ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب القرشي المخزومي

٣٧٩ فقرة، ج ٤ ص ٢٦٥

الصفحة ٨ من ١٠

  1. وفي معنى قولِه: "له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه" قولُه: "الرهنُ مركوبٌ ومحلوبٌ" (١) ؛ أي: أُجْرَةُ ظهرِه لرَبِّه، وكَسْبُه له، ولا يجوزُ أنْ يكون ذلك للمُرْتَهنِ؛ لأنّه ربًا

    ج ٤ ص ٤٠٩مِن أجلِ الدَّيْنِ الذي له، ولا يجوزُ أنْ يليَ الرّاهنُ ذلك؛ لأنّه كان يصيرُ غيرَ مَقْبُوضٍ حينَئِذٍ، والرَّهنُ لا بُدَّ أن يكونَ مَقْبُوضًا، ولو رَكِبه لخرَج مِن الرهنِ. فقِفْ على هذا كلِّه، فهو مَذْهَبُ مالكٍ وأصحابِه.

    ج ٤ ص ٤٠٨
  2. وفرَّق مالكٌ بينَ الولدِ وبينَ الغَلَّةِ والخَراج، فجعَل ولدَ الأمَةِ وسَخْلَ الماشِيةِ رهنًا مع الأُمَّهاتِ، كما هي في الزكاة تَبَعًا للأُمَّهاتِ، وليس كذلك صُوفُها ولبِنُها، ولا ثَمَرُ الأشجارِ؛ لأنّها ليست تَبعًا لأُصُولها في الزكاةِ، ولا هي في صُورَتِها ولا معنَاها (١) ، ولا تقومُ مقامَها، ولها حُكْمُ نفسِها لا حُكْمُ الأصلِ (٢) ، وليس كذلك الولدُ والسَّخْلُ (٣) ، واللهُ أعلمُ بصوابِ ذلك (٤) .

  3. حديثٌ حاديَ عَشَرَ لابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ مُرسَلٌ يتَّصِلُ من وُجوهٍ (١)

    ج ٤ ص ٤١٠
  4. مالكٌ (٢) ، عن ابن شهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّب، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- نهَى عن المُزابَنةِ والمُحاقلَة. والمُزابنةُ: اشتِراءُ الثمَرِ بالتمْرِ، والمحاقلةُ: اشتِراءُ الزّرعِ بالحنطةِ، واستكراءُ الأرضِ بالحنطةِ.

  5. هكذا هذا الحديثُ مرسل في "الموطأ" عندَ (٣) جميع الرُّواةِ (٤) ، وكذلك رواه أصحابُ ابنِ شهابٍ عنه، ورواه أحمدُ بنُ أبي طَيْبةَ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ (٥) ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٦) .

  6. وجاء فيه من تفسيرِ المُزابنةِ والمحاقلةِ ما فيه مَقْنَعٌ من فهِم، ولا خلافَ علِمتُه في هذا التَّأويلِ، وهو أحسنُ تفسيرٍ في المُزابنةِ والمُحاقلةِ وأعمُّه. وقد

    ج ٤ ص ٤١١مضَى في كتابِنا هذا مِن تفسيرِ المزابنةِ والمحاقلةِ في بابِ داودَ بنِ الحُصَينِ (١) ما يُغني عن إعادتِه هاهنا (٢) ، وقد تقدَّم في بابِ ربيعةَ مِنَا القولُ في كراءِ الأرضِ مستوعبًا (٣) . والحمدُ لله.

  7. وقد روَى النهيَ عن المُزابنةِ والمُحاقلةِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- جماعةٌ من الصَّحابةِ؛ منهم: جابر، وابنُ عمرَ (٤) ، وأبو هريرةَ (٥) ، ورافعُ بنُ خَدِيج (٦) ، وكلُّ هؤلاء سمِع منه سعيدُ بنُ المسيِّب، فاللهُ أعلم.

  8. وقد يكونُ العالِمُ إذا اجتمع له جماعة عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أو غيرِه في حديثٍ واحدٍ، يُرْسِلُه إلى المَعْزِيِّ إليه الحديثُ، ويستثقِلُ أن يُسنِدَه أحيانًا عن الجماعةِ الكثيرة، ألا ترى إلى ما ذكرنا في صدرِ هذا الديوانِ عن إبراهيم النخَعيِّ، أنّه قيل له: مرةً تقولُ: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ، ومرَّةً تُسمِّي مَن حدَّثك عنه؟ فقال: إذا

    ج ٤ ص ٤١٢أسنَدتُ لكَ الحديثَ عنه فقد حدَّثني مَن سمِّيتُ لكَ عنه، وإن لم أُسمِّ لك أحدًا فاعلَمْ أنّه حدَّثنيهُ جماعةٌ. هذا أو معناه كلامُ إبراهيم (١) .

  9. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن طارقٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن رافع بن خَديج، قال: نهَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن المحاقلةِ والمزابنةِ، وقال: "إنّما يزرعُ ثلاثةٌ؛ رجلٌ له أرضٌ فهو يَزْرَعُها، ورجل مُنح أرضًا فهو يَزْرَعُ ما مُنح، ورجل استكرَى أرضًا بذهبٍ أو فضَّةٍ" .

  10. أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: أنبأنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا الطحاويُّ (٤) ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ (٥) ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أنبأنا سعيدُ بنُ سالم، عن ابن جُريج، أنّه قال لعطاءٍ: ما المحاقلةُ؛ قال: المحاقلةُ في الزرعِ: كهيئةِ المزابنةِ في النخلِ سواءً، بيعُ الزَّرعِ بالقمح. قال ابنُ جُريج: فقلتُ لعطاءٍ: فسَّر لكم جابرٌ في المحاقلةِ كما أخبرتني؟ قال: نعم.

  11. وقد مضى ما للعلماء من المذاهب في المُحاقلةِ والمُزابنةِ في باب داود بن الحُصَين والحمد لله.

    ج ٤ ص ٤١٣
  12. والقضاءُ فيما وقع من المُزابنة والمُحاقلَة، أنّه إن أُدرِكَ ذلك فُسِخَ، وإن قُبِض وفات رجَعَ صاحبُ المَكِيلةِ على صاحب النّخلِ والزَّرعِ بمثلِ صفة ما قُبِض منه في كَيْله، ورجع صاحبُ النَّخلِ والزَّرع بمثلِ صفة ما قبِض منه في كَيْله، ورَجَع صاحبُ النَّخلِ والزَّرع بقيمةٍ ثمَرِه أو قيمةِ زَرْعِه على صاحب المَكِيلَةِ يومَ قبضَهُ بالغًا ما بلَغَتْ.

  13. حديثٌ ثاني عَشَرَ لابنِ شِهابٍ، عن سعيدٍ مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال ليهودِ خيبرَ: "أُقِرُّكم ما أقرَّكم اللهُ على أنَّ الثمرَ بينَنا وبينكُم" . قال: فكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يبعَثُ عبدَ الله بنَ رواحةَ، فيَخرُصُ بينَه وبينَهم، ثمَّ يقولُ: إنْ شئتُم فلَكُم، وإن شئتُم فلي، فكانوا يأخُذونَه.

    ج ٤ ص ٤١٤
  14. هكذا روَى هذا الحديثَ بهذا الإسنادِ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ، جماعةُ رواةِ "الموطَّأ" (٢) ، وكذلك رواه أكثرُ أصحابِ الزهريِّ، وقد وصَله منهم صالحُ بنُ أبي الأخضرِ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لما افتتَح خيبرَ، دعا اليهودَ، فقال: "نُعطيكم الثمرَ على أنْ تُعمِلوها، أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ" . وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يبعثُ عبدَ الله بنَ رواحةَ، فيخرُصُها عليهم، ثم يخيِّرُهم؛ أيأخُذون بخرصِه أم يتركون (٣) .

    ج ٤ ص ٤١٥وقال معمرٌ، عن الزهريِّ في هذا الحديثِ: خمَّس رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خيبرَ، ولم يكنْ له ولا لأصحابِه عمَّالٌ يُعمِلونها ويزرَعونها، فدَعا يهودَ خيبرَ، وكانوا أُخرِجوا منها، فدفَع إليهم خيبرَ على أنْ يُعمِلوها على النِّصفِ، يؤدُّونَه إلى النبيِّ عليه السَّلامُ وأصحابِه، وقال لهم: "أُقرُّكم على ذلك ما أقرَّكم اللهُ" . فكان يبعَثُ إليهم عبدَ الله بنَ رواحةَ، فيخرُصُ النخلَ حينَ يطِيبُ، ثم يخيِّرُ يهودَ خيبرَ، يأخُذونها بذلك الخَرْصِ أمْ يدفعُونَها بذلك الخَرْصِ. قال: وإنَّما أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك لكي يُحصيَ الزكاةَ قبلَ أنْ يؤكَلَ التَّمرُ ويفرَّقَ، فكانوا كذلك. وذى تمامَ الخبرِ (١) .

    قال أبو عمر: أجمع العلماءُ مِن أهلِ الفقهِ والأثر، وجماعةُ أهلِ السِّيرِ، على أنَّ خيبرَ كان بعضُها عَنْوةً وبعضُها صُلحًا، وأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قسَمها، فما كان منها صُلحًا، أو أُخِذَ بغيرِ قتالٍ، كالذي جَلا عنه أهلُه، عَمِل في ذلك كلِّه بسُنَّةِ الفيء، وما كان منها عَنوةً، عَمِل فيه بسُنَّةِ الغنائم، إلّا أنَّ ما فتَحه اللهُ عليه منها عَنْوةً، قسَمه بينَ أهلِ الحديبيةِ وبينَ مَن شهِد الوقعةَ. وقد رُويت في فتح خيبرَ آثارٌ كثيرةٌ ظاهرُها مختلِفٌ، وليس باختلافٍ عندَ العلماءِ على ما ذكرتُ لك، إلّا أنَّ فقهاءَ الأمصارِ اختلفوا في القياسِ على خيبرَ سائرَ الأرَضين المفتتحَةِ عَنْوةً، فمنهُم مَن جعَل خيبرَ أصلًا في قسمةِ الأرضينَ، ومنهم مَن أبى مِن ذلك، وذهَب إلى إيقافِها، وجعَلَها قياسًا على ما فعَل عمرُ بسَوادِ الكوفةِ، وسنبيِّنُ ذلك كلَّه في هذا البابِ إن شاء الله.

  15. فأمَّا الآثارُ عن أهلِ العلم والسِّيرِ بأنَّ بعضَ خيبرَ كان عَنْوةً، وبعضَها كان صلحًا، فمِن ذلك ما رَوى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، أنَّ خيبرَ

    ج ٤ ص ٤١٦كان بعضُها عَنوةً، وبعضُها صُلحًا، قال: فالكُتَيبةُ (١) أكثرُها عَنوةٌ، وفيها صُلْحٌ، قلتُ لمالكٍ: وما الكُتَيبةُ؟ قال: مِن أرضِ خيبرَ، وهي أربعونَ ألفَ عَذْقٍ (٢) .

    قال مالكٌ: وكتَب أميرُ المؤمنينَ -يعني المهديَّ- أنْ تُقسَمَ الكُتَيبةُ مع صدقاتِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فهم يقسِمونها في الأغنياءِ والفقراءِ. فقيل لمالكٍ: أفترَى ذلك للأغنياءِ؛ قال: لا، ولكن أرى أنْ يفرِّقوها على الفقراءِ (٣) . قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: وكانت خيبرُ جماعةَ حصونٍ، فافتُتِحَ بعضُها بقتالٍ، وبعضُها سلَّمَه أهلُه على أنْ تُحقَنَ دماؤُهم.

    وقال موسى بنُ عقبةَ: كان ممَّا أفاءَ اللهُ على رسولِه -صلى الله عليه وسلم- مِن خيبرَ نصفُها؛ كان النِّصفُ لله ورسولِه، والنِّصفُ الآخرُ للمسلمينَ، فكان الذي لله ولرسولهِ النِّصفُ: وهي: الكُتيبةُ، والوطيحُ، وسُلالِمُ، ووخْدَةُ، وكان الباقيَ للمسلمين: نَطاةُ، والشَّقُّ (٤) .

    قال موسى بنُ عقبةَ: ولم يُقسَمْ مِن خيبرَ شيءٌ إلّا لمَن شهِد الحديبيةَ. قال ابنُ عقبةَ: وقد ذكروا، واللهُ أعلمُ، أنّه قدِم على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ناسٌ كثيرٌ بخيبرَ، فرأى ألّا يُخيِّبَ مسيرَهم، وسأل أصحابَه أنْ يَشرَكوهم. قال: ولما قدِم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مِن الحديبيةِ مكَث عشرينَ ليلةً أو قريبًا منها، ثم خرَج غازيًا إلى خيبرَ، وكان اللهُ وعَده إيَّاها وهو بالحديبيةِ.

    ج ٤ ص ٤١٧وقال ابنُ إسحاقَ: كانت قسمَتُه خيبرَ لأهلِ الحديبيةِ مع مَن شهِدها مِن المسلمينَ ممَّن حضر خيبرَ، أو غابَ عنها مِن أهلِ الحديبيةِ؛ وذلك أنَّ اللهَ أعطاهم إيَّاها في سفرِه ذلك.

    قال ابنُ إسحاقَ (١) : وحدَّثني نافعٌ مولى ابنِ عمرَ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ قال: أيُّها الناسُ، إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عامَل يهودَ خيبرَ على أنَّا نُخرِجُهم إذا شِئْنا، فمَن كان له مالٌ فليلْحَقْ به، فإنِّي مخرجٌ يهودَ. فأخرجَهم.

  16. ورَوى ابنُ وَهْبٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ الليثيِّ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: لما افتُتِحَتْ خيبرُ سألت يهودُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يُقرَّهم على أنْ يَعْمَلُوا على النِّصفِ ممَّا يخرُجُ منها، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أُقرُّكم فيها ما شِئْنا" . فكانوا على ذلك، وكان التَّمرُ يُقسَمُ على السِّهام مِن نصفِ خيبرَ (٢) .

  17. يريدُ، واللهُ أعلمُ، ما افتُتِحَ عَنوةً منها بالغلبةِ والقتالِ، قُسِمَ على السِّهام، كما يُقسَمُ السَّبيُ، وما كان فيئًا، كان له ولأهلِه ولنوائبِ المسلمينَ. وعلى هذا تأتلفُ معاني الآثارِ في ذلك عندَ أهلِ العلم.

  18. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣) ،

    ج ٤ ص ٤١٨قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وزيادُ بنُ أيوبَ، أنَّ إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ حدَّثهم، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- غَزا خيبرَ، فأصَبناها عَنْوةً، فجُمِع السَّبْيُ.

  19. وليس هذا بخلافٍ لما ذكرنا، ألا تَرى إلى ما ذكر ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ وعبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، أنَّ حُصونًا مِن خيبرَ لما رأى أهلُها ما افتُتِحَ عَنْوةً منها تحصَّنوا، وسألوا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يحقِنَ دماءَهم ويُسيِّرهم، ففعَل، فسَمِع بذلك أهلُ فَدَكَ، فنزَلوا على مثلِ ذلك، فكانت لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- خاصةً؛ لأنّه لم يُوجِفْ عليها بخيلٍ ولا ركابٍ، وخرَج عنها أهلُها للرُّعب (١) .

  20. فهذا قولُ ابنِ شهابٍ، وهو القائلُ فيما حكاه عنه معمرٌ ويونسُ، قال: خمَّس رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خيبرَ، ثم قسَم سائرَها على مَن شهِدها ومَن غابَ عنها مِن أهلِ الحديبيةِ (٢) .

  21. ومعلومٌ أنّه لا يخمِّسُ ما لم يُوجِفْ عليه بخيلٍ ولا ركابِ، ولا يجعَلُ نصفَها لنوائبه، ونصفَها للمسلمينَ، على ما قال بُشَيرُ بنُ يسارٍ (٣) ، وهي عَنْوةٌ، فهذا كلُّه يدُلُّك على أنَّ ما كان منها مأخوذًا بالغلبةِ قُسِمَ على أهلِ الحديبيةِ ومَن شهِدها، وخُمِّسَ، وما كان منها ممَّا انجلَى عنه أهلُه وأسلَموه بلا قتالٍ، حكَم

    ج ٤ ص ٤١٩فيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بحكم الفيء، واستخلَصَ منه لنفسِه، كما فعَل بفَدَكَ، فقِفْ على هذا، وتدبَّرِ الآثارَ تجِدْها على ذلك إن شاء الله.

  22. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدثني عمِّي إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن عمَّارِ بنِ أبي عمَّارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: كانت خيبرُ لأهلِ الحديبيةِ خاصَّةً (١) .

    قال: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حربِ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قسَم خيبرَ على ستَّةٍ وثلاثينَ سهمًا، فجعَل لنفسِه ثمانيةَ عشرَ سهمًا، وللناسِ النِّصفَ (٢) .

    ج ٤ ص ٤٢٠قال أبو عمر: رَوى هذا الحديثَ الثوريُّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ، قال: قسَم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خيبرَ نصفَين؛ نصفًا لنوائبِه وحاجتِه، ونصفًا بينَ المسلمين، قسَمها بينَهم على ثمانيةَ عشرَ سهمًا (١) .

    قال إسماعيل (٢) : وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن أسامةَ بنِ يزيدٍ، عن الزُّهريِّ، عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحدَثانِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطَّابِ: كان لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثُ صَفايا: بَنو (٣) النضيرِ، وخيبرُ، وفَدَكُ (٤) .

    ج ٤ ص ٤٢١قال إسماعيلُ: يعني خيبرَ ما كان بغيرِ قتالٍ، فجرَى مجرَى بَني النَّضيرِ. قال: وكذلك فَدَكُ، إنّما صالحَ أهلُها حينَ بلَغهم ما كان مِن أمرِ خيبرَ، فصالحوا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- حتى حقَن دماءَهم.

    قال (١) : ولم تختلِفِ الرِّوايةُ في أنَّ خيبرَ قُسِمَتْ على أهلِ الحديبيةِ؛ مَن حضَر فتحَ خيبرَ ومَن لم يَحضُرْ، وإنّما اختلفتِ الرِّوايةُ فيمَن حضَر خيبرَ ولم يحضُرِ الحديبيةَ؛ فقال بعضُهم: قد أُدخِلوا في قِسْمتِها، وقال بعضُهم: لم يُدخَلوا في ذلك.

    قال إسماعيلُ: فإذا كان أمرُ خيبرَ على هذه الصِّفةِ، وعلى هذا الخُصوصِ الذي وقَع فيها، فكيف يجوزُ أنْ يُجعلَ أصلًا يقاسُ عليه ما افتُتِحَ بعدَها مِن السَّوادِ وغيرُه، قال: ويجبُ على مَن قاس أمرَ السَّوادِ وغيرِه على أمرِ خيبرَ أنْ يَقسِمَ السَّوادَ على مَن حضَر الوقعةَ وعلى مَن لم يحضُرْها؛ قُسِمَتْ خيبرُ على مَن حضر الوقعةَ وعلى مَن لم يحضُرْها من أهلِ الحديبيةِ، وهذا الموضعُ الذي ذكرتُ أنّه لم تختلِفِ الرِّوايةُ فيه. قال: وكيف يجوزُ أنْ يُتركَ ظاهرُ ما أنزلَ اللهُ على رسولِه فيما أفاءَ اللهُ على رسولِه مِن أهلِ القرَى، ويُحتجَّ في ذلك بأمرِ خيبرَ الذي هذه صفتُه؟

    قال أبو عمر: وزعَم أبو جعفرٍ الطحاويُّ أنَّ خيبرَ لم تُقسَمْ في عهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنّما قسِمَتْ في زمنِ عمرَ بن الخطّاب. قال: وأمَّا ما كان على ذلك مِن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فيها، فإنّما هو قسمةُ جَمْع، لأنّه جعَل كلَّ مئةِ سهم كسهم واحدٍ، ثم جزَّأ غلَّاتِها على ذلك، ولم يَقسِم الأرضَ.

  23. أخبرنا بذلك أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: سمِعتُ الطحاويَّ. فذكره (١) .

    ج ٤ ص ٤٢٢
  24. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حدَّثنا ابنُ فُضيل، عن يحيى بن سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أدرَكَهم، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لما ظهَر على خيبرَ، وصارت خيبرُ لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وللمسلمينَ، ضعُفوا عنها، فدفَعها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليهودِ على أنَّ له النِّصفَ ولهم النِّصفَ، فجعَلها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- نصفَين، فكان في ذلك النِّصفِ سهامُ المسلمينَ وسهمُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- معَها، وجعَل النِّصفَ الآخرَ من نزَل به مِن الوفودِ والأمورِ ونوائبِ الناسِ.

  25. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ مسكينٍ اليماميُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَّانَ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لما أفاءَ اللهُ عليه خيبرَ، قسَمها ستّةً وثلاثينَ سهمًا جَمْعُ، للمسلمينَ (٢) الشَّطرُ، ثمانيةَ عشرَ سهمًا جمعُ (٣) ، كلُّ سهم مئةُ سهم، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- معَهم كسَهْم أحدِهم، وعزَلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثمانيةَ عشرَ سهمًا، وهو الشَّطرُ، لنوائبِه وما ينزِلُ مِن أمرِ المسلمينَ، فكان ذلك الوطيحَ، والكُتَيبةَ، والسُّلالِمَ وتوابعَها، فلمَّا صارتِ الأموالُ بيدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لم يكنْ لهم عمَّالٌ يَكْفُونَهم عملَها، فدَعا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- اليهودَ فعامَلَهم.

    ج ٤ ص ٤٢٣
  26. وهذا الحديثُ أهذبُ ما رُويَ في هذا البابِ معنًى، وأحسنُه إسنادًا، وهو يوضِّحُ ما ذكرنا، وبالله توفيقُنا.

  27. وقد رُوي هذا الحديثُ عن بُشيرٍ، عن سهلِ بنِ أبي حثمةَ (١) . رواه وكيعٌ، عن الثوريِّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرٍ، عن سهلٍ مختصرًا.

    ج ٤ ص ٤٢٤
  28. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال (٣) : حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ، عن عبدِ الله بنِ مِكْنفٍ أحدِ بَني حارثةَ، قال: لما أخرَج عمرُ يهودَ خيبرَ، ركِب في المهاجرينَ والأنصارِ، وخرَج معه بجَبَّارِ بنِ صخرِ بنِ أميةَ بنِ كعبٍ، وكان خارصَ المدينةِ وحاسبَهم، ويزيدَ بنِ ثابتٍ، فهما قَسَما خيبرَ على أهلِها على أصلِ جماعةِ السُّهمانِ التي كانت عليها.

    وقال إسماعيلُ (٤) : وأمَّا قولُ أبي عبيدٍ أنّه يجوزُ للإمام أن يقسِمَ ما افتُتِحَ عَنوةً كما قُسِمَتْ خيبرُ، ويجوزُ ألّا يقسمَ ذلك، ويفعَلُ كما فعَل عمرُ في أرضِ السوادِ، فهذا كلامُ مَن لا يحصِّلُ ما يقولُ؛ لأنَّ الذي يحصِّلُ كلامَه لا يقولُ في رجلٍ ملَّكَه اللهُ شيئًا: إنَّ للإمام إن شاء أعطاه، وإن شاء منَعه. هذا ما لا يجوزُ عندَ ذي نظرٍ ولا فهم.

    قال أبو عمر: أراد إسماعيلُ بقولِه هذا أنَّ الأرضَ ليس للغانمينَ فيها شيءٌ؛ لأنّه لو كان لهم فيها شيءٌ ما أعطَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (٥) ذلك الشيءَ أو بعضَه

    ج ٤ ص ٤٢٥لغيرِهم، ولما مُنِعُوه، والذي ذهَب إليه إسماعيلُ تخصيصُ آيةِ "الأنفالِ" في قولِه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: ٤١] . وأنَّ هذا لفظُ عموم بقولِه: {مِنْ شَيْءٍ} يرادُ به الخصوصُ، والمرادُ بذلك عندَه الذَّهبُ والفضَّةُ وسائرُ الأمتعةِ والسَّبْيُ، وأمَّا الأرضُ فغيرُ داخلةٍ في عموم هذا اللفظِ. واستدلَّ على ما ذهَب إليه مِن ذلك بأشياءَ؛ منها: ظاهرُ قولِه عزَّ وجلَّ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} الآيةَ إلى قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} ، إلى قوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: ٧ - ١٠] . ومنها: فعلُ عمرَ بنِ الخطَّابِ في توقيفِه أرضَ السوادِ. ومنها: أنَّ الغنائمَ التي أُحِلَّت للمسلمين هي التي كانت محرَّمةً على الأمم قبلَهم، وهي التي كانت النارُ تأكُلُها.

    قال: ولم تختلفِ الرِّوايةُ في أنَّ هارونَ عليه السَّلامُ أمَر بَني إسرائيلَ أن يَحرِقوا ما كان بأيديهم مِن متاع فرعونَ، فجمَعوه وأحرَقوه، وألقَى السَّامريُّ فيه (١) القبضةَ التي كانت بيدِه مِن أثَرِ الرسولِ، يقالُ: مِن أثرِ جبريلَ عليه السلامُ، فصارت عِجلًا له خُوارٌ. ومعلومٌ أنَّ الأرضَ لم تجْرِ هذا المجرَى؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} [الأعراف: ١٣٧] ، وقال: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: ٢٥ - ٢٨] .

  29. وهذا الذي ذهَب إليه إسماعيلُ واحتجَّ له هو مذهبُ مالكٍ وأصحابِه، وهو الصَّحيحُ في هذا البابِ إن شاء اللهُ، لأنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ لم يقسِمْ أرضَ

    ج ٤ ص ٤٢٦السَّوادِ (١) ومصرَ والشَّام، وجعَلها مادَّةً للمسلمينَ ولمَن يجيءُ بعدَ الغانمين. واحتجَّ بالآيةِ التي في سورةِ الحشرِ التي احتجَّ بها إسماعيلُ، ولا أعلمُ أحدًا مِن الصَّحابةِ رُويَ عنه بعدَ عمرَ إنكارٌ لفعلِ عمرَ.

  30. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ محمدُ بنُ القاسم بنِ معروفٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المثنَّى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، قال: لولا آخرُ الناسِ ما فُتِحَتْ قريةٌ إلّا قسَمتُها كما قسَم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خيبرَ (٢) .

  31. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، قال: لولا آخرُ المسلمين ما فُتِحتَ قريةٌ إلّا وقسَمتُها كما قسَم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خيبرَ.

  32. وكذلك رواه عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن أبيه، عن عمرَ (١) كما رواه ابنُ مهديٍّ. وغيرُهما يُرسِلُه عن مالكٍ، عن زيدٍ، عن عمرَ (٢) .

    ج ٤ ص ٤٢٧
  33. وممَّا يُصحِّحُ هذا المذهَبَ أيضًا، ما رواه أبو هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنّه قال: "منَعَتِ العراقُ قَفِيزَها ودرهمَها" الحديثَ (٣) . بمعنى: ستمنَعُ (٤) . فدَلَّ ذلك على أنّها لا تكونُ للغانمينَ؛ لأنَّ ما مَلَكَه الغانِمونَ لا يكونُ فيه قَفِيزٌ ولا درهمٌ، ولو كانتِ الأرضُ تُقسَمُ كما تُقسَمُ الأموالُ، ما بَقيَ لمَن جاء بعدَ الغانِمينَ شيءٌ، واللهُ تعالى يقولُ: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} . وذلك دليلٌ على أنَّ الأرضَ لا تُقسَمُ، وإنّما يُقسَمُ ما يُنقَلُ مِن موضعٍ إلى موضع.

    قال إسماعيلُ: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لم تحِلَّ

    ج ٤ ص ٤٢٨الغنائمُ لقومٍ سودِ الرُّؤوسِ قبلَكم، كانت تنزلُ نارٌ مِن السماءِ فتأكُلُها " (١) . وذكَر تمامَ الخبر.

  34. حدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ (٢) ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣) : حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لم تَحِلَّ الغنائمُ لقوم سُودِ الرؤوس قبلَكم، كانت تنزِلُ نارٌ مِنَ السماءِ فتأكُلُها".

  35. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو

    ج ٤ ص ٤٢٩داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا زُهيرٌ -يعني ابنَ معاويةَ- قال: أخبرَني سهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "منَعَتِ العراقُ قَفِيزَها ودرهمَها، ومنَعَتِ الشامُ مُدْيَها (٢) ودينارَها، ومنَعَتْ مصرُ إرْدَبَّها (٣) ودينارَها، ثم عدْتُم من حيث بَدَأتُم" . شهِد على ذلك لحمُ أبي هريرةَ ودمُه.

    قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ: "منَعتْ" بمعنى: ستمنعُ (٤) . واحتجَّ بهذا الحديثِ لمذهبِ عمرَ في إيقافِ الأرضِ وضربِ الخراج عليها، على مذهبِ الكوفيِّينَ. وكان الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، يذهَبون إلى أنَّ الإمامَ بالخيارِ؛ إن شاء قسَمها وأهلَها بينَ الغانِمين، وإن شاء أقرَّ أهلَها عليها، وجعَل عليها وعليهم الخراجَ، وتكونُ الأرضُ ملكًا لهم، يجوزُ بيعُهم لها وشراؤُهم (٥) .

    وقال الشافعيُّ: ما كان عَنْوةً، فخُمُسُها لأهلِها، وأربعةُ أخماسِها للغانِمين، فمَن طاب نفسًا عن حقِّه، جاز لإمامِه أنْ يجعلَها وقفًا على المسلمين، ومَن لم تطِبْ نفسُه بذلك، فهو أحقُّ بمالِه (٦) .

  36. وكان الشافعيُّ يذهَبُ إلى أنَّ خُمُسَ أرضِ العَنْوةِ غيرُ مملوكةٍ، ولا يجوزُ بيعُها ولا رهنُها (١) ، وهو قولُ ابنِ شُبرُمةَ، وعُبيد الله بنِ الحسنِ، وقولُ مالكِ بنِ أنسٍ أيضًا في جملةِ أرض العَنْوةِ، على ما ذكرنا من أقوالهم في قسمتِها أو توقيفِها. فإذا قُسِمَتْ، ملَك كلٌّ نصيبَه، في قولِ مَن أجاز قِسْمتَها، فإنْ وُقِفتْ على الوُجوهِ التي ذكرنا عن طيبِ نفسٍ مِن الغانِمين، أو على مذهبِ عمرَ، في قولِ مالكٍ وغيره، فهي غيرُ مملوكةٍ (٢) .

    ج ٤ ص ٤٣٠
  37. وذهَب أبو حنيفة، والثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، إلى أنّها مملوكة لأهلِها الذينَ أُقِرَّتْ في أيديهم، على ما ذكرنا عنهم (٣) .

  38. وأجاز مالكٌ بيعَ أرضِ الصُّلح ورهنَها، وجعَلَها ملْكًا لأهلِها الذين صالحوا عليها، قال: ومَن أسلَمَ منهم كان أحقَّ بأرضِه ومالِه. قال: ومَن أسلَمَ مِن أرضِ العَنْوةِ أحرزَ نفْسَه، وصارت أرضُه للمسلمين؛ لأنَّ بلادَهم صارت فيئًا للمسلمينَ، وحكمُ الأرضِ عندَهم حكمُ الفيء (٤) .

    وقال الشافعيُّ (٥) : كلُّ ما حصَل مِن الغنائم مِن أهلِ دارِ الحربِ مِن شيءٍ، قلَّ أو كثُرَ؛ مِن دارٍ أو أرضٍ أو متاع أو غيرِ ذلكَ، قُسِمَ، إلّا الرِّجالُ البالغونَ، فإنَّ الإمامَ فيهم مخيَّرٌ بينَ أنْ يمُنَّ أو يقتلَ أو يُفادِيَ أو يَسْبيَ. وسبيلُ ما سُبيَ منهم، أو أُخِذَ مِن شيءٍ على إطلاقِهم، سبيلُ الغنيمةِ.

  39. ومِن الحجَّةِ من قال: تُقسَمُ الأرضُ كما تقسَمُ سائرُ الغنائم: عمومُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} الآيةَ. والأرضُ مغنومةٌ لا محالةَ، كسائرِ الغنيمةِ، فوجَب أنْ تُقسمَ كما تُقسَمُ الغنائمُ كلُّها، وقد قسَم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ما افتُتِح عَنْوةً مِن خيبرَ على قسمةِ الغنائم؛ الأربعةُ الأخماسِ لأهلِ الحديبيةِ، وهم الذين وعَدهم اللهُ بها، وشَهِدوا فتحَها.

    قالوا: وهذا أمرٌ يُستغنَى فيه عن نقل الإسنادِ؛ لشهرتِه عندَ جميع أهلِ السِّيرِ والأثرِ، ولم يَستثنِ اللهُ عزَّ وجلَّ أرضًا مِن غيرِها مِن الغنائم، ولو جاز أنْ يُدَّعَى الخُصوصُ في الأرضِ، جاز أنْ يُدَّعى في غيرِ الأرضِ، فيبطُلَ حكمُ الآية (١) .

    قالوا: ولا معنى لما احتجَّ به مخالِفُنا مِن آيةِ سورةِ الحشر، لأنَّ ذلك إنّما هو في الفيءِ لا في الغنيمةِ، وجملةُ الفيءِ: ما رجَع إلى المسلمينَ مِن المشركين بلا قتالٍ، مثلَ مَن يترُكُ بلادَه ويخرُجُ عنها لما لحِقه من الرُّعبِ الذي به نُصِر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال -صلى الله عليه وسلم- (٢) : "نُصِرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهرٍ" (٣) . ومثلَ ما صالَحَ عليه أهلُ الكفرِ، وما يُؤخذُ منهم مِن الجزيةِ، وما تأتي به الرِّيحُ مِن مراكبِ العدوِّ بغر أمانٍ، أو يموتُ منهم ميِّتٌ في بلادِ المسلمينَ لا وارثَ له، فكلُّ هذا وما كان مثلَه مما يُفيءُ اللهُ على المسلمين بغيرِ قتالٍ ولا مئونةِ حربٍ، فهو الفيءُ الذي قُصِد بالآيةِ التي في سور الحشرِ؛ فيُقْسَمُ على ما ذكِرَ فيها، نحوَ قَسْم خُمُسِ الغنيمةِ، ولم يُقصَدْ بذلك إلى الأرضِ المغنومةِ.

    قالوا: ولا دليلَ في الآيةِ على ما ذهَب إليه مخالِفُنا؛ لأنَّ قولَه عزَّ وجلِّ:

    ج ٤ ص ٤٣٢{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: ١٠] إنّما هو استئنافُ كلام للدُّعاءِ لهم بدعائِهم لِمَن سبَقهم بالإيمانِ، لا لغير ذلك.

    قالوا: وليس يخْلو فعلُ عُمرَ رضي اللهُ عنه في توقيفه الأرضَ مِن أحدِ وجهَين:

    إمَّا أن تكونَ غنيمةً استطاب أنفُسَ أهلِها، فطابَتْ بذلك، فوقَفها، وكذلك روى جريرٌ: أنَّ عمرَ استطاب نفوسَ أهلِها (١) ، وكذلك صنَع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في سَبْي هَوازِنَ؛ استطابَ أنفُسَ الغانِمين عمَّا كان بأيديهم، على ما نقَله ثِقاتُ العلماءِ، وإمَّا (٢) أن يكونَ ما وقَفه عمرُ فيئًا، فلم يحتَجْ في ذلك إلى مُراضاةِ أحدٍ.

    ج ٤ ص ٤٣٣قال أبو عمر: القولُ في هذه المسألةِ طويلٌ بينَ العلماءِ المختلِفين فيها، وفيما ذكرنا منها كفايةٌ لمَن فهِم. فهذا ما أوجبَه العلمُ مِن القولِ في فتح خيبرَ، وما جرَى مجَراها مِن أرضِ الغنائم.

    ج ٤ ص ٤٣١
  40. حدثني سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنّه قال: أفاء اللهُ على رسولِه خيبرَ، فأقرَّهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- كما كانوا، وجعَلها بينَهم وبينَه، وبعَث عبدَ الله بنَ رواحةَ فخرَصها عليهم (١) .