إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري
٤٦٥ فقرة، ج ١ ص ٤٠٠
الصفحة ٨ من ١٢
- ج ١ ص ٥٢٥
وروَى قتادةُ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعضَ هذا الحديث (٣) .
-
وذكَر ابنُ أبي شيبة (٤) ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ ووكيعٌ (٥) ، عن الأعمش،
ج ١ ص ٥٢٦عن أبي ظَبْيان، عن عَلْقمة، قال: قال عبدُ اللَّه: الرُّؤيا ثلاثةٌ؛ حضورُ الشَّيطان، والرُّجلُ يُحدِّثُ نفسَه بالنهارِ فيَراه باللَّيل، والرُّؤيا التي هي الرُّؤيا.
-
وأولَى ما اعتُمِد عليه في عبارةِ الرُّؤيا والأدبِ فيها لِمَن رآها أو قُصَّتْ عليه، ما حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المفسِّر (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعِين، قال (٢) : حدَّثنا يحيى بنُ صالح، عن سُليمانَ بنِ بلال، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا رأى أحدُكم الرُّؤيا تُعجِبُه فليَذْكُرْها وليُفَسِّرْها، وإذا رأى أحدُكم الرُّؤيا تَسُوؤه، فلا يَذكُرْها، ولا يُفَسِّرْها" .
-
وقيل لمالك رحمه اللَّه: أَيُعبِّرُ الرُّؤيا كلُّ أحد؟ فقال: أبالنُّبوَّة يُلعَب؟ وقال مالك: لا يُعبِّرُ الرُّؤيا إلّا مَن يُحسِنُها؛ فإن رأى خيرًا أخبَر به، وإن رأى مكروهًا فليقلْ خيرًا أو ليَصمُتْ. قيل: فهل يُعبِّرُها على الخيرِ وهي عندَه على المكروه؛ لقولِ من قال: إنّها على ما أوِّلت عليه؟ فقال: لا. ثم قال: الرُّؤيا جزءٌ من النُّبوَّة، فلا يُتلاعبُ بالنُّبوَّة (٣) .
- ج ١ ص ٥٢٧
حديثٌ تاسعٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحة، أنَّه سمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: قال أبو طلحةَ لأمِّ سُلَيم: لقد سَمِعتُ صوتَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ضعيفًا أعْرِفُ فيه الجُوعَ، فهل عندكِ من شيء؟ فقالت: نعم. قال: فأخرَجَتْ أقراصًا من شعير، ثم أخذَتْ خِمارًا لها، ثم لفَّتِ الخبزَ ببعضِه، ثم دسَّتْه تحتَ يَدِي وردَّتْني ببعضِه، ثم أرسلَتْني إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال: فذهَبْتُ به، فوجدْتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جالسًا في المسجدِ ومعه الناسُ، فقمتُ عليهم، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أرسلَك أبو طلحة؟ " . فقلت: نعم. فقال: "بطعام؟ " . قال: قلت: نعم. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمن معه: "قوموا" . فانطَلَقوا، وانطلقْتُ بين أيديهم، حتى جئْتُ أبا طلحة، فأخبَرْتُه، فقال أبو طلحة: يا أُمَّ سُليم، قد جاءَ رسولُ اللَّه والناسُ، وليس عندنا من الطعام ما نُطْعِمُهم، فقالت: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: فانطلَق أبو طلحةَ حتى لَقِي رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأقبَل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو طلحةَ معه حتى دخَلا، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هلمِّي يا أُمَّ سُليم ما عندكِ" . فأتتْ بذلك الخبز، فأمَر به ففُتَّ، وعصرَتْ عليه أُمُّ سُليم عُكَّةً (٢) لها فآدَمَتْه، ثم قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما شاءَ اللَّهُ أن يقول، ثم قال: "ائذَنْ لعشَرةٍ" . فأذِنَ لهم، فأكَلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، ثم قال: "ائذَنْ لعشَرةٍ" . فأذِنَ لهم، فأكَلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، ثم قال: "ائذَنْ لعشَرةٍ" . فأذِنَ (٣) لهم، فأكَلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، ثم قال: "ائذَنْ لعشَرةٍ" . فأذِنَ لهم، فأكَلوا حتى شبِعوا، ثم خرَجوا، فقال: "ائذَنْ لعشَرةٍ" . حتى أكَل (٤) القومُ كلُّهم وشبِعوا، والقومُ سبعونَ أو ثمانون رجلًا.
ج ١ ص ٥٢٨قال أبو عمر (١) : هذا من أثبَتِ ما يُروَى من الحديثِ وأحسنِه اتِّصالًا (٢) ، وكذلك سائرُ حديثِ إسحاقَ عن أنس.
قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ أصحابِنا بهذا الحديثِ في جوازِ شهادةِ الأعمَى على الصوت، وقال: لم يَمنَعْ أبا طلحةَ ضعفُ صوتِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن تمييزِه؛ لعلمِه به، فكذلك الأعمَى إذا عرَف الصوت.
-
وعارَضه بعضُ مَن لا يرَى شهادةَ الأعمَى جائزةً على الكلام، بأنَّ أبا طلحةَ قد تغيَّر عندَه صوتُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مع عِلْمِه بصوتِه، ولولا رُؤيتُه له لاشتبَهَ عليه في حينِ سماعِه منه وما عرَفَه. والتَّشغيبُ في هذه المسألةِ طويلٌ.
-
وفي هذا الحديث: ما كان عليه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابُه من ضِيْقِ الحال، وشَظَفِ العيش، وأنّه كان -صلى اللَّه عليه وسلم- يجوعُ حتى يَبلُغَ به الجوعُ والجَهْدُ إلى ضعفِ الصوت، وهو غيرُ صائم.
-
وفيه أنَّ الطعامَ الذي لمثلِه يُدعَى الضَّيفُ، ولا يُدعَى إلّا لأرفع ما يُقدَرُ عليه، كان عندَهم الشعيرَ، وقد كان أكثرَ طعامِهم التمرُ في أوِّلِ الإسلام، وكان يمرُّ بهم الشهرُ والشهرانِ ما تُوقَدُ في بيتِ أحدِهم نارٌ، وذلك محفوظٌ معناه من حديثِ عائشةَ (٣) وغيرِها.
-
وفيه قَبولُ مُواساةِ الصديقِ وأكلُ طعامِه، وأنَّ ذلك ليسَ بصدقةٍ، وإنّما كان صلةً وهديّةً، ولو كان صَدَقةً ما أكَله رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
- ج ١ ص ٥٢٩
وفيه أنَّ الرجلَ إذا دُعيَ إلى طعام جاز لجلسائِه أن يأتُوا معه إذا دعاهُم الرجل، وإنْ لم يَدْعُهم صاحبُ الطعام، وذلك عندي محمولٌ على أنَّهم علِموا أنَّ صاحِبَ الطعام تَطيبُ لهم نفسُه بذلك. ووجهٌ آخرُ، أن يكونَ الطعامُ يكفِيهم، وقد قال مالكٌ: لا ينبغي لمَن دُعيَ إلى طعام أنْ يَحمِلَ مع نفسِه غيرَه، إذ لا يدري هل يُسرُّ بذلك صاحبُ الطعام أم لا؟ قال مالك: إلّا أنْ يقالَ له: ادعُ مَن لقِيتَ.
-
وفيه اكتراثُ المؤمنِ عندَ ضيقِ الحال، إذا نزَل به ضيفٌ وليس معه ما يكفِيه من الطَّعام.
-
وفيه فَضلُ فطنةِ أمِّ سُليم؛ لحُسنِ جوابِها زوجَها حينَ شكا إليها كثرةَ مَنْ حلَّ به مع قلَّةِ طعامِه، فقالت له: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ؛ أي: لم يأتِ بهم إلّا وسيُطعمُهم.
-
وفيه الخروجُ إلى الطريقِ لمن قصَدَ، إذا كان أهلًا لذلك؛ لأنَّه من البرِّ.
-
وفيه أنَّ صاحبَ الدارِ لا يَستَأذِنُ في دارِه، وأنَّ من دخَل معه يَستغني عن الإذن.
-
وفيه أنَّ الصَّديقَ المُلاطفَ يأمُرُ في دارِ صديقِه بما يُحبُّ، ويُظهرُ دالَّتَه في الأمرِ والنَّهيِ والتَّحكُّم؛ لأنَّه اشترَط عليهم أن يُفَتَّ الخُبزُ، وهو فعلٌ يَرضَاه أهلُ الكَرَم من الضيف، ولقد أحسَن القائلُ (١) :
يَستَأنِسُ الضَّيفُ في أبياتِنا أبدًا ... فليس يعرِفُ خَلْقٌ أيُّنا الضَّيفُ
ج ١ ص ٥٣٠وفيه أنَّ الإنسانَ لا يُدخَلُ عليه بيتُه إلّا معه أو بإذنِه، ألا ترَى إلى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ائذَنْ لعشَرةٍ" ؟ وقد استحبَّ بعض (١) أهلُ العلم ألّا يكونَ على الخِوانِ الذي عليه الطعامُ أكثرُ من عشَرةٍ.
-
وفيه أنَّ الثَّريدَ أعظمُ بركَةً من غيرِه مِن الطعام، ولذلك اشترَط به رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واللَّهُ أعلم.
-
وفيه أنَّ لصاحبِ الطعام أنْ يُقدِّمَ إلى طعامِه ممن حضَره مَن شاء، من غيرِ قُرْعَة، وإن كان قد دَعاهم جميعًا، إذا علِم أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَصِلُ من الطَّعام إلى ما يَكفِيه في ذلك الوقت.
-
وفيه إباحَةُ الشِّبَع للصالحين، وقد رُوِيَ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان آخِرَهم أكْلًا، وذلك من مكارم الأخلاق، وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: "ساقي القوم آخِرُهم شُرْبًا" (٢) .
-
وفيه العَلَمُ الساطعُ النَّيِّرُ، والبرهانُ الواضحُ، من أعلام نُبوَّتِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد رُوِيَ هذا المعنى وشِبْهُه من وجوهٍ كثيرة.
-
منها: ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ
ج ١ ص ٥٣١محمدٍ المحاربيُّ، عن عبدِ الواحدِ بنِ أيمن (١) ، عن أبيه، قال: قلتُ لجابرِ بنِ عبدِ اللَّه: حدِّثْنا بحديثٍ سمِعْتَه من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْوِيه عنك. قال: فقال جابر: كنّا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الخندقِ نَحْفِرُه، فلَبِثْنا ثلاثةَ أيّام لا نَطعَمُ طعامًا، ولا نَقْدِرُ عليه، فعَرضَتْ في الخندقِ كُدْيَةٌ (٢) ، فجئتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، هذه كُدْيَةٌ قد عرَضَتْ في الخندق. فرَشَشْنا عليها الماءَ. فقام رسولُ اللَّه وبَطنُه مَعْصوبٌ بحَجَر، فأخَذ المِعْوَلَ أو المِسْحاة، ثم سمَّى ثلاثًا، ثم ضرَب، فعادَتْ كَثيبًا أَهْيَلَ (٣) ، فلمّا رأيتُ ذلك من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قلتُ: يا رسولَ اللَّه، ائذَنْ لي. فأذِنَ لي، فجِئْتُ امرأتي، فقلتُ: ثكِلتْكِ أُمُّكِ، إنِّي قد رأيْتُ من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا لا صبرَ لي (٤) عليه، فما عندكِ؟ قالت: عندي صاعٌ من شعيرٍ وعَناقٌ (٥) . قال: فطحَنّا الشَّعيرَ، وذبَحْنا العَناقَ وأصلَحْناها، وجعَلْناها في البُرْمَة (٦) ، وعجَنتِ الشعيرَ، فرجَعْتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلبِثْتُ ساعةً، ثم اسْتأذنْتُ الثانية، فأذِنَ لي، فجِئْتُ فإذا العَجِينُ قد أمكَن، فأمَرْتُها بالخبز، وجعَلَتِ القِدْرَ على الأثافيّ (٧) ، ثم
ج ١ ص ٥٣٢جئتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسارَرْتُه فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ عندَنا طُعَيِّمًا (١) لنا، فإنْ رأيتَ أن تقومَ معي أنت ورجلٌ أو رجلانِ معك فعلْتَ؟ فقال: "ما هو؟ وكم هو؟ " . فقلتُ: صاعٌ من شعيرٍ وعَناقٌ. قال: "ارجِعْ إلي أهْلِك، فقلْ لها: لا تَنزع القِدْرَ من الأثافيّ، ولا تُخرِج الخُبزَ من التَّنُّورِ حتى آتِي" . ثم قال للناس: "قوموا إلى بيتِ جابر" . فاستَحْيَيْتُ حياءً لا يَعلَمُه إلّا اللَّه. فقلتُ لامرأتي: ثكِلَتْكِ أُمُّكِ، قد جاء رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأصحابِه أجمعين. فقالت: أكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سألَكَ كم الطَّعام؟؛ قلتُ: نعم. فقالت: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قد أخبَرتَه بما كان عندَنا. قال: فذهَب عنِّي بعضُ ما أجِدُ، وقلتُ: لقد صَدَقْتِ.
قال: فجاء رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فدخَل، وقال لأصحابه: "لا تَضاغَطوا" . قال: ثم برَّك على التَّنُّورِ وعلى البُرْمَة، فجعَلْنا نأخُذُ من التَّنُّورِ الخبزَ، ونأخُذُ اللحمَ من البُرْمَة، فنَثْرُدُ ونَغْرِفُ ونُقَرِّبُ إليهم، وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لِيَجلِسْ على الصَّحْفةِ سبعةٌ أو ثمانيةٌ" . فلمّا أكَلوا، كشَفنا التَّنُّورَ والبُرْمَة، فإذا هُما قد عادا إلى أملأِ ما كانا، فنَثْرُدُ ونَغْرِفُ ونُقَرِّبُ إليهم، فلم يَزَل ذلك، كلَّما فتَحْنا عن التَّنُّورِ وكشَفْنا عن البُرْمَة، وجَدْناهما أملأ ما كانا، حتى شَبِع المسلمون كلُّهم، وبقيَ طائفةٌ من الطعام، فقال لنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ الناسَ قد أصابَتْهم مَخْمَصَةٌ، فكُلوا وأطْعِموا" . قال: فلم نَزَلْ يومَنا نَأكُلُ ونُطْعِمُ. قال: وأخبرني جابرٌ أنَّهم كانوا ثمانَ مئةٍ، أو ثلاثَ مئةٍ. شَكَّ أيمنُ.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم الحافظُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ ناصحٍ (٢) المفسِّرُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعين، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ عبدِ الأعلى، عن سعيدٍ الجُرَيْريِّ، عن أبي الورد، عن
ج ١ ص ٥٣٣أبي محمدٍ الحَضْرَميِّ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: صنَعْتُ لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولأبي بكرٍ طعامًا قَدْرَ ما يَكْفيهما، وأتَيْتُهما به، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اذهَبْ فادْعُ لي ثلاثين من أشرافِ الأنصار" . قال: فشَقَّ ذلك عليَّ، وقلتُ: ما عندي شيءٌ أزِيدُه. قال: فكأنِّي تغافَلْتُ، ثم قال: "اذْهَبْ فادْعُ لي ثلاثينَ من أشرافِ الأنصار" . قال: فدَعَوْتُهم فجاؤوا، فقال: "اطعَموا" . فأكَلوا حتّى (١) صَدُّوا (٢) ، ثم شهِدوا أنّه رسولُ اللَّه، ثم بايَعُوه قبلَ أن يَخرُجوا، ثم قال: "اذهَبْ فادعُ لي بستينَ من الأنصار" . قال أبو أيوب: فواللَّه لأنا بالسِّتِّينَ أجوَدُ منِّي بالثلاثين. قال: فدَعوتُهم، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كُلوا" . فأكَلوا حتى صَدُّوا، وشهِدوا أنه رسولُ اللَّه، وبايعوه قبلَ أن يخرُجوا، ثم قال: "اذهبْ فادْعُ لي بتسعينَ من الأنصار" . قال: فلأنا أجودُ بالتسعينَ والستين مني بالثلاثين. قال: فدعوتُهم فأكَلوا حتى صَدّوا، وشهِدوا أنه رسولُ اللَّه، وبايعوه قبلَ أن يخرُجوا. قال: فأكَل من طعامي ذلك مئةٌ وثمانونَ رجلًا (٣) (٤) .
- ج ١ ص ٥٣٤
حديثٌ عاشرٌ لإسحاق، عن أنسٍ
مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّهُ قال: كنا نُصلِّي العصرَ، ثم يَخرُجُ الإنسانُ إلى بَني عَمرِو بنِ عَوْف، فيَجِدُهم يُصَلُّونَ العصرَ.
قال أبو عمر (٢) : هذا يدخلُ في المسند، وهو الأغلبُ من أمرِه، وكذلك رواه جماعةُ الرواةِ لـ "الموطَأ" عن مالك (٣) . وقد رواه عبدُ اللَّه بنُ المُبارَك، عن مالك، عن إسحاقَ، عن أنسٍ، قال: كنا نُصلِّي العصرَ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذكرَه مُسندًا (٤) .
-
وكذلك رواه عَتيقُ بنُ يَعقوبَ الزُّبيريُّ عن مالكٍ كروايةِ ابنِ المُبارَك.
-
ومعنى هذا الحديثِ السَّعةُ في وقتِ العَصْر، وأنَّ الناسَ في ذلك الوقت، وهم أصحابُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لم تكنْ صلاتُهم في فَورٍ واحدٍ؛ لعِلمِهم بما أُبيحَ لهم من سَعةِ الوَقْت. والآثارُ كلُّها، أو أكثرُها، على أنَّ وقتَ العصرِ ممدودٌ منذُ يزيدُ الظِّلُّ على قامةٍ من الحدِّ الذي زالتْ عليه الشمسُ، ما كانتِ الشمسُ بيضاءَ نقيّة،
ج ١ ص ٥٣٥ويُروى: ما دامتِ الشمسُ حيّة (١) ، وحياتُها حرارتُها، وما لم تَدخُلْها صُفرةٌ (٢) . فإذا اصْفَرَّتِ الشمسُ ودنتْ للغروب، خرَج الوقتُ المحمودُ المُستحَبُّ المُختارُ، ولَحِقَ مُؤخِّرَها من غيرِ عُذْرٍ إلى ذلك الوقتِ الذمُّ؛ لحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أنس، عن النبيِّ عليه السلامُ: "تلك صلاةُ المُنافقين، يُمهِلُ أحدُهم حتى إذا اصفَرَّتِ الشمسُ، قام فنقَرها أربعًا لا يذكرُ اللَّهَ فيها إلَّا قليلًا" (٣) ، يَعيبُهم بذلك -صلى اللَّه عليه وسلم-. ومع هذا، فإنا لا نُبعِدُ أنْ يكونَ مَن أدْركَ منها ركعةً قبلَ غُروبِ الشمس، أنْ يكونَ مُدرِكًا لوقتِها، لحديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك. وحديثُ أبي هريرةَ أصَحُّ إسْنادًا، وأقوى عندَ أهلِ العلم بالحديث، من حديثِ العلاء، وحديثُ العلاءِ لا بأسَ به.
-
وقد ذكَرْنا أقاويلَ الفقهاءِ في آخرِ وقتِ العصر، في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ، عندَ قولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أدركَ رَكْعةً من العصرِ قبلَ أنْ تَغرُبَ الشمسُ، فقد أدْرَكَ العصرَ" (٤) . وذكَرنا مذاهبَ العلماءِ في تأويلِ هذا الحديثِ هناك، والحمدُ للَّه،
ج ١ ص ٥٣٦وذكَرنا كثيرًا مِن آثارِ هذا البابِ في بابِ ابنِ شهاب، عن أنس (١) ، وكلُّها تَدُلُّ على السَّعةِ في الوقت، ما دامتِ الشمسُ لم تَصفَرَّ.
-
وأخبرنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمد، قال: أخبرنا خالدُ بنُ سَعْد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزُوق، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ وَرْدانَ، قال: دخَلنا على أنَّسِ بنِ مالكٍ في رَهْطٍ من أهلِ (٣) المدينة، فقال: صلَّيتُم العصرَ؟ قلنا: نعم. قالوا: يا أبا حمزة، متى كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي هذه الصلاةَ؟ قال: والشمسُ بيضاءُ نقيّةٌ (٤) .
-
أخبرنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنِ أبي شيبة، قال (٥) : حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصور، عن رِبْعيِّ بنِ حِرَاش، عن أبي الأبيض، عن أنسٍ،
ج ١ ص ٥٣٧قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيّةٌ مُحَلِّقَةٌ، ثم أَتِي عَشيرَتي في جانبِ المدينةِ لم يُصلُّوا، فأقولُ لهم: ما يُجلسُكم؟ صلُّوا، فقد صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يَزيدَ المُعَلِّم، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ عِيَاض، عن مَنصور، عن رِبْعِيِّ بنِ حِراش، عن أبي الأبيض، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي العصرَ والشمسُ مُرتفعةٌ بيضاءُ مُحَلِّقةٌ، فآتي عشيرتي، فأجدُهم جُلُوسًا، فأقول: قوموا فصَلُّوا، فقد صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .
-
وذكَرَ أبو بكر بنُ أبي شيبة (٣) ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن يزيدَ بنِ مَرْدانْبَةَ، عن ثابتِ بنِ عُبيد، قال: سألتُ أنسًا عن وقتِ العَصر، فقال: وقتُها أنْ تَسيرَ ستّةَ أميالٍ إلى أنْ تَغرُبَ الشَّمْسُ.
قال (٤) : وحدَّثنا ابنُ عُلَيّة، عن ابنِ جُريْج، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنّه كان يُصلِّي العَصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيّةٌ، يُعَجِّلُها مرَّةً، ويُؤَخِّرُها أُخرى.
- ج ١ ص ٥٣٨
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن العَنْبريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي الوزير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يَزيدَ اليماميُّ (٢) ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ عليِّ بنِ شيبانَ، عن أبيه، عن جدِّه عليِّ بنِ شيبانَ، قال: قَدِمْنا على رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينةَ، فكان يُؤَخِّرُ العصرَ ما دامتِ الشمسُ بَيضاءَ نَقِيّةً.
قال أبو عُمر: أهلُ العراقِ أشدُّ تأخيرًا للعصرِ من أهلِ الحجاز، والآثارُ الواردةُ عنهم بذلك تُبيِّنُ ما قلنا، وعلى ذلك فُقهاؤُهم، حتى قال أبو قِلابة: إنّما سُمِّيَتِ العصرَ لتُعتَصر (٣) .
-
أخبرنا يوسُفُ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ سليمانَ المَرْوزِيُّ، قال:
ج ١ ص ٥٣٩حدَّثنا خَلَفُ بنُ هِشام البَزّارُ، قال: حدَّثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، أنّه كان يُؤَخِّرُ العصرَ (١) .
قال أبو عُمر: هذا فَقيهُ أهلِ الكوفة، ويَزعُمونَ أنه أعلمُ تابعيهم بالصلاة، قد ثَبَتَ عنه ما تَرى، وما أعلمُ أحدًا من سلَفِهم جاء عنه في تعجيلِ العصرِ أكثرَ مما ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبة (٢) ، عن جرير، عن منصور، عن خَيثَمَة، قال: تُصلَّى العصرُ والشمسُ بَيضاءُ حيّةٌ، وحياتُها أنْ تَجدَ حَرَّها.
قال أبو عُمر: هذا كمذهبِ أهلِ المدينة، والأصلُ في هذا البابِ ما قدَّمْنا من سَعَةِ الوقت، على حسَبِ ما ذكرْنا، وسنذكُرُ المواقيتَ ونَستوعِبُ القولَ فيها بالآثارِ واختلافِ العُلماءِ، عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ شهاب، عن عُروةَ إنْ شاءَ اللَّه (٣) .
- ج ١ ص ٥٤٠
إسحاقُ، عن رافع بن إسحاق، حديثانِ: حديثٌ حاديَ عشَرَ لإسحاقَ
مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، أن رافعَ بنَ إسحاقَ مولى الشِّفَاء أخبَره، قال: دخَلتُ أنا وعبدُ اللَّه بنُ أبي طلحةَ على أبي سعيدٍ الخدريِّ نَعودُه، فقال لنا أبو سعيدٍ: أخبَرنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ الملائكةَ لا تدخُلُ بيتًا فيه تماثيلُ أو تصاويرُ. يشُكُّ إسحاقُ، لا يدري أَيَّتهما قال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ (٢) .
قال أبو عُمر: هذا أصحُّ حديثٍ في هذا البابِ، وأحسنُه إسنادًا. وقال فيه زيدُ بنُ الحُبابِ: عن مالكٍ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ، عن رافع بنِ إسحاقَ بنِ طلحةَ. ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، عن زيدٍ (٣) .
-
وقد رُوِيَ من حديثِ عليٍّ (٤) ، وابنِ عباسٍ (٥) ، وأُسامةَ بنِ
ج ١ ص ٥٤١زيدٍ (١) ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تَدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه صُورةٌ" .
-
وقيل في الملائكة هاهُنا: ملائكةُ الوَحْي. وقيل: بل كُلُّ مَلَكٍ، على ظاهرِ اللفظِ. كما أنَّ لفظَ "بيتٍ" على لفظِ النَّكِرةِ يقتَضِي كلَّ بيتٍ، واللَّهُ أعلمُ.
-
وظاهرُ هذا الحديثِ يقتَضِي الحَظْرَ عن استعمالِ الصُّوَرِ على كلِّ حالٍ؛ في حائطٍ كانت أو في غيرِه.
-
ومثلُه حديثُ نافع، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، في النُّمرُقَةِ التي فيها تَصاويرُ (٢) .
-
وقد استَثْنَى في حديثِ سهلِ بنِ حُنَيفٍ: "إلَّا ما كان رَقْمًا في ثوبٍ" (٣) .
-
واختَلَف الناسُ في الصُّوَرِ المكروهَةِ؛ فقال قومٌ: إنَّما كُرِه من ذلك ما له ظلٌّ، وما لا ظلَّ له فليس به بأسٌ.
ج ١ ص ٥٤٢وقال آخَرون: ما قُطِع رأسُه فليس بصورةٍ.
وقال آخرون: تُكرَهُ الصورةُ في الحائطِ وعلى كلِّ حالٍ، كان لها ظِلٌّ أو لم يكنْ، إلَّا ما كان في ثَوْبٍ يُوطَأُ ويُمتهَنُ.
وقال آخَرون: هي مَكرُوهَة في الثِّيابِ وعلى كلِّ حالٍ. ولم يَستَثنُوا شيئًا، وروَتْ كلُّ طائفةٍ منهم بما قالَتْه أثَرًا اعتمَدَتْ عليه وعمِلَتْ به.
-
وأمَّا اختِلافُ فقهاءِ الأمصارِ أهلِ الفتوَى في هذا البابِ؛ فذكَر ابنُ القاسم (١) ، قال: قال مالكٌ: يُكْرَهُ التماثيلُ في الأسرَّةِ والقِبابِ، وأمَّا البُسُطُ والوسائدُ والثِّيابُ، فلا بأسَ به. وكَرِه أن يُصَلَّى إلى قبلةٍ فيها تماثيل.
وقال الثوريُّ (٢) : لا بأسَ بالصُّوَرِ في الوسائدِ؛ لأنَّها تُوطَأُ ويُجلَسُ عليها.
-
وكَرِه الحسنُ بنُ حَيٍّ (٣) أنْ يَدخُلَ بيتًا فيه تمثالٌ في كنِيسةٍ أو غيرِ ذلك، وكان لا يرى بأسًا بالصلاةِ في الكنيسةِ والبِيعَةِ.