إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري
٤٦٥ فقرة، ج ١ ص ٤٠٠
الصفحة ٥ من ١٢
- ج ١ ص ٤٧٣
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التّمّار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ ومحمدُ بنُ عيسى في آخَرِين،
ج ١ ص ٤٧٤قالوا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ومَن مات وهو يَشْرَبُ الخمرَ في الدنيا، لم يشرَبْها في الآخرة" .
-
حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مروان (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ سليمانَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٢) : حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال: أخبرني موسى بنُ عقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ" .
-
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (٣) : حدَّثنا الحُسينُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" . قال الحُسينُ بنُ منصور: قال أحمدُ بنُ حنبل: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ج ١ ص ٤٧٥قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ أبو حازم بنُ دينار (١) ، ولَيثٌ (٢) ، وأبو مَعْشَر (٣) ، وإبراهيمُ الصّائِغُ (٤) ، والأجْلَحُ (٥) ، وعبدُ الواحدِ بنُ قَيْس (٦) ، وأبو الزِّناد (٧) ، ومحمدُ بنُ عَجْلان (٨) ، وعبيدُ اللَّه بنُ عمرَ العُمَريُّ (٩) ، كلُّهم عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مرفوعًا، كما رواه أيوبُ السَّخْتيانيُّ وموسى بنُ عُقْبة (١٠) .
- ج ١ ص ٤٧٦
وكان عُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ ربّما وَقَفه، وربما رَفَعَهُ وكان يقولُ أحيانًا: لا أعْلَمُه إلّا عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
-
ورواه مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمرَ موقوفًا (٢) .
-
والحديثُ ثابتٌ مرفوعٌ، لا يَضُرُّع تَقْصيرُ مَن قصَّرَ في رَفْعِه؛ لرفع الحُفّاظِ الأثباتِ له، ولاجتماع الجماعة من رواةِ نافع على رَفْعِه، منهم أيوبُ، وموسى، وسائرُ مَن ذكَرْنا.
-
وممّا يدُلُّ على صِحَّة رَفْعِه روايةُ محمدِ بنِ عَمْرٍو له، عن أبي سَلَمَة، عن ابنِ عُمَر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مرفوعًا (٣) ، وكذلك رواه زيدُ بنُ أسلم (٤) ، وعبدُ اللَّه بنُ دينار (٥) ، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا، وكذلك رواه جماعةٌ عن سالم، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا. فكيف يَحِلُّ لأحَدٍ أن يتأوَّلَ في الأنبِذَةِ المسكِرَةِ أنَّها حَلالٌ، والنبيُّ عليه السلامُ
ج ١ ص ٤٧٧قد بيَّن أنَّ كلَّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلَّ خمرٍ حرامٌ؟ نعوذُ باللَّه من الخِذلان، ومن سُلوكِ سبيلِ الضلال.
-
وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد (١) ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعث، قال (٢) : حدَّثنا قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابنَ جعفر، عن داودَ بنِ بكرِ بنِ (٣) أبي الفُرات، عن محمدِ بنِ المنكَدِر، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أسْكَرَ كثيرُه فقَليلُه حرامٌ" .
-
وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (٤) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا محمدُ بنُ رافِع النَّيْسابوريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عمرَ
ج ١ ص ٤٧٨الصَّنْعانيُّ، قال: سمِعتُ النعمانَ، يعني ابنَ المُنذر (١) الصَّنْعانيَّ، يقول: عن طاووس، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كلُّ مُخَمَّرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" . وذكَر تمامَ الحديث.
-
وهذه كلُّها نُصوصٌ في موضِع الخلافِ لمَن أراد اللَّهُ في المُسْكِرِ أن يَهدِيَه ويشرَحَ صَدْرَه. والآثارُ في تحريم ما أسْكَرَ كثيرُه كثيرةٌ جدًّا يطُولُ الكتابُ بذكْرِها، وقد ذكَرها جماعةٌ من العلماء؛ منهم ابنُ المباركِ وغيرُه، وقال أحمدُ بنُ شُعَيب في "كتابه" : إنَّ أوَّلَ مَن أحَلَّ المُسْكِرَ من الأنبذةِ إبراهيمُ النَّخَعيُّ. وهذه زَلَّةٌ من عالم، وقد حُذِّرْنا من زَلَّةِ العالم، ولا حُجَّةَ في قولِ أحدٍ مع السُّنة.
-
وقد زَعَمَت طائفةٌ أنَّ أبا جعفرٍ الطحاويَّ، وكان إمامَ أهلِ زمانِه، ذهَب إلى إباحةِ الشُّربِ من المُسْكِرِ ما لم يُسْكِرْ (٢) ، وهذا لو صَحَّ عنه، لم يُحتَجَّ به
ج ١ ص ٤٧٩على مَن ذكَرْنا قولَهم من الأئمة المتَّبعينَ في تحريم المسكِرِ ما ثبتَ من السُّنة، وأنا أذكُرُ ما حَكاه الطحاويُّ لِيَبِينَ لك أنَّ الأمرَ ليس كما ظَنُّوا:
قال أبو جعفر في كتابه الكبير في "الاختلاف" (١) : اتَّفقَتِ الأمةُ أنَّ عَصيرَ العِنَب إذا اشْتَدَّ وغلَى، وقذَفَ بالزَّبَدِ، فهو خَمْرٌ، ومُسْتَحِلُّه كافِرٌ، واختَلَفوا في نَقيع التمر إذا غلَى وأسْكَرَ.
قال: فهذا يدُلُّ على أنَّ حديثَ يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي كثير، عن أبي هريرة، عن النبيِّ عليه السلامُ، أنّه قال: "الخمرُ من هاتينِ الشجرتَيْن؛ النخلةِ والعِنبة" (٢) . غيرُ مَعمُولٍ به عندَهم؛ لأنّهم لو قَبِلوا الحديثَ لأكفَروا مُسْتَحِلَّ نقيع التمر، فثَبَت أنّه لم يدخُلْ في الخمرِ المحَرَّمةِ غيرُ عصيرِ العِنَب الذي قد اشتَدَّ وبلَغ أنْ يُسْكِرَ.
قال: ثم لا تَخْلُو الخمرُ من أن يكونَ التحريمُ مُعلَّقًا بها فقط، غيرَ مَقِيسٍ عليها غيرُها أو يجبُ القياسُ عليها، فوجَدْناهم جميعًا قد قاسُوا عليها نقيعَ التمرِ إذا غلَى وأسْكَرَ كثيرُه، وكذلك نَقيعُ الزَّبيب.
قال: فوَجَبَ قياسًا على ذلك أن يُحرَّمَ كلُّ ما أسكَرَ من الأشْرِبة.
قال (٣) : وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه قال: "كلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ" ، واستُغْنِيَ عن ذِكْرِ سندِه؛ لقَبولِ الجميع له، وإنّما الخلافُ بينَهم في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: أراد به ما يقَعُ السُّكْرُ عندَه، كما لا يُسَمَّى قاتِلًا إلّا مع وُجودِ القتل. وقال آخرون: أراد به جِنْسَ ما يُسْكِرُ.
ج ١ ص ٤٨٠قال: وقد روَى أبو عَوْنٍ الثَّقفيُّ، عن عبدِ اللَّه بنِ شَدّاد، عن ابنِ عبّاس، قال: حُرِّمَتِ الخمرُ بعينِها؛ القليلُ منها والكثيرُ، والسُّكْرُ من كلِّ شَراب (١) . قال: ففي هذا الحديثِ أنَّ غيرَ الخمر (٢) لم يُحَرَّمْ عَيْنُه كما حُرِّمتِ الخمرُ بعينِها. هذا آخِرُ قولِه، وفيما مضَى كفاية، والحمدُ للَّه.
-
أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مروان (٣) ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ سُليمان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤) : حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ ومحمدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، جميعًا عن حُميد، عن أنس، قال: كنتُ في بيتِ أبي طلحةَ وعندَه أُبيُّ بنُ كعب، وأبو عُبيدةَ بنُ الجراح، وسُهَيْلُ ابنُ بَيْضاء،
ج ١ ص ٤٨١وأنا أسْقِيهم شَرابًا، حتى إذا أخَذ فيهم، إذا رجلٌ من المسلمين يُنادي: ألا إنَّ الخمرَ قد حُرِّمت. فواللَّه ما انتَظَروا حتى يَعْلَمُوا أو يسألوا عن ذلك. قال: فقالوا: يا أنسُ، أَكْفِئْ ما في إنائِك. قال: فكَفَأْتُه. قال: فما عادُوا فيها حتى لَقُوا اللَّه، وشَرابُهم يومئذٍ خَليطُ البُسْرِ والتَّمر.
قال أبو عُمر: هذا يُبيِّنُ لك أنَّ الفَضِيخَ المذكورَ في حديثِ إسحاق (١) ، عن أنس، أنّه خَليطُ البُسْرِ والتمر، وهذا على نحوِ ما فسَّرَه أهلُ اللغة، واللَّهُ أعلم.
-
وقد روَى هذا الحديثَ عن أنسٍ جماعةٌ يطولُ ذكرُهم، منهم: سليمانُ التَّيميُّ (٢) ، وقتادةُ (٣) ، وعبدُ العزيز بنُ صُهَيْب (٤) ، والمختارُ بنُ فُلْفُل (٥) ، وثابت البُنانيُّ (٦) ، وأبو التَّيّاح (٧) ، وأبو بكر بنُ أنس (٨) ، وخالدُ بنُ الفِزْر (٩) ، لم يَذكُرْ واحدٌ
ج ١ ص ٤٨٢منهم كَسْرَ الجِرار، إلّا إسحاقَ بنَ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ وحدَه، وإنّما في حديثهم أنّه أكفَأها، ولا بأسَ بالاستِمْتاع بظُرُوفِ الخمرِ بعدَ تَطْهِيرِها وغسلِها بالماءِ وتَنْظيفِها، إلّا أنَّ الزِّقاقَ التي قد بالَغَتْها الخمرُ وداخَلَتْها، إنْ عُرِف أنَّ الغَسْلَ لا يَبلُغُ منها مَبْلَغَ التَّطْهِيرِ لها، لم يُنتَفَعْ بشيءٍ منها.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا قَبولُ خبرِ الواحدِ؛ لأنَّهم قَبِلوا خبرَ المُخبِر لهم، وهو رجلٌ من المسلمين، ولا شكَّ أنَّهم قد عَرَفوه، ولذلك قَبِلُوا خبرَه، وعَمِلُوا به، وأراقُوا شرابَهم، وقد كان مِلْكًا لهم قبلَ التحريم.
-
وفيه أنَّ المحَرَّمَ لا يَحِلُّ مِلْكُه، وأنَّ الخمرَ لا يستقِرُّ عليها مِلكُ مسلم بحال.
-
وفيه أنَّها كانت مباحةً مَعفُوًّا عنها حتى نزلَ تَحرِيمُها، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ رحمه اللَّه: كان الناسُ على أمرِ جاهِليَّتِهم حتى يُؤمَروا أو يُنْهَوا (١) .
-
وقد كانتِ الشَّدَّةُ والإسكارُ موجودَينِ في الخمرِ قبلَ تَحرِيمِها، ولم يكنْ ذلك بمُوجِبٍ لتَحرِيمِها؛ لأنَّ العِلَّة في التحريم ما يَقرَعُ السمعَ من الكتابِ والسُّنة، وإنّما كانتِ الشِّدَّةُ وَصْفًا من أوصافِ الخمر، فلمّا ورَد الشرعُ بتحريم المُسْكِر، صار الإسكارُ والشِّدَّةُ فيها عَلَمًا للتحريم، بدَليلِ الاعتبارِ في ذلك. وهذا مَوضِعٌ تَنازعَ فيه مَن نَفَى القِياسَ ومَن أثْبتَه، والكلامُ فيه يطُولُ.
- ج ١ ص ٤٨٣
وفي هذا الحديثِ أيضًا: ما كان القومُ عليه من البِدارِ إلى الطاعة، والانتهاءِ عمّا نُهوا عنه.
-
وفيه حُجَّةٌ لمَن قال: إنَّ الخمرَ لا تُخَلَّلُ؛ لأنّه لو جاز تَخليلُها والانتِفاعُ بها، لكان في إراقَتِها إضاعَةُ المال، وقد نُهيَ عن إضاعَةِ المال (١) ، ولا يقولُ أحَدٌ فيمَن أراقَ خمرًا لمسلم: إنّه أتْلَف له مالًا. وقد أراقَ عثمانُ بنُ أبي العاص خمرًا ليتيم، وأُرِيقَتْ بينَ يَدَيْ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) . ومن حديثِ أنس، أنَّ أبا طَلْحَةَ سألَ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أيتام وَرِثوا خمرًا، يَجعَلُه خَلًّا؟ فكَرِهه (٣) .
-
وروَى مجالدُ بنُ سعيد، عن أبي الودَّاكِ جبرِ بنِ نَوف، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كان عندي خمر لأيتام، فلمّا نزَل تحريمُ الخمرِ أمرَنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نُهَريقَها (٤) .
-
وروَى سفيانُ الثوريُّ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي هُبَيرَة (٥) ، واسمُه يحيى بنُ عَبّاد،
ج ١ ص ٤٨٤عن أنسِ بنِ مالك، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَجْرِه يتيمٌ، وكان عندَه خمرٌ له حينَ حرِّمَتِ الخمرُ، فقال: يا رسولَ اللَّه، نَصْنَعُها خَلًّا؟ قال: "لا" (١) .
-
وسنَذكُرُ آثارَ هذا البابِ بأسانيدِها في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن ابنِ وَعْلةَ مِن هذا الكتاب (٢) .
-
فبهذا احْتَجَّ مَن كَرِه تَخْليلَ الخمرِ ولم يُبحْ أكْلَها إذا تخلَّلَتْ. وقالوا: لو جاز تَخْليلُها لم يأمُرْ رسولُ اللَّه عليه السلامُ بإراقَتِها، وقد استُؤذِنَ في تَخْليلِها فقال: "لا" ، ونَهى عن ذلك؛ ذهَبَ إلى هذا طائفةٌ من العلماءِ من أهلِ الحديثِ والرَّأي (٣) ، وإليه مالَ سُحْنُونُ بنُ سعيد (٤) .
وقال آخرون: لا بأسَ بتَخليلِ الخمر، ولا بأسَ بأكلِ ما تخلَّلَ منها بمُعالجةِ آدَميٍّ وبغيرِ معالَجَتِه على كلِّ حال. وهو قولُ الثوريِّ، والأوزاعيِّ، والليثِ بنِ سعد، والكوفيِّين (٥) . ومن حُجَّةِ هؤلاء إجماعُ العلماءِ على أنَّ العصيرَ من العِنَبِ قبلَ أن يُسْكِرَ حلالٌ، فإذا صار مُسْكِرًا حَرُم؛ لعِلَّةِ ما حدَث فيه من الشِّدَّةِ والإسكار، فإذا زال ذلك عادَتِ الإباحَةُ، وزال التحريمُ، وسواءٌ تَخَلَّلَتْ من ذاتِها، أو تخَلَّلَتْ بمعالجةِ آدَميٍّ، لا فرقَ بينَ شيءٍ من ذلك إذا ذهَبَ منها حالُ الإسْكار.
- ج ١ ص ٤٨٥
وأجاز أبو حنيفةَ وأصحابُه مع تَخْلِيلِها أن يُصنَعَ من الخمرِ المُرَبَّى (١) وغيرُه، وبأيِّ وَجْهٍ أُفْسِدَتْ وزالَتْ علَّةُ السُّكْرِ منها طابَتْ عندَهم، وطَهُرَتْ (٢) . وأمّا غيرُهم ممَّن ذكَرْنا عنهم إجازةَ تَخْلِيلِ الخمر، فإنَّهم لا يُجيزون منها غيرَ الخلِّ على أصْلِها.
-
ولم يَختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه أنَّ الخمرَ إذا تخلَّلَتْ بذاتِها، أنَّ أكْلَ ذلكَ الخَلِّ حَلالٌ. واختَلَف قولُه في تَخْلِيلِها؛ فكَرِهه مرَّة، وأجازَه أُخْرَى، والأشْهَرُ عنه كَراهِيةُ ذلك. وتَحْصيلُ مَذْهَبِه أنّه لا يَنْبَغي لمسلم أنْ يُمْسِكَ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا ليَتَخَلَّلَ، ولا يَنبَغي لأحَدٍ أنْ يُخَلِّلَها، فإنْ فَعَل أكَلَها، وكُرِهَ له فِعْلُ ذلك (٣) .
-
وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخَطّاب، وقَبِيصَةَ، وابنِ شِهاب، ورَبِيعَة (٤) ، كراهِيَةُ تَخْلِيلِ الخمرِ، وإجازَةُ أكْلِها إذا تخَلَّلَتْ بذاتِها. وهو أحَدُ قولي الشافعيّ، وهو تَحْصِيلُ مَذْهَبِه عندَ أكثرِ أصحابِه، وعلى هذا أكثرُ العلماء؛ لأنّه يَجتَمِعُ على هذا القولِ مَذْهَبُ مَن أجاز تَخْلِيلَها بكُلِّ وَجْه، ومَذْهَبُ مَن أباحَها إذا تخَلَّلَتْ من ذاتِها (٥) .
- ج ١ ص ٤٨٦
وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ جوازُ تَخْليلِ الخمرِ من وجهٍ فيه لِينٌ، والصحيحُ عنه إجازَةُ أكْلِها إذا صارَتْ خلًّا.
-
ذكَر ابنُ أبي شيبة (١) ، عن وَكِيع، عن عبدِ اللَّه بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عمر، أنّه كان لا يَرى بأسًا أن يأكُلَ مما كان خمرًا فصار خَلًّا.
قال (٢) : وأخبَرنا حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمن (٣) ، عن أبيه، عن مُسَرْبِلٍ العَبْديِّ، عن أُمِّه، قالت: سألتُ عائشةَ عن خَلِّ الخمر، قالت: لا بأسَ به، هو إدامٌ.
-
ورُوِيَ عن عليٍّ رضيَ اللَّهُ عنه أنّه كان يَصْطَبغُ في خَلِّ خمر (٤) . وهذا يَحتملُ أن يكونَ أراد خَلَّ عِنَب.
- ج ١ ص ٤٨٧
وذكَر ابنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا أزْهَرُ، عن ابنِ عون، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، أنّه كان يَكْرَهُ أن يقول: خَلُّ خمر. وكان يقول: خَلُّ عِنَب. وكان يَصْطَبغُ فيه.
وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ" (٢) . وهذا على عُمُومِه.
قال أبو عُمر: وأعْدَلُ شيءٍ في هذا البابِ ما رُوِيَ عن عمرَ رضيَ عنه فيه:
أخبرنا عبدُ الوارث (٣) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني ابنُ أبي ذِئْب، عن ابنِ شهاب، عن القاسم بنِ محمد، عن أسلمَ مولَى عمرَ بنِ الخطاب، عن عمرَ بنِ الخطاب، أنّه قال: لا يُؤكَلُ خَلٌّ من خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يَبْدَأ اللَّهُ إفسادَها، فعندَ ذلك يَطِيبُ الخَلُّ. قال: ولا بأسَ على امرئ أن يَبتاعَ خَلًّا وَجَدَه مع أهلِ الكتاب، ما لم يَعلمْ أنهم تَعَمَّدوا إفسادَها بعدَما عادَتْ خمرًا (٤) .
ج ١ ص ٤٨٨قال ابنُ وَهْب: وأخبرني يونُسُ، عن ابنِ شِهاب، أنّه كان يقول: لا خيرَ في خَلٍّ من خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللَّهُ يُفْسِدُها، عندَ ذلك يَطيبُ الخَلُّ (١) .
ج ١ ص ٤٨٩قال ابنُ وَضّاح: ورأيتُ سُحْنُونًا يذهَبُ إلى أنَّ الخمرَ إذا خُلِّلَتْ لم يُؤكَلْ خَلُّها، تُعُمِّدَ ذلك أو لم يُتعَمَّدْ.
قال أبو عُمر: ليس في النهي عن تَخْليلِها والأمرِ بإراقتِها ما يَمنعُ من أكْلِها إذا تخَلَّلَتْ من ذاتِها؛ لأنّه يَحتَمِلُ أن يكونَ ذلك كان عندَ نُزولِ تَحريمِها، لئلّا يُستَدامَ حَبْسُها، لقُرْبِ العَهْدِ بشُرْبِها، إرادَةَ قَطْع العادَة، ولم يُسْألْ عن خمرٍ تَخَلَّلَتْ فنَهَى عنها.
وقال محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم: كان مالكُ بنُ أنس يقول بقولِ عمرَ بنِ الخطاب: لا يُؤكَلُ خَلٌّ من خمرٍ أُفسِدَتْ، حتى يكونَ اللَّهُ هو الذي بَدَأ إفسادَها. قال محمدٌ: وبه أقولُ. قال: ثم رَجع مالِكٌ، فقال: إنْ فَعَل ذلك جاز أكْلُها، على تَكَرُّهٍ منه. قال: وقولُ عمرَ أحَبُّ إليَّ (١) .
قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا قولَ مَن زَعَم أنَّ العِلَّةَ في تحريمِها الشدَّةُ، فإذا زالَتْ حَلَّتْ، ولكلِّ قولٍ وَجْهٌ يطُولُ شَرْحُه والاحتِجاجُ له، وقد زِدْنا هذه المسألةَ بَسْطًا وبَيانًا، وذكَرْنا الآثارَ في ذلك (٢) ، في بابِ زيدِ بنِ أسْلَم (٣) ، عن ابنِ وَعْلَة، والحمدُ للَّه (٤) .
- ج ١ ص ٤٩٠
حديثٌ خامسٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ جدَّتَه مُليكةَ دعَتْ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لطعام، فأكَل منه، ثم قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قُومُوا فلأُصَلِّ (٢) لكم" . قال أنسر: فقمْتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طُولِ ما لُبسَ، فنضَحتُه بالماء (٣) ، فقام عليه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وصففْتُ أنا واليتيمُ وراءَه، والعجوزُ من ورائِنا، فصلَّى لنا ركعتَينِ ثم انصرَف.
-
هكذا رواه جماعةُ رُواةِ "الموطأ" (٤) ، وزادَ فيه إبراهيمُ بنُ طَهْمان، وعبدُ اللَّه بنُ
ج ١ ص ٤٩١عونٍ الخرّاز (١) ، وموسى بنُ أعْيَنَ: فأكَل منه، وأكَلْتُ معه، ثم دعا بوَضوءٍ فتوضَّأ، ثم قال: "قمْ فتوضَّأْ، ومُرِ العجوزَ فتتوضأ، ومُرْ هذا اليتيمَ فلْيتوضَّأْ، ولأصلِّ لكم" .
قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديث: إنَّ جدَّتَه مُليكة؛ مالكٌ يقوله، والضَّميرُ الذي في "جدَّتِه" هو عائدٌ على إسحاق، وهي جدَّةُ إسحاقَ أُمُّ أبيه عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، وهي أُمُّ سُلَيم بنتُ مِلحانَ زوجُ أبي طلحةَ الأنصاريِّ، وهي أُمُّ أنسِ بنِ مالك، كانت تحتَ أبيه مالكِ بنِ النَّضر، فولَدتْ له أنسَ بنَ مالك، والبراءَ بنَ مالك، ثم خلَف عليها أبو طلحة، وقد ذكَرنا قصَّتَها في كتابِ النساءِ من كتابِنا في "الصحابة" (٢) .
-
وذكَر عبدُ الرَّزاق (٣) هذا الحديثَ، عن مالك، عن إسحاق، عن أنس، أنَّ جدَّتَه مُليكةَ -يعني جدَّةَ إسحاقَ- دعَتِ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لطعام صنَعَتْه. وساقَ الحديثَ بمعنَى ما في "الموطأ" .
-
وفي هذا الحديثِ إجابةُ الدَّعوةِ إلى الطعام في غيرِ الوَليمة، وسيأتي القولُ والآثارُ في ذلك في الحديثِ الذي بعدَ هذا (٤) إن شاء اللَّه.
- ج ١ ص ٤٩٢
وفيه أنَّ المرأةَ المُتجالَّةَ (١) والمرأةَ الصّالحة، إذا دعَتْ إلى طعام أُجيبتْ، هذا إن صحَّ أنّها لم تكنْ بذاتِ مَحْرَم من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. وفي قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور: ٦٠] كفايةٌ.
-
وفيه من الفقهِ أيضًا: أنَّ مَنْ حلَف ألّا يَلبَسَ ثوبًا ولم تكنْ له نيّةٌ، ولا كان لكلامِه بِساطٌ يُعلمُ به مُرادُه، ولم يَقصِدْ إلى اللِّباسِ المعهود، فإنّه يَحنثُ بما يُتوطَّأُ ويُبسَطُ من الثياب؛ لأنَّ ذلك يُسمَّى لِباسًا، ألا ترَى إلى قوله: فقمْتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طُولِ ما لُبسَ.
-
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ يحيى (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣) : حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: أخبرنا الفُضيلُ بنُ عياض، عن هشام، عن ابنِ سيرينَ قال: قلتُ لعَبِيدة: افتراشُ الحريرِ كلُبْسِه؟ قال: نعم (٤) .
-
وأمّا نَضْحُ الحصير، فإنَّ إسماعيلَ بنَ إسحاقَ وغيرَه من أصحابِنا كانوا يقولون: إنَّ ذلك إنما كان لتَلْيينِ الحصيرِ لا لنجاسةٍ فيه، واللَّهُ أعلم. وقال بعضُ أصحابِنا: إنَّ النَّضْحَ طُهر لما شُكَّ فيه؛ لتَطْييبِ النَّفس عليه.
ج ١ ص ٤٩٣قال أبو عُمر: الأصلُ في ثَوبِ المسلم، وفي أرضِه، وفي جسمِه، الطَّهارةُ حتى يُستَيقَنَ بالنَّجاسة، فإذا تُيقِّنتْ وجَب غَسلُها، وكذلك الماءُ أصلُه أنّه محمولٌ على الطهارةِ حتى يُستَيقَنَ حُلولُ النَّجاسةِ فيه، ومعلومٌ أنَّ النَّجاسةَ لا يُطهِّرُها النَّضْحُ، وإنّما يُطهِّرُها الغَسل، وهذا يدلُّكَ على أنَّ الحصيرَ لم يُنضَحْ لنجاسة، وقد يُسمَّى الغَسلُ في بعض كلام العربِ نَضْحًا، ومنه الحديث: "إنِّي لأعلمُ أرضًا يقال لها: عُمان، يَنضَحُ البحرُ بناحيتِها" (١) ، الحديثَ. فإنْ كان الحصيرُ نَجِسًا فإنّما أُريدَ بذكرِ النَّضح الغَسلُ، واللَّهُ أعلم.
- ج ١ ص ٤٩٤
ومَنْ قال من أصحابنا: إنَّ النَّضحَ طهارةٌ لما شُكَّ فيه فإنّما أخذَه من فعلِ عمرَ بنِ الخطاب رضي اللَّهُ عنه حينَ احتلَم في ثوبِه، فقال: أغسِلُ منه ما رأيتُ، وأنضَحُ ما لم أرَه (١) .
-
ومن قال من أصحابنا: إنَّ النَّضحَ لا معنَى له، فهو قولٌ يَشهَدُ له النَّظرُ والأصولُ بالصِّحَّة، ورُوِيَ عن جماعةٍ من السَّلفِ في الثَّوبِ النَّجِسِ أنّهم قالوا: لا يَزيدُه النَّضحُ إلّا شرًّا (٢) ، وهو قولٌ صحيحٌ. ومَن ذهَب بحديثِ عمرَ إلى قَطع الوَسْوسةِ وحَزازاتِ النَّفس، في نَضحِه من ثوبِه ما لم يرَ فيه شيئًا من النَّجاسة، كان وجْهًا حسَنًا صحيحًا إن شاء اللَّه.
قال الأخفشُ: كلُّ ما وقَع عليك من الماءِ مُفرَّقًا فهو نَضْحٌ، ويكونُ النَّضحُ باليدِ وبالفم أيضًا. قال: وأمّا النَّضخُ بالخاءِ المنقوطة: فكلُّ ماءٍ أتى كثيرًا مُنهمِرًا، ومنه قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: ٦٦] . أي: مُنهَمِرتانِ بالماءِ الكثير.