إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري

٤٦٥ فقرة، ج ١ ص ٤٠٠

الصفحة ٧ من ١٢

  1. أَلَا ترَى أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جالَت يدُه في الصَّحفَةِ يتَّبَّعُ الدُّبّاء؟ فكذلك الرُّؤساء، ولمّا كان في الصَّحفَةِ نوعان، وهما اللَّحمُ والدُّبّاء، حَسُن بالآكلِ أن تَجُولَ يدُه فيما اشتهَى من ذلك، بدليلِ هذا الحديث، ولا يجوزُ ذلك على غيرِ هذين الوجهين؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرَ بنِ أبي سلَمة: "سمِّ اللَّهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ مما يلِيكَ" (١) . وإنّما أمَره أن يأكُلَ مما يليه؛ لأنَّ الطَّعامَ كان كلُّه نوعًا واحدًا، واللَّهُ أعلم. كذلك فسَّره أهلُ العلم.

    ج ١ ص ٥١٠
  2. وفيه أيضًا ما كان القومُ عليه من شَظَفِ العيشِ في أكلِ الشَّعيرِ وما أشبَهَه، وما كانوا عليه من المُواساةِ وإطعام الطعام مع ما كانوا فيه من هذه الحال، وقد رُوِيَ أنَّهم كانوا يُكثِّرون طعامَهم بالدُّبّاء.

  3. ذكر الحميديُّ (٢) ، عن سفيانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن حكيم بنِ جابرٍ الأحْمَسيِّ، عن أبيه، قال: دخَلتُ على النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرأيتُ عندَه الدُّبّاءَ فقلتُ: ما هذا؟ فقال: "نُكَثِّرُ به طعامَنا" .

  4. ومن صريح الإيمانِ حُبُّ ما كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُحبُّه، واتِّباعُ ما كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفعَلُه، -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ أَلَا ترَى إلى قولِ أنس: فلم أزَلْ أُحبُّ الدُّبّاءَ بعدَ ذلك اليوم.

  5. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم بنِ سهل، قال: حدَّثنا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّه القاضي بمصرَ، قال: حدَّثنا موسى بن هارونَ بنِ عبدِ اللَّه الحمّالُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبّاد، قال: حدَّثنا سفيانُ -يعني ابنَ عُيينة- عن مالك، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنس، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتَّبَّعُ الدُّبّاءَ في القَصْعَة، فلا أزالُ أُحبُّه (١) .

    ج ١ ص ٥١١
  6. ورواهُ جماعةٌ من أصحابِ ابنِ عُيينة، عنه، عن مالكٍ، بإسناده هذا (٢) .

  7. حديثٌ سابعٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ الأنصاريّ، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لهم في مِكْيالِهم وبارِكْ لهم في صاعِهم ومُدِّهم" ؛ يعني: أهلَ المدينة.

    ج ١ ص ٥١٢
  8. هذا من فصيح كلام رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وبلاغتِه، وفيه استعارةٌ بيِّنةٌ؛ لأنَّ الدُّعاءَ إنّما هو للبركَةِ في الطَّعام المَكِيلِ بالصَّاع والمُدِّ، لا في الظُّروف، واللَّهُ أعلم. وقد يَحتَمِلُ على ظاهرِ العُموم أن يكونَ في الطَّعام والظُّروف.

  9. وفي هذا الحديثِ دَليلٌ على أنَّ الكيلَ إذا اختلَفَ في البُلدانِ في الكَفّارات (٢) ، وجَبَ الرُّجوعُ فيه إلى أهلِ المدينة، وترجيحُ القائلِ بذلك قولُه؛ بدعاءِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لهم في مِكيالِهم وصاعِهم ومُدِّهم.

  10. وفيه دلالةٌ على صحَّةِ روايةِ مَن روَى عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه قال: "المِكيالُ مِكيالُ أهلِ المدينة، والوزنُ وَزْنُ مكة" (٣) .

  11. وفي هذا أيضًا ما يدُلُّ على أنَّ ما كان مَكِيلًا بالمدينة، مما ورَد فيه الخبرُ بتحريم التَّفاضُل، لا يجوزُ فيه إلّا الكَيلُ، وقياسُ ذلك أنَّ ما كان موزونًا عندَهم، فالتَّفاضلُ في بعضِه ببعضٍ مُحرَّمٌ، لا يجوزُ فيه إلّا الوَزنُ، واللَّهُ أعلم.

    ج ١ ص ٥١٣
  12. وفي هذا الحديثِ فضلٌ بيِّن للمدينة، وقد عارَضه بعضُ من يفضِّلُ مكةَ بما ذكَره البخاريُّ، قال (١) : حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيّ، قال: حدَّثنا أزهرُ بنُ سعدٍ السَّمانُ، عن ابنِ عَوْن، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في يمَنِنا" . قالوا: وفي نَجْدِنا يا رسولَ اللَّه. قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في يمَنِنا" . قالوا: يا رسولَ اللَّه، وفي نَجْدِنا. فأظنُّه قال في الثالثة: "هُنالِكَ الزَّلازلُ والفِتنُ، وبها يَطلُعُ قَرنُ الشيطان" .

    قال أبو عُمر: دُعاؤُه -صلى اللَّه عليه وسلم- للشَّام، يعني لأهْلِها، كتَوْقيتِه لأهلِ الشَّام الجُحْفَة، ولأهلِ اليمنِ يلَمْلمَ، عِلْمًا منه بأنَّ الشامَ سينتَقِلُ إليها الإسلامُ، وكذلك وقَّتَ لأهلِ نجدٍ قَرْنًا، يعني عِلْمًا منه بأنَّ العِراقَ ستكونُ كذلك، وهذا من أعلام نُبوَّتِه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  13. حديثٌ ثامنٌ لإسحاق عن أنسٍ، مُسندٌ

    مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الرُّؤيا الحَسَنةُ من الرجلِ الصالح جُزءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزءًا من النُّبوَّة" .

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ لا يُختلَفُ في صحَّتِه (٢) ، ورُوِيَ أيضًا من وُجوهٍ كثيرةٍ عن جماعةٍ من الصَّحابة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بألفاظٍ مختلفة، فمن ذلك: ما رواه شعبةُ، عن ثابت، عن أنس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما رواه مالكٌ (٣) .

    ج ١ ص ٥١٤
  14. وقد رُوِيَ عن أنس، عن عُبادةَ بنِ الصّامت، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ رواه شعبةُ، عن قتادةَ، عن أنس، عن عُبادةَ بنِ الصَّامت، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "رؤيا المؤمنِ جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جُزءًا من النُّبوَّة" (٤) .

  15. وكذلك رواه أبو هريرة، عن النبيِّ عليه السَّلام، من حديثِ سعيدِ بنِ المُسيِّب (٥) ، وأبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن (٦) ، وأبي صالح السَّمّان (٧) ، وعبدِ الرَّحمن

    ج ١ ص ٥١٥الأعرج (١) ، ومحمدِ بنِ سيرين (٢) ، عن أبي هريرة.

  16. وكذلك رواه عبدُ اللَّه بنُ عَمْرِو بنِ العاص، عن النبيِّ عليه السلام، من حديثِ ابنِ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن درّاج أبي السَّمْح، عن عبدِ الرَّحمن بن جُبَيْر، عن عبدِ اللَّه بنِ عَمْرِو بنِ العاص (٣) .

  17. وأخطأ فيه رِشْدِينُ بنُ سَعْد، فرواه عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن دَرّاج بإسنادِه، فقال فيه: "جزءٌ من تسعةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة" (٤) .

  18. ورواه أبو سعيدٍ الخُدريُّ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال فيه: "جزءٌ من خمسةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة" ، من حديثِ الليثِ بنِ سَعْد، عن يزيدَ بنِ الهاد، عن عبدِ اللَّه بنِ خَبّاب، عن أبي سعيدٍ الخدريّ (٥) .

  19. وكذلك رواه ابنُ جُريج، عن ابن أبي حسين، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الرُّؤيا الصَّالحةُ جزءٌ من خمسةٍ وأربعينَ جزءًا من النبوة" (١) .

    ج ١ ص ٥١٦
  20. وقد رُوِيَ من حديثِ عُبادة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "الرُّؤيا الصالحةُ جزءٌ من أربعةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" . بإسنادٍ فيه لينٌ (٢) .

  21. وقد حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي العَقب (٣) ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمزَ الأعرج، عن سَلْمان (٥) بنِ عَريب، قال:

    ج ١ ص ٥١٧سمِعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رُؤيا الرجلِ الصالح بُشْرَى من اللَّه، جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" . قال سَلْمان (١) : فحدَّثتُ به ابنَ عباس فقال: "من خمسين جزءًا من النبوة" . فقلتُ: إنِّي سمِعتُ أبا هريرةَ يقول: إنَّه سمِع رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" ، فقال ابنُ عباس: سمِعتُ العباسَ بنَ عبدِ المطلب قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الرُّؤيا الصالحةُ من المؤمنِ جزءٌ من خمسين جزءًا من النبوَّة" (٢) .

  22. وقد حدَّث هذا الحديثَ أبو سلَمةَ عمرَ بنَ عبدِ العزيز، فقال عمر: لو كانت جزءًا من عددِ الحصا لرأيتُها صِدقًا.

  23. وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "الرُّؤيا الصالحةُ جزءٌ من سبعين جزءًا من النُّبوَّة" ، من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. رواه عُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ، وابنُ جُريج، وعبدُ العزيز بنُ أبي رَوّاد (٣) ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  24. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ عُمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الرُّؤْيا الصالحةُ جزءٌ من سبعين جزءًا من النُّبوَّة" .

    ج ١ ص ٥١٨
  25. وهذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، لا يُختلَفُ في صحِّتِه. وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُه.

  26. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا أسودُ بنُ عامر، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بنِ حَرب، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، قال: رُؤْيا المسلم جزءٌ من سبعين جزءًا من النُّبوَّة (٢) .

  27. وروَى عاصمُ بنُ كُلَيب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٣) .

    قال أبو عُمر: حديثُ أنسِ بنِ مالك، أخبرناه عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ محمدِ بنِ العَلاء، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ المثَنَّى بن دُجانَة، قال: حدَّثنا عَفّانُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختار، قال: حدَّثنا

    ج ١ ص ٥١٩ثابتٌ، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن رآني في المنام فقد رَآني؛ فإن الشَّيطانَ لا يَتمثَّلُ بي، ورُؤَيَا المؤمنِ جزءٌ من ستّةٍ وعشرينَ جُزْءًا من النُّبوَّة" (١) .

  28. هكذا (٢) في حديثِ أَنَسٍ هذا -وهو حسنُ الإسناد-: "جزءٌ من ستّةٍ وعشرين جزءًا" .

  29. ورواه أبو رَزِينٍ العُقَيليُّ، فقال فيه: "جزءٌ من أربعين جزءًا" ؛ حدَّثناه عبدُ اللَّه (٣) ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ المثَنَّي، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: أخبرنا يَعلَى بنُ عطاء، عن وكيع بنِ عُدُس (٤) ، عن عمِّه أبي رَزِينٍ العُقَيليِّ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الرُّؤيا جُزءٌ من أربعين جزءًا من النُّبوَّة، والرُّؤيا مُعلَّقةٌ برجلِ طائر، ما لم يُحدِّثْ بها صاحبُها، فإذا حدَّث بها وقَعت، فلا تُحدِّثوا بها إلّا عاقلًا، أو مُحِبًّا، أو ناصحًا" (٥) .

    ج ١ ص ٥٢٠قال أبو عُمر: اختلافُ آثارِ هذا الباب، في عدد أجزاءِ الرُّؤيا من النُّبوَّة، ليس ذلك عندي باختلاف تضادٍّ وتدافُع، واللَّه أعلم؛ لأنه يحتملُ أن تكونَ الرُّؤيا الصالحةُ من بعض مَنْ يراها، على ستّةٍ وأربعينَ جزءًا أو خمسةٍ وأربعينَ جزءًا، أو أربعةٍ وأربعينَ جزءًا، أو خمسينَ جزءًا، أو سبعينَ جزءًا، على حسَبِ ما يكونُ الذي يراها، من صِدْقِ الحديث، وأداءِ الأمانة، والدِّينِ المتين، وحُسنِ اليقين، فعلى قدْرِ اختلافِ الناسِ فيما وصفْنا، تكون الرُّؤيا منهم على الأجزاءِ المختلفةِ العَدَدِ، واللَّهُ أعلمُ، فمَن خَلصتْ له نيَّتُه في عبادةِ ربِّه ويقينِه وصِدْق حديثه، كانت رؤياهُ أصدقَ، وإلى النُّبوةِ أقربَ، كما أنّ الأنبياءَ يتفاضلونَ، والنُّبوَّةُ كذلك، واللَّهُ أعلمُ، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: ٥٥] .

  30. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنُ حكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسّانَ الأنْماطيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبد الرَّحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ، عن الحكم بنِ عُتَيبةَ، عن مِقْسَم، عن ابنِ عبّاسٍ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "كان منَ الأنبياءِ مَنْ يسمعُ الصّوتَ، فيكونُ به نبيًّا، وكان منهم مَنْ يرى في المنام، فيكونُ بذلك نبيًّا، وكان (١) منهم

    ج ١ ص ٥٢١مَن يُنفَثُ في أُذنِه وقلبِه فيكونُ بذلك نبيًّا، وإنَّ جبريلَ يأتيني فيكلِّمُني كما يُكلِّمُ أحدُكم صاحبَه " (١) .

    قال أبو عُمر: هذا على أنَّه يُكلِّمُه جبريلُ كثيرًا بالوحي في الأغلَب من أمرِه، وقد قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفَث في رُوعي أنّه لن تموتَ نفسٌ حتى تَستكمِلَ رزقَها، فاتَّقوا اللَّهَ وأجمِلُوا في الطَّلَب؛ خُذوا ما حلَّ، ودَعُوا ما حرُم" (٢) .

  31. وفي حديثِ عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قيلَ له: كيفَ يأتيكَ الوحيُ؟ قال: "يأتيني الوحيُ أحيانًا في مثلِ صلصلةِ الجَرَس (١) ، فيَفْصِمُ عنِّي وقد وعَيْتُ ما قال" (٢) .

    ج ١ ص ٥٢٢
  32. وقد كان يتراءَى له جبريلُ من السَّحاب، وكان أولَ ما ابتُدئ من النُّبوَّة أنّه كان يرى الرُّؤيا فتأتي كأنَّها فَلَقُ الصُّبح، وربما جاءه جبريلُ في صِفَةِ إنسانٍ حسَنِ الصُّورة، فيكلِّمُه، وربَّما اشتدَّ عليه حتى يغِطَّ غطِيطَ البَكْر (٣) ، ويئِنَّ ويَحمَرَّ وجهُه، إلى ضُروبٍ كثيرةٍ يطُولُ ذِكرُها.

  33. وقد يَحتمِلُ أن تكونَ الرُّؤيا جزءًا من النُّبوَّة، لأنَّ فيها ما يَعجِزُ ويَمتنِعُ، كالطير انِ وقلبِ الأعيان، ولها التَّأويلُ الحسَنُ، وربما أغنَى بعضُها عن التَّأويل.

  34. وجملةُ القولِ في هذا الباب أنَّ الرُّؤيا الصّادقةَ من اللَّه، وأنّها من النُّبوَّة، وأنَّ التصديقَ بها حقٌّ، وفيها من بديع حِكْمةِ اللَّه ولُطفِه ما يَزيدُ المؤمنَ في إيمانِه. ولا أعلمُ بينَ أهلِ الدِّينِ والحقِّ، من أهلِ الرَّأيِ والأثر، خلافًا فيما وصَفْتُ لك، ولا يُنكِرُ الرُّؤيا إلّا أهلُ الإلحاد، وشِرذِمةٌ من المعتزلة.

  35. وأمّا قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديث: "الرُّؤيا الصالحةُ من الرجلِ الصالح" . وربما جاء في الحديث: "الرُّؤيا الصالحةُ" . فقط، وربما جاء في الحديثِ أيضًا: "رُؤيا المسلم" . فقط (٤) ،

    ج ١ ص ٥٢٣و: "رُؤَيَا المؤمن" . فقط، وربما جاء: "يراها الرجلُ الصالحُ، أو تُرَى له" ؛ يعني من صالح وغيرِ صالح، وهي ألفاظُ المحدِّثين، واللَّهُ أعلمُ بها. والمعنى عندي في ذلك على نحوِ ما ظهَر إليَّ في الأجزاءِ المختلفةِ من النُّبوَّة، والرُّؤيا إذا لم تكنْ من الأضغاثِ والأهاويلِ (١) فهي الرُّؤيا الصَّادقة (٢) ، وقد تكونُ الرُّؤيا الصادقةُ من الكافر، ومن الفاسق؛ كرؤيا الملكِ التي فسَّرها يوسفُ -صلى اللَّه عليه وسلم- ورؤيا الفتيَين في السِّجن، ورُؤيا بُختِنصَّرَ التي فسَّرها دانيالُ في ذهابِ مُلكِه، ورُؤيا كِسْرَى في ظُهورِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورُؤيا عاتِكةَ عمَّةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أمرِ النبيِّ (٣) ، ومثلُ هذا كثيرٌ، وقد قسَم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الرُّؤيا أقسامًا تُغنِي عن قولِ كلِّ قائل.

  36. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ يزيدَ الحلَبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفَرِ بنِ يحيى بن رَزينٍ بحِمْصَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حمزة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ عَبيدة، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ مِشْكم،

    ج ١ ص ٥٢٤عن عوفِ بنِ مالك، عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الرُّؤيا ثلاثةٌ، منها أهاويلُ الآن، لِيُحْزِنَ ابنَ آدم، ومنها ما يَهُمُّ به في يَقظتِه، فيَراه في منامِه، ومنها جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة" . قال: قلتُ: سمِعتَ هذا (١) من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم، سَمِعتُه من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .

  37. وذكَره ابنُ أبي شيبة (٣) ، عن المُعَلَّى بنِ منصور، عن يحيى بنِ حمزة، عن يزيدَ بنِ عَبيدة، عن أبي عُبيدِ اللَّه، عن عوفِ بنِ مالك، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه.

  38. وهذا يُفسِّرُ قولَه في حديثِ إسحاق: "الرُّؤيا الحسنة" : أنَّها ما لم تكنْ من أهاويلِ الشيطان، ولا مما يَهُمُّ به الإنسانُ في يَقَظتِه، ويَشغَلُ بها نفسَه.

  39. ذكَر عبدُ الرَّزّاق (٤) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "في آخرِ الزَّمانِ لا تكادُ رُؤيا المؤمنِ تَكذِبُ، وأصدقُهم رُؤيا أصدَقُهم حديثًا، والرُّؤيا ثلاثة؛ الرُّؤيا الحسنةُ بُشرَى من اللَّه، والرُّؤيا يُحدِّثُ بها الرجلُ نفسَه، والرُّؤيا تَحزينٌ من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم

    ج ١ ص ٥٢٥رُؤيا يكرَهُها، فلا يُحدِّثْ بها أحدًا، ولتقُمْ فليُصَلِّ ". قال أبو هريرة: يُعجبُني القَيْدُ، وأكرَهُ الغُلَّ، القيدُ ثَباتٌ في الدِّين.

  40. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا مُضَرُ (١) بنُ محمدٍ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ بنِ زيادٍ المِصِّيصيُّ، قال: حدَّثنا مَخلَدُ بنُ حُسين، عن هشام بنِ حسان، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا اقترَبَ الزمانُ لم تكَدْ رُؤيا المؤمنِ تَكْذِبُ، وأصدَقُهم رُؤيا أصدَقُهم حديثًا، ورُؤيا المسلم جزءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزءًا من النُّبوَّة، والرُّؤيا ثلاثةٌ: فالرؤيا الحَسَنةُ من اللَّه، والرُّؤيا من تَحزينِ الشَّيطان، والرُّؤيا يُحدِّثُ بها الإنسانُ نفسَه، فإذا رأى أحدُكم ما يَكرَهُ فلا يُحدِّثْ به، وليَقُمْ فليُصلِّ". قال أبو هريرة: أُحِبُّ القَيْدَ في النَّوْم، وأكرَهُ الغُلَّ، والقَيدُ ثباتٌ في الدِّين (٢) .