ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب القرشي المخزومي

٣٧٩ فقرة، ج ٤ ص ٢٦٥

الصفحة ٧ من ١٠

  1. وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ الدِّينوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا أبي وشُعَيبُ بنُ اللَّيثِ، عن اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ، عن يَزيدَ بنِ الهادي، قال: قلتُ لنافِع: هل كان ابنُ عمرَ يأكُلُ الثُّومَ في اللحم؟ قال: نعم (٣) .

    ج ٤ ص ٣٨٨
  2. فهذا ابنُ عمرَ قد روَى الحديثَ في الثُّوم، وكان يأْكُلُه، فدَلَّ على أنّه قد علِم المُرادَ، وعرَف المَقْصِدَ.

  3. أخبرنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي الموتِ، قال: حدَّثنا أبو صالح، حدَّثنا أبو يوسفَ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحجَّاج، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن أبي عُبيدٍ (٤) ، عن نُعَيم بنِ سَلامةَ، قال: دخَلتُ على عمرَ بنِ عبدِ العزيز، فوجَدْتُه يأكلُ ثُومًا مسلُوقًا بماءٍ وملح وزَيت (٥) .

  4. ولو ذكرنا الآثارَ عن العُلماء في ذلك لطوَّلنا وأملَلنا، والأمرُ الواضِحُ لا وجهَ للتَّطويلِ فيه.

  5. وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ أيضًا: أنَّ حُضورَ الجماعةِ ليس بفَرْضٍ؛ لأنّه لو كان فرضًا ما كانَ أحدٌ ليُباحَ له ما يحبِسُه عن الفرضِ، وقد أباحَتِ السُّنةُ لآكِلِ الثُّوم التَّأخُّرَ عن شُهودِ الجماعَةِ، وقد بيَّنا أن أكلَه مُبَاحٌ، فدَلَّ ذلك على ما وصفنا، وبالله عِصْمَتُنا. ألا تَرى أن الجُمُعةَ إذا نُودِيَ لها، حَرُمَ على المسلمينَ مِن أهلِ الحضَر كلُّ ما يحبِسُ عنها مِن بَيع وقُعُودٍ ورُقادٍ وصلاةٍ، وكُلُّ ما يَشْتَغِلُ به المرءُ عنها؟ وكذلك مَن كانَ مِن أهلِ المِصْرِ حاضِرًا فيه، لا عُذْرَ له في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ؛ أنّه لا يحِلُّ له أن يُدخِلَ على نَفْسِه ما يحبِسُه عنها، فلو كانت الجماعةُ فرضًا، لكانَ أكْلُ الثُّوم في حينِ وقتِ الصَّلاةِ حرامًا، وقد ثبَتَتْ إباحَتُه، فدلَّ ذلك على أنَّ حُضُورَ الجماعةِ ليس بفَرْض، واللهُ أعلمُ. وإنّما حُضورُها سُنةٌ وفَضِيلَةٌ وعمَلُ بِرٍّ. وممَّا يَدُلُّ على أن حُضورَ الجماعَةِ ليس بفَرْضٍ، قولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا حَضَرَ العَشاءُ، وسَمِعْتُم الإقامَةَ بالصلاةِ، فابدؤُوا بالعَشَاءِ" (١) .

    ج ٤ ص ٣٨٩
  6. وفي الحديثِ المذكورِ أيضًا مِن الفقهِ: أن آكِلَ الثُّوم يُبعَدُ مِن المسْجِدِ ويُخرَجُ عنه؛ لأن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَقْرَبْ مسجدَنا -أو مساجدَنا- لأنّه يُؤْذِينا بريح الثُّوم" ، وإذا كانت العِلَّةُ في إخراجِه مِن المسجدِ أنّه يُتأذَّى به، ففي القياسِ أن كلَّ ما يَتأذَّى به جِيرانُه في المسجدِ؛ بأنْ يكونَ ذَرِبَ اللِّسانِ (٢) ، سَفِيهًا عليهم في المسجدِ مُسْتَطيلًا، أو كان ذا ريحَةٍ قَبِيحَةٍ لا تَرِيمُه (٣) لسُوء صِناعَتِه، أو عاهَةٍ مُؤذِيةٍ كالجُذَام وشِبْهِه، وكلِّ ما يتأذَّى به الناسُ إذا وُجِد في

    ج ٤ ص ٣٩٠أحد جيرانِ المسجِدِ، وأرادُوا إخرَاجَه عن المسجدِ وإبْعادَه عنه، كان ذلك لهم ما كانت العِلَّةُ موجُودَةً فيه حتى تَزُولَ، فإذا زالت بإفاقَةٍ أو توبةٍ أو أيِّ وجْهٍ زالت، كانَ له مُراجَعَةُ المسجد. وقد شاهَدتُ شيخَنا أبا عمرَ أحمدَ بنَ عبدِ الملِكِ بنِ هاشِم رَحِمه اللهُ، أفتى في رَجُلٍ شَكاه جِيرانُه، وأثبتُوا عليه أنّه يُؤْذيهم في المسجِدِ بِلسَانِه ويَدِه، فشُووِرَ فيه، فأفتَى بإخراجِه عن المسجدِ وإبعادِه عنه، وأن لا يُشَاهِدَ معهم الصلاةَ؛ إذْ لا سبيلَ مع جُنونِه واستطالتِه إلى السلامَةِ منه، فذاكرتُه يومًا أمْرَه، وطالبتُه بالدَّليلِ فيما أفتَى به مِن ذلك، وراجَعْتُه فيه القولَ، فاسْتَدَلَّ بحِدِيثِ الثُّوم، وقال: هو عندي أكثرُ أذًى مِن اَكِلِ الثُّوم، وصاحبُه يُمنَعُ مِن شُهودِ الجماعةِ في المسجدِ. وذكر الحديثَ أنّه كان إذا وُجِد مِن أحدٍ ريحُ ثوم في مسجدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أُخرج عنه، ورُبَّما أُبْعِدَ حتى يُبلَغَ به البَقِيعُ. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال (١) : أخبرنا محمدُ بنُ المُثنى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا هِشَالم، قال: حدَّثنا قتادَةُ، عن سالم بنِ أبي الجعْدِ، عن معدَانَ بنِ أبي طلحة، أن عمرَ بنَ الخطابِ، قال: إنكم أيُّها الناسُ تأكُلُون مِن شجَرَتَيْن ما أرَاهُما إلّا خَبِيثَتيْنِ؛ هذا البَصَلُ والثُّومُ، ولقد رأيتُ نبيَّ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا وجَد ريحَها مِن الرجلِ، أَمَرَ به فأُخرِجَ إلى البَقيع، فمَن أكلَها فليُمِتْهما طبخًا.

  7. فهذا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ يجيزُ أكْلَ البصلِ والثُّوم مطبوخينِ على حَسَبِ ما ذكرنا، وهذا هو الصحيحُ في هذا البابِ، واللهُ الموفقُ للصواب.

    ج ٤ ص ٣٩١
  8. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا همامُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن سالم بنِ أبي الجعْدِ الغَطفانيِّ، عن معْدانَ بنِ أبي طلحَةَ اليَعْمَري، أن عمرَ قامَ على المِنْبَر يومَ جُمُعةٍ، فحَمِدَ اللهَ، وأثنَى عليه. ثم ذكر الحديثَ بمعنَى ما تقدَّم سواءً إلى آخرِه (١) .

  9. وروى جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ وزُهيرُ بنُ معاويةَ، عن مُطرِّفِ بنِ طريفٍ، عن أبي الجهْم، عن أبي القاسم مولى أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضي اللهُ عنه قال: لما افْتُتِحَت خيبرُ أكلوا مِن الثُّوم، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أكَل من هذه البَقْلَةِ الخَبِيثَةِ، فلا يَقْربنَّ مسجدَنا حتى يذهبَ ريحُها مِن فيه" (٢) .

  10. حديثٌ عاشِرٌ لابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" .

    ج ٤ ص ٣٩٢
  11. هكذا رواه كلُّ مَن روَى "الموطأ" عن مالكٍ فيما عَلِمْتُ (٢) ، إلّا مَعْنَ بنَ عيسَى، فإنَّه وصَلَه، فجعَله عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ. ومَعْنٌ ثِقَةٌ، إلّا أني أخْشَى أن يكونَ الخطأُ فيه مِن عليِّ بنِ عبدِ الحميدِ الغَضَائريِّ (٣) .

  12. حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ علَّانَ وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ يزيدَ الحلَبِيُّ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ الغَضَائريُّ، قال: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وهو لصاحِبِه" (٤) .

  13. حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح الأبْهَرِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ. وحدَّثنا إسماعِيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ القرشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ بنِ يحيى الحلَبيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ جعفَرٍ وعليُّ بنُ عبدِ الحميدِ، قالا: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وهو مِن صاحِبِه" . وزاد فيه أبو عبدِ الله بنُ عُمْرُوسٍ، عن الأبْهَريِّ، بإسنادِه: "له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" .

    ج ٤ ص ٣٩٣
  14. وهذه اللفظةُ قد اختلَف الرواةُ في رَفْعِها؛ فرفَعها ابنُ أبي ذئْبٍ، ومعمرٌ (٢) ، وغيرُهما في هذا الحديثِ، لكنَّهم رووه مُرْسلًا، على اختِلافٍ في ذلك عن ابنِ أبي ذئبٍ نذْكُرُه إن شاء الله. وروايةُ معن عن مالكٍ مُوافِقَةٌ لذلك، وقد رَوى ابنُ وَهْبٍ هذا الحديثَ فجوَّدَه، وبيَّنَ أنَّ هذا اللَّفْظَ ليس مرفوعًا.

  15. روَى سُحنُونٌ، ويونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، ومحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكَم، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: سمِعتُ مالكًا، ويونُسَ بنَ يزيدَ، وابنَ أبي ذئْبٍ، يُحدِّثونَ عن ابنِ شهاب، عن ابنِ المسيِّبِ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" . وقال يونسُ: قال ابنُ شهابٍ: وكان سعيدُ بنُ المسيِّب يقولُ: الرهنُ ممَّن رهَنَه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه (٣) .

  16. فتبيَّن بروايةِ ابنِ وَهْبٍ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، أنَّ هذا مِن قولِ سعيدِ بنِ المسيِّب (١) ، فاللهُ أعلمُ، إلّا أنَّ معمرًا قد ذكره عن ابنِ شهابٍ مرفوعًا (٢) ، ومعمرٌ مِن أثبتِ الناسِ في ابنِ شهابٍ، وقد تابَعَه على ذلك يحيى بنُ أبي أُنَيْسَةَ، فرفَع هذا اللفظَ، ووصَل الحديثَ عن أبي هريرة. ويحيى ليس بالقويِّ (٣) .

    ج ٤ ص ٣٩٤
  17. وقد رُويَ مِن حديثِ محمدِ بنِ كثير، ومِن حديثِ زيدِ بنِ الحُبَابِ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قضَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا

    ج ٤ ص ٣٩٥يَغْلَقَ الرَّهْنُ؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه. ذكرَ ذلك شيخُنا ابنُ قاسم، عن شُيوخِه، عنهما. وذكره الدارَقُطنيُّ وغيرُه (١) .

  18. وقد حدَّثني إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس الحلبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرانَ العابديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن زيَادِ بنِ سعدٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَغْلَقُ الرهْنُ، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (٢) .

  19. وفيما أخبرني أبو عبدِ الله إجازَةً، عن عليِّ بنِ عمرَ الحافظِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ الفتح الورَّاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ يعقوبَ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المباركِ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي سُكينةَ الحلبيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي

    ج ٤ ص ٣٩٦هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ممَّن رهَنه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (١) .

  20. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرانَ بنِ رَزِينِ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن زيادِ بنِ سَعْدٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَغْلَقُ الرهنُ" (٣) .

  21. وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ الله الطائيُّ بحِمْصَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدِ بنِ خليٍّ، قال: حدَّثنا بقيَّةُ (٤) ، عن إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، عن عبَّادٍ -يعني ابنَ كثيرٍ- عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمن -يعني ابنَ أبي ذئْبٍ- عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيَّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَغْلَقُ الرهنُ؛ لصاحبِه غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (٥) .

    ج ٤ ص ٣٩٧قال أبو عمر: أمَّا حديثُ إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، فهذا أصْلُه، وقد رُوي عن إسماعيلَ بنِ عيَّاش، عن ابنِ أبي ذئبٍ (١) . ولم يسمَعْه إسماعيلُ من ابنِ أبي ذئبٍ، وإنَّما سَمِعه مِن عبَّادِ بنِ كثير، عن ابنِ أبي ذئبٍ، وعبَّادُ بنُ كثيرٍ عندَهم (٢) ضعيفٌ لا يُحتجُّ به، وإسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ عندَهم أيضًا غيرُ مقبولِ الحديثِ إذا حدَّث عن غيرِ أهلِ بَلَدِه، فإذا حدَّثَ عن الشاميِّينَ فحديثُه مُستقِيمٌ، وإذا حدَّث عن المدنيِّينَ وغيرِهم ما عدا الشَّامِيِّين، ففي حديثه خطأ كثيرٌ واضطِرَابٌ، ولا أعلَمُ بينَهم خِلافًا أنّه ليس بشيءٍ فيما رَوَى عن غيرِ أهلِ بلدِه، وقدِ اختَلفوا فيه إذا رَوَى عن أهل بلَدِه، والصوابُ ما ذكرتُ لك إن شاءَ الله.

  22. وقد رُوي هذا الحديثُ عن إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، عن الزُّبيديِّ (٣) ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٤) . ولو صَحَّ عن إسماعيلَ، لكان حسنًا، لكنَّ أهلَ العِلْم بالحديثِ يقولونَ: إنَّه إنّما رواه عن ابنِ أبي ذئْبٍ، ولم يَرْوه عن الزُّبيديِّ، وقد أوضَحْتُ لك أصلَ روايتِه في هذا الحديثِ عن ابنِ أبي ذئبٍ، إلّا أنّه قد رُوي عن ابنِ أبي ذئبٍ مِن وجهٍ صالح حسنٍ غيرِ هذا الوجه.

  23. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ الأنطاكيُّ وجماعَةٌ مِن أهلِ الثقةِ، قالوا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نصرٍ الأصَمُّ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا شَبابَةُ (١) ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَغْلَقُ الرهنُ، الرهنُ لمَن رهَنه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" (٢) .

    ج ٤ ص ٣٩٨
  24. ورواه عن شَبابةَ هكذا جماعَةٌ. وأمّا روايةُ ابنِ عُيينةَ لهذا الحديثِ مُتَّصلًا عن زيادِ بنِ سعْدٍ، فإنَّ الأثباتَ مِن أصحابِ ابنِ عيينةَ يروُونَه عن ابنِ عيينةَ لا

    ج ٤ ص ٣٩٩يذكُرونَ فيه أبا هريرةَ، ويجعَلُونه عن سعيدٍ مُرْسلًا، وأصلُ هذا الحديثِ عندَ أهلِ العلم بالنقل مُرسَل، وإن كان قد وُصِل مِن جِهَاتٍ كثيرِ؛، فإنَّهم يُعلِّلونَها، وهو مع هذا حديث لا يَرْفعُه أحَدٌ منهم وإن اختَلَفوا في تأْويله ومعناه، وبالله التوفيق.

    قال أبو عمر: الرِّوايةُ في هذا الحديثِ: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" برَفْع القافِ على الخبرِ، أي: ليس يَغْلقُ الرهْنُ، ومعنَاه: لا يذْهَبُ ويتلَفُ باطلًا، والأصلُ في ذلك الهلاكُ، والنحويُّونَ يقولونَ: غَلِق الرهْنُ: إذا لم يُوجَدْ له تخلُّصٌ (١) . قال امرؤُ القَيْس (٢) :

    غَلِقْنَ برَهْنٍ مِن حبيبٍ به ادَّعَتْ ... سُلَيْمَى فأمسى حبْلُها قد تَبتَّرا (٣)

    وقال زُهَيرٌ (٤) :

    وفارَقَتْكَ برَهْنٍ لا فِكَاكَ لهُ ... يومَ الوَداع فأمسى الرَّهنُ قد غَلِقا

    وقال آخَرُ، وهو قَعْنَبُ ابنُ أمِّ صاحِبٍ، وهو أحَدُ المنسوبِين إلى أُمَّهاتِهم، وهو قَعْنَبُ بنُ حمزةَ أحَدُ بني عبدِ الله بنِ غطَفانَ:

    بانت سُعَادُ وأمسَى دونَها عَدَنُ ... وغلِقَتْ عندَها مِن قلبِك الرُّهُنُ (٥)

    ج ٤ ص ٤٠٠وقال آخَرُ (١) :

    كأنّ القلبَ ليلةَ قيلَ يُغْدَى ... بليلى العامِرِيَّةِ أو يُراحُ

    قَطَاةٌ غَرَّها شَرَكٌ فبَاتَتْ ... تُجاذبُهُ وقد غَلِقَ الجناحُ

    وقال آخر:

    أجارَتَنا مَن يجتَمِعْ يتَفَرَّقِ ... ومَن يكُ رهْنًا للحوادِثِ يَغْلَقِ (٢)

    وقال أعْشَى تَغْلِبَ:

    لمّا رأى أهْلُها أنِّي عَلِقْتُ بها ... واسْتَيقَنوا أنَّني في حَبْلِها غَلِقُ

    بانَتْ نوَاهم شطُونًا عن هَوَايَ لهم ... فما دُلُوفَي (٣) مَيْسُورًا ولا رفَقُ

    قال أبو عُبَيْدٍ (٤) : لا يجوزُ في كلام العَرَبِ أن يُقال للرَّهْنِ إذا ضاعَ: قد غَلِق، إنّما يقالُ: قد غَلِقَ إذا اسْتَحَقَّه المُرْتَهِنُ فذهَب به. قال: وهذا كان مِن فِعْلِ أهلِ الجاهِليَّةِ، فأبطَلَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" . ثم ذكر نحوَ قولِ مالكٍ وسفيانَ في تفسيرِ هذا الحديثِ.

  25. وفسَّر مالكٌ (١) هذا الحديثَ بأن قال: وتفسيرُ ذلك فيما نرى، واللهُ أعلمُ، أن يَرْهَنَ الرجلُ الرهنَ عندَ الرجلِ بالشيءِ، وفي الرهنِ فَضْل عمَّا رُهِن به، فيقولَ الرَّاهِنُ للمُرْتَهِنِ: إن جِئْتُك بحَقِّكَ إلى أجَلِ كذا، يُسَمِّيه له، وإلّا فالرَّهْنُ لك بما فيه.

    قال مالكٌ: فهذا لا يَصْلُحُ ولا يَحِلُّ، وهذا الذي نُهيَ عنه، وإن جاء صاحِبُه بالذي رهَن فيه بعدَ الأجلِ فهو له، وأرى هذا الشرطَ مُنْفَسِخًا. وعلى نحوِ هذا فسَّره الزهريُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وطاووسٌ، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ، وشُرَيْحٌ القاضي (٢) .

    ج ٤ ص ٤٠١
  26. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ، قال: إذا رَهَن الرجلُ الرهنَ، فقال لصاحِبه: إن لم آتِكَ إلى كذا وكذا، فالرَّهْنُ لك. قال: ليس بشيءٍ، ولكن يُباعُ فيأْخُذُ حَقَّه، ويَرُدُّ ما فضَل (٣) .

  27. وذكَرَ عبدُ الرزاقِ (٤) ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّبِ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ممَّن رَهَنه" . قال معمرٌ: قلتُ للزهريِّ: أرأيتَ قولَه: "لا يَغْلَقُ الرهنُ" ، أهو الرجلُ يقولُ: إن لم آتِكَ بمالِك فهذا الرهنُ لك؟ قال: نعم. قال معمر: ثمَّ بلغني عنه أنّه قال: إن هلَك لم يَذْهَبْ حَقُّ هذا، إنّما هلَك مِن ربِّ المالِ؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه.

  28. ورَوى عبدُ الرَّزَّاقِ (١) وعبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاح جميعًا، عن الثوريِّ، عن ابنِ أبي ذئْبٍ، عن الزهريِّ (٢) ، عن ابنِ المسيِّبِ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّن رهَنه؛ له غُنمُه، وعليه غُرْمُه" . زاد عبدُ الملكِ، عن الثوريِّ، قال: إن لم يَأْتِه بمالِه فلا يَغْلَقُ الرَّهْنُ.

    قال أبو عمر: فعلى هذا تفسيرُ أهل العلم في قولِه: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" : أنَّ ذلك إنّما قُصِد به الرهنُ القائِمُ، أي: لا يَسْتَغْلِقُه المُرْتَهِنُ فيأْخُذَه بشرطِه الذكور، إذ قد أبْطَلَت ذلك الشرطَ السُّنةُ، وليس ذلك في الرهنِ يَتْلَفُ عندَ المُرْتَهِنُ؛ لأنَّ الذي تَلِف لا يَغْلَقُ، لأنّه قد ذهَب، وإنّما قيل فيما كان باقيًا موجودًا: لا يَغْلَقُ؛ أي: لا يأْخُذُه المُرْتَهِنُ إذا حلَّ الأجَلُ بما له عليه، ولا يكونُ أولى به مِن صاحِبِه.

    ج ٤ ص ٤٠٢
  29. ورَوى هُشَيْمٌ (٣) ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: إذا أقْرَض الرجلُ قَرْضًا، ورهَنه رَهْنًا، وقال: إن أتَيْتُكَ بحَقِّكَ إلى كذا وكذا، وإلّا (٤) فهو لك بما فيه. فقال: ليس هذا بشيءٍ، هو رَهْنٌ على حالِه لا يَغْلَقُ.

    قال أبو عمر: اختَلَف العلماءُ قديمًا وحديثًا، مِن الصحابَةِ والتابِعِينَ، ومَن بعدَهم مِن الخالفِين، في الرَّهْنِ يَهْلِكُ عندَ المُرْتَهنِ وَيتْلَفُ مِن غيرِ جِنايَةٍ منه (٥) ولا تَضْيِيع.

    فقال مالكُ بنُ أنسٍ، والأوْزَاعيُّ، وعثمانُ البتِّيُّ: إن كان الرَّهْنُ ممَّا يَخْفَى

    ج ٤ ص ٤٠٣هلاكُه؛ نحوَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحُليِّ، والمتاع، والثِّيابِ، والسُّيوفِ، ونحوِ ذلك ممَّا يُغَابُ عليه، ويخْفَى هَلاكُه، فهو مَضْمُون إذا خَفِيَ هلاكُه، ويتَرادَّانِ الفضْلَ فيما بينهما، وإن كانت قيمةُ الرَّهْنِ أكثرَ مِن الدَّيْنِ، ذهب الدَّيْنُ كلُّه، ورجَع الراهنُ على المرتهِنِ بفضلِ قيمةِ الرهنِ، وإن كانت قيمةُ الرهنِ (١) مثلَ الدينِ، ذهَب بما فيه، وإن كانت قيمتُه أقلَّ مِن الدينِ، رجَع المرتهنُ على الرَّاهِنِ بباقي دينِه. إلّا أنَّ مالكًا وابنَ القاسم يقولان: إن قامَتِ البينةُ على هَلاكِ ما يُغابُ عليه، فليس بمَضْمُونٍ، إلّا أن يتَعَدَّى فيه المرتهِنُ أو يُضَيِّعَه، فيَضْمَنَ. وقال أشهبُ: كلُّ ما يُغابُ عليه مَضْمُونٌ على المرتهِنِ، خَفِي هَلاكُه أو ظهَر. وهو قولُ الأوزاعيِّ والبتِّيِّ (٢) .

    قال أبو عمر: فإنِ اختَلَف الراهنُ والمرتَهِنُ في قيمةِ الرَّهنِ، فهو باب غيرُ هذا، ولا يجمُلُ بنا ذكرُ مسائلِ الرهونِ كلِّها؛ لخُرُوجِنا بذلك عن تأليفنا، وإنّما نذْكُرُ مِن المسائلِ في كتابِنا ما كان في معنى الحديثِ المذكُورِ لا غير.

  30. وقد جوَّد مالكٌ مذْهَبَه في اختِلافِ الراهِنِ والمُرْتَهِنِ في قيمةِ الرهنِ، وفي مِقْدَارِ الدَّينِ جميعًا، في كتابِه "المُوطَّأ" ، وقد ذكرنا ما للعلماءِ مِن خِلافِه ومُوافَقَتِه، ووجْهَ قولِ كلِّ واحدٍ منهم في كتابِ "الاسْتِذْكار" (٣) ، والحمدُ لله.

  31. فإن كان الرَّهْنُ ممَّا يظْهَرُ هَلاكُه؛ نحوَ الدارِ، والأرَضِينَ، والحيوانِ، فهو مِن مالِ الراهِن، ومُصيبَتُه منه، والمُرتهِنُ فيه أمينٌ، ودَينُ المرتهنِ فيه ثابِت على حالِه. هذا كلُّه قولُ مالكٍ، وعثمانَ البتِّيِّ، والأوزاعِيِّ (٤) . وروى هذا القولَ

    ج ٤ ص ٤٠٤الأوزاعيُّ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه (١) . وقال ابنُ أبي ليلى، وعبيدُ الله بنُ الحسنِ، وإسحاقُ بنُ راهُويَة، وأبو عبيدٍ: يتَرادَّانِ الفضلَ بينهما. مثلَ قولِ الأوزاعيِّ، ومالكٍ، والبتِّيِّ، سواءً، إلّا أنّه لا فرقَ عندَهم بينَ ما يظهَرُ هَلاكُه وبينَ ما يُغابُ عليه، والرهنُ مضْمُونٌ عندَهم على كلِّ حالٍ؛ حيوانًا كان أو غيرَه، هو عندَهم مضمُونٌ بنفسِه، يترَادَّانِ الفضلَ فيه إن نَقَصَت قيمَتُه عن الدَّينِ أو زادَتْ، والقولُ قولُ المُرْتهِنِ في ذلك إن لم تَقُمْ بيِّنةٌ (٢) . ويُروى هذا القولُ أو معناه عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، مِن حديثِ قتادةَ، عن خِلاسٍ، عن عليٍّ (٣) ، ويُروَى أيضًا عن ابنِ عمرَ، مِن حديثِ إدريسَ الأوْدِيِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُمَيْرٍ، وهو مجهُولٌ، عن ابنِ عمر (٤) .

    وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ حيٍّ: إن كان الرَّهنُ

    ج ٤ ص ٤٠٥مثلَ الدَّينِ أو أكثرَ منه، فهو بما فيه، وإن كان أقلَّ مِن الدَّينِ، ذهَب مِن الدَّين بقَدْرِه، ورجَع المرْتَهِنُ على الراهِنِ بما نقَص. والرَّهنُ عندَهم مَضْمُونٌ بقيمةِ الدَّينِ فما دُونَ، وما زاد على الدَّينِ فهو أمانَةٌ (١) . ورُويَ مثلُ هذا القولِ كلِّه أيضًا عن عليِّ بنِ أبي طالبِ، مِن حديثِ عبدِ الأعلى، عن محمدِ بنِ الحنفِيَّة، عن عليٍّ (٢) ، وهو أحْسَنُ الأَسانِيدِ في هذا البابِ عن عليٍّ (٣) .

  32. وتأويلُ قولِه: "له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" عندَ هؤلاء؛ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ومَن قال بقولهم: أنّه لا يكونُ للمُرْتَهنِ، ولكنْ يكونُ للراهِنِ، وغُنْمُه عندَهم: ما فضَل مِن الدَّينِ. "وعليه غُرْمُه" : ما نقَصَ مِن الدَّيْنِ.

  33. وهذا كلُّه عندَهم في سلامَةِ الرَّهنِ لا في عَطَبِه (٤) ، على ما تقدَّمَ ذكرُنا له، فالرهنُ عندَ هؤلاء في الهلاكِ مضْمُونٌ بالدَّين، لا بنفسِه وقيمتِه.

  34. ومن حُجَّتِهم أنَّ المرتَهِنَ لما كان أحَقَّ به مِن سائِرِ الغُرَمَاء عندَ الفَلَسِ، عُلِم أنّه ليس كالوَدِيعَةِ، وأنّه مَضْمُونٌ؛ لأنّه لو كان أمانَةً لم يكنِ المرتَهِنُ أحَقَّ به.

    وقال شريحٌ، وعامِرٌ الشعبيُّ، وغيرُ واحدٍ مِن الكُوفيِّينَ: يذْهَبُ الرهنُ بما فيه؛ كانت قيمَتُه مثلَ الدين، أو أكثرَ منه، أو أقَلَّ، ولا يرجِعُ واحِدٌ منهما على صاحبِه بشيءٍ. وهو قولُ الفقهاءِ السبعةِ المدنيين، إلّا أنَّهم إنّما يجعَلُونَه بما فيه إذا هَلَك وعَمِيَت قيمَتُه، ولم تَقُمْ بيِّنَةٌ على ما فيه، وإن قامتْ بيِّنةٌ على ما فيه، ترَادَّا الفضلَ (١) .

    ج ٤ ص ٤٠٦
  35. وهكذا قال الليثُ بنُ سعدٍ؛ مذْهَبُه في هذا ومذهَبُ السبعةِ سواءٌ، قال الليثُ: وبَلَغَني ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ. والحيوانُ عندَ الليثِ لا يُضْمَنُ، إلّا أن يُتَّهَمَ المُرْتَهِنُ في دعوَى الموتِ والإباقِ. وقال الليثُ: يكونُ بالموتِ ظاهرًا مَعْلُومًا. قال: فإن أعْلَمَ المرتهِنُ الراهِنَ بإباقِه أو موتِه، أو أعْلَم السلطانَ، إن كان صاحِبُه غائبًا، حَلَف وبَرِئ (٢) .

  36. وقالت طائفةٌ مِن أهلِ الحجازِ، منهم سعيدُ بنُ المسيِّب، والزهريُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومسلمُ بنُ خالدٍ، والشافعيُّ، وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وأبي ثورٍ، وعامَّةِ أهلِ (٣) الأثرِ، وداودَ بنِ عليٍّ: الرهنُ كلُّه أمانةٌ، قليلُه وكثيرُه، ما يُغابُ عليه منه، وما يظهَرُ، إذا ذهَب مِن غيرِ جنايَةِ المرْتَهِنِ، فهو من مالِ الراهِنِ، ولا يُضْمَنُ إلّا بما تُضْمَنُ به الودائِعُ وسائِرُ الأماناتِ، ودينُ المرتهِنِ ثابِتٌ على حالِه.

    ج ٤ ص ٤٠٧قالوا: والحيوانُ في ذلك، والعقارُ، والحُليُّ، والثيابُ، وغيرُ ذلك، سواءٌ (١) . وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "الرَّهْنُ ممَّن رَهَنَه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" . وقد وصَلَه قومٌ عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ. قالوا: وهو مَرْفُوع صحيح عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٢) . ومراسِيلُ سعيدٍ عندَهم صِحاحٌ.

  37. ومعنى قولِه: "له غُنْمُه" ؛ أي: له غَلَّتُه ورقبَتُه وفائدَتُه كلُّها، "وعليه غُرْمُه" : فَكَاكُه ومُصِيبتُه. فعلى هذا معنى هذا القولِ عندَهم: غُنْمُه لصاحِبِه، وغُرْمُه عليه.

    قالوا: والمُرْتَهِنُ ليسَ بمُتعَدٍّ في حَبْسِه فيَضْمَنَ، وإنّما يَضْمَنُ مَن تَعَدَّى، والأمانَةُ لا تُضمَنُ بغيرِ التَّعَدِّي. فهو عندَ هؤلاء كلُّه أمانةٌ، وعندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ما زاد على قِيمَتِه فأمانةٌ، وعندَ مالكٍ، ما لا يُغَابُ عليه أمانةٌ، لا تُضْمَنُ إلّا بما تُضْمَنُ به الأماناتُ مِن التَّعدِّي والتَّضْييع، وكذلك ما يُغابُ عليه إذا ظهَر هَلاكُه، لم يجِبْ على المرتهِنِ ضَمانُه.

  38. والفرقُ بينَ ما يُغابُ عليه وما لا يُغابُ عليه في المشهورِ مِن مذهبِ مالكٍ وأصحابِه: أنّ ما لا يُغابُ عليه مِن الرُّهُونِ؛ كالحيوانِ وشِبْهِه، والعقارِ ومثلِه، إذا ادَّعَى المرتهِنُ هَلاكَه، ولم يتبيَّنْ كذِبُه، قُبِل قولُه، وإذا ادَّعَى هَلاكَ ما قد غاب عليه عند نفسِه، لم يُقْبَلْ قولُه فيه؛ لأنّه إنّما أخَذَه وثيقَةً لنفسِه، ولم يأخُذْه وديعَةً ليَحْفَظَه على ربِّه، فلا يُقْبَلُ قولُه في ضَيَاعِه إلّا ببيِّنةٍ وأمرٍ ظاهرٍ، وتلزَمُه قيمتُه، يُقَاصُّ بها من دَيْنه، والقولُ قولُه مع يمينِه في قيمَتِه إن نزَل فيها اختِلافٌ بينهما وعُمِّيَتْ، ويتَرادَّانِ الفضلَ في ذلك.

    ج ٤ ص ٤٠٨
  39. ومعنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "له غُنْمُه" عندَ مالكٍ وأصحابِه، أي: له غلَّتُه وخَراجُ ظَهْرِه، وأُجْرَةُ عَمَلِه.

  40. ومعنى قولِه: "غُرْمُه" ؛ أي: نفَقَتُه، ليس الفَكَاكَ والمصيبةَ. قالوا: لأنَّ الغُنْمَ إذا كان: الخراجَ والغلَّةَ، كان الغُرْمُ: ما قابَلَ ذلك مِن النقفةِ. قالوا: والأصْلُ أنَّ المُرْتَهِنَ لم يتَعَدَّ فيَضْمَنَ ما خَفِيَ هلاكُه مِن لمجط ضَمِنَه المسْتَعِيرُ سواءً.