إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري
٤٦٥ فقرة، ج ١ ص ٤٠٠
الصفحة ١١ من ١٢
- ج ١ ص ٥٧١
وممَّن رَوينا عنه أنَّ الهِرَّ ليسَ بنجسٍ، وأنَّه لا بأسَ بفَضلِ سُؤرِه للوَضوء والشُّربِ: العبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلبِ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ، وعائشةُ، وأبو قتادةَ، والحسنُ، والحسينُ، وعَلقمةُ، وإبراهيمُ، وعِكرمةُ، وعطاءُ بنُ يسارٍ (٣) .
-
واختُلِفَ في ذلك عن أبي هريرةَ والحسنِ البصريِّ؛ فرَوَى عطاءٌ، عن أبي هريرةَ، أنَّ الهِرَّ كالكلبِ، يُغسلُ منه الإنَاءُ سَبعًا (٤) .
- ج ١ ص ٥٧٢
وروَى أبو صالح ذكوَانُ، عن أبي هريرةَ، قال: السِّنَّورُ مِن أهلِ البيتِ (١) .
-
وروَى أشعثُ، عن الحسنِ، أنَّه كان لا يرَى بأسًا بسُؤر السِّنَّورِ (٢) . وروَى يونُسُ، عن الحسنِ، أنَّه قال: يُغسلُ الإناءُ من وُلُوغِه مرَّةً (٣) . وهذا يَحتمِلُ أنْ يكُونَ رأى في فمِه أذًى، ليَصحَّ مَخرجُ الروايَتينِ عنه، ولا نعلمُ أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رُويَ عنه في الهِرِّ أنَّه لا يُتَوضَّأُ بسُؤرِه إلَّا أبا هريرةَ، على اختِلافٍ عنه.
-
وأمَّا التابعُونَ، فروينا عن عطاءِ بنِ أبي رباح، وسعيدِ بنِ المُسيِّبِ، ومحمدِ بنِ سيرِينَ، أنَّهم أمرُوا بإراقةِ ماءٍ ولَغ فيه الهِرُّ، وغَسلِ الإناءِ منه (٤) . وسائِرُ التَّابعِينَ بالحِجَازِ والعراقِ يقولونَ في الهِرِّ: إنَّه طاهِرٌ، لا بأسَ بالوضُوءِ بسُؤرِه.
- ج ١ ص ٥٧٣
وروَى الوليدُ بنُ مُسلم قال: أخبَرني سعيدٌ (١) ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيِّبِ والحسنِ، أنَّهما كَرِها الوُضوءَ بفَضلِ الهِرِّ (٢) . قال الوليدُ: فذكَرتُ ذلك لأبي عمرٍو الأوزاعيِّ ومالكِ بنِ أنسٍ، فقالا: تَوَضَّأْ به، فلا بأسَ به وإنْ وجَدتَ غيرَه (٣) .
قال أبو عُمر: الحُجَّةُ عندَ التَّنازُع والاختلافِ سُنَّةُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد صحَّ عنه مِن حديثِ أبي قتَادَةَ في هذا البابِ ما ذكَرنا. وعليه اعتِمادُ الفقهاءِ في كُلِّ مصرٍ، إلَّا أبا حنيفَةَ ومَن قال بقَولِه.
قال أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ نصرٍ المَروَزيُّ: الذي صارَ إليه جُلُّ أهلِ الفتوَى مِن عُلماءِ الأمصارِ مِن أهلِ الأثَرِ والرَّأي جميعًا: إنَه لا بأسَ بسُؤرِ السِّنَّورِ اتِّباعًا للحديثِ الذي رَوَيْنا. يعني: عن أبي قتادةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال: ومِمَّن ذهَب إلى ذلك؛ مالكُ بنُ أنسٍ وأهلُ المدينة، واللَّيثُ بنُ سعدٍ فيمَن وافَقَه مِن أهلِ مصرَ والمغرِبِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشام، وسُفيانُ الثَّوريُّ فيمَن وافقَه مِن أهلِ العِراق.
قال: وكذلك قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ، وإسحاقَ، وأبي ثَورٍ، وأبي عُبيدٍ، وجماعةِ أصحابِ الحديث. قال: وكان النُّعمانُ يَكرَهُ سُؤرَه، وقال: إن توَضَّأَ به أجزأَه. وخالَفه أصحابُه فقالوا: لا بأسَ به.
قال أبو عُمر: ما حكاه المَروَزيُّ عن أصحابِ أبي حنيفةَ فليسَ كما حكاه عندَنا، وإنَّما خالَفَه مِن أصحابِه أبو يوسفَ وحدَه، وأمَّا محمدٌ وزُفَرُ والحسنُ بنُ
ج ١ ص ٥٧٤زيادٍ (١) فيقولونَ بقولِه، وأكثرُهم يَروُونَ عنه أنه لا يُجزئُ الوضوءُ بفضلِ الهِرِّ، ويَحتجُّونَ لذلك، ويروُونَ عن أبي هريرةَ وابنِ عمرَ أنَّهما كَرِها الوضُوءَ بسُؤرِ الهِرِّ (٢) . وهو قولُ ابنِ أبي ليلَى.
-
وأمَّا الثَورِيُّ، فقد اختُلِفَ عنه في سُؤرِ الهِرِّ، فذَكَر في "جامِعِه" أنَّه يَكرَهُ سُؤرَ ما لا يُؤكَلُ لحمُه، وما يُؤكلُ لحمُه فلا بأسَ بسُؤرِه. وهو ممن يَكرهُ أكلَ الهِرِّ.
-
وذكَر المَروَزِيُّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ زُرارَةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثني الأشجَعيُّ، عن سُفيانَ، قال: لا بأسَ بفضلِ السِّنَّور.
قال أبو عُمر: لا أعلَمُ لمن كَرِهَ سُؤرَ الهِرِّ حُجَّةً أحسَنَ مِن أنَّه لم يَبلُغْه حديثُ أبي قتادةَ، وبلَغَه حَدِيثُ أبي هريرةَ في الكلبِ، فقاسَ الهِرَّ على الكَلبِ، وقد فَرَّقتِ السُّنَّةُ بينَ الهِرِّ والكَلب في بابِ التَّعبُّدِ، وجمَعَتْ بينَهما على حسَبِ ما قدَّمنَا ذِكْرَه مِن بابِ الاعتبارِ والنَّظرِ، ومَن حَجَّتْهُ السُّنَّةُ خَصَمَتْه، وما خالَفها مَطروحٌ، وباللَّه التوفِيق.
-
ومن حُجَّتِهم أيضًا ما رَوَاه قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هُريرَةَ، عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: "طُهُورُ الإناءِ إذا وَلَغَ فيهِ الهِرُّ أنْ يُغسَلَ مرَّةً أو مرَّتَينِ" (٣) .
- ج ١ ص ٥٧٥
شكَّ قُرَّةُ. وهذا الحديثُ لم يَرفَعْه إلَّا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، وقُرَّةُ بنُ خالدٍ ثقةٌ ثَبْتٌ، وأمَّا غيرُه فيَروِيه عن ابنِ سيرِينَ، عن أبي هريرةَ قولَه (١) .
-
وفي هذا الحَدِيثِ، مِن رَأي أبي قَتادَةَ، دَليلٌ على أنَّ الماءَ اليَسيرَ تَلحَقُه النَّجاسَةُ، ألا تَرَى إلى قَولِه: أتَعجَبِينَ يا ابنةَ أخي؟ سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "ليسَتْ بنَجَسٍ" . فدَلَّ هذا أنَّ الهِرَّ لو كان عندَه مِن بابِ النَّجاسَاتِ لأفسَدَ الماءَ، وإنَّما حمَلَه على أنْ يُصغِيَ لها الإناءَ طَهارَتُها، ولو كانَتْ ممَّا تُنَجِّسُ لم يَفعَلْ، فدلَّ هذا على أنَّ الماءَ عندَه تُفسِدُه النَّجاسَةُ وإن لم تَظهَرْ فيه؛ لأنَّ شُربَ الهِرِّ وغيرِه مِن الحَيَوانِ في الإناءِ، إذا لم يكنْ في فَمِه أذًى مِن غيرِه، ليسَ تُرَى معه نَجاسةٌ في الإناء.
-
وهذا المعنى اختلَفَ فيه أصحابُنا وسائرُ العُلماء؛ فذَهَب المصريون مِن أصحابِ مالكٍ إلى أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسةِ، وأنَّ الكثيرَ لا يُفسِدُه إلَّا ما غَيَّرَ لونَه أو طَعمَه أو ريحَه مِن المحرَّماتِ، وما غلَب عليه مِن الأشياءِ الطَّاهِرَةِ أخرَجَه مِن باب التَّطهِيرِ وأبقَاهُ على طهارَته. ولم يَحُدُّوا بينَ القَليلِ مِن الماءِ الذي يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ، وبينَ الكَثيرِ الذي لا يُفسِدُه إلَّا ما غلَب عليه حدًّا يُوقَفُ عندَه، إلَّا أنَّ ابنَ القاسِم روَى عن مالكٍ في الجنُبِ: يَغتسِل (٢) في حَوضٍ مِن الحِياض التي تُسقَى فيها الدَّوابُّ، ولم يكنْ غَسَلَ ما به مِن الأذَى، أنَّه قد أفسَدَ الماءَ (٣) . ورُوِيَ عن مالكٍ في الجنُبِ يَغتَسِلُ في الماءِ الدَّائم الكثيرِ، مثلَ الحِيَاضِ التي تكونُ بينَ مكَّةَ والمدِينَةِ، ولم يكنْ غسَلَ ما به مِن الأذَى، أنَّ ذلك لا يُفسدُ الماءَ. وهذا مَذهَبُ ابنِ القاسم، وأشهَبَ، وابنِ عبدِ الحَكَم، ومَن اتَّبَعَهم مِن أصحابِهم
ج ١ ص ٥٧٦المِصريِّينَ، إلَّا ابنَ وَهْبٍ فإنَّه قال في الماءِ بقَولِ المدنيِّينَ مِن أصحابِ مالكٍ، وقَولُهم ما حكَاه أبو المُصعَبِ عنهم وعن أهلِ المَدِينَةِ أنَّ الماءَ لا تُفسِدُه النَّجاسَةُ الحالَّةُ فيه (١) ، قليلًا كان أو كثيرًا إلَّا أنْ تظْهَرَ فيه النَّجاسَةُ وتُغيِّرَ منه طَعمًا أو رِيحًا أو لَونًا. وكذلك ذكَرَ أحمدُ بنُ المعذَّلِ (٢) أنَّ هذا قولُ مالكِ بنِ أنسٍ في الماء.
-
وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ (٣) ، عن ابنِ لَهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، أنَّه سألَ القاسمَ بنَ محمدٍ وسالِمَ بنَ عبدِ اللَّه عن الماءِ الرَّاكدِ الذي لا يجري تموتُ فيه الدَّابَّةُ، أيشرَبُ منه وَيغتسِل ويَغسِلُ منه الثِّيابَ؟ فقالا: انظُرْ بعَينِكَ، فإن رأيتَ ماءً لا يُدنِّسُه ما وقَعَ فيه، فنَرجُو ألّا يكُونَ به بأسٌ.
قال: وأخبَرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ قال: كُلُّ ماءٍ فيه فَضلٌ عمَّا يُصيبُه مِن الأذَى، حتى لا يُغيِّرُ ذلك طعمَه ولا لونَه ولا ريحَه، فهو طاهرٌ يُتَوضَّأُ به (٤) .
قال: وأخبَرني عبدُ الجبَّارِ بنُ عمرَ، عن ربيعَةَ، قال: إذا وقَعتِ المَيتَةُ في البئرِ فلم يتَغيَّرْ طَعمُها ولا لَونُها ولا ريحُها، فلا بَأسَ أنْ يتَوضَّأَ منها وإن رأى فيها المَيتة. قال: وإن تغيَّرت نزَعَ منها قَدْرَ ما يُذهِبُ الرائحةَ عنها (٥) .
-
وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ. وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، ومحمدُ بنُ بُكيرٍ، وأبو الفَرَجِ، والأبهَرِيُّ، وسائرُ المُنتَحِلينَ لمذهَبِ مالكٍ مِن البَغدادِيِّينَ.
- ج ١ ص ٥٧٧
ورُوِيَ هذا المعنى عن عبدِ اللَّه بنِ عبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ المُسيِّب، على اختِلافٍ عنه، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (١) . وهو قولُ الأوزاعِيِّ، والليثِ بنِ سعدٍ، والحسنِ بنِ صالح (٢) ، وداودَ بنِ عليٍّ (٣) . وهو مذهَبُ أهلِ البصرَةِ أيضًا، وهو الصَّحيحُ في النَّظَرِ وجيِّدِ الأثَرِ.
-
وأمَّا الكُوفيُّونَ، فالنَّجاسَةُ عندَهم تُفسِدُ قليلَ الماءِ وكَثِيرَه إذا حلَّتْ فيه، إلَّا الماءَ المستَبْحِرَ الكثيرَ الذي لا يَقدِرُ آدَمِيٌّ على تَحريكِ جَمِيعِه (٤) ؛ قِياسًا على البحرِ الذي قال فيه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه" (٥) .
-
وأمَّا الشَّافعيُّ، فمَذهَبُه في الماءِ نحوُ مَذهَبِ المِصريِّين مِن أصحابِ مالكٍ، وروايَتُهم في ذلك عن مالكٍ أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ، ولا يفسِدُ كثيرَه إلَّا ما غلَبَ عليه فغيَّرَ طعمَه أو رائحتَه أو لَونَه (٦) .
-
إلَّا أنَّ مالِكًا في هذه الرِّوايَةِ عنه لا يَحُدُّ حدًّا بينَ قليلِ الماءِ الذي تَلحَقُه النَّجاسةُ وبينَ كثيرِه الذي لا تَلحقُه النَّجاسَةُ إلَّا بالغَلَبةِ عليه، إلَّا ما غلَبَ على
ج ١ ص ٥٧٨النُّفُوسِ أنَّه قليلٌ، وما الأغلبُ عندَ الناسِ أنَّه كثيرٌ. وهذا لا يُضبَطُ؛ لاختلافِ آراءِ الناسِ وما يقعُ في نُفُوسِهم.
-
وأمَّا الشَّافعيُّ (١) ، فحدَّ في ذلك حدًّا بينَ القَليلِ والكثيرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم تَلحقْه نجاسةٌ" . أو: "لم يَحمِلْ خبَثًا" . وهو حديثٌ يَرويه محمدُ بنُ إسحاقَ والوَليدُ بنُ كثيرٍ جميعًا، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير (٢) .
-
وبعضُ رُواةِ الوليدِ بنِ كثيرٍ يقولُ فيه: عنه، عن محمدِ بنِ عبَّادِ بنِ جَعفَرٍ (٣) .
- ج ١ ص ٥٧٩
ولم يُختلَفْ عن الوليدِ بنِ كثيرٍ أنَّه قال فيه: عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه يَرفَعُه (١) .
-
ومحمدُ بنُ إسحاقَ يقوُل فيه: عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه مرفوعًا أيضًا (٢) . فالوَليدُ يجعَلُه عن عبدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، ومحمدُ بنُ إسحاقَ يجعلُه عن عُبَيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه (٣) .
- ج ١ ص ٥٨٠
ورواه عاصِمُ بنُ المُنذِرِ، فاختُلِفَ فيه عليه أيضًا؛ فقال حمَّادُ بنُ سلَمَةَ: عاصم بنِ المُنذِرِ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، عن أبيه (١) .
وقال فيه حمَّادُ بنُ زيدٍ: عن عاصم بنِ المُنذِرِ، عن أبي بكر بنِ عُبيدِ اللَّه، عبدِ اللَّه بنِ عمرَ (٢) .
وقال حمَّادُ بنُ سلمَةَ فيه: "إذا كان الماءُ قُلَّتَينِ أو ثلاثًا لم يُنجِّسْه شيءٌ" (٣) .
- ج ١ ص ٥٨١
وبعضُهم يقولُ فيه: "إذا كان الماءُ قُلَّتَينِ لم يَحمِلِ الخبَثَ" . وهذا اللَّفظُ مُحتمِلٌ للتَّأويلِ، ومثلُ هذا الاضطِرابِ في الإسنادِ يُوجِبُ التوقُّفَ عن القولِ بهذا الحدِيثِ، إلَّا أنَّ القُلَّتينِ غيرُ مَعرُوفتينِ، ومحالٌ أنْ يَتَعبَّدَ اللَّهُ عِبادَه بما لا يَعرِفُونه (١) .
- ج ١ ص ٥٨٢
وأمَّا حَدِيثُ وُلُوغ الكَلبِ في الإناء (١) ، وحديثُ النهي عن إدخالِ اليدِ في الإناءِ قبلَ غسلِها لمَنِ انتَبَه مِن نَومِه (٢) ، وحديثُ النهي عن البولِ في الماءِ الدَّائم الرَّاكدِ (٣) ، فقد عارضَها ما هو أقوَى منها. والأصلُ في الماءِ الطَّهارةُ، فالواجبُ ألَّا يُقضَى بنجاستِه إلَّا بدليلٍ لا تَنازُعَ فيه ولا مَدفَعَ له، ونحنُ نذكُرُ ما نختارُه مِن المذاهبِ في الماءِ هاهُنا، ونذكُرُ معنَى حديثِ وُلُوغ الكَلبِ، وغَسلِ اليدِ في بابِ أبي الزنادِ إن شاءَ اللَّه عزَّ وجل (٤) .
قال أبو عُمر: الدَّليلُ على أنَّ الماءَ لا يَفسُدُ إلَّا بما ظهرَ فيه مِن النَّجاسَةِ، أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ سمَّاه طَهُورًا، فقال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] . وفي طَهُورٍ مَعنَيان.
-
أحدُهما: أنْ يكونَ طهُورٌ بمَعنَى طاهرٍ، مثلَ صَبُورٍ وصابرٍ، وشكُورٍ وشاكرٍ، وما كان مثلَه.
-
والآخرُ: أنْ يكونَ بمَعنَى فَعُولٍ، مثلَ قتُولٍ وضَرُوبِ، فيكونَ فيه مَعنَى التَّعدِّي والتَّكثِيرِ؛ يدُلُّ على ذلك قولُه عزَّ وجلَّ: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
ج ١ ص ٥٨٣لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: ١١] . وقد أجمعتِ الأمَّةُ أنَّ الماءَ مُطهِّر للنَّجاساتِ، وأنَّه ليسَ في ذلك كسائرِ المائِعاتِ الطَّاهِراتِ، فثبَتَ بذلك هذا التأويلُ، وما كانَ طاهِرًا مُطَهِّرًا، استَحالَ أنْ تَلحَقَه النَّجاسَةُ؛ لأنَّه لو لَحِقَته النَّجاسةُ لم يكنْ مُطهِّرًا أبدًا، لأنَّه لا يُطَهِّرُها إلَا بمُمازَجَتِه إيَّاهَا، واختِلاطِه بها، فلو أفسَدَتْه النَّجاسةُ مِن غيرِ أنْ تغلِبَ عليه، وكان حُكمُه حُكمَ سائرِ المائِعاتِ التي تنجُسُ بمُماسَّةِ النَّجاسَةِ لها، لم تَحصلْ لأحدٍ طهارةٌ، ولا استنجَى أَبَدًا.
-
والسُّنَنُ شاهدةٌ لما قُلنا بمِثلِ ما شَهِدَ به النَّظرُ مِن كتابِ اللَّه عزَّ وجلَّ، فَمِن ذلك أمرُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْ يُصبَّ على بَولِ الأعرابيِّ دَلوٌ مِن ماءٍ، أو ذَنُوبٌ مِن ماءٍ، وهو أصحُّ حديثٍ يُروَى في الماءِ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعلومٌ أنَّ البَولَ إذا صُبَّ عليه الماءُ مازَجَه، ولكنَّه إذا غلَبَ الماءُ عليه طهَّرَه ولم يَضُرَّه مُمازجةُ البَولِ له.
-
أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: أخبَرَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ (١) ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا يونُسُ بنُ يزيدَ، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه، أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَه أنَّ أعرَابيًّا بال في المسجدِ، فثارَ الناسُ إليه ليَمنَعوه، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دعُوهُ، وأهْرِيقوا على بَولِهِ ذَنوبًا مِن ماءٍ - أو قال: سَجْلًا مِن ماء- فإنَّما بُعثتُم مُيسِّرين، ولم تُبعَثوا مُعسِّرين" (٢) .
- ج ١ ص ٥٨٤
وهكذا روَاه شُعيبُ بنُ أبي حَمزَةَ ومحمدُ بنُ الوَليدِ الزُّبيديُّ، عن الزُّهريِّ (١) ، كما روَاه يُونُسُ بنُ يزيدَ بإسنادِه.
-
وكذلك رواه النُّعمانُ بنُ راشدٍ بهذا الإسناد (٢) .
-
وروَاه ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) ، وتابَعَه سفيانُ بنُ حسينٍ علَى هذا الإسنادِ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة (٤) .
- ج ١ ص ٥٨٥
ورواه محمدُ بنُ أبي حَفصةَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وكلُّ ذلك صحيحٌ؛ لأنَّه مُمكنٌ أنْ يكونَ الحديثُ عندَ ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ اللَّه وسعيدٍ وأبي سَلمةَ، فحدَّث به مرَّةً عن هذا، ومرَّةً عن هذا، وربَّما جمعَهَم، وهذا موجودٌ لابنِ شِهابٍ، معروفٌ له، كثيرٌ جدًّا (١) ، وقد روَى أنسُ بنُ مالكٍ قصَّةَ الأعرابيِّ هذا، وسنذكُرُ طُرُقَ حديثِه في ذلك، في بابِ مُرسَلِ يحيى بنِ سعيدٍ مِن كتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه.
-
ومِن ذلك أيضًا قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ سُئِلَ عن بئرِ بُضَاعةَ فقِيلَ له: إنَّه يُطرَحُ فيها لُحُومُ الكِلابِ والعَذِرةُ وأوساخُ الناسِ. فقال: "الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ" (٢) ؛ يعني:
ج ١ ص ٥٨٦ما لم يُغيِّرْه أو يَظهَرْ فيه، واللَّهُ أعلمُ؛ لأنَّه قد رُويَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ، إلَّا ما غلَب عليهِ فغيَّرَ طَعمَه أو لَونَه أو رِيحَه" (١) . وهذا إجماعٌ في الماءِ المُتغيِّرِ بالنَّجاسةِ، وإذا كان هذا هكذا، فقد زالَ عنه اسمُ الماءِ مُطلقًا.
-
وحدِيثُ بئرِ بُضاعةَ ذكَرَه أبو داودَ (٢) مِن حَديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وذكرَ أحمدُ بنُ حنبل (٣) ، قال: حدَّثنا حُسينُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا الفُضيلُ، يعني ابنَ سُليمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي يحيى، عن أُمِّه، قالت: سمِعتُ سهلَ بنَ سعدٍ السَّاعديَّ يقولُ: سَقَيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدي مِن بئرِ بُضاعةَ.
-
وذكرَه إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ محمدُ بنُ عُبيدِ اللَّه، قال: حدَّثني حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمدِ بنِ أبي يحيَى، عن أُمِّه، قالت: دَخَلْنا
ج ١ ص ٥٨٧على سَهْلِ بنِ سَعْدٍ في نِسوةٍ، فقال: لو أنِّي سَقَيتُكم مِن بئرِ بُضَاعَةَ لكَرِهتُم ذلك، وقد واللَّه سقَيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدِي منها (١) .
-
ومن ذلك أيضًا قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ سُئلَ عن ماءٍ اغتَسلَتْ منه امرأةٌ من نسائِه وهي جُنُبٌ، فقال: "الماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ" . روَاه جماعةٌ عن سِماكٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ منهم شُعبةُ والثَّوري، إلَّا أنَّ جُلَّ أصحابِ شُعبةَ يَروُونَه عنه، عن سِماك، عن عِكرمَةَ مُرسلًا (٢) ، ووصلَه عنه محمدُ بنُ بكرٍ (٣) ، وقد وصلَه جماعةٌ عن سماك؛ منهم الثوريُّ، وحسبُكَ بالثوريِّ حفظًا وإتقانًا (٤) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن سماكٍ، عن عِكرمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ امرأةً مِن أزوَاج النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اغتَسلَتْ مِن جَنابةٍ، فاغتسَل النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وتوضَّأَ مِن فضلِها، وقال: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ" (٥) .
- ج ١ ص ٥٨٨
وهكذا روَاه أبو الأحوصِ وشريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباس مرفُوعًا (١) . وكلُّ مَن أرسَل هذا الحديثَ فالثوريُّ أحفظُ منه، والقولُ فيه قولُ الثَّورِيِّ ومَن تابَعه على إسنادِه.