، وإن ماتَتْ لزِمه مثلُها، فإن لم يُوجَدْ مثلُها فقيمتُها.

  30. وحجَّةُ مَن لم يُجِزِ اسْتِقْراضَ الإماءِ - وهم جمهورُ العلماء - أن الفُروجَ محظورةٌ لا تُسْتَباحُ إلّا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ، ولأن القرضَ ليس بعقدٍ لازم من جهةِ المُقْتَرِضِ؛ لأنّه يَرُدُّه متى شاء، فأشْبَهَ الجاريةَ المشْتراةَ بالخِيار، ولا يجوزُ وطؤُها بإجماعٍ حتّى تَنْقَضيَ أيامُ الخِيار، فهذه قياسٌ عليها، ولو جازَ استِقْراضُ الإماءِ لحصلَ الوطءُ في غيرِ نكاحٍ ولا مِلْكٍ صحيح.

  31. وقال أبو إبراهيمَ المزنيُّ، وداودُ بن عليٍّ، وأبو جعفرٍ الطبريُّ (١) : اسْتِقْراضُ الإماءِ جائزٌ. قال المزنيُّ والطبريُّ: قياسًا على بيعِها، وأنّ مِلْكَ المسْتَقْرِض صحيحٌ يجوزُ له فيه التَّصَرُّفُ كلُّه، وكلُّ ما جاز بَيْعُه جاز قرضُه في نفس القِياس. وقال داودُ: لم يَحْظُرِ اللهُ اسْتِقراضَ الإماءِ، ولا رسولُه، ولا اتَّفَق الجميعُ على المنع منه، وقد أباح الاسْتِسْلافَ للحيوان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، والأصلُ الإباحةُ حتى يَصِحَّ المنعُ من وجهٍ لا مُعارِضَ له (٢) .

  32. واحتجَّ بهذا الحديث أيضًا كلُّ مَن أوجَب على منِ اسْتَهْلَك شيئًا من الحيوانِ مثلَه إن وُجِد له مِثلٌ لا قِيمتُه، قالوا: وكما كان يكونُ له مثلٌ في القضاءِ، فكذلك يكونُ له مِثْلٌ في الضَّمانِ عن الاستهلاك. وممَّن قال بالمثْلِ في المُسْتَهلكاتِ كلِّها الشافعيُّ، وأحمدُ، وداودُ، وجماعةٌ؛ لقولِ الله تعالى: {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: ١٢٦] .

  33. وأمّا مالكٌ رحمه الله، فقال (٣) : منِ اسْتَهْلَك شيئًا من الحيوانِ بغيرِ إذنِ صاحبِه،

    ج ٣ ص ١٧٣فعليه قيمتُه، ليس عليه أن يُؤْخَذَ بمثلِه من الحيوانِ، ولكن عليه قِيمَتُه يومَ اسْتَهْلَكه؛ القيمةُ أعدَلُ فيما بينَهما في الحيوانِ والعُروض. قالوا: وأمّا الطعامُ فبمنزلةِ الذهبِ والوَرِقِ، وإذا اسْتَهْلَكه أحَدٌ بغيرِ إذنِ صاحبِه، فعليه مثلُ مَكِيلَتِه من صِنفِه.

    قال أبو عُمر: المكيلُ كلُّه، والموزونُ المأكولُ والمشروبُ هذا حُكْمُه عندَه، وأمّا ما لا يُؤْكَلُ، مثلَ الرَّصاص والقُطْنِ، وما أشْبهَ ذلك، فالذي اختاره إسماعيلُ (١) أن يكونَ فيه المثلُ؛ لأنّه يُضْبَطُ بالصِّفَة. قال: وقد احْتَجَّ عبدُ الملك (٢) في القيمةِ في الحيوانِ بأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى فيمَن أعتَق نصفَ عبدٍ له بقيمةِ النصفِ الباقي للشريكِ ولم يَقْضِ بنصفِ عبدٍ مثلِه (٣) .

    قال أبو عُمر: في حديثِ أبي رافع هذا ما يَدُلُّ على أنّ المُقرِضَ إن أعْطاه المُسْتَقْرِضُ أفضَلَ ممّا أقْرَضه؛ جِنْسًا، أو كَيْلًا، أو وزنًا، أنّ ذلك معروفٌ وأنّه يطيبُ له أخْذُه منه؛ لأنّه أثْنَى فيه على مَن أحسَن القضاءَ، وأطلَق ذلك ولم يُقَيِّدْه بصفةٍ.

  34. وروى سلمةُ بن كُهيلٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يتَقاضاه، فأغلَظ له، فهَمَّ به أصحابُه، فنَهاهم وقال: "ألا كنتم مع الطَّالب؟ " . ثم قال: "دَعُوهُ، فإنّ لصاحبِ الحقِّ مَقالًا، اشتَرُوا له بعيرًا" . فلم يَجِدوا إلّا فوقَ سِنِّه، فقال: "اشتَرُوا له فوقَ سِنِّه فأعْطُوه" . فجاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أخَذْتَ حَقَّك؟ " . قال: نعم. قال: "كذلك افعَلوا، خيرُكم أحسنُكم قضاءً" (٤) .

  35. وهذا عندَ جماعةِ العلماءِ إذا لم يكنْ عن شرطٍ منهما في حين السَّلَف. وقد أجمَع المسلمون نَقْلًا عن نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم -: أنّ اشتَراطَ الزيادةِ في السَّلَفِ رِبًا، ولو كان قَبْضَةً واحدَةً من عَلَفٍ - كما قال ابنُ مسعودٍ -: أو حبّةً واحدة (١) .

    ج ٣ ص ١٧٤
  36. وفيه دليلٌ على أنّ للإمام أن يَسْتَسْلِفَ للمساكين على الصدَقاتِ، ولسائرِ المسلمين على بيتِ المال؛ لأنّه كالوَصيِّ لجميعِهم، أو الوكيل.

  37. وفيه أنّ التَّدايُنَ في البِرِّ والطاعةِ والمباحاتِ جائزٌ، وإنّما يُكرَهُ التَّدايُنُ في الإسرافِ وما لا يجوزُ، وبالله العصمة (٢) .

  38. حديثٌ حادي عَشَر لزَيْد بن أسْلَم مسندٌ يجري مجرى المتَّصل

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ: أنّ معاويةَ بن أبي سفيانَ باعَ سقايةً من ذَهَب أو وَرِقٍ بأكثرَ من وزنِها، فقال له (٢) أبو الدرداء: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن مِثْل هذا إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ. فقال له معاويةُ: ما أرَى بهذا (٣) بأسًا. فقال أبو الدَّرداء: مَن يَعْذِرُني (٤) من معاوية؟ أنا أُخبرُه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخبرُني (٥) عن رأيِه! لا أُساكِنُك أرضًا أنت بها (٦) . ثم قدِم أبو الدَّرداء على عمرَ، فذكَر ذلك له، فكتب عمرُ إلى معاويةَ: ألّا يَبيعَ ذلك إلّا مِئْلا بمِثْلٍ، وَزْنًا بوَزْنٍ.

    ج ٣ ص ١٧٥
  39. قد ذكَرنا أبا الدَّرداءِ عُويمرًا رحِمه اللهُ، في كتاب الصحابة (٧) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا، وكذلك ذكَرنا معاويةَ هنالك (٨) .

  40. والسِّقايةُ: الإناءُ، قيل: إنّه إناءٌ كالكأس وشِبْهِه يُشرَبُ به. وقال الأخفشُ: السِّقايةُ الإناءُ الذي يُشرَبُ به. وقال أبو عُبيدةَ (٩) في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {جَعَلَ

    ج ٣ ص ١٧٦السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} [يوسف: ٧٠] ، قال: السِّقايةُ مكيالٌ كان يُسمَّى السِّقايةَ. وقال غيرُه: بل كان إناءً يُشْرَبُ فيه.