محمد بن شهاب الزهري

١٩٠ فقرة، ج ٤ ص ٩١

الصفحة ٤ من ٥

  1. في هذا الحديثِ مِن روايةِ مالِكٍ مِن الفقه: إباحَةُ شُرْبِ اللبنِ، وأنَّ ذلك ليس مِن الإسرافِ؛ لأنَّه مُسْتَحِيلٌ أن يَأتيَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في أكْلِه أو شُرْبِه سرَفًا.

    ج ٤ ص ١٤٢
  2. وفيه دليلٌ على أنَّ مَن قُدِّمَ إليه شيءٌ يأْكُلُه أو يَشْرَبُه حَلالًا، فليس عليه أن يَسْألَ: من أين هو؟ وما أصْلُه؟ إذا عَلِم طِيبَ مَكْسَبِ صاحِبِه في الأغلبِ مِن أمرِه، ألا تَرَى أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يَسْألِ الذي أتاه باللبنِ: مِن أين لك هذا؟

  3. وفيه: إجازَةُ خَلْطِ اللبنِ بالماء لمن أراد شرْبَه، ولم يُرِدْ به البيعَ؛ لأنَّ قولَه: "قد شِيبَ بماءٍ" أي: قد خُلِط بماءٍ، ومعنى الشَّوْبِ: الخَلْطُ، وجَمْعُه أشوابٌ (١) . وإنَّما قُلْنا: إذا لم يُرِدْ به البيعَ؛ لأنَّ خَلْطَ الماءِ باللبنِ غِشٌّ، وقد قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن غَشَّنا فليس منَّا" (٢) ، وقد بلَغَني أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ أهْراقَ لبنًا قد شِيبَ بماءٍ، على مُرِيدِ بيعِه والغِشِّ به (٣) .

  4. وفيه: مجُالسَةُ أهلِ الباديةِ وتَقْريبُهم، إذا كان لذلك وجْهٌ.

  5. وفيه: أنَّ المجلِسَ عن يمينِ الرجلِ وعن يَسارِه سَواءٌ، إذ لو كان الفضلُ عن يمينِ الرجلِ، لما آثَر به رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أعرابيًّا على أبي بكرٍ. ويحتَمِلُ أن يكونَ ذلك أيضًا دليلًا على أنَّ مَن سبَق مِن مجلِسِ العلم إلى مكانٍ كان أوْلَى به مِن غيرِه، كائنًا مَن كان، ودَليلًا على أنّه لا يُقامُ أحدٌ مِن مجلِسِه لأحَدٍ، وإنْ كانَ أفضَلَ منه.

  6. وفيه: مِن أدب المُؤاكَلَةِ والمجالسَةِ: أنَّ الرجلَ إذا أكَلَ أو شَرِبَ، ناوَلَ فَضْلَه الذي على يَمِينِه، كائنًا مَن كان، وإن كان مَفْضُولًا وكان الذي على يَسارِه فاضِلًا. وفي القِياسِ على هذا النَّصِّ في هذا الحديثِ، أنْ لو كان كافَرًا، كان الأدَبُ والسُّنةُ أن يُؤثَرَ مَن على اليمينِ أبدًا على مَن كان على اليَسارِ بفضلِ الشرابِ، واللهُ أعلم. وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُحِبُّ التَّيامُنَ في أمره كُلِّه، كذلك ثَبَت عنه -صلى الله عليه وسلم- (١) .

    ج ٤ ص ١٤٣
  7. وفيه: مُواسَاةُ الجُلَساء فيما يأتي صاحِبَ المجلسِ مِن الهدايا، وقد رُوي مَرْفُوعًا: "جُلَساؤُكم شُرَكاؤُكم في الهَدِيَّةِ" (٢) . وهذا، إن صَحَّ، فعلى النَّدْبِ إلى التحابِّ، وبرِّ الجلِيسِ، وإكرام الصديق، وهذا كلُّه مِن محاسنِ الأخلاق.

  8. وقد حَكَى بعضُ الناسِ عن مالكٍ في هذا الحديثِ شيئًا خِلافَ ما يُوجِبُه ظاهِرُه، ولا يَصِحُّ، وبالله العِصْمَةُ (٣) والتوفيق.

  9. ورَوى مِنْدَلُ بنُ عليٍّ، عن ابنِ جُريج، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أتَتْه هديَّةٌ وعنده قومٌ، فهم شُرَكاؤُه فيها" (٤) .

  10. حديثٌ رابعٌ لابن شِهاب، عن أنَس

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- دخَل مكةَ عامَ الفتح وعلى رأسِه المِغفَرُ، فلمَّا نَزَعه جاءه رجلٌ فقال: ابنُ خَطَلٍ مُتَعلِّقٌ بأسْتارِ الكعبة. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اقْتلُوهُ" . قال مالكٌ: قال ابنُ شهاب: ولم يكن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ مُحرِمًا.

    ج ٤ ص ١٤٤
  11. اخْتُلِف في اسم ابنِ خَطَلٍ هذا؛ فقيل (٢) : هلالُ بنُ خَطَلٍ. وقيل: عبدُ العُزَّى بنُ خَطَل. وقيل: عبدُ الله بنُ خَطَل. هذا قولُ ابنِ إسحاقَ وجماعَةٍ (٣) .

    وقال الزُّبيرُ بنُ بكَّارٍ: ابنُ خَطَلٍ الذي أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بقَتْلِه يومَ فتح مكةَ وإن كان مُتعلِّقًا بأسْتارِ الكعبةِ، فقُتِل على تلك الحالِ، هو هلالُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ منَافِ بن أسْعَدَ بنِ جابرِ بنِ كبيرِ بنِ تَيْم بنِ غالبِ بنِ فِهْرٍ. قال: وعبدُ الله هو الذي يُقالُ له: خَطَلٌ (٤) . ولأخيه عبدِ العُزَّى بنِ عبدِ مَنافٍ أيضًا: خَطَلٌ. هما جميعًا الخطَلان. قال: فبنو تَيْم بنِ غالبِ بنِ فِهْرٍ يُقالُ لهم: بنو الأدْرَم (٥) . وتَيْمٌ هو الأدْرَمُ بنُ غالبٍ.

    قال أبو عمر: المِغْفَرُ: ما غَطَّى الرأسَ مِن السِّلاح، كالبَيْضَةِ وشِبْهِها، مِن حَدِيدٍ كان ذلك أو من غيرِه (٦) ، وقد روَى جماعةٌ؛ بشرُ بنُ عمرَ الزَّهرانيُّ (٧) ،

    ج ٤ ص ١٤٥ومنصورُ بنُ سَلَمةَ الخزاعيُّ (١) ، عن مالكٍ هذا الحديثَ بإسنادِه، وقالوا فيه: مِغْفَرٌ مِن حديدٍ. ومنصورٌ وبشرٌ ثِقَتان، وتابَعَهما على ذلك جماعةٌ (٢) ليسوا هنالك.

  12. وكذلك رواه أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام (٣) ، عن ابنِ بكيرٍ، عن مالكٍ، قال فيه: من حديدٍ. وليس في "الموطأ" : من حديدٍ.

  13. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابَةَ الرَّقَاشيُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ،

    ج ٤ ص ١٤٦عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- دخَل مكةَ وعليه مِغْفَرٌ مِن حديدٍ، فلمَّا نزَعَه قيل له: ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ. فقال: "اقْتُلُوه" (١) .

  14. ورَوى هذا الحديثَ رَوْحُ بنُ عُبادَةَ، عن مالكٍ، بإسنادِه هذا، وفيه زيادَةُ: وطاف وعليه المِغْفَرُ. ولم يَقُلْه غيرُه عنه. واللهُ أعلم.

  15. ورواه عبدُ الله بنُ جعفرٍ المدنيُّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، قال: دخَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ الفتح مكةَ وعلى رأسِه المِغْفَرُ، واسْتَلَم الحجَرَ بمِحْجَنٍ. وهذا أيضا لم يَقُلْه عن مالكٍ، واللهُ أعلمُ، غيرُ عبدِ الله بنِ جَعْفَرٍ.

  16. وهذا حديثٌ انفَرَد به مالكٌ رحِمه اللهُ، لا يُحفَظُ عن غيرِه، ولم يَرْوِه أحَدٌ عن الزُّهريِّ سِواه مِن طريقٍ صحيح. وقد رُوي عن ابنِ أخي ابنِ شهابٍ، عن عَمِّه، عن أنسٍ (٢) ، ولا يكادُ يَصحُّ. ورُويَ أيضًا مِن غيرِ هذا الوَجْهِ، ولا يُثْبِتُ أهلُ العلم بالنقلِ فيه إسنادًا غيرَ حديثِ مالكٍ. وقد رواه عن مالكٍ واحتاج إليه فيه جماعَةٌ مِن الأئمَّةِ يطولُ ذكْرُهم، وقد ذكَرَهم شيخُنا أبو القاسِم خَلَفُ بنُ القاسِم الحافِظُ رحِمه اللهُ في كتابٍ جُمِع في ذلك، ومن أجَلّ مَن رواه عن مالكٍ ابنُ جُريج.

  17. حدَّثنا أبو محمدٍ مَسْلَمةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو القاسِم عبدُ السَّلام بنُ محمدِ بنِ أبي موسى، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مصفَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخَل مكةَ (٣) وعلى رأسِه مِغْفَرٌ (٤) .

  18. وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ: دُخولُ مكةَ بغير إحرام، وبالسِّلاح، وإظْهارُ السِّلاح فيها، ولكنْ هذا عندَ جميع العلماءِ مَنْسُوخٌ ومخصوصٌ بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ اللهَ حَرَّم مكةَ يومَ خَلَق السماواتِ والأرضَ، لم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ" ؛ يعني: يومَ الفتح. وقد تكلَّمْنا على معنى هذا الحديثِ في كتابِ "الأجْوبةِ عن المسائلِ المسْتَغْرَبَةِ في كتابِ البخاريِّ" (١) بما يُغْني عن إعادَتِه هاهنا.

    ج ٤ ص ١٤٧
  19. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٢) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسفَ (٣) ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهاب، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ اللهَ حَرَّم مكةَ، فلا تَحِلَّ لأحَدٍ قبلي، ولا تَحِلَّ (٥) لأحَدٍ بعدي، وإنَّما أُحِلَّت لي ساعةً مِن نهارٍ" . وذكَر الحديثَ.

  20. ورواه منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن طاوس، عن ابنِ عباسٍ مثلَه، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال يومَ فتح مكةَ: "إنَّ هذا بَلَدٌ حَرامٌ لم يَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا يَحِلُّ لأحدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً مِن نهارٍ، ثم هو حَرَامٌ إلى يوم القيامةِ" (٦) .

  21. وروى أبو شُرَيْح الكَعْبيُّ (١) ، وأبو هريرةَ (٢) ، وجماعَةٌ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِثْلَه.

    ج ٤ ص ١٤٨
  22. وكان ابنُ شهابٍ رَحِمه اللهُ يقولُ: لا بَأْسَ أن تَدْخُلَ مكةَ بغيرِ إحرام (٣) . وخالَفَه في ذلك أكثرُ العلماءِ، وما أعلَمُ أحَدًا تابَعَه على ذلك إلّا الحسنَ البصريَّ، روَى خالِدُ بنُ عبدِ الله، عن أشعثَ، عن الحسنِ، أنّه لم يكنْ يرَى بأسًا أن يَدْخُلَ الرجلُ مكةَ بغيرِ إحرام. وإلى هذا ذهَبَ داودُ بنُ عليٍّ وأصْحابُه، وذكروا قولَ ابنِ شهابٍ، والحسَنِ، وأنَّ ابنَ عمرَ رجَع مِن طَرِيقِه فدخَلها بغيرِ إحرام (٤) . واحتَجُّوا بأنَّ مُوجِبَ الإحْرام مُوجِبُ حجٍّ أو عُمْرَةٍ لم يُوجِبْها اللهُ ولا رسولُه، ولا اتَّفَق المسلمون على ذلك.

    وقال الشافعيُّ: مَن (٥) دخَل مكةَ خائِفًا لحربٍ، أو خائفًا مِن سلطانٍ، أو ممَّن لا يَقْدِرُ على دَفْعِه، جاز له دُخولُ مكةَ بغيرِ إحرام؛ لأنّه في معنى المُحْصَرِ (٦) . وقد رُوي عن الشافعيِّ مثلُ قولِ ابنِ شهابٍ وداودَ في هذا البابِ، والمشهورُ عنه أنها لا تُدْخَلُ إلّا بإحرام، إلّا ما ذكَرْتُ عنه (٧) .

    ج ٤ ص ١٤٩وقال ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: لستُ آخُذُ بقولِ ابنِ شهابٍ في دُخولِ الإنسانِ مكةَ بغيرِ إحرام. وكَرِه ذلك، وقال: إنّما يكونُ ذلك على مثل ما عَمِل عبدُ الله بنُ عمرَ مِن القُرْبِ (١) ، إلّا رجلًا يأتي بالفاكِهَةِ مِن الطائفِ، أو يَنْقُلُ الحَطَبَ يبيعُه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: ورُجوعُ ابنِ عمرَ مِن قُدَيْدٍ إلى مكةَ بغيرِ إحرام؟ فقال: ذلك أنّه جاءَه خَبَرٌ مِن جُيُوشِ المدينة (٢) .

    وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: كَرِه أكثرُ أهلِ العلم أن يَدْخُلَ أحَدٌ مكةَ إلّا مُحْرِمًا، ورَخَّصوا (٣) للحَطَّابين ومَن أشْبَهَهم ممَّن يكثرُ اختِلافُه إلى مكةَ، ورُخِّص أيضًا لمَن خرَج مِن مكةَ يُريدُ بَلْدَةً، ثم بَدا له أن يرجِعَ، كما صنَع عبدُ الله بنُ عمرَ. قال: وأمّا مَن نَزَع مِن مَوْضِعِه إلى مكةَ في تجارَةٍ أو غيرِها، فلا يَنْبَغي أن يَدْخُلَها إلّا محرِمًا؛ لأنّه يأتي الحرَمَ، فيَنْبغي له أن يُحرِمَ لدُخولِه إيّاه. قال: وممَّا يُؤكِّدُ ذلك أنَّ رجلًا لو جَعَل على نَفْسِه (٤) مشيًا إلى مكةَ (٥) لوَجَب عليه أن يدخُلَها محُرِمًا بحجٍّ أو عمرةٍ.

    قال: وأمّا حديثُ الزهريّ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- دخَلَ عامَ الفَتْح مكةَ وعلى رَأسِه المِغْفَرُ، فإنَّ هذه، واللّهُ أعلمُ، حالُ خُصُوصٍ؛ لأنّه أُحِلَّتْ له مكةُ بعضَ ذلك اليوم، فلم يكنْ لإحرامِه وجْهٌ، لأنّها كانت حلالًا له ساعَةً،

    ج ٤ ص ١٥٠وإنّما يُستَحَبُّ ألّا يدخُلَها إلّا محُرمًا مِن أجْلِ أنّها حَرَمٌ. وذكَرَ حديثَ طاووسٍ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَدْخُلْ قَطُّ مكةَ إلّا مُحْرِمًا، إلّا يومَ الفَتْح (١) .

    قال أبو عمر: قد اختَلف العلماءُ فيمَن دخَل مكةَ بغير إحرام؛ فقال مالكٌ والليثُ: لا يدخُلُ أحَدٌ مكةَ مِن أهْلِ الآفاقِ إلّا مُحْرِمًا، فإن لم يفعَلْ أساء، ولا شيءَ عليه (٢) . وهو قولُ الشافعيُّ: وأبي ثورٍ.

    وقال الشافعيُّ: مَن دخَل مكةَ غيرَ محُرم، فقد أساءَ، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّ الحَجَّ والعمرةَ لا يجِبانِ إلّا على مَن نَواهما وأحْرَم بهما. قال الشافعيُّ: وسُنَّهُ الله في عبادِه ألّا يَدخلُوا الحَرَمَ إلّا حُرُمًا. قال: ومكةُ مُبَاينَةٌ لسائِرِ البِلادِ، فلا يَدْخُلُها أحَدٌ إلّا بإحرام، إلّا أنَّ مِن أصْحابِنا مَن رخَّصَ للحَطَّابين وشِبْهِهم ممَّن يَدْخُلُ لمنافِع أهْلِه ونفسِه (٣) . قال أبو ثورٍ: ليس على العِراقِيِّ يَدْخُلُ مكةَ بغيرِ إحرام لحاجَةٍ شيءٌ.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يَدْخُلُ أحدٌ مكةَ بغيرِ إحرام، فإن دخَلَها أحَدٌ غيرَ محرم، فعليه حَجَّةٌ أو عُمْرَةٌ. وهو قولُ الثوريِّ، إلّا أنّه قال: فإن لم يَحُجَّ ولم يَعْتَمِرْ، قيل له: اسْتَغْفِرِ اللهَ. وهو قولُ عَطَاءٍ والحَسنِ بنِ حَيٍّ (٤) .

    قال أبو عمر: لا أعْلَمُ خِلافًا بينَ فقهاء الأمصارِ في الحَطَّابين، ومَن يُدْمِنُ الاخْتِلافَ إلى مكةَ، ويكثِرُه في اليوم والليلةِ، أنَّهم لا يُؤْمَرُون بذلك؛ لما عليهم فيه مِن المشَقَّةِ، ولو أُلزِمُوا الإحرامَ لكان عليهم في اليوم الواحِدِ رُبَّما عُمَرٌ

    ج ٤ ص ١٥١كثيرةٌ، وقد دخَل عبدُ الله بنُ عمرَ مكةَ بغيرِ إحرامِ (١) ؛ وذلك أنّه خرَجَ عنها ثم خُوِّف، فانْصَرَف بغيرِ إحرام، فمِثْلُ هذا وشِبْهُه رُخِّص له.

  23. وذكر عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافِع، قال: خرَج ابنُ عمرَ مِن مكةَ يُرِيدُ المدينةَ، فأُخْبِر بالفِتْنَةِ، فرَجَع، فدَخَل مكةَ بغيرِ إحرام (٢) .

  24. وقد كان ابنُ عباس وأصحابُه يُشَدِّدُون في ذلك.

  25. ذكر عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جريج، قال: أخبرنا عطاءٌ، أنّه سَمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: لا عمرةَ على أهلِ مكةَ مِن أجلِ الطوافِ، إلّا أن يخرُجَ أحَدُهم مِن الحَرَم، فلا يَدْخُلُه إلّا حرامًا. قال: فقيل له: فإن خرج قريبًا لحاجَتِه؟ قال: يَقْضِي حاجَتَه، ويجمَعُ مع قَضائِها عُمْرَةً (٣) .

    قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، قال: لا يَحِلُّ لأحدٍ مِن خَلْقِ الله أن يَدْخُلَ مكةَ لحاجَةٍ ولا لغيرِها إلّا حَرَامًا، فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَدْخُلْها قَطُّ إلّا حَرَامًا، إلّا عامَ الفَتْح (٤) .

    قال: وأخبرنا مَعْمرٌ، عن ابن أبي نَجِيح (٥) ، عن عطاءٍ: أنّه كان يُرخِّصُ للحطَّابينَ مِن أهْلِ مكةَ أن يدْخُلُوها بغيِر إهلالٍ (٦) .

    ج ٤ ص ١٥٢قال أبو عمر: أمَّا قَتلُ عبدِ الله بنِ خَطَلِ؛ فلأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كان عَهِد فيه أن يُقْتَلَ وإن وُجِد مُتعلِّقًا بأستارِ الكعبةِ؛ لأنّه ارتَدَّ بعدَ إسْلامِه، وكَفَر بعدَ إيمَانِه، وبعدَ قراءتِه القرآنَ، وقتَل النَّفْسَ التي حرَّمَ الله ثم لحِق بدارِ الكفرِ بمكةَ، واتخَذ قَيْنَتيْنِ تُغنِّيانِه بهجَاءِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فعَهِد فيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بما عَهِد، في ستَّةِ نَفَرٍ معه، قد ذكَرَهم ابنُ إسحاقَ وغيرُه، وامرأتيْن، فيما قاله ابنُ إسحاقَ (١) . وقال الواقديُّ: أربعُ نِسْوِةٍ (٢) .

  26. وروَى زيدُ بنُ الحُبَابِ (٣) ، وإبراهِيمُ بنُ عليٍّ المغربيُّ القُرَشِيُّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ: أنَّ ابنَ خَطَلٍ كان يَهْجُو رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بالشِّعْرِ.

  27. وروى شَبَابَةُ بنُ سوَّارٍ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنس، قال: دخَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مكةَ، ثم قال: "مَن رأى منكم ابنَ خَطَلٍ فلْيَقتُله" (٤) .

  28. وزَعَم بعضُ أصحابِنا المتأخِّرِين: أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- إنّما قَتل ابنَ خَطَلٍ لأنّه كان يَسُبُّه -صلى الله عليه وسلم-، والذي ذكَرَ ابنُ إسحاقَ في "المغازي" غيرُ هذا ممَّا نذْكُره بعدُ عنه في هذا البابِ إن شاء اللهُ، ولو كانتِ العِلَّةُ في قَتْلِه ما ذكرَه هذا القائِلُ، ما ترَك منهم مَن كان يَسُبُّه، وما أظُنُّ أحدًا منهم امتَنَع في حين كُفْرِه ومحاربَتِه له مِن سبِّه -صلى الله عليه وسلم-. وجعَلَ القائِلُ هذا حُجَّةً لقتل الذِّميِّ إذا سَبَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. وهذا لا يجوزُ عندَ أحَدٍ عَلِمْتُه مِن العلماءِ، أن يَقِيسَ الذّمِّيَّ على الحربيِّ؛ لأنَّ ابنَ خَطَلٍ في دارِ

    ج ٤ ص ١٥٣حربٍ كان، ولا ذِمَّةَ له، وقد حكم اللهُ عزَّ وجلَّ في الحربيِّ إذا قُدِرَ عليه بتَخَيُّرِ الإمام فيه؛ إن شاء قتَلَه، وإن شاء مَنَّ عليه، وإن شاء الفداء (١) به، فلهذا قتَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ابنَ خَطَلٍ وغيرَه مِمَّن أراد منهم قَتْلَه، على أنَّ ابنَ خَطَلٍ كان قد قتَل رجلًا مِن الأنصارِ مُسْلِمًا ثم ارتَدَّ، كذلك ذكر أهْلُ السِّيَرِ (٢) ، وهذا يُبِيحُ دَمَه عندَ الجميع.

  29. وقد اخْتَلَف الفقهاءُ في الذميِّ يَسُبُّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال مالكٌ: مَن شَتَم النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مِن أهْلِ الذمَّةِ قُتِل، إلّا أن يُسْلِمَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ: يُعَزَّرُ ولا يُقْتَلُ. وقال الليثُ: يُقْتَلُ مكانَه.

    وقال الشافعيُّ: يُؤخَذُ على مَن صُولح مِن الكفارِ. وذكَر أشياءَ، منها: ومتى ذكَر أحَدٌ منهم كتابَ الله، أو محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، بما لا يَنْبغي، فقد أُحِلَّ دَمُه.

    قال الطحاويُّ: فهذا يَدُلُّ على أنّه إن لم يُشْترَطْ ذلك عليه فلا يُسْتَحلُّ دَمُه (٣) .

  30. واحتجَّ الطحاويُّ لقولِ أصحابِه بما لا حُجَّةَ فيه (٤) ، والقولُ عندي في ذلك قولُ مالكٍ واللَّيثِ، وقد رُويَ عن ابنِ عمرَ أنّه قيل له في راهبٍ سبَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: لو سَمِعتُه لقَتَلْتُه (٥) . ولا مُخالِفَ له من الصحابَةِ عَلِمْتُه. ولا يخلُو أمرُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بقَتْلِ ابنِ خَطَلٍ من أحَدِ وجهَيْن:

    ج ٤ ص ١٥٤إمّا أنَّ ذلك كان في الوقتِ الذي أُحلَّت له مكةُ وهي دارُ حربٍ وكفرٍ، وكان له أن يُريقَ دَمَ مَن شاء مِن أهْلِها في الساعَةِ التي أُحِلَّ له فيها القِتَال.

  31. أو يكونُ على مَذْهَبِ جماعَةٍ مِن العلماء في أنَّ الحرَمَ لا يُجِيرُ مَن وجَبَ عليه القتلُ، وكان هؤلاء ممَّن وجَبَ قتلُه لما ذكرنا، فلم يُجرهمُ الحرَم. وهذا مَوْضِعٌ اخْتَلف فيه العلماءُ قديمًا وحديثًا.

  32. فأمّا مالكٌ فقال: مَن وجَب عليه القِصاصُ في الحرم اقْتُصَّ منه، ومَن قتَلَ ودخَل المحرمَ لم يُجِره، ولم يَمْنَع الحرَمُ حدًّا وجَبَ. وهو قولُ الشافعيِّ، ورواه ابنُ سِمَاعَةَ عن أبي يوسُفَ (١) .

    وقال أبو حنيفةَ: إذا وجَب عليه قِصَاصٌ أو حَدٌّ فدَخَل الحرمَ، لم يُقْتَصَّ منه (٢) في النَّفْسِ، ولا يُحدَّ فيما يأتي على النَّفْسِ، وتُقامُ الحُدودُ عليه فيما دونَ النَّفْسِ ممَّا سِوَى ذلك حتى يخرُجَ مِن الحرَم. وكذلك قال زُفَرُ، قال: وإن قتَل في الحرم، أو زَنَى في الحرم، رُجِمَ وقُتِل في الحرم. وروى محمدُ بنُ شُجَاع، عن الحسنِ بنِ زيادٍ، عن أبي يوسُفَ، قال: يُخرَجُ مِن الحرم فيُقْتَلُ، وكذلك في الرَّجْم. وقد ذكرنا هذه المسألةَ وبينَّاها وأوضَحْنا وجْهَ الصَّوابِ فيها في كتابِ "الأجْوبَةِ عن المسائلِ المستَغْرَبَة" (٣) .

  33. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ بنِ شريكٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال (٤) : وأمَّا عبدُ الله بنُ خَطَلٍ، فقَتَله

    ج ٤ ص ١٥٥سعيدُ بنُ حُرَيْثٍ المخزوميُّ وأبو بَرْزَةَ الأسلميُّ، اشْتَركا في دَمِه، وهو رجلٌ مِن بني تَيْم بنِ غالبٍ. قال: وإنَّما أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بقتلِه لأنّه بعَثَه مُصَدِّقًا وكان مسلمًا، وبعَث معه رجلًا مِن الأنصار، وكان معه مَوْلًى له يَخْدُمُه وكان مسلمًا، فنزَلَ ابنُ خَطَلٍ مَنْزلًا، وأمَرَ المَوْلى أن يَذْبَحَ له تَيْسًا، وَيصْنَعَ له طعامًا، فنام واستيقَظ ولم يَصنَعْ له شيئًا، فعَدَا عليه فقَتَله، ثم ارْتَدَّ مُشْركًا.

  34. وأخبرني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أشْتةَ الأصبهانيُّ المقرئُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ الجوهريُّ أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ بنُ شبَّةَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ حاتِم، قال: أخبرنا يُونُسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لما افْتَتَح النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مكة، أخذَ أبو برزَةَ الأسْلَمِيُّ هو وسعيدُ بنُ حُرَيْثٍ عبدَ الله بنَ خَطَلٍ، وهو الذي كانت تُسَمِّيه قريشٌ ذا القَلْبَين، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: ٤] . فقدَّمَه فضرَبَ عُنُقَه وهو مُتَعَلِّق بأستارِ الكعبةِ، فأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: ١ - ٢] . وذكَرَ تمامَ الخبر (١) .

    قال أبو عمر: قد قيل في ذي القَلْبين: إنّه جميلُ بنُ مَعْمَرٍ الجُمَحِيُّ (٢) . وقيل ذلك في رجلٍ مِن بني فِهْرٍ.

  35. وروى محمدُ بنُ سُلَيْم بنِ الوليدِ العَسْقَلانيُّ، عن محمدِ بنِ أبي السَّريِّ، عن عبدِ الرزاقِ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: دخَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ الفتح وعليه عِمَامَةٌ سوداءُ.

    ج ٤ ص ١٥٦
  36. وعندَه بهذا الإسنادِ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخَل مكةَ وعلى رأسِه المِغْفَرُ (١) .

  37. ومحمدُ بنُ سُلَيم هذا وإن لم يكنْ ممَّن يُعْتَمَدُ عليه، فإنَّه قد تابَعَه على ذلك بهذا الإسنادِ الوليدُ بنُ مسلم ويحيى الوحاظِيُّ، ومع هذا كلِّه فإنَّه لا يُحفَظُ عن مالكٍ في هذا الإسنادِ إلّا المغْفَرُ، لا عِمَامَةٌ سوداءُ، على ما في "الموطأ" ، وقد رُوي عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أنّه دخَل عامَ الفتح وعلى رأسِه عِمَامَةٌ سوداءُ، مِن حديثِ جابرٍ، مِن روايةِ مالكٍ وغيرِه.

  38. فأمَّا حديثُ مالكٍ، فأخبرناه أبو الفتح إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ سَيْبُخْتَ إجازَةً -كتَبَ إليَّ بخَطِّه، وحدَّثنيه بعضُ أصحابِنا عنه- قال: حدَّثنا الحُسَيْنُ بنُ إسماعيلَ المحامِليُّ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخَل مكةَ وعلى رَأْسِه عِمامَةٌ سوداء.

  39. وهذا حديثٌ غريبٌ مِن حديثِ مالكٍ، ولم يَقُلْ فيه مالكٌ: عامَ الفتح. وهو محفُوظٌ مِن حديثِ جابرٍ هذا.

  40. أخبرنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا محمدُ (١) بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَرِ، قال: حدَّثنا أبو الطاهِرِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عثمانَ المَدَنيُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوَانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدَمَ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن عمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: دخَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ فتح مكةَ وعلى رَأْسِه عِمامَةٌ سوداءُ، ولواؤُه أبيضُ (٢) .

    ج ٤ ص ١٥٧