إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري
٤٦٥ فقرة، ج ١ ص ٤٠٠
الصفحة ١٠ من ١٢
- ج ١ ص ٥٥٩
وأجمَعوا أنَّ ذلك في تأويلِ الرُّؤيا، وكان يوسفُ عليه السَّلامُ أعلمَ الناسِ بتأويلِها، وكان نبيُّنا -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوَ ذلك، وكان أبو بكر الصِّدِّيقُ مِن أعبرِ الناسِ لها، وحصَلَ لابنِ سيرِينَ فيها التَّقدُّمُ العظيمُ والطَّبْعُ والإحسانُ، ونحوُه أو قريبٌ منه كان سعيدُ بنُ المُسيِّب في ذلك فيما ذكروا وقد تقَدَّمَ القولُ في أمْرِ الرُّؤْيا (١) ، فأغنَى عن إعادِته في هذا الموضع.
-
وفي هذا الحديثِ أنَّه لا نبيَّ بعدَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وفيه تَفْسِيرٌ لما رُوِيَ عنه عليه السلامُ أنَّه قال: "لا نبوةَ بعدي إلَّا ما شاء اللَّهُ" . يعْنِي، واللَّهُ أعلمُ، الرُّؤيا التي هي جُزْءٌ منها. وقِيلَ في تأويلِ هذا الحديثِ أشياءُ غيرُ هذا، قد ذكَرها أبو جعفرٍ الطبرِيُّ، لا حاجةَ بنا إلى ذِكرِها هاهُنا.
-
وفيه إباحَةُ الكَلام بعدَ صلاةِ الصُّبح قبلَ طُلوع الشمسِ بغيرِ الذِّكْرِ.
-
وفيه جوازُ قولِ العالم: سَلُوني. و: مَن عندَه مسألةٌ؟ ونحوُ هذا، واللَّهُ الموَفِّقُ للصواب.
- ج ١ ص ٥٦٠
إسحاقُ، عن أبي مُرّة، حديثٌ واحدٌ (١) ١٤ حديثٌ رابعَ عشَرَ لإسحاق
مالكٌ (٢) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن أبي مُرَّةَ مولى عَقِيلِ بنِ أبي طالب، عن أبي واقدٍ الليثيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَما هو جالِسٌ في المسجدِ والناسُ معه، إذْ أقبَل ثلاثةُ نفَرٍ، فأقبَلَ اثنانِ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وذَهَب واحِدٌ، فلمَّا وقَفَا على رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَلَّمَا، فأمَّا أحَدُهما فرأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فجَلَس فيها، وأمَّا الآخَرُ فجَلَس خَلْفَهم، وأمَّا الثالِثُ فأدْبَر ذاهِبًا، فلمَّا فَرَغ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ألا أُخبِرُكُم على النَّفَرِ الثلاثةِ؟ أمَّا أحدُهم فأوَى إلى اللَّه فآوَاه اللَّهُ، وأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَا فاستَحْيَا اللَّهُ منه، وأمَّا الآخرُ فأعرَضَ فأعرَضَ اللَّهُ عنه" .
-
هذا حديثٌ مُتَّصلٌ صحيحٌ، وأبو مُرَّةَ قيل: اسمُه يَزِيدُ. وقيل: عبدُ الرَّحمنِ بنُ مُرَّةَ (٣) ، فاللَّه أعلمُ، وهو مِن تابِعِي أهلِ المدينةِ، ثِقةٌ.
-
وأبو واقدٍ اللَّيثيُّ مِن جِلَّةِ الصحابةِ، شَهِد حُنَينًا والطائفَ، اسمُه الحارثُ بنُ عوفٍ. وقيل (٤) : الحارثُ بنُ مالكٍ. وقد ذكرناه ونسَبناه في كتابِنا في "الصحابِة" (٥) .
-
وفي هذا الحديثِ الجُلوسُ إلى العالم في المسجد.
-
وفيه أنَّ الآتيَ يُسَلِّمُ على المقصُودِ إليه، كما يُسَلِّمُ الماشي على القاعِدِ، والراكِبُ على الماشِي.
- ج ١ ص ٥٦١
وفيه التَّخَطِّي إلى الفُرَج في حَلْقةِ العالم، وتَرْكُ التَّخَطِّي إلى غيرِ الفُرَجِ، وليس ما جاء مِن حَمْدِ التَّزاحُم في مجلِسِ العالِم والحضِّ على ذلك بمبِيح تَخَطِّيَ الرِّقابِ إليه؛ لما في ذلك مِنَ الأذَى، كما لا يجوزُ التَّخَطِّي إلى سَماع الخُطْبَةِ في الجُمُعَةِ والعِيدَينِ ونحوِ ذلك، فكذلك لا يجوزُ التَّخَطِّي إلى العالِم، إلَّا أنْ يكونَ رجلًا يُفيدُ قُرْبُه مِن العالِم فائدةً ويُثِيرُ عِلْمًا، فيَجِبُ حِينَئِذٍ أنْ يُتفسَّحَ له؛ لئلَّا يُؤْذِيَ أحدًا، حتى يَصلَ إلى الشيخ، ومِن شَرطِ العالِم أنْ يَلِيَه مَن يَفهَمُ عنه؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لِيَلِني مِنكم أولو الأحلام والنُّهَى" (١) ؛ يعْني: في الصلاةِ وغيرِها؛ ليَفهَموا عنه، ويُؤدُّوا ما سَمِعوا كما سَمِعوا، مِن غيرِ تَبدِيلِ معنًى ولا تَصْحِيفٍ ".
-
وفي قولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للمُتَخَطِّي يومَ الجُمُعَةِ: "آذَيتَ وآنيتَ" (٢) بَيانُ أنَّ التَّخَطِّيَ أذًى، ولا يَحِلُّ أذَى مسلم بحالٍ في الجُمُعَةِ وغيرِ الجُمُعَةِ.
-
ومعنَى التَّزاحُم بالرُّكَبِ في مَجْلِسِ العالِم: الانْضِمامُ والالتِصاقُ؛ يَنْضَمُّ
ج ١ ص ٥٦٢القَوْمُ (١) على مَراتِبِهم، ومَن تقَدَّمَ إلى موضِع فهو أحقُّ به، إلَّا أنْ يكونَ ما ذكَرنا، مِن قُرْبِ أُولي الفَهْم مِن الشيخ فيُفْسَحَ له، ولا يَنبَغِي له أن يتَبطَّأَ ثم يتَخَطَّى إلى الشَّيْخ ليُرِيَ الناسَ موضِعَه منه، فهذا مذمومٌ، ويجبُ لكلِّ مَن عَلِم موضِعَه أن يتقَدَّمَ إليه بالتَّبكِيرِ، والبُكُورُ إلى مَجْلِسِ العالِم كالبُكُورِ إلى الجُمُعَةِ في الفضلِ إن شاءَ اللَّه.
-
وقد أتَينا مِن القولِ في أدَبِ العالِم والمتَعَلِّم بما فيه كفايَةٌ وشفَاءٌ، في كتابنا كتابِ "بيانِ العلمِ" (٢) .
-
وأمَّا قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الحديثِ: "أوَى إلى اللَّه" ، يَعْني: فعَل ما يرضَاهُ اللَّهُ، فحصلَ له الثوابُ مِن اللَّه، ومثلُ ذلك قولُه عليه السَّلام: "الدُّنيا ملْعونَةٌ، ملْعونٌ ما فيهَا، إلَّا ما أوَى إلى اللَّه" (٣) ، يعْني: ما كان للَّه ورَضِيَه، واللَّهُ أعلمُ.
- ج ١ ص ٥٦٣
وأمَّا قولُه في الثاني: "فاستَحْيَا فاسْتَحْيَا اللَّهُ منه" . فهو مِنَ اتِّساع كلام العرَبِ في ألْفاظِهم وفَصِيح كلامِهم. والمعنى فيه، واللَّهُ أعلمُ، أنَّ اللَّهَ قد غفَرَ له؛ لأنَّه مَن استَحْيَا اللَّهُ منه لم يُعَذِّبْه بذَنْبِه، وغفَر له، بل لم يُعاتِبْه عليه، فكان المعنى في الأوَّلِ أنَّ فِعْلَه أوجَبَ له حسَنَةً، والآخَرُ أوجَب له فِعلُه مَحْوَ سَيِّئَةٍ عنه، واللَّهُ أعلم.
-
وأمَّا قولُه في الثالثِ: "فأعْرَضَ فأعْرَضَ اللَّهُ عنه" . فإنَّه، واللَّهُ أعلم، أراد: أعرَض عن عملِ البِرِّ، فأعرَضَ اللَّهُ عنه بالثَّوابِ، وقد يَحتَمِلُ أنْ يكونَ المُعرِضُ عن ذلك المجلِسِ ممَّن (١) في قلبِه نِفَاقٌ ومرَضٌ؛ لأنَّه لا يُعرِضُ في الأغلبِ عن مجلسِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلَّا مَن هذه حالُه، بل قد بانَ لنا بقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فأعرَضَ فأعرَضَ اللَّهُ عنه" أنَّه منهم؛ لأنَّه لو أعرَضَ لحاجَةٍ عرَضت له ما كان مِن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك القولُ فيه، ومَن كانت هذه حالَه كان إعراضُ اللَّه عنه سَخَطًا عليه، وأسألُ اللَّهَ المُعافَاةَ والنَّجاةَ مِن سَخَطِه بمَنِّه ورحمتِه.
- ج ١ ص ٥٦٤
إسحاقُ، عن حُمَيْدةَ، حديثٌ واحدٌ حديثٌ خامسَ عشَرَ لإسحاق
مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، عن حُميدةَ بنتِ أبي عُبيدةَ بنِ فَرْوةَ، عن خالتِها كبشَةَ بنتِ كعبِ بنِ مالكٍ، وكانت تحت ابنِ أبي قتادةَ، أنَّها أخبَرتها، أنَّ أبا قتادةَ، دخَل عليها فسَكَبت له وَضوءًا، فجاءت هِرَّةٌ لتشرَبَ منه، فأصغَى لها الإناءَ (٢) حتى شَرِبَتْ، قالت كبشَةُ: فرآني أنظُرُ إليه، فقال: أتَعجبين يا ابنةَ أخي؟ قالت: فقلتُ: نعم. فقال: إنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّها ليست بنَجَسٍ، إنَّها مِن الطوَّافينَ عليكم، أو الطوَّافاتِ" .
-
هكذا قال يحيى: حُميدَةُ بنتُ أبي عُبيدةَ بن فَروَةَ. ولم يُتابعْه أحدٌ على قولِه ذلك، وهو غَلَطٌ منه، وإنَّما يقولُ الرُّواةُ لـ "المُوطَّأ" كلُّهم: ابنةُ عُبيدِ بنِ رِفاعةَ (٣) .
- ج ١ ص ٥٦٥
إلَّا أن زيدَ بنَ الحُبابِ قال فيه عن مالكٍ: حُميدةُ بنتُ عُبيدِ بنِ رافع (١) . والصَّوابُ رِفاعةُ: وهو رِفاعةُ بنُ رافع الأنصاريُّ، وقد ذكَرناه في كتابنا في "الصحابةِ" (٢) .
-
واختلَف الرواةُ عن مالكٍ في رفع الحاءِ ونصبِها مِن حميدةَ؛ فبعضُهم قال: حَمِيدَةُ. بفتح الحاءِ وكسرِ الميم. وبعضُهم قال: حُمَيدَةُ. بضمِّ الحاءِ وفتح الميم.
- ج ١ ص ٥٦٦
وحُميدةُ هذه هي امرأةُ إسحاقَ. ذكَرَ ذلك يحيى القطَّانُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ الشيبانيُّ (١) في هذا الحديثِ عن مالك.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ (٢) ، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالك، قال: حدَّثني إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثتني امرأتي حُميدةُ، قالت: حدَّثتني كَبشةُ ابنةُ كعبِ بنِ مالكٍ، قالت: رأيتُ أبا قتادةَ توضَّأ، ثم أصغَى إناءَه للهِرة. قالت: فنظَر إليَّ، فقال: أتَعجَبِينَ؟ سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنَّها ليست بنَجَسٍ، إنَّها من الطوَّافاتِ عليكُم والطوَّافين" .
-
ورواه ابنُ المُباركِ، عن مالكٍ، عن إسحاقَ، بإسنادِه، مثلَه، إلَّا أنَّه قال: كَبشةُ امرأةُ أبي قتادة. وهذا وهمٌ منه، وإنَّما هي امرأةُ ابنِ أبي قتادة (٣) .
-
وأمَّا حُميدةُ، فامرأةُ إسحاقَ، وكُنيتُها أمُّ يحيى.
-
وفي هذا الحديثِ أنَّ خبرَ الواحدِ، النساءُ فيه والرِّجالُ سَواءٌ، وإنَّما المُراعاةُ في ذلك؛ الحفظُ والإتقانُ والصلاحُ، وهذا لا خلافَ فيه بين أهلِ الأثر.
-
وفيه إباحةُ اتخاذِ الهِرِّ، وما أُبيحَ اتِّخاذُه للانتفاع به، جازَ بيعُه وأكلُ ثمنِه، إلَّا أنْ يَخُصَّ شيئًا مِن ذلك دليلٌ فيُخرِجَه عن أصلِه.
-
وفيه أنَّ الهِرَّ ليس يُنجِّسُ ما شرِبَ منه، وأنَّ سُؤرَه طاهر. وهذا قولُ مالكٍ
ج ١ ص ٥٦٧وأصحابِه، والشافعيِّ وأصحابِه، والأوزاعيِّ، وأبي يوسُفَ القاضي، والحسنِ بنِ صالح بنِ حي (١) .
-
وفيه دليلٌ على أنَّ ما أُبيحَ لنا اتِّخاذُه، فسُؤرُه طاهرٌ؛ لأنَّه مِنَ الطَّوافِينَ علينا، ومَعنَى الطوَّافينَ علينا: الذين يُداخِلُونَنا ويُخالِطُونَنا، ومنه قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في الأطفال: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النور: ٥٨] . وكذلكَ قال ابنُ عبَّاس وغيرُه في الهرِّ: إنَّها مِن مَتاع البيت.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الباجيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطيسٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ شَبُّويَة السِّجسيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال (٤) : حدَّثنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، أو عكرمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الهِرُّ مِن مَتاع البيتِ، والطَّوَّافُ الخادِم.
-
ومن ذلك قولُه: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ} [الواقعة: ١٧] ، أيْ: يَخْدُمُهم ولدانٌ، ويتَردَّدونَ عليهم بما يَشتَهون.
-
وطهارةُ الهِرِّ تدُلُّ على طهارةِ الكَلْبِ، وأنْ ليس في حيٍّ نَجاسةٌ سِوَى الخِنزير، واللَّهُ أعلم؛ لأنَّ الكلبَ مِن الطَّوَّافِينَ علينا، ومما أُبيحَ لنا اتِّخاذُه في مواضِعَ لأمورٍ، وإذا كان حكمُه كذلك في تلك المواضع، فمعلومٌ أنَّ سُؤرَه في غيرِ تلك المواضِع كسُؤْرِه فيها؛ لأنَّ عينَه لا تَنتقِلُ.
- ج ١ ص ٥٦٨
ودلَّ ما ذكَرنَاه على أنَّ ما جاءَ في الكَلبِ مِن غسلِ الإناءِ مِن وُلُوغِه سبعًا (١) ، أنَّه تعَبُّد واستِحبابٌ؛ لأنَّ قولَه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الهِرِّ: "إنَّها ليستْ بنَجَسٍ، إنَّها مِن الطوَّافينَ عليكم" . بيانٌ أنَّ الطوَّافينَ علينا ليسوا بنَجَسٍ في طباعِهم وخِلْقَتِهم، وقد أُبيحَ لنا اتِّخاذُ الكلبِ للصيدِ والغَنَم والزَّرع أيضًا، فصارَ مِن الطوَّافِينَ علينا، والاعتبارُ أيضًا يقضِي بالجمع بينَهما لعلَّةِ أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما سَبُعٌ يَفترِسُ ويأكُلُ المَيتةَ، فإذا جاءَ نصٌّ في أحدِهما كان حُكمُ نَظيرِه حُكمَه، ولمَّا فارقَ غسلُ الإناءِ مِن وُلوغِ الكلبِ سائرَ غسلِ النَّجاسَاتِ كلِّها، عَلِمنا أنَّ ذلك ليسَ لنَجاسةٍ، ولو كانَ لنَجاسَةٍ سُلِكَ به سَبيلُ النَّجاسَاتِ في الإنقَاءِ مِن غيرِ تَحديد.
-
وأمَّا قولُ مَن قال (٢) : إنَّه ليسَ في حديثِ أبي قَتَادةَ ما يدُلُّ مِن قَولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على طَهارَةِ الهِرِّ. وزعَمَ أنَّ أبا قَتَادةَ هو القائِلُ: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ" . ثم قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّها مِن الطَّوَّافينَ عليكم" . فإنَّه شُبِّه عليه برِوايةِ مَن روَى هذا الحديثَ، عن إسحاقَ وغيرِه، فقال فيه: عن أبي قَتَادةَ: إنَّها ليسَتْ بنَجس. وقال: قال أبو قَتادَةَ: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هي مِن الطَّوَّافينَ عليكم" .
ج ١ ص ٥٦٩قال: وقد يكونُ الطَّوَّافُونَ علينا يُنجِّسونَ الماءَ. قال: فقولُ أبي قتَادةَ: إنَّها ليست بنَجسٍ. لم يُضفْه إلى رَسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنَّما أَضَافَ إلى رسولِ اللَّه قولَه: "إنَّها مِن الطَّوَّافينَ" .
قال أبو عُمر: هذا اعتِلالٌ لا معنَى له؛ لأنَّ حديثَ مالكٍ، وهو أصحُّ الناسِ له نَقلًا عن إسحاقَ، فيه أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ، إنَّها مِن الطَّوَّافينَ عليكُم" . وفي هذا بيانُ جَهلِه بحدِيثِ مالكٍ. ثم نقولُ: إنَّ ذلكَ لو كانَ كما ذكَر مِن قولِ أبي قَتادةَ ولم يكنْ مرفوعًا، لكنَّا أسعدَ بالتأويلِ منه؛ لأنَّ أبا قتادةَ إنَّما خاطَبَها بما فَهِمَه عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الهِرِّ، ومَن شَهِدَ القولَ وعرَفَ مَخرجَه سُلِّمَ له في التأويل.
-
والنجاسةُ في الحيوانِ أصلُها مأخوذٌ مِن التوقيفِ لا مِن جهةِ الرأي، فاستحالَ أنْ يكونَ ذلك رأيَ أبي قتادةَ، مع أنَّ روايَةَ مالكٍ في طَهارَةِ الهِرِّ مرفوعةٌ، ومَن خالفَ مالكًا فوَقَفها، ليسَ بحُجَّةٍ فيما قَصَّرَ عنه على مالكٍ، ومالكٌ عليه حُجَّةٌ عندَ جميع أهلِ النقلِ إن شاءَ اللَّه.
-
وما أعلمُ أحدًا أسقطَ مِن حديثِ أبي قتادة هذا قولَه عن النبيِّ عليه السَّلامُ: "إنَّها ليسَتْ بنَجسٍ" . إلَّا ما ذكرَه أسدُ بنُ موسى، عن حمَّاد بنِ سلمَةَ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن أبي قتادةَ، أنَّه كان يُصغي الإناءَ للسِّنَّورِ فيَلَغُ فيه، ثم يتوضَّأ منه ويقولُ: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هي مِنَ الطَّوَّافينَ والطَّوَّافاتِ عليكُم" (١) .
- ج ١ ص ٥٧٠
وما رواه أيضًا أسدٌ، عن قَيسِ بنِ الرَّبيع، عن كَعبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن جَدِّه أبي قتادَةَ (١) نحوَه. وهذانِ لا يُحتَجُّ بهما؛ لانقطاعِهما وفَسَادِهما، وتَقصِير رُوَاتِهما عن الإتقانِ في الإسنَادِ والمَتن.
-
وقد روَى هذا الحديثَ جماعة عن إسحاقَ كما روَاه مالكٌ؛ منهم: همَّامُ بنُ يحيى (٢) ، وحُسينٌ المُعَلِّمُ (٣) ، وهشامُ بنُ عُروةَ (٤) ، وابنُ عُيينةَ (٥) . وإنْ كان هشامٌ وابنُ عُيينَةَ لم يُقيما إسنادَه (٦) ، وهؤلاء كلُّهم يقولون في هذا الحديثِ: عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "إنَّها ليسَت بِنَجسِ" . وإن كان بعضُهم يُخالفُ في إسنادِه؛ فمالكٌ ومَن تابَعَه قد أقامَ إسنادَه وجوَّده.
-
وقد روَى إسحاقُ بنُ رَاهُويَة، عن الدرَاوَرديِّ، عن أسِيدِ بنِ أبي أسِيدٍ، عن أمِّه، عن أبي قَتَادةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه، قال: "إنَّها ليسَتْ بنَجَسٍ، إنَّها مِن
ج ١ ص ٥٧١الطَّوَّافينَ عَليكم " (١) . ومَن أسقطَ مِن حديثِ أبي قتادةَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قولَه: " إنَّها ليستْ بنَجسٍ" فلم يَحْفَظْ، وقد ثبتَ ذلك بنقلِ الحُفَّاظِ الثقاتِ، وباللَّه التوفيق.
-
وقد رُوِيَ عن عائشةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه كان يمُرُّ به الهِر، فيُصغِي لها الإناءَ فتشربُ، ثم يتوضَّأُ بفَضلِها (٢) .