ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
٢٢٣ فقرة، ج ٥ ص ٥٨
الصفحة ٥ من ٦
- ج ٥ ص ١٣٤
حديثٌ سابعٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمةَ مسنَدٌ صحيحٌ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، أنَّها قالت: سُئِل رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - عن البِتْعِ، فقال: "كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فهو حرامٌ" .
-
لا أعلَمُ عن مالكٍ خلافًا في إسنادِ هذا الحديثِ، إلَّا أن إبراهيمَ بنَ طهمانَ خالفَ في ذلك، وعندَه أيضًا حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشة (٢) . والمشهورُ فيه عن مالكٍ حديثُ أبي سلمةَ، وهو حديثٌ صحيحٌ مُجْتَمَعٌ على صِحَّتِه، لا خِلافَ بينَ أهلِ العلم بالحديثِ في ذلك، وهو أثبتُ شيءٍ يُرْوَى عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - في تحريم المُسْكِرِ، وقد سُئِل يحيى بنُ مَعينٍ (٣) عن أصحِّ حديثٍ رُوي في تَحْرِيم المسكِرِ، فقال: حديثُ ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سئِل عن البِتْع، فقال: "كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فهو حَرَامٌ" . قال: وأنا أقِفُ عندَه.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز. وحدَّثنا خلفٌ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ
ج ٥ ص ١٣٥الدَّيبُليِّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارونَ الحمّالُ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ وقتيبةُ بنُ سعيدٍ. وحدَّثناه خلفٌ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفرٍ الزيَّاتُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بن عبدِ الخالقِ البزارُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ الزَّهْرانيُّ، قالوا: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ (٢) ، عن أبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن، عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِل عن البِتْع، فقال: "كلُّ شرابٍ أسكَرَ فهو حرامٌ" (٣) .
قال أبو عُمر: والبِتْعُ: شرابُ العسل، لا خلافَ عَلِمْتُه في ذلك بينَ أهلِ الفقهِ ولا بين أهل اللغة، وإذا خرَج الخبرُ بتَحْريمِ المُسْكِرِ على شرابِ العسَل، فكلُّ مُسْكِرٍ مثلُه في الحكم. وكذلك قال ابنُ عمرَ: كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ (٤) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ (٥) الله بنُ محمد بن حَبَابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٦) : حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال: أنبأنا شُعْبَةُ، عن سعيدِ بن أبي بُرْدَة، عن أبيه، عن أبي موسى،
ج ٥ ص ١٣٦أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا بعَثَ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن قال لهما: "يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وتَطاوَعا ولا تُنَفِّرَا" . فقال له أبو موسى: يا رسولَ الله، إنَّ لنا شرابًا يُصْنَعُ بأرضِنا من العَسَل يقالُ له: البِتْعُ، ومن الشعيرِ يقال له: المِزْرُ؟ فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ" . قال: وقال معاذٌ لأبي موسى: كيف تقرأُ القرآنَ؟ قال: أقْرَؤُه في صلاتي، وعلى راحِلَتي، وقائمًا وقاعدًا ومُضْطَجِعًا، أتفَوَّقُه تَفَوُّقًا. فقال معاذ: لكنِّي أنامُ ثم أقومُ، فأحتَسِبُ نَومَتي كما أحْتَسِبُ قَوْمَتي (١) . قال: فكأنَّ معاذًا فَضلَ عليه (٢) .
قال أبو عُمر: وقد أتَيْنا من القول في تحريم المسكرِ بما فيه كفايةٌ، في كتابِنا هذا، في باب إسحاقَ بن أبي طلحة (٣) ، فأغْنَى عن إعادَتِه هاهنا. ولا خلافَ
ج ٥ ص ١٣٧بين أهلِ المدينةِ في تحريمِ المسكرِ؛ قَرْنًا بعدَ قَرْنٍ، يأخُذُ ذلك كافَّتُهم عن كافَّتِهم، وما لأهلِ المدينةِ في شيءٍ من أبوابِ الفقهِ إجماعٌ كإجماعِهم على تحريمِ المسكرِ، فإنَّه لا خلافَ بينَهم في ذلك، وسائرُ أبوابِ العلم قلَّما تَجِدُ فيه قولًا لعراقيٍّ أو لشاميٍّ إلّا وقد تقدَّم من أهلِ المدينة به قائلٌ، إلا تحريمَ المسكِرِ، فإنَّهم لم يَختَلِفوا فيه فيما عَلِمْتُ، ولا يصِحُّ عن عمرَ بنِ الخطابِ ما رُوِيَ عنه في ذلك (١) . وما أجمَع عليه أهلُ المدينةِ فهو الحقُّ إن شاء الله. ولم يُجمِعْ أهلُ العراقِ على تَحليلِ المسكِرِ ما لم يَسْكَرْ شارِبُه، لأنَّ جماعةً منهم يذهَبُونَ في ذلك مذهَبَ أهلِ الحِجاز.
- ج ٥ ص ١٣٨
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا مسلمةُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنَ عيسى، قال: حدَّثنا ابراهيمُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصباح، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سمِعتُ مخلدَ بنَ الحسينِ وعبدَ الله بنَ المباركِ وعيسى بنَ يونسَ وأبا إسحاقَ الفَزارِيَّ، وهؤلاء أفضلُ مَن بَقِيَ يومئذٍ من علماءِ المشرقِ، وقد أجمَعوا على تركِ الحديثِ في تحليلِ النبيذِ، وإظهارِ الروايةِ في تحريمِه.
-
حدَّثني عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسُفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن زيادٍ الأعرابيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا ابراهيمُ بنُ المنذر، قال حدَّثني عبدُ الله بن نافع، قال: حدَّثني أُبيُّ بنُ سهلٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ بن هشام، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: إذا رأيتَ أهلَ المدينة على شيءٍ فاعلَمْ أنَّه سُنَّةٌ. وقال أبو بكر بنُ عبدِ الرحمن: هو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه.
- ج ٥ ص ١٣٩
حديثٌ ثامنٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمةَ يُشاركُ فيه أبا سَلَمة أبو عبد الله الأغَرُّ، واسمُه: سَلْمان، ثقهٌ رِضًى
مالكٌ (١) ، عن ابن شهاب، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ وأبي عبد الله الأغرِّ، جميعًا عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَنْزِلُ ربُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدُّنيا حين يبقَى ثُلُثُ الليل، فيقول: مَنْ يدعُوني فأستَجِيبَ له؟ من يسألُني فأُعطِيَه؟ مَن يستغفِرُني فأغفرَ له؟ " .
-
هذا حديثٌ ثابتٌ من جهةِ النَّقْلِ، صحيحُ الإسنادِ، لا يختلِفُ أهلُ الحديثِ في صحَّتِه، رواه أكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ هكذا كما رواه يحيى. ومن رواة "الموطّأ" مَن يرويهِ عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي عبدِ الله الأغرِّ، لا يَذكُرُ أبا سلَمة (٢) . وهو حديثٌ منقولٌ من طرُقٍ متواترةٍ ووجوهٍ كثيرةٍ من أخبارِ العدول، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -.
-
وقد رُوِي عن الحُنَينيِّ (٣) ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي عُبيدٍ مولَى ابنِ عوفٍ، عن أبي هريرةَ. ولا يَصِحُّ هذا الإسنادُ عن مالكٍ، وهو عندي وَهَمٌ،
ج ٥ ص ١٤٠وإنَّما هو عن الأغرِّ (١) ، عن أبي هريرةَ. وكذلك لا يَصحُّ فيه روايةُ عبدِ الله بنِ صالح (٢) ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ. وصوابُه: عن الزُّهريِّ، عن الأغرِّ (٣) وأبي سلمةَ، جميعًا عن أبي هريرةَ.
-
ورواه زيدُ بنُ يحيى بنِ عُبيد الله الدمشقيُّ (٤) ، ورَوْحُ بنُ عُبادة، وإسحاقُ بنُ عيسى الطَّبَّاعُ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ.
-
وفيه دليلٌ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ في السَّماءِ على العرشِ من فوقِ سبعِ سماواتٍ، كما قالت الجماعةُ. وهو من حُجَّتِهم على المعتزلةِ والجهميّةِ في قولهم: إنَّ الله عزَّ وجلَّ في كلِّ مكانٍ وليس على العرشِ. والدليلُ على صِحَّةِ ما قاله أهلُ الحقِّ في ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] ، وقولُه عزَّ وجلَّ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: ٤] ، وقولُه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: ١١] ، وقولُه: {إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: ٤٢] ، وقولُه تبارك اسمُه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: ١٠] ، وقولُه تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: ١٤٣] ، وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: ١٦] ، وقال
ج ٥ ص ١٤١جلَّ ذِكرُه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: ١] ، وهذا من العُلُوِّ، وكذلك قولُه: {الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: ٢٥٥] ، {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: ٩] ، و {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} [غافر: ١٥] ، و {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: ٥٠] ، والجَهْمِيُّ يزعمُ أنه أسفلُ، وقال جلَّ ذكرُه: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: ٥] ، وقولُه: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: ٤] ، وقال لعيسى {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: ٥٥] ، وقال: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: ١٥٨] ، وقال: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [فصلت: ٣٨] ، وقال: {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: ١٩] ،، وقال: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} [المعارج: ٢، ٣] ، والعُروجُ هو الصعود (١) . وأمّا قولُه تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ} [الملك: ١٦] ، فمعناه: مَن على السَّماء. يعني: على العرش. وقد يكونُ "في " بمعنى "على" ، ألا تَرَى إلى قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: ٢] ، أي: على الأرض، وكذلك قولُه: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: ٧١] ، وهذا كلُّه يعضُدُه قولُه تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: ٤] ، وما كان مثلَه ممّا تَلَوْنا من الآياتِ في هذا الباب.
-
وهذه الآياتُ كلُّها واضحاتٌ في إبطالِ قولِ المعتزلة. وأمّا ادِّعاؤُهم المجازَ في الاستواء، وقولهُم في تأويل: {اسْتَوَى} : استَوْلَى (٢) . فلا معنى له؛ لأنَّه غيرُ
ج ٥ ص ١٤٢ظاهرٍ في اللغة: ومعنى الاستيلاءِ في اللغةِ المغالَبةُ، واللهُ لا يُغالِبُه ولا يَعْلُوه أحدٌ، وهو الواحدُ الصَّمدُ، ومن حقِّ الكلام أن يُحمَلَ على حقيقتِه، حتى تتَّفِقَ الأمَّةُ أنَّه أُرِيدَ به المجازُ، إذ لا سبيلَ إلى اتِّباع ما أنزِل إلينا من ربِّنا إلّا على ذلك، وإنَّما يُوجَّهُ كلامُ الله عزَّ وجلَّ إلى الأشهَرِ والأظهَرِ من وُجوهِه، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ له التسليمُ، ولو ساغَ ادِّعاءُ المجازِ لكلِّ مُدَّعٍ، ما ثَبَت شيءٌ من العبارات، وجلَّ اللهُ عزَّ وجلَّ عن أن يُخاطِبَ إلّا بما تَفهَمُه العربُ في مَعهُودِ مُخاطَباتِها، ممّا يصحُّ معناه عندَ السامِعين. والاستواءُ معلومٌ في اللغةِ ومفهومٌ، وهو: العُلُوُّ والارتفاعُ على الشيء (١) ، والاستقرارُ (٢) والتَّمَكُّنُ فيه. قال أبو عُبيدةَ في قوله تعالى: {اسْتَوَى} . قال: علا. قال: وتقولُ العربُ: استَوَيْتُ فوقَ الدَّابَّةِ، واستويتُ فوقَ البيت (٣) . وقال غيرُه: استَوى، أي: انتَهَى شَبابُه واستَقَرَّ، فلم يكنْ في شَبابِه مَزِيدٌ.
قال أبو عُمر: الاستواءُ: الاستقرارُ في العُلُوِّ، وبهذا خاطَبَنا اللهُ عزَّ وجلَّ، وقال: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف: ١٣] ، وقال: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: ٤٤] ، وقال: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون: ٢٨] ، وقال الشاعرُ (٤) :
فأوْرَدتُهم ماءً بفَيْفاءَ قَفْرَةٍ ... وقد حَلَّقَ النَّجْمُ اليَمَانِيُّ فاسْتَوَى
ج ٥ ص ١٤٣وهذا لا يجوزُ أنْ يَتأوَّلَ فيه أحدٌ "اسْتَوْلَى" ؛ لأنَّ النَّجْمَ لا يَستَوْلي. وقد ذكَر النَّضرُ بنُ شُميلٍ - وكان ثقةً مأمونًا جليلًا في علمِ الدِّيانةِ واللغةِ - قال: حدَّثني الخليلُ، وحسبُكَ بالخليل، قال: أتَيتُ أبا ربيعةَ الأعرابيَّ، وكان من أعلمِ مَن رأيتُ، فإذا هو على سطح، فسلَّمنا فردَّ علينا السلامَ، وقال لنا: اسْتَوُوا. فبَقِينا مُتَحَيِّرين ولم نَدْرِ ما قال. قال: فقال لنا أعرابيٌّ إلى جَنْبِه: إنَّه أمرَكم أن تَرْتَفعوا. قال الخليلُ: هو من قولِ الله عزَّ وجلَّ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: ١١] . فصَعِدْنا إليه فقال: هل لكم في خبزٍ فَطِيرٍ (١) ، ولَبَنٍ هَجِيرٍ (٢) ، وماءٍ نَمِيرٍ (٣) ؟ فقلنا: الساعةَ فارَقْناه. فقال: سَلامًا. فلم نَدْرِ ما قال. فقال الأعرابيُّ: إنَّه سالَمَكُم مُتارَكةً لا خيرَ فيها ولا شرّ. قال الخليلُ: هو من قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: ٦٣] (٤) .
-
وأمّا نَزْعُ مَن نزَع (٥) منهم بحديثٍ يَروِيه عبدُ الله بنُ داودَ الواسطيُّ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الصَّمد، عن عبد الوهابِ بن مجاهدٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] : استَوْلى على جميع بَرِيَّتِه، فلا يخْلُو منه مكانٌ. فالجواب عن هذا أنَّ هذا حديثٌ منكَرٌ عن ابن عباسٍ، ونقَلته مجهولون ضُعفاءُ، فأمّا عبدُ الله بنُ داودَ الواسطيُّ وعبدُ الوهاب بنُ مجاهدٍ فضعيفان، وإبراهيمُ بنُ عبدِ الصمدِ مجهولٌ لا يُعرَفُ، وهم لا يقبلُونَ أخبارَ الآحادِ العُدُول، فكيف يسوغُ لهم الاحتجاجُ بمثل هذا من الحديثِ
ج ٥ ص ١٤٤لو عَقَلُوا أو أنصَفُوا؟ أمَا سَمِعوا اللهَ عزَّ وجلَّ حيثُ يقول: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: ٣٦ - ٣٧] ، فدلَّ على أنَّ موسى عليه السلامُ كان يقول: إلهي في السماء. وفرعونَ يظُنُّه كاذبًا:
فسبحانَ مَن لا يقدُرُ الخلقُ قَدْرَه ... ومَن هو فوقَ العرشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
مَلِيكٌ على عرشِ السماءِ مُهَيْمِنٌ ... لعِزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
وهذا الشعرُ لأميّةَ بنِ أبي الصَّلْت (١) .
قال أبو عُمر: فإن احتجوا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: ٨٤] . وبقوله: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: ٣] ، وبقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية [المجادلة: ٧] ، وزعَموا أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى في كلِّ مكانٍ بنفسِه وذاتِه تباركَ وتعالى. قيل لهم: لا خلافَ بينَنا وبينَكم وبينَ سائرِ الأمَّة أنَّه ليس في الأرضِ دونَ السماءِ بذاتِه، فوجَبَ حَملُ هذه الآياتِ على المعنى الصحيح المُجتَمَع عليه، وذلك أنَّه في السماءِ إلهٌ معبودٌ من أهلِ السماء، وفي الأرض إلهٌ معبودٌ من أهلِ الأرض (٢) . وكذلك قال أهلُ العلم بالتفسير، فظاهرُ التنزيل يشهَدُ أنَّه على العرش، والاختلافُ في ذلك بينَنا فقط، وأسعدُ الناس به مَن ساعَدَه الظاهرُ.
- ج ٥ ص ١٤٥
وأمّا قولُه في الآية الأخرى: {وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: ٨٤] ، فالإجماعُ والاتِّفاقُ قد بيَّن المرادَ بأنه معبودٌ من أهلِ الأرض (١) ، فتدبَّرْ هذا، فإنَّه قاطعٌ إنْ شاء الله.
-
ومن الحُجَّةِ أيضًا - في أنَّه عزَّ وجلَّ على العرش فوقَ السمواتِ السَّبع -: أنَّ الموحِّدِين أجمَعين، من العربِ والعجم، إذا كرَبهم أمرٌ، أو نزَلت بهم شِدَّةٌ، رفَعوا وُجوهَهم إلى السماءِ يَسْتَغيثون رَبَّهم تبارك وتعالى. وهذا أشهرُ وأعرَفُ عندَ الخاصَّة والعامَّة من أن يُحتاجَ فيه إلى أكثرَ من حكايَتِه؛ لأنَّه اضطرارٌ لم يؤنِّبْهم عليه أحدٌ، ولا أنكَرَه عليهم مسلمٌ (٢) ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للأمَة التي أرادَ مولاها عِتْقَها إن كانت مؤمِنَةً، فاختبرَها رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - بأنْ قال لها: "أينَ اللهُ؟ " ، فأشارَت إلى السماء، ثم قال لها: "مَن أنا؟ " ، قالت: رسولُ الله، قال: "أعتِقْها، فإنَّها مُؤمِنَةٌ" . فاكتَفَى رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - منها برفعِها رأسَها إلى السماء، واستَغْنَى بذلك عمّا سِواه.
-
أخبَرنا عبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا أبو المغيرةِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن هلالِ بنِ أبي ميمونةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن معاويةَ بنِ الحكم، قال: اطَّلَعْتُ غُنيمةً لي ترعاها جاريةٌ لي في ناحيةِ أُحُدٍ، فوجَدْتُ الذِّئْبَ قد أصابَ شاةً منها، وأنا رجلٌ من بني آدمَ، آسَفُ كما يأسَفون، فصَكَكتُها صَكَّةً، ثم انصرَفتُ إلى النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - فأخبَرتُه، فعظَّمَ ذلك (٣) عليَّ. قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، فهَلّا أُعْتِقُها؟ قال: "فائْتِني بها" .
ج ٥ ص ١٤٦قال: فجِئتُ بها إلى النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، فقال لها: "أين اللهُ؟ " ، فقالت: في السماء، فقال: "مَن أنا؟ " ، قالت: أنت رسولُ الله، قال: "إنَّها مُؤمِنَةٌ، فأعتِقْها" (١) . مُختصرٌ؛ أنا اختصَرتُه من حديثه الطويل، من روايةِ ا لأوزاعيِّ، وهو من حديثِ مالكٍ أيضًا (٢) ، وسيأتي في موضِعِه من كتابِنا إن شاءَ الله.
-
وأمّا احتجاجُهم: لو كان في مكانٍ لأشبَهَ المخلوقات - لأنَّ ما أحاطتْ به الأمكنةُ واحتَوته، مخلوقٌ - فشيءٌ لا يَلزَمُ، ولا معنى له؛ لأنَّه عزَّ وجلَّ ليس كمثلِه شيءٌ من خلقِه، ولا يُقاسُ بشيءٍ من بَرِيَّتِه، لا يُدْرَكُ بقياسٍ، ولا يُقاسُ بالناس، لا إلهَ إلا هو، كان قبلَ كلِّ شيءٍ، ثم خَلَقَ الأمكنةَ والسماواتِ والأرضَ وما بينَهما، وهو الباقي بعدَ كُلِّ شيءٍ، وخالِقُ كلِّ شيءٍ لا شريكَ له. وقد قال المسلمونَ وكلُّ ذي عقلٍ: إنَّه لا يُعْقَلُ كائنٌ لا في مكانٍ منّا، وما ليسَ في مكانٍ فهو عَدَم. وقد صَحَّ في المعقول، وثبَت بالواضحِ من الدليل، أنَّه كان في الأزلِ لا في مكانٍ، وليس بمعدوم، فكيف يقاسُ على شيءٍ من خَلْقِه أو يجرِي بينَه وبينَهم تمثيلٌ أو تشبيهٌ؟ تعالى اللهُ عمّا يقولُ الظالمونَ علوًّا كبيرًا، الذي لا يَبلُغُ من وصَفَه إلّا إلى ما وَصَف به نفسَه، أو وصفه به نبيُّه ورسولُه، أو اجتمَعت عليه الأُمّةُ الحنيفيةُ عنه (٣) .
-
فإن قال قائلٌ منهم: إنّا وَصَفْنا ربَّنا أنَّه كان لا في مكانٍ، ثم خَلَق الأماكنَ فصار في مكانٍ، وفي ذلك إقرارٌ مِنّا بالتغييرِ والانتقالِ؛ إذ زالَ عن صِفتِه في الأزل، وصار في مكانٍ دونَ مكانٍ. قيل له: وكذلك زعَمتَ أنت أنَّه كان لا في مكان،
ج ٥ ص ١٤٧وانتقل إلى صفةٍ هي الكونُ في كلِّ مكانٍ، فقد تغيَّر عندَك معبودُكَ، وانتقَل من لا مكانٍ إلى كلِّ مكانٍ. وهذا لا يَنْفَكُّ منه؛ لأنَّه إنْ زعَم أنَّه في الأزلِ في كل مكانٍ كما هو الآنَ، فقد أوجَب الأماكنَ والأشياءَ موجودةً معه في أزله، وهذا فاسدٌ (١) .
-
فإن قيل: فهل يجوزُ عندَك أنْ ينتقلَ من لا مكانٍ في الأزَلِ إلى مكانٍ؟ قيل له: أما الانتقالُ وتغيُّرُ الحال، فلا سبيلَ إلى إطلاقِ ذلك عليه؛ لأنَّ كونَه في الأزلِ لا يُوجِبُ مكانًا، وكذلك نقلُه لا يُوجِبُ مكانًا، وليسَ في ذلك كالخلْق؛ لأنَّه كوَّنَ ما كونُه يُوجِبُ مكانًا مِن الخلق، ونُقْلتُه تُوجِبُ مكانًا، ويصيرُ مُنتَقِلًا من مكانٍ إلى مكان، واللهُ عزَّ وجلَّ ليس كذلك، لأنَّه في الأزَلِ غيرُ كائنٍ في مكانٍ، وكذلك نُقلَتُه لا تُوجِبُ مكانًا، وهذا ما لا تَقدِرُ العقولُ على دَفعِه. ولكنَّا نقولُ: استَوى من لا مكانٍ إلى مكانٍ. ولا نقول: انتقلَ. وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، ألَا تَرَى أنّا نقول: له عرشٌ، ولا نقول: له سَرِيرٌ، ومعناهما واحدٌ؟ ونقول: هو الحكيمُ، ولا نقول: هو العاقلُ؟ ونقول: خليلُ إبراهيمَ، ولا نقول: صديقُ إبراهيمَ؟ وإنْ كان المعنى في ذلك كلِّه واحدًا، لا نُسَمِّيه ولا نَصِفُه ولا نُطْلِقُ عليه إلّا ما سمَّى به نفسَه، على ما تقدَّم ذكرُنا له من وصفِه لنفسِه، لا شريكَ له، ولا ندفعُ ما وصَف به نفسَه، لأنَّه دفعٌ للقرآن، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: ٢٢] ، وليس مجيئُه حركةً ولا زوالًا ولا انتقالًا؛ لأنَّ ذلك إنَّما يكونُ إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا، فلمّا ثبَت أنَّه ليس بجسمٍ ولا جوهرٍ، لم يجبْ أن يكونَ مجيئُه حركةً ولا نُقْلَةً، ولو اعتبرتَ ذلك بقولهم: جاءَت فلانًا قيامَتُه، وجاءَه الموتُ، وجاءَه المرضُ، وشِبهِ ذلك ممّا هو موجودٌ نازلٌ به، ولا مَجيءَ؛ لبانَ لكَ، وبالله العصمةُ والتوفيق.
- ج ٥ ص ١٤٨
فإن قال: إنَّه لا يكونُ مستويًا على مكانٍ إلّا مقرونًا بالتكييف. قيل: قد يكونُ الاستواءُ واجبًا، والتكييفُ مرتفعٌ، وليس رفعُ التكييفِ يوجِبُ رفعَ الاستواء، ولو لَزِم هذا، لَزِم التكييفُ في الأزل؛ لأنَّه لا يكونُ كائنٌ في لا مكانٍ إلّا مقرونًا بالتكييفِ، وقد عَقَلْنا وأدرَكنا بحواسِّنا أنَّ لنا أرواحًا في أبدانِنا، ولا نعلمُ كيفيّةَ ذلك، وليس جَهْلُنا بكَيْفيّةِ الأرواح يُوجِبُ أنْ ليس لنا أرواحٌ، وكذلك ليس جَهْلُنا بكَيْفيّةِ "على عَرْشِه" يوجِبُ أنَّه ليس على عرشِه.
-
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (١) : حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ عبدِ الله الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمةَ، عن يعلى بن عطاءٍ، عن وكيعِ بنِ حُدُس (٢) ، عن عمِّه أبي رَزينٍ العُقَيْليِّ، قال: قلت: يا رسولَ الله، أين كان ربُّنا تبارك وتعالى قبل أن يَخلُقَ السماءَ والأرض؟ قال: "كان ما فوقَه هواءً، وما تحتَه هواءً، ثم خلَق عرشَه على الماء" (٣) .
ج ٥ ص ١٤٩قال أبو عُمر: قال غيرُه في هذا الحديث: "كان في عَماءٍ، فوقَه هواءٌ، وتحته هواءٌ" . والهاءُ في قوله: "فوقَه" ، و "تحتَه" راجعةٌ إلى العَماء. وقال أبو عبيدٍ: العَماءُ هو الغَمامُ، وهو مَمدُودٌ. وقال ثعلبٌ: هو "عَمًى" مقصورٌ، أي: في عَمًى عن خلقِه. والمقصودُ الظُّلَمُ. ومَن عَمِي عن شيءٍ فقد أظْلَمَ عليه.
-
أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا سُرَيجُ بنُ النُّعمان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نافع، قال: قال مالكُ بنُ أنس: اللهُ عزَّ وجلَّ في السَّماء، وعِلْمُه في كلِّ مكانٍ، لا يخلُو منه مكانٌ (١) .
قال: وقيل لمالك: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . كيف استَوى؟ فقال مالكٌ رحمه الله: استِواؤُه معقولٌ، وكيفيّته مجهولةٌ، وسُؤالُكَ عن هذا بدعةٌ، وأراكَ رجلَ سُوءٍ (٢) .
-
وقد رَوينا عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن أنَّه قال في قول الله عزَّ وجلَّ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} مثلَ قولِ مالكٍ هذا سواءً (٣) .
-
وأمّا احتجاجُهم بقوله عزَّ وجلَّ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: ٧] فلا حُجَّةَ لهم في ظاهر - هذه الآية؛ لأنَّ علماءَ الصحابةِ
ج ٥ ص ١٥٠والتابعينَ الذين حُمِلت عنهم التآويلُ في القرآن قالوا - في تأويل هذه الآية -: هو على العرش، وعلمُه في كلِّ مكانٍ. وما خالَفهم في ذلك أحدٌ يُحتَجُّ بقوله.
-
ذكر سُنَيْدٌ (١) ، عن مقاتلِ بنِ حيّان، عنِ الضَّحاكِ بن مزاحم - في قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآيةَ - قال: هو على عرشِه، وعلمُه معهم أينَما كانوا (٢) . قال: وبلَغَني عن سفيانَ الثوريِّ مثلُه.
قال سُنَيْدٌ: وحدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عاصمِ بنِ بَهدلةَ، عن زِرِّ بنِ حُبيشٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: اللهُ فوقَ العرش، لا يخفَى عليه شيءٌ من أعمالِكم (٣) .
قال سُنَيْدٌ: وحدَّثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بِشر، عن مجاهدٍ، قال: إنَّ بينَ العرشِ وبينَ الملائكةِ سَبعين حِجابًا؛ حجابٌ من نُورٍ، وحجابٌ من ظُلْمَةٍ (٤) .
-
وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن عثمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خُمَيْرٍ، وسعيدُ بنُ عثمانَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمّادِ بنِ سلمةَ، عن عاصم بن بَهْدَلةَ، عن زِرٍّ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: ما بينَ السماءِ إلى الأرضِ مسيرَةُ خمس مئةِ عام، وما بينَ كلِّ سماءٍ إلى الأخرى مسيرةُ خمس مئةِ عام، وما بينَ السماءِ السابعةِ
ج ٥ ص ١٥١إلى الكرسيِّ مسيرةُ خمس مئة، والعرشُ على الماء، واللهُ تبارك وتعالى على العرش يعلَمُ أعمالَكم (١) .
قال أبو عُمر: لا أعلمُ في هذا الباب حديثًا مرفوعًا إلّا حديثَ عبدِ الله بن عَمِيرةَ، وهو حديثٌ مشهورٌ بهذا الإسناد، رواه عن سِماكٍ جماعةٌ؛ منهم: أبو خالدٍ الدَّالانيُّ (٢) ، وعمرُو بنُ أبي قيسٍ (٣) ، وشُعيبُ بنُ خالدٍ (٤) ، وابنُ أبي المقدام (٥) ، وإبراهيمُ بنُ طَهْمانَ (٦) ، والوليدُ بنُ أبي ثورٍ (٧) . وهو حديثٌ كوفيٌّ.
- ج ٥ ص ١٥٢
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ (١) بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢) . وأنبأنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ الصبّاح الدُّولابيُّ البزّازُ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ أبي ثورٍ، عن سماكٍ، عن عبدِ الله بن عَميرةَ، عن الأحنفِ بن قيس، عن العبّاسِ بن عبد المطلب، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نظَر إلى سحابةٍ مرَّت، فقال: "ما تُسَمُّون هذه؟ " ، قالوا: السَّحابَ، قال: "والمُزْنَ؟ " ، قالوا: والمُزْنَ، قال: "والعَنانَ؟ " ، قالوا: نعم. قال: "كم تَرَوْنَ بينَكم وبينَ السماء؟ " ، قالوا: لا نَدْرِي، قال: "بينَكم وبينَها إمّا واحدةٌ، أو اثنتان، أو ثلاثٌ وسبعون سنةً، والسماءُ فوقَها كذلك، بينَهما مثلُ ذلك - حتى عدَّ سبعَ سمواتٍ - ثم فوقَ السماءِ السابعةِ بحرٌ بين أعلاه وأسفلِه كما بينَ سماءٍ إلى سماءٍ، ثم فوقَ ذلك ثمانيةُ أو عالٍ بينَ أظْلافِهم ورُكَبِهم مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم اللهُ فوقَ ذلك" (٣) .
- ج ٥ ص ١٥٣
وفي رواية فَرْوةَ بنِ أبي المَغْراءِ (١) هذا الحديثُ عن الوليدِ بن أبي ثورٍ، قال في الأوعال: "ما بين رؤوسِهم إلى أظلافِهم مثلُ ذلك - يعني ما بين سماءٍ إلى سماءٍ - ثم فوقَهم العرشُ، ما بينَ أعلاه وأسفَلِه مثلُ ذلك، ثم اللهُ فوقَ ذلك" . وفيه حديثُ جُبيرِ بن مُطعمٍ مرفوعًا أيضًا.
-
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال (٢) : حدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ إسحاقَ يحدِّثُ، عن يعقوبَ بنَ عُتبةَ، عن جبيرِ بنِ محمدِ بنِ جبيرِ بنِ (٣) مُطْعِم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعرابيٌّ، فقال: يا رسولَ الله، جُهِدتِ الأنفسُ، وضاع العيالُ، ونُهِكتِ الأموالُ، فاستَسْقِ اللهَ لنا؛ فإنّا نَسْتَشفِعُ بكَ على الله، ونَستشْفِعُ بالله عليك. فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "وْيحَكَ، أتدْري ما تقولُ؟ " . وسَبَّحَ رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -، فما زال يُسبِّحُ حتى عُرِف ذلك في وُجُوه أصحابِه، ثم قال: "ويْحَكَ، إنَّه لا يُستَشْفَعُ بالله على أحدٍ من خلقِه، شأنُ الله أعظمُ من ذلك، ويْحَكَ، وتَدْري ما الله؟ إنَّ اللهَ على عرشِه، على سماواتِه وأرضِه لَهكذا" - وأشارَ بأصابِعه الخَمسِ مثل القُبّة، وأشار يحيى بنُ معينٍ بأصابِعه كهيئةِ القُبَة - "وإنَّه لَيَئِطُّ أطِيطَ الرَّحْل بالرّاكب" (٤) .
- ج ٥ ص ١٥٤
أخبرني أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوردِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ واضح، قال: حدَّثنا أبو داودَ سليمانُ بنُ الأشعثِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ شَقيقٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ موسى الضَّبِّيُّ، عن معدانَ (١) ، قال: سألتُ سفيانَ الثوريَّ عن قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: ٤] ، قال: عِلْمُه (٢) . قال عليُّ بنُ الحسن: وسمِعتُ ابنَ المبارك يقول: إن كان بخُراسانَ أحدٌ من الأبدالِ فهو مَعْدانُ.
قال أبو داودَ: وحدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّورقيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ موسى وعليُّ بنُ الحسنِ بنِ شَقيقٍ، عن ابنِ المباركِ، قال: الرَّبُّ تباركَ وتعالى على السماءِ السابعة، على العرشِ. قيل له: بحَدِّ ذلك؟ قال: نعم، هو على العرشِ فوقَ سبع سماواتٍ (٣) .
ج ٥ ص ١٥٥قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الكِلابيُّ، قال: سمِعتُ وكيعًا يقول: كفَر بشرٌ المريسيُّ في صِفَتِه هذه، قال: هو في كلِّ شيءٍ. قيل له: وفي قَلَنْسُوتِكَ هذه؟ قال: نعم. قيل له: وفي جوفِ حمارٍ؟ قال: نعم. وقال عبدُ الله بنُ المبارك: إنّا لنَحْكِي كلامَ اليهودِ والنصارى، ولا نستطيعُ أنْ نَحكِيَ كلامَ الجَهْميّة.
-
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "يَنزِلُ ربُّنا تباركَ وتعالى إلى سَماءِ الدُّنيا" فقد أكثرَ الناسُ التَّنازُعَ فيه، والذي عليه جمهورُ أئمةِ أهلِ السُّنةِ أنَّهم يقولون: ينزلُ. كما قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -، ويُصَدِّقون بهذا الحديث، ولا يُكَيِّفُونَ، والقولُ في كيفيّة النزول كالقولِ في كيفيّةِ الاستواءِ والمَجيء، والحُجَّةُ في ذلك واحدة (١) .
-
وقد قال قومٌ من أهلِ الأثرِ أيضًا: إنَّه ينزِلُ أمرُه، وتنزِلُ رحمتُه. ورُوِي ذلك عن حبيبٍ كاتبِ مالكٍ وغيرِه. وأنكَره منهم آخَرون، وقالوا: هذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ أمْرَه ورحمتَه لا يزالانِ ينزلان أبدًا في الليل والنَّهار، وتعالى المَلِكُ الجبّارُ الذي إذا أراد أمرًا قال له: كنْ، فيكونُ، في أيِّ وقتٍ شاءَ، ويختصُّ برحمتِه مَن يشاءُ متى شاء، لا إلهَ إلّا هو الكبيرُ المُتَعال.
-
وقد رَوَى محمدُ بنُ عليٍّ البَجَليُّ - وكان من ثقاتِ المسلمينَ بالقَيْروان - قال: حدَّثنا جامعُ بنُ سَوادَةَ بمصرَ، قال: حدَّثنا مُطَرِّفٌ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، أنَّه سُئِل عن الحديث: "إنَّ اللهَ يَنزِلُ في الليلِ إلى سماءِ الدُّنيا" ، فقال مالكٌ: يَتنزَّلُ أمرُه. وقد يحتمِلُ أن يكونَ كما قال مالكٌ رحمه الله على معنَى أنَّه تتنَزَّلُ رحمتُه وقضاؤُه بالعَفو والاستجابة، وذلك من أمرِه؛ أي: أكثرُ ما يكونُ ذلك في ذلك الوقت، واللهُ أعلمُ. ولذلك ما جاء فيه التَّرغيبُ في الدُّعاء. وقد رُوِيَ
ج ٥ ص ١٥٦من حديثِ أبي ذرٍّ أنَّه قال: يا رسولَ الله، أيُّ الليل أسمعُ؟ قال: "جوفُ الليل الغابِر" . يعني الآخِرَ. وهذا على معنَى ما ذكَرنا، ويكونُ ذلك الوقتُ مندوبًا فيه إلى الدُّعاءِ، كما نُدِب إلى الدُّعاء عندَ الزَّوالِ، وعندَ النِّداءِ، وعند نُزول غَيثِ السَّماءِ، وما كان مثلَه من الساعاتِ المستجابِ فيها الدُّعاءُ - والله أعلمُ - وقال آخرونَ: ينزِلُ بذاتِه.
-
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، أنَّ أباهُ أخبَره، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عثمانَ بن صالح بمصرَ، قال سمِعتُ نُعيمَ بنَ حمّادٍ يقولُ: حديثُ النُّزول يرُدُّ على الجهميّة قولَهم. قال: وقال نُعيم: ينزلُ بذاتِه، وهو على كرسيِّه.
قال أبو عُمر: ليس هذا بشيءٍ عندَ أهلِ الفَهمِ من أهلِ السُّنة؛ لأنَّ هذا كيفيّةٌ، وهم يَفزَعون منها؛ لأنَّها لا تصلُحُ إلّا فيما يُحاطُ به عِيانًا، وقد جَلَّ اللهُ وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العُيونِ فلا يصِفُه ذَوو العُقولِ إلّا بخبَرٍ، ولا خَبرَ في صفاتِ الله إلّا ما وصَف نفسَه به في كتابه، أو على لسانِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، فلا نتعدَّى ذلك إلى تشْبيهٍ أو قياسٍ أو تمثيلٍ أو تنظيرٍ، فإنَّه ليس كمثلِه شيءٌ، وهو السَّميعُ البصير.
قال أبو عُمر: أهلُ السُّنة مجمِعُون على الإقرار بالصِّفاتِ الواردةِ كلِّها في القرآنِ والسُّنة، والإيمان بها، وحَملِها على الحقيقةِ لا على المجاز، إلّا أنَّهم لا يُكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفَةً محصورةً، وأمّا أهلُ البِدعِ والجهميّةُ والمعتزِلَةُ كلُّها والخوارجُ، فكُلُّهم يُنكِرُها، ولا يحمِلُ شيئًا منها على الحقيقة، ويزعُمون أنَّ مَن أقَرَّ بها مُشَبِّهٌ، وهم عندَ من أثبَتها نافُون للمعبود، والحقُّ فيما قاله القائلون بما نطَق به كتابُ الله، وسُنَّةُ رسولِه، وهم أئمَّةُ الجماعة، والحمدُ لله.
- ج ٥ ص ١٥٧
رَوَى حَرملةُ بنُ يحيى، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ وَهْبٍ يقول: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقول: مَن وصَفَ شيئًا من ذاتِ الله، مثل قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: ٦٤] ، وأشارَ بيَدِه إلى عُنُقِه، ومثلَ قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١] ، فأشارَ إلى عَيْنَيْه أو أُذُنَيه أو شيءٍ من بَدَنِه، قُطِعَ ذلك منه؛ لأنَّه شَبَّهَ اللهَ بنفسِه. ثم قال مالكٌ: أمَا سمِعتَ قولَ البراءِ حين حدَّث أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يُضَحَّى بأربعٍ مِن الضَّحايا" - وأشارَ البراءُ بيدِه، كما أشارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيَدِه - قال البراءُ: ويَدِي أقصَرُ من يَدِ رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - (١) ، فكَرِه البراءُ أن يَصِفَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إجلالًا له، وهو مخلوقٌ، فكيف الخالقُ الذي ليس كمثلِه شيءٌ!
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ (٢) بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا هارونُ بنُ معروفٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "لا يَزالُ الناسُ يتَساءَلونَ حتّى يقولوا هذا؛ خَلَق اللهُ الخلقَ، فمَن خَلَق الله؟ فمَن وجَد من ذلك شيئًا فليقل: آمَنتُ بالله" (٤) .
-
وأخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضل، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ (٦) ،
ج ٥ ص ١٥٨قال: حدَّثني عُتبةُ بنُ مسلم مولى بني تَيْم، عن أبي سلَمةَ بن عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَرَ نحوَه، قال: "فإذا قالوا ذلك فقولوا: {اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ثم ليتفُلْ عن يسارِه ثلاثًا، ولْيَستَعِذْ باللّه من الشيطان الرجيم" (١) .
-
ورُوِيَ عن محمدِ بنِ الحنفيّةِ أنَّه قال: لا تقومُ الساعةُ حتى تكونَ خُصومَةُ الناس في ربِّهم (٢) . وقد رُوِيَ ذلك مرفوعًا عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - (٣) . وقال سُحنونٌ: من العلم بالله الجهلُ بما لم يُخْبِرْ به عن نفسِه. وهذا الكلامُ أخَذه سُحنونٌ عن ابن الماجِشونِ، قال: أخبرَني الثِّقةُ، عن الثِّقةِ، عن الحسنِ بن أبي الحسنِ، قال: لقد تكَلَّمَ
ج ٥ ص ١٥٩مُطرِّفُ بنُ عبدِ الله بنِ الشِّخِّير على هذه الأعوادِ بكلامٍ ما قيلَ قبلَه ولا يقالُ بعدَه. قالوا: وما هو يا أبا سعيدٍ؟ قال: قال: الحمدُ لله الذي منَ الإيمانِ به الجهلُ بغيرِ ما وَصَفَ مِن نفسَه.
-
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سلَمةَ، قال: حدَّثنا ابنُ الجارودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: "ينزلُ ربُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ حينَ يبقَى ثُلُثُ الليل الآخِرُ إلى السماءِ الدُّنيا" (١) . أليس تقولُ بهذه الأحاديث؟ و "يرَى أهلُ الجنةِ ربَّهم" (٢) ؟ وبحديث: "لا تُقَبِّحوا الوجوهَ، فإنَّ اللهَ خلَقَ آدمَ على صورَته" (٣) ؟ و "اشتكتِ النارُ إلى ربِّها" (٤) ؟ "حتى يضَعَ اللهُ فيها قَدَمَه" (٥) ؟ وأنَّ موسى عليه السلامُ لَطَمَ مَلَكَ الموتِ
ج ٥ ص ١٦٠صلواتُ الله عليه (١) ؟ قال أحمدُ: كلُّ هذا صحيحٌ. وقال إسحاقُ: كلُّ هذا صحيحٌ، ولا يَدَعُه إلا مبتَدِعٌ أو ضعيفُ الرَّأي (٢) .
قال أبو عُمر: الذي عليه أهلُ السُّنة وأئمةُ الفقهِ والأثرِ في هذه المسألةِ وما أشبَهَها، الإيمانُ بما جاء عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - فيها، والتصديقُ بذلك، وتَرْكُ التحديدِ والكَيفيّةِ في شيءٍ منه.
-
أخبرنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوردِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ، عن أحمدَ بنِ نصرٍ، أنَّه سألَ سفيانَ بنَ عيينَة قال: حديثُ عبدِ الله: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يجعَلُ السماءَ على إصْبَع" (٤) ، وحديثُ: "إنَّ قلوبَ بني آدمَ بينَ إصْبَعَيْن مِن أصابعِ الرحمن" (٥) ، و: "إنَّ اللهَ يعجَبُ أو يضحَكُ ممن يذكُرُه في الأسواق" (٦) ، و: "إنَّه عزَّ وجلَّ ينزلُ إلى السماءِ الدُّنيا كلَّ ليلةٍ" ، ونحو هذه الأحاديث؟ فقال: هذه الأحاديثُ نَرْويها ونُقِرُّ بها كما جاءت، بلا كيف.
قال أبو داودَ: وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: سمِعتُ الهيثمَ بنَ خارجةَ، قال: حدَّثني الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سألتُ الأوزاعيَّ، وسفيانَ الثوريَّ، ومالكَ بنَ
ج ٥ ص ١٦١أنسٍ، والليثَ بنَ سعدٍ، عن هذه الأحاديث التي جاءَت في الصِّفات، فقالوا: أمِرُّوها كما جاءَت بلا كيف (١) .