إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري

٤٦٥ فقرة، ج ١ ص ٤٠٠

الصفحة ٦ من ١٢

  1. وفي هذا الحديثِ أيضًا حُجَّةٌ على أبي حنيفة؛ لأنه يقول: إذا كانوا ثلاثةً وأرادُوا أن يُصلُّوا جماعةً قام إمامُهم وسَطَهم ولم يتقدّمْهم. واحتجَّ بحديثِ ابنِ مسعود (٣) . وفي هذا الحديث: وصَففْتُ أنا واليتيمُ من ورائِه، والعجوزُ من ورائِنا.

    ج ١ ص ٤٩٤
  2. وقد رُوِيَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بي وبجبّارِ بنِ

    ج ١ ص ٤٩٥صخرٍ فأقامَنا خَلفَه (١) . وإنْ كان في إسنادِ حديثِ جابرٍ هذا مَن لا تقومُ به حُجَّةٌ، فحديثُ أنس (٢) من أثبَتِ شيء، وعليه عوَّل البخاريُّ وأبو داودَ في هذا الباب.

  3. حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيم بن سعيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان (٣) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن عمِّه أنسِ بنِ مالكٍ، قال: صلَّيتُ أنا ويتيمٌ كان عندَنا خلفَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأمُّ سُلَيم أمُّ أنسِ بنِ مالكٍ من ورائِنا (٤) .

  4. وفيما أجاز لنا عبيدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ جعفرٍ السَّقَطيُّ، وأخبرناه بعضُ أصحابِنا عنه، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الصَّفّارُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ بنِ يزيدَ العبْديُّ، قال (٥) : حدَّثنا عبادُ بنُ العوّام، عن

    ج ١ ص ٤٩٦هارونَ بنِ عنترةَ الشَّيبانيِّ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ الأسودِ بنِ يزيد، عن أبيه وعلقمة، أنّهما صلَّيا مع ابن مسعودٍ في بيتِه، أحدُهما عن يمينِه، والآخَرُ عن شمالِه، فلمّا انصرَف قال: هكذا صلَّيْتُ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  5. وهذا الحديثُ لا يَصحَّ رفعُه، والصحيحُ عندَهم فيه التَّوقيفُ على ابنِ مسعودٍ أنّه كذلك صلَّى بعلقمةَ والأسود (١) ، وحديثُ أنسٍ أثبتُ عندَ أهلِ العلم بالنَّقل، واللَّهُ أعلم.

  6. وأمّا إذا كان الإمامُ وآخر، فإنّما يقومُ عن يمينِه، وهذا مجتمَعٌ عليه.

  7. أخبرنا عبيدُ اللَّه (١) فيما كتَب بإجازته إليَّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ الصَّفّار، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفة، قال (٢) : حدَّثنا هشيمُ بنُ بَشير، عن أبي بشر، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباس، قال: بِتُّ ليلةً عندَ خالتي ميمونةَ بنتِ الحارث. قال: فقام النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي من الليل. قال: فقُمتُ عن يسارِه أُصلِّي بصلاتِه، فأخَذ بذؤابةٍ كانت لي -أو برأسي- فأقامني عن يمينِه.

    ج ١ ص ٤٩٧
  8. وسنذكُرُ هذا الحديثَ من روايةِ مالكٍ في باب مَخرمةَ بنِ سُليمانَ (٣) إن شاء اللَّه.

  9. وفيه أيضًا حُجَّةٌ على مَن أبطَل صلاةَ المصلِّي خلفَ الصَّفِّ وحدَه، وكان أحمدُ بنُ حنبل، والحُمَيديُّ، وأبو ثور، يذهَبون إلى الفَرْقِ بينَ المرأةِ والرجلِ في المصلِّي خلفَ الصفِّ، فكانوا يرونَ الإعادةَ على مَن صلَّى خلفَ الصفِّ وحدَه من الرجال، بحديثِ وابصةَ بنِ مَعْبد، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك (٤) . ولا يرَون على

    ج ١ ص ٤٩٨المرأةِ إذا صلَّتْ خلفَ الصفِّ شيئًا لهذا الحديث. قالوا: وسُنَّةُ المرأةِ أنْ تقومَ خلفَ الرِّجال لا تقومُ معهم. قالوا: فليس في حديثِ أنسٍ هذا حُجَّةٌ لمن أجازَ الصلاةَ للرَّجل خلفَ الصفِّ وحدَه.

    قال أبو عُمر: في هذا البابِ حديثٌ موضوعٌ وضَعه إسماعيلُ بنُ يحيى بن عبيدِ اللَّه (١) التَّيميُّ، عن المسعوديِّ (٢) ، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المرأةُ وحدَها صفٌّ" (٣) . وهذا لا يُعرفُ إلّا بإسماعيلَ هذا.

  10. وقد استدلَّ الشافعيُّ على جوازِ صلاةِ الرجلِ خلفَ الصفّ وحدَه بحديثِ أنسٍ هذا، وأردَفه بحديثِ أبي بكرةَ حينَ ركَع خلفَ الصفِّ وحدَه، فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "زادَك اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ" (٤) ، ولم يَأمُرْه بإعادةِ الصلاة. قال: وقولُه لأبي بكرة: "ولا تَعُدْ" ؛ يعني: لا تَعُدْ أنْ تتأخَّرَ عن الصلاةِ حتى تَفوتَك.

    ج ١ ص ٤٩٩قال: وإذا جازَ الرُّكوعُ للرَّجلِ خلفَ الصفوف وحدَه، وأجزَأ ذلك عنه، فكذلك سائرُ صلاتِه؛ لأنَّ الرُّكوعَ رُكنٌ من أركانِها، فإذا جازَ للمصلِّي أنْ يركعَ خلفَ الصفوف، كان له أنْ يَسجُدَ وأنْ يُتمَّ صلاتَه، واللَّهُ أعلم (١) .

  11. وقد احتجَّ جماعةٌ من أصحابِنا بما احتجَّ به الشافعيُّ في هذه المسألة. والذي عليه جمهورُ الفقهاء؛ كمالك، والشافعيّ، والثَّوريّ، وأبي حنيفة (٢) ، فيمن اتَّبعَهم وسلَك سبيلَهم، إجازةُ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصفِّ وحدَه، وحديثُ وابصةَ مُضطرِبُ الإسنادِ لا يُثبِتُه جماعةٌ من أهلِ الحديث (٣) .

  12. وفي هذا الحديثِ أيضًا ما يدلُّ على أنَّ الصَّبيَّ إذا عقَل الصلاةَ حضَرها مع الجماعة ودخَل معهم في الصَّفِّ إذا كان يُؤمَنُ منه اللَّعبُ والأذَى، وكان ممّن يَفهَمُ حدودَ الصلاةِ ويَعقِلُها، وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطاب أنّه كان إذا أبصَر صبيًّا في الصَّفِّ أخرَجه. وعن زِرِّ بنِ حُبيش، وأبي وائل (٤) ، بمثلِ ذلك. وهذا يَحتمِلُ أن يكون أنه لم يكن (٥) يُؤْمَنُ لَعِبُه ولهوُه، أو يكونَ كرِهَ له التَّقدُّمَ في الصَّفِّ ومنع الشيوخِ من مَوضعِه ذلك، والأصلُ ما ذكَرنا؛ لحديثِ هذا الباب، واللَّهُ أعلم.

  13. وقد كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يذهبُ إلى كراهةِ ذلك، قال الأثرم: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يكرَهُ أنْ يقومَ مع النّاسِ في المسجدِ خلفَ الإمام إلّا مَن قد احتلَم،

    ج ١ ص ٥٠٠أو أنبَت، أو بلَغ خمسَ عشْرةَ سنة. فقلتُ له: ابنُ اثنتيْ عشْرةَ سنةً أو نحوَها؟ قال: ما أدري. قلتُ له: فكأنَّكَ تكرَهُ ما دونَ هذا (١) السِّنِّ؟ قال: ما أدري. فذكرْتُ له حديثَ أنسٍ واليتيم، فقال: ذاك في التَّطوُّع (٢) .

  14. وإذا كان رجلانِ وامرأةٌ، قام الرجلُ عن يمينِ الإمام وقامتِ المرأةُ خلفَهما. وهذا لا خلافَ فيه. وبهذا احتجَّ أحمدُ بنُ حنبل في أنَّ المرأةَ سُنَّتُها أنْ تقومَ خلفَ الرِّجال، لا تكونُ معهم في الصَّفِّ، ودفَع ما احتجَّ به الشافعيُّ من حديثِ أنسِ المذكورِ في هذا الباب (٣) .

  15. حدَّثني أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ أبا عليٍّ الحسنَ بنَ سلمةَ بنِ مُعلَّى حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٤) : حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، عن شعبة، عن عبدِ اللَّه بنِ المختار، عن موسى بنِ أنس، عن أنس، قال: صلَّى بيَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وبامرأةٍ من أهلي، فأقامني عن يمينِه والمرأةَ خلفَنا.

  16. وفي هذا الحديثِ صلاةُ الضُّحَى، ولذلك ساقَه مالكٌ رحمه اللَّه، وسيأتي القولُ في صلاةِ الضُّحَى في بابِ ابنِ شهاب إن شاءَ اللَّه (٥) .

  17. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أنسِ بنِ سيرينَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان رجلٌ ضخم لا يَستطيعُ أن يُصلِّيَ مع النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إنِّي لا أستطيعُ أنْ أصلِّيَ معك، فلو أتيْتَ منزِلي فصلَّيْتَ فأقْتَدِيَ بك؟ فصنَع الرجلُ طعامًا، ثم دَعا بالنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونضَح حَصِيرًا لهم، فصَلَّى النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في ركعتين. فقال رجلٌ من آلِ الجارودِ لأنس: أكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّي الضُّحَى؟ فقال: ما رأيتُه صَلّاها إلّا يومَئذٍ (٢) .

    ج ١ ص ٥٠١
  18. روَى ابنُ عيينة، عن الثوريِّ، عن لَيْث، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَب، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَصفُّ الرِّجال، ثم الصِّبْيانَ خَلْفَ الرِّجال، ثم النِّساءَ خَلْفَ الصِّبْيانِ في الصلاة (٣) .

  19. حديثٌ سادسٌ لإسحاقَ عن أَنَسٍ، مُسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، أنَّه سمِع أَنسَ بنَ مالكٍ يقول: إن خيّاطًا دعا رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لطعام صنَعه. قال أنسٌ: فذهَبتُ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ذلك الطعام، فقرَّب إليه خُبزًا من شعير، ومَرَقًا فيه دُبّاء. قال أنسٌ: فرأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَتَبَّع (٢) الدُّبّاءَ من حولِ القَصْعَة، فلم أزَلْ أُحِبُّ الدُّبّاءَ بعدَ ذلك اليوم.

    ج ١ ص ٥٠٢
  20. هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عندَ جميع رُواتِه فيما علِمتُ (٣) ، بهذا الإسناد، وزادَ بعضُهم فيه ذِكرَ القَديد، وسنذكُرُه في هذا الباب إن شاء اللَّه.

  21. أدخَل مالكٌ رحمه اللَّه هذا الحديثَ في بابِ الوليمةِ للعُرْس، ويُشبِهُ (٤) أنْ يكونَ وصَل إليه من ذلك عِلمٌ وقد رُوِيَ عنه نحوُ هذا، وليس في ظاهرِ الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّها وليمةُ عُرس.

  22. وإجابةُ الدَّعوةِ عندي واجبةٌ إذا كان طعامُ الدَّاعي مُباحًا أكْلُه، ولم يكنْ هناك شيءٌ من المعاصي وجوبَ سُنّةٍ؛ لا ينبغي لأحدٍ تركُها في وليمةِ العُرسِ وغيرِها، وإتيانُ طعام وليمةِ العُرسِ عندي أوكَدُ؛ لقولِ أبي هريرة: ومَن لم يأتِ الدَّعوةَ

    ج ١ ص ٥٠٣فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه (١) . على أنَّه يَحتملُ، واللَّهُ أعلم: مَن لم يرَ إتيانَ الدَّعوةِ فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه. وهذا أحسنُ وجهٍ حُمِل عليه هذا الحديثُ إن شاء اللَّه.

  23. وقد اختَلَف العلماءُ فيما تجبُ الإجابةُ إليه من الدَّعوات؛ فذهَب مالكٌ والثَّوريُّ إلى أنَّ إجابةَ الوليمةِ واجبٌ دونَ غيرِها، وخالَفهم في ذلك غيرُهم، وسنذكُرُ اختلافَهم في ذلك في بابِ ابنِ شهاب (٢) ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عندَ قولِه: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ؛ يُدعَى لها الأغنياءُ، ويُتركُ المساكينُ، ومن لم يأتِ الدَّعوةَ فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه" ، إن شاء اللَّه.

  24. والصَّحيحُ عندَنا ما ذكَرنا، أنَّ إجابةَ الدَّعوةِ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ مندوبٌ إليها؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو أُهدِيَ إليَّ كُراعٌ لقَبِلتُ، ولو دُعِيتُ إلى ذراع لأجَبتُ" ؛ رواه شُعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) .

    ج ١ ص ٥٠٤وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم" ؛ رواه أيوبُ السَّختيانيُّ، وموسى بنُ عُقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .

  25. وروَى عُبيدُ اللَّه بنُ عمر (٢) ، ومالكُ بنُ أنس (٣) ، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى وليمة فليأتِها" . زادَ عُبيدُ اللَّه في حديثِه: "فإن كان مُفطِرًا فلْيَطعَمْ، وإن كان صائمًا فليَدْعُ" . قال: وكان ابنُ عمرَ إذا دُعِيَ أجابَ؛ فإن كان صائمًا برَّك، وإن كان مُفطرًا أكَل.

  26. فإن قيل: ليس في حديثِ أيوبَ وموسى بنِ عُقبةَ حُجَّةٌ؛ لأنَّ لفظَ حديثِهما مُجمَل، وقد فُسِّر بحديثِ مالكٍ وعبيدِ اللَّه، فكأنَّه قال: أجِيبوا الدَّعوةَ إلى الوليمةِ إذا دُعيتُم. قيل له: قد رواه معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمر، فقال فيه: "عُرسًا كان أو غيرَه" .

  27. ذكَره عبدُ الرَّزّاق (١) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا دعا أحدُكم أخاه فليُجِبْه، عُرسًا كان أو غيرَه" .

    ج ١ ص ٥٠٥
  28. وذكَره أبو داود (٢) ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ بإسنادِه مثلَه، وقال: "عُرْسًا كان أو دعوةً" .

    قال أبو داود (٣) : وكذلك رواه الزُّبيديُّ (٤) ، عن نافع، مثلَ حديثِ معمر، عن أيوبَ، ومعناه سواءً. وهذا قاطعٌ لموضع الخلاف.

  29. وروَى الأعمشُ، عن شَقيق، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعود، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أجيبوا الدَّاعي، ولا ترُدُّوا الهَديّةَ، ولا تَضْرِبوا (٥) المسلمين" (٦) .

  30. وقد ذهَب أهلُ الظَّاهرِ إلى إيجابِ إتيانِ كلِّ دعوةٍ وُجوبَ فرضٍ بظاهرِ هذه الأحاديث (٧) ، وحمَلها سائرُ أهلِ العلم على النَّدبِ للتّآلُفِ والتَّحابّ.

  31. وقد احتجَّ بعضُ مَن لا يرَى إتيانَ الدَّعوةِ إذا لم تكنْ عُرسًا، بقولِ عُثمانَ بنِ أبي العاص: ما كُنّا نُدْعَى إلى الختانِ ولا نأتِيه (٨) . وهذا لا حُجَّةَ فيه.

    ج ١ ص ٥٠٦وقال بعضُهم: إنّما يجبُ إتيانُ طعام القادم من سَفَر، وطعام الختان، وطعام الوليمة. والحجَّةُ قائمةٌ بما قدَّمنا من الآثارِ الصِّحاح التي نقَلها الأئمةُ مُتَّصلةً إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي على عُمومِها لا تَخُصُّ دعوةً من دعوة.

  32. أخبَرني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الفضلِ البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي (٢) المثنَّى، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عون، قال: حدَّثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ أبو إسحاق، عن أشعثَ بنِ أبي الشعثاء، عن معاويةَ بنِ سُويدِ بنِ مقرِّن، عن البراءِ بنِ عازب، قال: أمَرنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بسبع، ونهانا عن سبع، أمَرنا بعيادةِ المريض، واتِّباع الجنائز، وإفشاءِ السلام، وإجابةِ الدَّاعي، وتَشمِيتِ العاطِس، ونَصرِ المظلوم، وإبرارِ القَسَم، ونهانا عن الشُّرْب في الفضَّة؛ فإنّه مَن شرِب فيها في الدُّنيا لم يشرَبْ فيها في الآخرة، وعن التختُّم بالذَّهب، وعن رُكوبِ المياثر (٣) ، وعن لِباسِ القَسِّيِّ (٤) ، والحرير، والدِّيباج، والإستَبْرَق (٥) .

    ج ١ ص ٥٠٧قال البراءُ: أمَرنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بسَبع. فذكَر منها إجابةَ الدَّاعي، وذكَر معها أشياءَ؛ منها ما هو فرضٌ على الكِفاية، ومنها ما هو واجبٌ وُجوبَ سُنّة، فكذلك إجابةُ الدَّعوة، واللَّهَ نسألُه العِصمة.

  33. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمر (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) قال: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام فليُجِبْ؛ فإن كان مُفطِرًا فليأكُلْ، وإن كان صائمًا فليُصَلِّ" . يقول: فلْيَدْعُ (٣) .

    قال أبو عُمر: قد جاءَ في هذا الحديثِ مع صِحَّةِ إسنادِه: "إلى طعام" . لم يَخُصَّ طعامًا من طعام.

  34. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنُ نمير، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:

    ج ١ ص ٥٠٨"إذا دُعِيَ أحدُكم فليُجِبْ؛ فإن شاء أكَل، وإن شاء ترَك" (١) . وهذا أيضًا على عمومِه.

  35. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن أيوب، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم" (٣) .

  36. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤) ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد، عن موسى بنِ عُقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم لها" (٥) .

  37. وهذا أيضًا على عُمومِه سُنَّةٌ مسنونةٌ، وباللَّه التوفيق.

    ج ١ ص ٥٠٩قال أبو عمر (١) : زادَ القَعنبيُّ (٢) وابنُ بُكير (٣) في حديثِ مالكٍ هذا، عن

    إسحاق، عن أنس، ذِكرَ القَديد، فقالا: لطعام (٤) فيه دُبّاءٌ وقديدٌ. وتابَعهما على ذلك قومٌ؛ منهم أبو نُعيم، إلّا أنّه اختصَر ألفاظًا من هذا الحديث.

  38. أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٥) : حدَّثنا أبو نعيم الفضلُ بنُ دكين، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: رأيتُ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُتِي بمَرَقٍ فيه دُبّاءٌ وقديدٌ، فرأيتُه يَتَّبَّعُ الدُّبّاءَ يأكُلُه.

  39. وفي هذا الحديث أيضًا إباحةُ إجَالةِ اليَدِ في الصَّحْفة، وهذا عندَ أهلِ العلم على وجهين:

    أحدُهما: أنَّ ذلك لا يحسُنُ ولا يجمُلُ إلّا بالرَّئيسِ ورَبِّ البيتِ.

  40. والآخر: أنَّ المَرَقَ والإدامَ وسائرَ الطَّعام إذا كان فيه نوعانِ أو أنواعٌ فلا بأسَ أن تَجُولَ اليدُ فيه؛ للتَّخيُّرِ مما وُضِع في المائدةِ والصَّحْفَةِ من صُنوفِ الطّعام، لأنّه لذلك قدِمَ، ليأكُلَ كلَّ ما أراد. وهذا كلُّه مأخوذٌ من هذا الحديث.