زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
١٬٥٨٠ فقرة، ج ٣ ص ٥
الصفحة ٨ من ٤٠
- ج ٣ ص ١٣٥
وذكَر الأثْرَمُ، قال (٤) : حدَّثنا مِنْجابُ بن الحارثِ، قال: أخبَرنا خالدُ بن
ج ٣ ص ١٣٦سعيدِ بن عَمرِو بن سعيدِ بن العاص، عن أبيه، قال: كنتُ أرَى أصحابَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا زالَتِ الشمسُ يومَ الجمعةِ قاموا فصلَّوا أرْبَعًا.
قال أبو عُمر: حديثُ ثعلبةَ بن أبي مالكٍ أقوَى من هذا الحديثِ وأبْيَنُ، وحديثُ السائبِ بن يَزيدَ مثلُه، واللهُ أعلمُ.
-
وأمّا حديثُ عُقبةَ بن عامرٍ، فحدَّثَني أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضْرِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن مُوسى بن عُليِّ بن رباح، عن أبيه، عن عُقبةَ بن عامرٍ الجُهنيِّ، قال: ثلاثُ ساعاتٍ نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ نُصَلِّيَ فيها، أو نَقْبُرَ فيها مَوْتانا؛ عندَ طُلوعِ الشمس حتى تَبيَضَّ، وعندَ انتِصافِ النهارِ حتى تزُولَ، وعندَ اصفرارِ الشمس وإضافَتِها حتى تَغِيبَ (١) .
-
وحدَّثنا عُبَيْدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن دُكَيْنٍ، قال: حدَّثنا موسى بن عُليِّ بن رباح اللَّخْميُّ المصريُّ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ أنّه سمِع عُقبةَ بن عامرٍ، قال: ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا أنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ، أو نَقْبُرَ فيهنَّ مَوْتانا؛ حين تَطلُعُ الشمسُ بازغةً حتى تَرتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتى تَميلَ الشمسُ، وحين تَضيَّفُ الشمسُ للغروبِ حتى تغرُبَ (٢) .
-
وأخبَرني محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا
ج ٣ ص ١٣٧أحمدُ بن شعيبٍ، قال (١) : حدَّثنا سُويدُ بن نصر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المبارك، عن مُوسى بن عُليِّ بن رباح، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: سمِعتُ عُقبَة بن عامرٍ الجُهنيَّ يقولُ: ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا أنْ نُصَلِّيَ فيها، أو نَقْبُرَ فيها مَوْتانا: حين تَطْلُعُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفعَ. فذكَره حرفًا بحرف.
-
ورُوِيَ عن عمرَ بن الخطاب أنّه نهَى عن الصلاةِ نصفَ النهار (٢) ، وقال ابنُ مسعود: كنّا نُنهَى عن ذلك (٣) . وقال أبو سعيدٍ المَقبُريُّ: أدْركْتُ الناسَ وهم يتَّقُون ذلك (٤) .
-
وأمّا الصَّلاة على الجنائز في ذلك الوقت، فإنّ أهلَ العلم أيضًا اختَلفوا في ذلك؛ فقال مالكٌ: لا بأسَ بالصلاة على الجنائزِ بعدَ العَصْرِ ما لم تَصفرَّ الشمسُ، فإذا اصْفَرَّتْ لم يُصَلَّ على الجنازة، إلّا أنْ يكونَ يُخافُ عليها، فيُصَلَّى عليها حينَئذٍ، ولا بأسَ بالصلاةِ على الجنازةِ بعدَ الصبح ما لم يُسْفِرْ، فإذا أسفَرَ فلا تُصلُّوا عليها
ج ٣ ص ١٣٨إلّا أنْ تخافوا عليها. هذه روايةُ ابن القاسم عنه (١) . وذكَر ابنُ عبد الحكم (٢) عنه: أنّ الصلاةَ على الجنائزِ جائزة في ساعاتِ الليلِ والنهار؛ عندَ طلوع الشمس، وعندَ غروبها.
-
ولا خلافَ عن مالكٍ وأصحابِه أنّ الصلاةَ على الجنائز ودَفْنَها نصفَ النهارِ جائزٌ. وقال الثوريُّ: لا يُصَلَّى على الجنائزِ إلّا في مواقيتِ الصلاة، وتُكْرَهُ الصلاةُ عليها نصفَ النهار، وحينَ تَغِيبُ الشمسُ، وبعدَ الفجرِ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ (٣) .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يُصَلَّى على الجنائزِ عندَ الطّلوع، ولا عندَ الغروب، ولا نصفَ النهار، ويُصلَّى عليها في غيرها من الأوقات (٤) . وقال اللَّيثُ: لا يُصَلَّى على الجنازةِ في الساعةِ التي تُكْرَهُ فيها الصلاةُ. وقال الأوزاعيُّ: يُصَلَّى عليها ما دامَ في ميقاتِ العصر، فإذا ذهَب عنهم ميقاتُ العصرِ لم يُصلُّوا عليها حتى تَغْرُبَ الشمسُ (٥) .
وقال الشافعيُّ (٦) : يُصلَّى على الجنائزِ في كلِّ وقتٍ. والنَّهْيُ عندَه عن الصلاةِ في تلك الساعاتِ إنّما هو عن النوافلِ المُبتَدَءاتِ والتَّطوُّعِ، وأمّا عن صلاةِ فريضةٍ أو صلاةِ سُنَّةٍ فلا؛ لدلائلَ من الأثَرِ سأذْكُرُها في كتابي هذا إن شاء الله.
- ج ٣ ص ١٣٩
حديثٌ تاسعٌ لزَيْد بن أسْلَم مثل الذي قبله
مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن عبد الله الصُّنَابِحيِّ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا توضَّأ العبدُ المؤمنُ فمَضمَضَ، خرَجتِ الخطايا من فيهِ، فإذا استَنْثَر خرَجتِ الخَطايا من أنفِه، فإذا غَسَلَ وجهَهُ خرَجتِ الخطايا من وجهِهِ، حتى تَخرُجَ من تحت أشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فإذا غسَل يدَيْه خرَجتِ الخطايا من يَدَيْه، حتى تَخرُجَ من تحتِ أظْفارِ يَدَيْه، فإذا مسَح رأسَه خرَجتِ الخطايا من رأسِه، حتى تَخرُجَ من أُذُنيْه، فإذا غسَل رِجْلَيْه خرَجتِ الخطايا من رِجْلَيْه، حتى تَخرُجَ من تحتِ أظْفارِ رِجْلَيْه، ثم كان مَشْيُه إلى المسجدِ وصلاتُه نافلةً له" .
-
قد تقدَّم القولُ في الصُّنابحيِّ وفيمن دُونَه في هذا الإسناد.
-
وقال أبو عيسَى محمد بن عيسَى بن سَوْرَةَ التِّرمذيُّ (٢) : سألْتُ أبا عبد الله محمدَ بن إسماعيلَ البخاريَّ عن حديث مالكٍ، عن زيد بن أسلَمَ، عن عطاءِ بن يَسَارٍ، عن عبد الله الصُّنابِحيِّ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا توضَّأ العبدُ المسلمُ فمَضْمَضَ، خَرَجتِ الخطايا من فيهِ" الحديثَ. فقال: مالكُ بن أنسٍ وَهَمَ في هذا الحديث فقال: عبدُ الله الصُّنابحيُّ، وهو أبو عبد الله الصُّنابحيُّ، واسمُه عبدُ الرحمن بن عُسَيْلَة، ولم يَسمعْ من النبيِّ عليه السلام، والحديث مُرْسَلٌ، وعبدُ الرحمن هو الذي روَى عن أبي بكرٍ الصديق.
قال أبو عُمر: يَسْتَنِدُ هذا الحديث أيضا من طُرقٍ حسانٍ من حديثِ عَمْرو بن عَبَسَةَ وغيرِه، وسنذكرها في آخر هذا الباب إن شاء الله.
- ج ٣ ص ١٤٠
وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الوُضوءَ مَسْنونَه ومفروضَه جاءَ فيه مَجيئًا واحدًا، وأنّ من شرطِ المؤمن وما يَنبغي له إذا أراد الصلاةَ أن يأتيَ بما ذُكِرَ في هذا الحديث، لا يُقَصِّرُ عن شيءٍ منه، فإن قصَّر عن شيءٍ منه كان للمُفتَرَض حينئذٍ حُكْمٌ، وللمَسْنُونِ حُكْمٌ، إلّا أنّ العلماءَ أجمَعوا على أنّ غَسْلَ الوجهِ، واليَديْنِ إلى المِرفَقَين، والرِّجْلينِ إلى الكَعْبين، ومَسْحَ الرَّأس، فرضٌ ذلك كلُّه؛ لأمرِ الله به في كتابِه المسلمَ عندَ قيامِه إلى الصلاةِ إذا لم يكنْ متوضِّئًا، لا خلافَ عَلِمْتُه في شيءٍ من ذلك، إلّا في مسحِ الرِّجْلين وغَسْلِهما، على ما نُبَيِّنُه في بلاغاتِ مالكٍ إن شاء الله.
-
واختَلَفُوا في المضمضةِ والاستنثارِ؛ فقالَت طائفةٌ: ذلك فرضٌ. وقال آخرون: ذلك سُنّةٌ. وقال بعضُهم: المضمضةُ سُنّةٌ، والاستِنْثارُ فَرْضٌ.
-
وليس في مُسندِ حديثِ عمرِو بن يحيى، عن أبيه، عن عبدِ الله بن زيدِ بن عاصمٍ، في صِفَةِ وُضوءِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (١) ولا في "الموطأ" ذِكْرُ الأذُنين في الوُضوء في حديثٍ مسندٍ إلّا في حديثِ الصُّنابِحيِّ هذا.
-
وقد استدلَّ بعضُ أهلِ العلم على أنّ الأُذُنَين من الرأس، وأنّهما يُمْسَحان بماءٍ واحدٍ مع الرأس بحديث الصُّنابِحيِّ هذا؛ لقوله فيه: "فإذا مسَح برأسِه خرَجتِ الخطايا من أُذُنَيْه" . فنَذْكُرُ أقاويلَ الفقهاء في ذلك هاهنا، ونؤخر ذِكْرَ المِرْفَقَين إلى بابِ عمرِو بن يحيى، وذِكْرَ الكَعبَين إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وَيْلٌ للأعْقابِ مِن النَّار" (٢) . ونُرجئُ ذِكْرَ القولِ في مَسْحِ الرأس إلى باب عَمْرو بن يحيى أيضًا، في حديثِ عبدِ الله بن زيدِ بن عاصم إن شاء الله، وجاءَ في هذا الحديث ذِكْرُ الاستِنْثارِ، فنَذْكُرُه أيضًا بعَوْن الله.
- ج ٣ ص ١٤١
وكذلك لا أعلمُ في مسند حديث "الموطأ" ومَرْفوعِه مَوْضِعًا أشْبَهَ بالقول في الماءِ المستعملِ من هذا الحديث، ونحنُ ذاكِرُو ذلك كلِّه هاهنا، ونَذْكُرُ حُكْمَ المضمضةِ والاستِنْثارِ أيضًا هاهنا؛ لأنّهما مُتقاربانِ في المعنَى عندَ العلماء، وبالله توفيقُنا، وهو حَسْبُنا لا شريكَ له.
-
فأمّا الاستِنْثارُ والاستِنْشاقُ فمعناهما واحدٌ مُتقارِبٌ، إلّا أنّ أخْذَ الماءِ بريحِ الأنفِ هو الاستِنْشاقُ، والاستِنْثارُ: رَدُّ الماء بعدَ أخْذِه بريح الأنفِ أيضًا وهذه حقيقةُ اللفظَتَيْن، وقد كان مالكٌ يرَى أنّ الاستِنْثارَ أنْ يجعَلَ يَدَه على أنفِه ويَستَنْثِرَ. وقد ذكَرْنا مذاهبَ العلماءِ في ذلك في بابِ أبي الزِّنَاد. وأكثرُ أهلِ العلم يَكْتَفُون في هذا المعنَى باللفظِ الواحدِ، وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - اللفظتان جميعًا، وذلك قولُه في هذا الحديث: "فإذا استَنْثَرَ" ، وقولُه في حديثِ أبي هريرة: "إذا توضَّأَ أحدُكم فلْيَجعَلْ في أنفِه ماءً، ثم لْيَنْثُرْ - ولْيَنْتَثِرْ - أو ليَسْتَنْثِرْ" (١) . ونحوُ هذا، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولُه في حديث أبي هريرةَ أيضًا: "مَن توضَّأ فلْيَسْتَنْثِرْ، ومَن استَجْمَرَ فليُوتِرْ" (٢) ، ورُوِيَ من حديث أبي رَزينٍ العُقَيْليِّ أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: "وبالِغْ في الاستِنْشاقِ إلّا أن تكونَ صائمًا" (٣) . ومن
ج ٣ ص ١٤٢حديثِ ابن عبّاس أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "استَنْثِرُوا مرَّتَين بالِغَتَيْن أو ثلاثًا" (١) . ومن حديث هَمّامٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا توضَّأ أحدُكم فلْيَسْتَنْشِقْ بمَنْخرِه من الماء ثمَّ لِينْثُرْ" (٢) . وقد ذكَرنا هذه الآثارَ بأسانيدِها في باب أبي الزِّنادِ، والحمدُ لله.
-
فاللفظتان كما تَرى مروَّيتانِ تَتداخلانِ، وأهلُ العلم يُعَبِّرُون باللفظِ الواحد عن الثاني اكْتِفاءً وعلمًا بالمُراد.
-
فأمّا اختلافُهم في حُكْمِهما؛ فإنّ مالكًا، والشَّافعيَّ، وأصحابَهما، يقولون: المضمضةُ والاستنشاقُ سُنّةٌ، ليستا بفرضٍ لا في الجنابةِ ولا في الوُضوء. وبذلك قال محمدُ بن جريرٍ الطَّبَريُّ. وهو قولُ الأوزاعيِّ، واللَّيْثِ بن سَعْدٍ. ورُوِيَ أيضًا عن الحسن البصريِّ، والزهريِّ، وربيعةَ، ويحيى بن سعيدٍ، وقتادةَ، والحكَم بن عُتَيْبة. فمَنْ توضَّأ وتركَهما وصَلَّى، فلا إعادةَ عليه عندَ واحدٍ من هؤلاء المذكورين (٣) .
ج ٣ ص ١٤٣وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ: هما فَرْضٌ في الجنابةِ، سُنّةٌ في الوُضوء، فإنْ ترَكَهما في غُسْلِه من الجنابةِ وصَلَّى، أعاد، كمَن تَرَكَ لُمْعَةً، ومَن ترَكهما في وُضُوئِه وصَلَّى (١) ، فلا إعادةَ عليه (٢) .
-
وقال ابنُ أبي ليلَى، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ، وهو قولُ إسحاقَ بن راهُوية (٣) : هما فَرْضٌ في الغُسْلِ والوُضوءِ جميعًا. وروِي عن الزهريِّ وعطاءٍ مثلُ هذا القول أيضًا، ورُوِيَ عنهما مثلُ قول مالكٍ والشافعيِّ (٤) . وكذلك اختلَف أصحابُ داودَ؛ فمنهم مَن قال: هما فرضٌ (٥) في الغُسْل والوُضوء جميعًا. ومنهم مَن قال: إنّ المضمضةَ سُنّةٌ، والاستِنْشاقَ فرضٌ. وكذلك اختُلِفَ عن أحمدَ بن حنبلٍ على هذين القولَين المذكورَين عن داودَ وأصحابِه. ولم يَختلِفْ قولُ أبي ثور وأبي عبيدٍ أنّ المضمضةَ سُنَّةٌ، والاسْتِنْشاقَ واجبٌ، قالا: فمَن ترَك الاسْتِنْشاقَ وصلَّى أعادَ، ومَن ترَك المضمضةَ لم يُعِدْ (٦) .
- ج ٣ ص ١٤٤
وكذلك القولُ عندَ أحمدَ بن حنبلٍ في روايةٍ، وعن بعض أصحابِ داودَ. وحُجَّةُ مَن لم يُوجِبْهما: أنّ اللهَ لم يذْكُرْهما في كتابِه، ولا أوْجَبَهما رسولُه - صلى الله عليه وسلم -، ولا اتَّفَقَ الجميعُ عليه، والفرائضُ لا تَثْبُتُ إلّا من هذه الوُجُوه.
-
وحُجَّةُ مَن أوْجَبَهما في الغُسْل من الجنابةِ دونَ الوُضوءِ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "تحتَ كلِّ شَعَرَةٍ جنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعَرَ، وأنْقُوا البَشَرَةَ" (١) . وفي الأنف ما فيه من الشَّعَرِ، وأنّه لا يُوصَلُ إلى غَسْلِ الأسنانِ والشَّفَتَين إلّا بالمضْمَضَةِ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "العينان تَزنيان، والفمُ يَزني" (٢) . ونحوُ هذا إلى أشياءَ يطولُ ذِكْرُها.
-
وحُجَّةُ مَن أوجَبَهما في الوُضوءِ وفي غُسْل الجنابةِ جميعًا: أنّ الله عزَّ وجلَّ قال: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] ، كما قال: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: ٦] . فما وجَب في الواحدِ من الغُسْلِ وجَب في الآخَر، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُحْفَظْ عنه أنّه ترَك المضمضةَ والاستِنشاقَ في وُضوئِه ولا في غُسْلِه للجنابَة،
ج ٣ ص ١٤٥وهو المُبيِّنُ عن الله عزَّ وجلَّ مُرادَه قَولًا وعَمَلًا، وقد بَيَّنَ أنّ من مرادِ الله بقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} : المضمضةَ والاسْتِنشاقَ، مع غَسْلِ سائرِ الوَجْه.
-
وحُجَّةُ مَن فَرَّقَ بينَ المضمضةِ والاستِنْشاقِ: أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فعَل المضمضةَ ولم يأمُرْ بها، وأفعالُه مَنْدُوبٌ إليها ليست بواجِبَةٍ إلّا بدليلٍ، وفَعلَ الاسْتِنثارَ وأمَر به، وأمْرُه على الوُجُوبِ أبدًا إلّا أنْ يتَبيَّن غيرُ ذلك من مُرادِه. وهذا على أُصُولهم في ذلك.
-
وأمّا اختلافُ العلماءِ في حكم الأُذُنَين في الطهارة؛ فإنّ مالكًا قال فيما روَى عنه ابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسم، وأشْهَبُ، وغيرُهم: الأُذُنانِ من الرأس، إلّا أنّه قال: يُسْتَأنَفُ لهما ماءٌ جديدٌ سِوَى الماءِ الذي يَمْسَح به الرأسَ (١) . فوافَقَ الشافعيَّ في هذه؛ لأنّ الشافعيَّ قال: يَمْسَحُ الأُذنين بماءٍ جديدٍ (٢) . كما قال مالكٌ، ولكنّه قال: هما سُنّةٌ على حِيَالِهما، لا من الوَجْهِ ولا من الرأس. وقولُ أبي ثَوْرٍ في ذلك كقولِ الشافعيِّ سواءً حرفًا بحَرْفٍ. وقولُ أحمدَ بن حنبلٍ (٣) في ذلك كقولِ مالكٍ سواءً، في قوله: الأُذُنان من الرأسِ، وفي أنّهما يُسْتَأنَفُ لهما ماءٌ جديدٌ.
وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: الأُذُنان (٤) من الرأسِ يُمْسَحان مع الرأسِ بماءٍ جديد. ورُوِيَ عن جماعةٍ من السلف مثلُ ذلك القولِ من الصحابةِ والتابعين.
ج ٣ ص ١٤٦وقال ابنُ شهابٍ الزهريُّ: الأُذُنان من الوجْهِ. وقال الشعبيُّ: ما أقبلَ منهما من الوَجْهِ، وظاهِرُهما من الرأس. وبهذا القول قال الحسنُ بن حَيٍّ، وإسحاقُ بن راهُويَةَ؛ أنّ باطِنَهما من الوِجْهِ، وظاهِرَهما من الرأس. وحكى ابنُ أبي هريرةَ هذا القولَ عن الشافعيِّ. والمشهورُ من مذهبِه ما تقدَّم ذِكْرُه، رواه المُزنيُّ، والرَّبيعُ، والزَّعْفَرانيُّ، والبُوَيْطِيُّ، وغيرُهم.
-
وقد رُوِيَ عن أحمدَ بن حنبلٍ مثلُ قول الشعبيِّ وإسحاقَ في هذا أيضًا. وقال داودُ: إن مسَح أُذُنَيْه فحَسَنٌ، وإن لم يَمْسَحْ فلا شيءَ عليه (١) .
-
وأهلُ العلم يكْرَهُون للمُتَوضِّئ تَرْكَ مَسْحِ أُذُنَيْه، ويجعَلُونَه تارِكَ سُنّةٍ من سُنَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لا يُوجِبُونَ عليه إعادَةً، إلّا إسحاقَ بن راهُويَةَ، فإنّه قال: إنْ ترَك مَسْحَ أُذُنَيْه عامِدًا لم يُجْزِئْه. وقال أحمدُ بن حنبلٍ: إنْ ترَكَهما عَمْدًا أحْبَبْتُ أنْ يُعِيدَ (٢) . وقد كان بعضُ أصحابِ مالكٍ يقولُ: مَن ترَك سُنّةً من سُنَنِ الوُضوءِ أو الصلاةِ عامِدًا أعادَ (٣) . وهذا عندَ الفقهاءِ ضعيفٌ، وليسَ لقائله سَلَفٌ، ولا له حظٌّ من النَّظَر، ولو كان كذلك لم يُعْرَف الفرضُ الواجبُ من غيرِه. وقال بعضُهم: مَن ترَك مَسْحَ أُذُنَيْه فكأنّه ترَك مَسْحَ بعض رأسِه. وهو ممّن يقولُ بأنّ الفرضَ مَسْحُ بعض الرأسِ، وأنّه يُجْزِئُ المُتَوضِّئَ مَسْحُ بعضِه. وقولُه هذا كلُّه ليس على أصْل مذهبِ مالكٍ الذي يُقْتَدَى به. وسيأتي القولُ في مَسْحِ الرأس في باب عَمْرو بن يحيى إن شاء الله.
- ج ٣ ص ١٤٧
واحتجَّ مالكٌ والشافعيُّ في أخْذِهما للأُذنَين ماءً جديدًا: بأنّ عبدَ الله بن عُمَرَ كان يفْعَلُ ذلك (١) .
-
وحُجَّةُ أبي حنيفةَ وأصحابه ومَن قال بقولهم: إنّ الأُذُنين يُمْسَحان مع الرأس بماءٍ واحدٍ: حديثُ زيدِ بن أسلَمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه كذلك فَعَلَ (٢) . وذلك موجودٌ أيضًا في حديث عبيدِ الله الخَوْلانيِّ، عن ابن عباسٍ، عن عليٍّ في صِفَةِ وُضوءِ رسولِ الله (٣) - صلى الله عليه وسلم -، وفي حديث الرُّبيَعِّ بنتِ مُعَوِّذِ بن عَفْراءَ (٤) ، وفي حديثِ طَلْحَة بن مُصَرِّفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٥) . واحتجُّوا أيضًا بحديثِ الصُّنابحيِّ هذا؛ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا مسَح برأسِه خرَجتِ الخطايا من أُذنَيْه" ، كما قال في الوجه: "من أشفارِ عَيْنَيْه" ، وفي اليَدَين: "من تحتِ أظْفارِه" (٦) . ومعلوم أنّ العَمَلَ في ذلك واحدٌ بماءٍ واحدٍ. واحتَجُّوا أيضًا بما أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٧) :
ج ٣ ص ١٤٨حدَّثنا الحَسَنُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا عبّاد بن منصورٍ، عن عكرمةَ بن خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنّه رأى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يتَوضَّأُ. فذكَر الحديثَ كلّه ثلاثًا ثلاثًا، وفيه: قال: ومسَح برأسِه وأُذنَيْه مَسْحَةً واحدةً.
-
وأكثرُ الآثارِ على هذا وقد يَحتَمِلُ أنّه مسَح رَأسَه مرّةً واحدةً، وأُذنَيْه مرّةً واحدةً؛ لأنه ذكَر الوضوءَ ثلاثًا ثلاثًا إلّا الرأسَ والأُذنَين.
-
وحُجَّةُ مَن قال: يُغْسَلُ باطِنُهما مع الوَجْه، ويُمْسَحُ ظاهِرُهما مع الرأس: أنّ اللهَ قد أمَرَ بغَسْلِ الوَجْهِ، وهو مَأخُوذٌ من المُواجَهَة، فكُلُّ ما وَقَعَ عليه اسمُ وَجْهٍ وجَبَ عليه غَسْلُه، وأمَر عزَّ وجلَّ بمَسْحِ الرأس، وما لم يُواجِهْك من الأُذنَين فمِن الرأس؛ لأنّهما في الرّأس، فوَجَب المَسْحُ على ما لم يُواجَهْ منهما مع الرأس.
قال أبو عُمر: هذا قولٌ تَرُدُّه الآثارُ الثابتةُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ أنّه كانَ يَمسحُ ظُهورَ أُذنَيه وبُطُونَهما - من حديث عليٍّ، وعثمانَ (١) ، وابن عباس، والرُّبَيِّع بنتِ مُعُوِّذ، وغيرِهم.
-
وحُجَّةُ ابن شهابٍ في أنّهما من الوَجْه (٢) ؛ لأنّ ما لم يَنْبُتْ عليه الشَّعَرُ فهو من الوَجْهِ لا من الرأس إذا أدْرَكَتْه المواجهةُ ولم يكنْ قَفًا، والله قد أمَرَ بغَسْلِ الوَجْهِ أمْرًا مُطلقًا. ويُمْكنُ أنْ يُحْتَجَّ له بحديثِ ابن أبي مُلَيكَةَ أنّه رأى عثمانَ بن عفانَ، فذكَر صفَةَ وضُوءِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا ثلاثًا. قال: ثم أدْخَلَ يَدَه فأخَذَ ماءً فمَسَحَ به رأسَهُ وأُذنَيْه، فغَسَلَ ظُهُورَهما وبُطُونَهما (٣) .
- ج ٣ ص ١٤٩
ومن الحُجَّةِ له أيضًا ما صَحَّ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يقولُ في سُجُودِه: "سجَد وجْهي للذي خلَقه فشَقَّ سَمعَه وبصَرَه" (١) ، فأضاف السَّمعَ إلى الوَجْهِ. وهذا كلُّه مُحتَمِلٌ للتأويل، يُمكِنُ فيه الاعْتراضُ.
-
وحُجَّةُ الشافعيِّ في قوله: إنّ مَسْحَ الأُذنَين سُنَّةٌ على حيالها، وليستا من الوَجْه ولا من الرأس (٢) . إجماعُ القائلينَ بإيجابِ الاسْتيعابِ في مَسْحِ الرأسِ أنّه إنْ ترَك مَسْحَ أُذنَيْه وصَلَّى لم يُعِدْ، فبطَل قولهُم: إنّهما من الرأس؛ لأنّه لو ترَك شيئًا من رَأسِه عندَهم لم يُجْزِئْه، وإجْماعُ العلماءِ أنّ الذي يجبُ عليه حلقُ رأسه في الحجِّ ليس عليه أنْ يأخُذَ ما على أُذنَيْه من الشَّعَر، فدلَّ ذلك على أنّهما ليستا من الرأس، وأنّ مَسْحَهما سُنّةٌ على الانفرادِ كالمضمضةِ والاسْتِنْشَاق.
-
ولكلِّ طائفةٍ منهما اعتلالٌ من جهةِ الأثَرِ والنَّظَرِ ترَكْتُ ذلك خَشْتةَ الإطالَةِ، وأنّ الغرضَ والجُملةَ ما ذكَرْنا، وبالله توفيقنا.
قال أبو عُمر: المعنى الذي يجبُ الوقوفُ على حقيقتِه في الأُذُنين: أنّ الرأسَ قد رَأينا له حُكْمَين، فما واجَهَ منه كان حُكْمُه الغَسْلَ، وما عَلا منه وكان مَوْضِعًا لنباتِ الشَّعَرِ كانَ حُكْمُه المَسْحَ. واختلافُ الفقهاءِ في الأُذنَين إنّما هو: هل حُكْمُهما المَسْحُ كحُكْم الرأسِ، أو حُكْمُهما الغَسْلُ كغَسْلِ الوَجْهِ، أو لهما من
ج ٣ ص ١٥٠كلِّ واحدٍ منهما حُكْمٌ، أو هما من الرأسِ فيُمْسَحانِ معه؟ فلمّا قال - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، حديث الصُّنابِحيِّ: "فإذا مسَح برأسِه خرَجت الخطايا من أُذنَيه" . فأتَى (١) بذِكْرِ الأُذنَين مع الرأس، ولم يقل: إذا غسَل وجهَه خرَجَتِ الخطايا من أُذنَيه، عَلِمْنا أنّ الأُذنَين ليس لهما من حُكم الوجهِ شيءٌ؛ لأنّهما لم يُذْكَرَا معه، وذُكِرَا مع الرأس، فكانَ حُكْمُهما المَسْحَ كحُكْم الرأس، فليس يَصِحُّ من الاختلافِ في ذلك عندي إلّا مَسْحُهما مع الرأسِ بماءٍ واحدٍ، واستِئنافُ الماءِ لهما في المَسْح، فإنّ هذين القولَين مُحتَمِلان للتأويل.
-
وأمّا قولُ مَن أمَر بغَسْلِهما، أو غَسْلِ بعضِهما - فلا معنى له، وذلك مَدفوعٌ بحديثِ الصُّنَابِحيِّ هذا، مع ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في مَسْحِهما، وبالله التوفيق.
-
واستدلَّ بعض من لم يُجِز الوُضوءَ بالماءِ المُسْتَعْمَل بحديث الصُّنابحيِّ هذا، وقال: الماءُ إذا تُوُضِّئَ به مغ خرَجتِ الخَطايا معه، فوجَب التَّنزُّهُ عنه؛ لأنّه ماءُ الذُّنُوب.
-
وهذا عندي لا وَجْهَ له؛ لأنّ الذُّنُوبَ لا تُنَجِّسُ الماءَ؛ لأنّها لا أشخاصَ لها ولا أجْسامَ (٢) تُمازِجُ الماءَ فتُفسِدُه، وإنّما معنى قوله: "خرَجتِ الخطايا مع الماء" : إعلامٌ منه بأنّ الوُضوءَ للصلاةِ عمَل يُكَفِّرُ اللهُ به السَّيِّئاتِ عن عبادِه المؤمنين؛ رَحْمَةً منه بهم، وتفضُّلًا عليهم، أُعْلِمُوا بذلك ليَرْغَبُوا في العمل به.
-
واختَلَفَ الفقهاءُ في الوُضوءِ بالماءِ المُسْتَعْمَل، وهو الذي قد تُوُضِّئَ به مرَّةً؛ فقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما (٣) : لا يُتوَضَّأُ به، ومَن توضَّأ به أعادَ؛
- ج ٣ ص ١٥١
لأنّه ليس بماءٍ مُطلقٍ، ويتَيَمَّمُ واجِدُه؛ لأنّه ليس بواجِدٍ ماءً. ومن حُجَّتِهم في ذلك على الذين أجازُوا الوُضوءَ به عندَ عدَم غيرِه: أنّه لمّا كان مع الماءِ الذي يُستعمل كَلا مَاءٍ، كان عندَ عَدَمِه أيضًا كَلا ماءٍ، ووجَب التَّيَمُّمُ. وقال بقولهم في ذلك أصبَغُ بن الفَرَج، وهو قولُ الأوزاعيِّ (١) .
-
وأمّا مالكٌ فقال: لا يتَوضَّأُ به إذا وجَد غيرَه من الماء، ولا خَيرَ فيه. ثم قال: إذا لم يَجِدْ غيرَه توضَّأَ به ولم يَتَيَمَّمْ؛ لأنّه ماءٌ طاهرٌ لم يُغَيِّرْه شيءٌ (٢) .
وقال أبو ثَورٍ، وداودُ (٣) : الوُضوءُ بالماءِ المستعمل جائزٌ؛ لأنه ماءٌ طاهرٌ لا يَنضافُ إليه شيءٌ، فوجَب أنّ يكونَ مُطَهِّرًا لطَهارتِه، ولأنّه لا يُضافُ إلى شيءٍ، وهو ماءٌ مُطلَقٌ. واحْتجُّوا بإجماعِ الأُمَّة على طَهارَتِه إذا لم يكن في أعضاءِ المُتَوضِّئ نجاسةٌ. وإلى هذا ذهَب أبو عبد الله المَرْوَزيُّ محمدُ بن نَصْرٍ (٤) . ومن حُجَّتهم أنّ الماءَ قد يُستعمَلُ في العُضْوِ الواحدِ لا يَمتنِعُ من ذلك أحدٌ ولا يَسْلَمُ من ذلك.