ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن

٢٢٣ فقرة، ج ٥ ص ٥٨

الصفحة ٦ من ٦

  1. وذكَرَ عباسٌ الدُّوريُّ، قال (٢) : سمِعتُ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: شَهِدتُ زكريا بنَ عَدِيٍّ سأل وكيعَ بنَ الجَرّاح، فقال: يا أبا سفيانَ، هذه الأحاديثُ؛ يعني مثلَ حديث (٣) : "الكرسيُّ مَوضِعُ القَدَمَيْن" (٤) ونحوَ هذا؟ فقال: أدركتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، وسفيانَ، ومِسعرًا، يُحَدِّثونَ بهذه الأحاديث، ولا يُفَسِّرونَ شيئًا.

    قال عباسُ بنُ محمدٍ الدُّوريُّ: وسمِعتُ أبا عُبيدٍ القاسمَ بنَ سلّامٍ، وذُكِرَ له عن رجلٍ من أهلِ السُّنَّةِ أنَّه كان يقول: هذه الأحاديثُ التي تُرْوَى في الرُّؤية،

    ج ٥ ص ١٦٢و: "الكرسيُّ موضِعُ القدمَين" (١) ، و: "ضَحِكَ ربُّنا مِن قُنوط عبادِه" (٢) ، و: "إنَّ جهنَّمَ لا تمتلئُ" (٣) ، وأشباهُ هذه الأحاديث. وقالوا: إنَّ فلانًا يقول: يقعُ في قلوبِنا أنَّ هذه الأحاديثَ حقٌّ. فقال: ضَعَّفْتُم عندي أمرَه، هذه الأحاديثُ حقٌّ لا شكَّ فيها، رواها الثِّقاتُ بعضهم عن بعض، إلّا أنّا إذا سُئلنا عن تفسيرِ هذه الأحاديث لم نُفَسِّرْها، ولم نذكُرْ أحدًا يُفَسِّرُها (٤) .

    ج ٥ ص ١٦١
  2. وقد كان مالكٌ يُنكِرُ على مَن حدَّث بمثل هذه الأحاديث. ذكَره أصبغُ وعيسى، عن ابنِ القاسم، قال: سألتُ مالكًا عمَّن يُحدِّثُ الحديثَ: "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ على صورَته" (٥) ، والحديثَ: "إنَّ اللهَ يكشِفُ عن ساقِه يومَ القيامةِ" (٦) ، وأنَّه يُدخِلُ في النارِ يَدَه حتى يُخرجَ مَن أرادَ (٧) . فأنكرَ ذلك إنكارًا شديدًا،

    ج ٥ ص ١٦٣ونَهى أن يُحدِّثَ به أحدٌ وإنَّما كَرِه ذلك مالكٌ خشيةَ الخوضِ في التَّشبيه بكَيْفٍ هاهنا.

  3. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: سمِعتُ ابنَ وضاح يقول: سألتُ يحيى بنَ معينٍ عن التَّنزُّل؟ فقال: أَقِرَّ به، ولا تَحُدَّ فيه بقولٍ، كلُّ مَن لَقِيتُ من أهل السُّنة يُصَدِّقُ بحديثِ التَّنزُّلِ. قال: وقال لي ابنُ معينٍ: صدِّقْ به ولا تَصِفْه.

  4. وحدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيْم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: سألتُ يحيى بنَ معينٍ عن التَّنزُّل؟ فقال: أَقِرَّ به ولا تَحُدَّ فيه.

  5. وأخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بنُ مخلدٍ، قال: حدَّثنا بكارُ بنُ عبدِ الله القُرشيُّ، قال: حدَّثنا مهدِيُّ بنُ جعفرٍ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، أنَّه سأله عن قولِ الله عزَّ وجلَّ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} : كيف استوى؟ قال: فأطرَق مالكٌ، ثم قال: استواؤُه مجهول، والفعلُ منه غيرُ معقول، والمسألةُ عن هذا بِدْعَة (١) .

    قال بَقيٌّ: وحدَّثنا أيُّوبُ بنُ صالح المَخزوميُّ بالرَّملَة، قال: كنا عند مالكٍ إذ جاءَه عراقيٌّ، فقال له: يا أبا عبدِ الله، مسألةٌ أُريدُ أن أسألَك عنها. فطَأْطَأَ مالكٌ رأسَه، فقال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . كيف استَوى؟ قال: سألتَ عن غيرِ مجهول، وتكَلَّمتَ في غيرِ معقول، إنَّك امرؤُ سوءٍ، أخرِجوه. فأخَذُوا بضَبْعَيْه فأخرَجوه (٢) .

    وقال يحيى بنُ إبراهيمَ بنِ مُزَيْنٍ: إنَّما كَرِه مالكٌ أن يتحدَّثَ بتلك الأحاديث، لأنَّ فيها حدًّا وصِفَةً وتَشبيهًا، والنَّجاةُ في هذا الانتهاءُ إلى ما قال اللهُ عزَّ وجلَّ،

    ج ٥ ص ١٦٤ووَصَف به نفسَه، بوجهٍ ويَدينِ وبَسطٍ واستواءٍ وكلام، فقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] وقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: ٦٤] ، وقال: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: ٦٧] ، وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . فليقل قائلٌ بما قال الله، ولْينْتَه إليه ولا يَعْدُوه (١) ، ولا يُفَسِّرْه، ولا يقل: كيف؟ فإنَّ في ذلك الهلاك لأنَّ اللهَ كلَّفَ عبيدَه الإيمانَ بالتنزيل، ولم يُكلِّفْهم الخوضَ في التأويل الذي لا يعلمُه غيرُه. وقد بلَغَني عن ابنِ القاسم أنَّه لم يَرَ بأسًا بروايةِ الحديث: "إن الله ضَحِكَ" ، وذلك لأنَّ الضَّحِكَ من الله، والتَّنزُّلَ، والملالةَ، والتَّعجُّبَ منه، ليسَ على جهةِ ما يكونُ من عبادِه.

    قال أبو عُمر: الذي أقول: إنَّه مَن نظر إلى إسلام أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وطلحةَ، وسعدٍ، وعبد الرحمن، وسائرِ المهاجرين والأنصار، وجميع الوفودِ الذين دخَلوا في دينِ الله أفواجًا، عَلِم أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يَعرِفْه واحدٌ منهم إلّا بتَصديقِ النَّبيينَ بأعلام النُّبوَّة، ودلائل الرِّسالة، لا من قِبَل حركةٍ، ولا من بابِ الكلِّ والبَعضِ، ولا من باب "كان" و "يكون" ، ولو كان النَّظرُ في الحركةِ والسُّكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونَفْيِه، والتَّشبيهِ ونَفيِه، لازِمًا، ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجبَ ما نَطَق القرآنُ بتزكيَتِهم وتقديمِهم، ولا أطْنَبَ في مَدْحِهم وتعظيمِهم، ولو كان ذلك من عَملِهم مشهورًا، أو من أخلاقِهم معروفًا، لاسْتفاضَ عنهم ولشُهِرُوا به كما شُهِروا بالقرآن والروايات. وقولُ رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -: "يَنزِلُ ربُّنا إلى السَّماءِ الدُّنيا" عندَهم مثلُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: ١٤٣] ، ومثلُ قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: ٢٢] ، كلُّهم يقول: يَنزِلُ ويتَجَلَّى ويَجيءُ، بلا كَيف، لا يقولون: كيف يجيءُ؟ وكيف يتَجَلَّى؟

  6. وكيف ينزِلُ؟ ولا: من أين جاء؟ ولا: من أين تجلَّى؟ ولا: من أين ينزِلُ؟ لأنَّه ليس كشيءٍ من خلقِه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريكَ له. وفي قول الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} ، دلالةٌ واضحةٌ أنَّه لم يكنْ قبلَ ذلك متجلِّيًا للجبل، وفي ذلك ما يُفسِّرُ معنى حديث التنزيل، ومَن أرادَ أن يقفَ على أقاويلِ العلماءِ في قوله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} ، فلينظر في "تفسير بَقيِّ بنِ مَخلدٍ" ، و "محمدِ بن جريرٍ" ، وليقِفْ على ما ذكَرَا من ذاك، ففيما ذكَرا منه كفايةٌ، وبالله العصمةُ والتوفيق.

    ج ٥ ص ١٦٥
  7. وفي قول الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: ١٤٣] ، دلالةٌ واضحةٌ لمن أرادَ الله هُداه، أنَّه يُرى إذا شاء، ولم يشأ ذلك في الدُّنيا بقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: ١٠٣] ، وقد شاء ذلك في الجنة بقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، ولو كانَ لا يراه أهلُ الجنة لما قال: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} . وفي هذا بيانُ أنَّه لا يُرَى في الدنيا؛ لأنَّ أبصارَ الخلائق لم تُعْطَ في الدُّنيا تلك القوّة، والدليلُ على أنَّه ممكنٌ أن يُرَى في الآخرةِ شَرْطُه في الرُّؤية ما يمكِنُ، من استقرارِ الجبلِ، ولا يستحيلُ وقوعُه، ولو كان محالًا كَونُ الرُّؤية لقَيَّدَها بما يَستحيلُ وُجودُه، كما فعَل بدُخُول الكافرين الجنّة، قُيِّد قبل ذلك بما يستحيلُ من دُخول الجَمَل سَمِّ الخِياط، ولا يَشُكُّ مسلمٌ أنَّ موسى كان عارفًا بربِّه وما يجوزُ عليه، فلو كان عندَه مستحيلًا لم يسألْه ذلك، ولكان بسُؤاله إيّاه كافرًا، كما لو سألَه أن يتَّخِذَ شريكًا أو صاحبةً، وإذا امتنَع أن يُرى في الدُّنيا بما ذكَرنا، لم يكن لقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، وجهٌ إلّا النظر إليه في القيامة، على ما جاء في الآثار الصِّحاح عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - وأصحابه وأهلِ اللِّسان، وجعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ الرُّؤيةَ لأوليائِه يومَ القيامة، ومَنَعها من أعدائِه،

    ج ٥ ص ١٦٦ألم تسمَعْ إلى قوله عزَّ وجلَّ: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ؟ [المطففين: ١٥] وإنَّما يَحتجِبُ اللهُ عن أعدائه المكذِّبين، ويتجَلَّى لأوليائه المؤمنين. وهذا معنى قولِ مالكٍ في تفسير هذه الآية. وأما قولُه في تأويل قول الله عزَّ وجلَّ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، فإن أشهَبَ رَوَى عن مالكٍ، أنَّه سمِعه وسُئِل عن قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، قال: ينظُرون إلى الله عزَّ وجلَّ، قال موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: ١٤٣] ، وعلى هذا التأويل في هذه الآية جماعةُ أهل السنة، وأئمةُ الحديث والرَّأي.

  8. ذكر أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ سابطٍ في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} ، قال: من النِّعمة، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، قال: تنظُرُ إلى الله (١) .

    قال: وحدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عطاءِ بنِ السائب، عن أبيه، قال: صلَّى بنا عمارُ بنُ ياسرٍ، وكان في دعائه: اللهمَّ إنِّي أسألكَ النَّظرَ إلى وجهِكَ، والشَّوقَ إلى لقائِك (٢) .

  9. وقد جاء أنَّ موسى قال له ربُّه حينئذٍ: "لن تراني عينٌ إلا ماتَت، إنَّما يراني أهلُ الجنةِ الذين لا تموتُ أعيُنُهم، ولا تَبْلى أجسادُهم" (١) .

    ج ٥ ص ١٦٧
  10. وجاءَ عن الحسنِ أنَّه قال: لمّا كلَّم موسى ربُّه، دخَل قلبَه من السُّرور بكلامِه ما لم يدخُلْ قلبَه مثلُه، فدعَته نفسُه إلى أن يُرِيَه نفسَه. وعن قتادةَ، وأبي بكرٍ بنِ أبي شيبةَ، وجماعةٍ مثلُ ذلك.

  11. وذكَر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العاليةِ في قوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: ١٤٣] ، قال: أولُ مَن آمنَ بك أنَّه لا يراكَ أحدٌ إلّا يومَ القيامة (٢) . ولو كان فيها عهدٌ إلى موسى قبل ذلك أنَّه لا يُرى، لم يسألْ ربَّه ما يعلَمُ أنَّه لا يُعطِيه إيّاه، ولو كان ذلك عندَه غيرَ ممكنٍ، لمَا سأله ما لا يمكنُ عندَه. وأهلُ البدع المخالفونَ لنا في هذا التأويل يقولون: إنَّ مَن جَوَّز مثلَ هذا، وأمكنَ عندَه، فقد كفَرَ. فيلْزَمُهم تكفيرُ موسى نبيِّ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكَفى بتكفيرِه كُفْرًا وجَهْلًا.

  12. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن زيادٍ الأعرابيُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بن الصبّاح الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبي حازمٍ، عن جريرِ بن عبدِ الله، قال: كنا جلوسًا عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنظَر إلى القمرِ ليلةَ البدرِ، فقال: "أمَا إنكم

    ج ٥ ص ١٦٨ستُعرَضونَ على ربِّكم، فترونَه كما تَرَون هذا، لا تضامُّونَ في رؤيَتِه"، وذكَر الحديث (١) .

    قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} ، قال: الجنةُ، {وَزِيَادَةٌ} [يونس: ٢٦] ، قال: هو النظرُ إلى وجهِ الله عزَّ وجلَّ (٢) .

  13. ورواه الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن سعيدِ بنِ نِمرانَ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق مثلَه (٣) .

  14. وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عثمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خُمَيْرٍ وسعيدُ بنُ عثمانَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ، قال: حدَّثنا عفّانُ. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم وعبيدُ الله ابنُ عائشةَ؛ قالوا: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن عبدِ الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيبٍ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، قال: "إذا دخَل أهلُ الجنة الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، نادَى مُناد: يا أهلَ الجنة، لكم عندَ الله موعدٌ يُريدُ أن يُنجِزَكُموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يُبَيِّضْ وجُوهَنا، ويُثَقِّلْ موازِينَنا، ويُجِرْنا من النّار، ويُدخِلْنا الجنة؟ فيُكشَفُ الحجابُ، فينظرونَ إليه - وقال إبراهيم - وقال الآخرُ: فينظُرونَ إلى الله تعالى - قال: فوالله ما أعطاهم اللهُ شيئًا أقَرَّ لأعيُنِهم، ولا أحَبَّ إليهم من النَّظَرِ إليه" . ثم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} " (١) . واللفظُ لحديثِ عبدِ الوارث. والآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا.

    ج ٥ ص ١٦٩
  15. فإن قيل: فقد رَوَى سفيانُ الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ الله عزَّ وجلَّ {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} ، قال: حَسنَةٌ، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، قال: تَنظُرُ الثَّواب (٢) . ذكَرَه وكيعٌ وغيرُه، عن سفيان.

  16. فالجوابُ أنّا لم نَدَّعِ الإجماعَ في هذه المسألة، ولو كانتْ إجماعًا ما احتَجْنا فيها

    ج ٥ ص ١٧٠إلى قول، ولكنَّ قولَ مجاهدٍ هذا مَرْدُودٌ بالسُّنةِ الثابتةِ عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، وأقاويلِ الصحابةِ، وجمهورِ السَّلَف. وهو قولٌ عند أهلِ السُّنةِ مَهجورٌ، والذي عليه جَماعتُهم ما ثَبتَ في ذلك عن نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم -، وليس من العلماءِ أحدٌ إلّا وهو يُؤخَذُ من قوله ويُتركُ، إلّا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ومجاهدٌ وإن كان أحدَ المقدَّمين في العلم بتأويلِ القرآن، فإنَّ له قولين في تأويل آيتين، هما مهجوران عندَ العلماء مرغوبٌ عنهما؛ أحدهما: هذا، والآخرُ: قولُه في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: ٧٩] .

  17. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا أبو أميةَ الطَّرَسُوسيُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا} ، قال: يُوسِّعُ له على العرشِ فيجلسُه معه (١) .

  18. وهذا قولٌ مخالفٌ للجماعة من الصحابةِ ومَن بعدَهم، فالذي عليه العلماءُ في تأويل هذه الآية، أنَّ المقامَ المحمودَ: الشَّفاعةُ. والكلامُ في هذه المسألةِ من جهةِ النظرِ يطولُ، وله مَوضِعٌ غيرُ كتابِنا هذا، وبالله التوفيق.

  19. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا الهيثمُ (١) بنُ خارجة، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: سألتُ الأوزاعيَّ، وسفيانَ الثوريَّ، ومالكَ بنَ أنس، وليثَ بنَ سعدٍ غيرَ مرَّة، عن الأحاديث التي فيها ذكرُ الرُّؤية، فقالوا: أمِرُّوها كيفَ جاءَت بلا كيفٍ (٢) .

    ج ٥ ص ١٧١
  20. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على غفرانِ الذنوبِ وإجابةِ الدَّعوة، ودليل على أنَّ من أجزاءِ الليل وقتًا يُجابُ فيه الدُّعاءُ، ولكن من مقدارِ ثلثِ الليل الآخر. وقد قيل: من مقدارِ نصفِ الليل إلى آخرِه. وكلُّ هذا قد رُوِيَ في أحاديثَ صحاح، ولم يزَلِ الصالحون يَرغَبُون في الدعاءِ والاستغفار بالأسحار؛ لهذا الحديث، ولقوله عزَّ وجلَّ: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: ١٧] .

  21. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا سُنَيْدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا هُشيم، قال: أنبأنا عبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ، عن محارِبِ بنِ دِثارٍ، عن عمِّه قال: كنتُ آتي المسجدَ في السَّحَر، فأمرُّ بدار ابنِ مسعودٍ، فأسمَعُه يقول: اللَّهُمَّ إنك أمَرتني فأطَعْتُ، ودعَوتَني فأجَبْتُ، وهذا سَحَرٌ، فاغفِرْ لي. فلقِيتُ ابنَ مسعودٍ فقلتُ: كلماتٌ أسمعُك تقولُهُنَّ في السَّحر؟ فقال: إنَّ يعقوبَ أخَّرَ بَنيهِ إلى السَّحَر (٣) .

  22. وعن أحمدَ بنِ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال (١) : حدَّثنا سَلْمُ بنُ جُنادةَ السُّوائيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمن بنَ إسحاقَ يذكُرُ عن محاربِ بن دثارٍ، قال: كان عمِّي يأتي المسجدَ فيسمَعُ إنسانًا يقول: اللَّهُمَّ دعوتَني فأجَبتُ، وأمَرتني فأطَعتُ، وهذا سَحَرٌ، فاغْفِرْ لي. قال: فاستَمَعَ الصَّوتَ فإذا هو من دار عبدِ الله بنِ مسعودٍ، فسألَ عبدَ الله عن ذلك، فقال: إنَّ يعقوبَ عليه السلام أخَّرَ بَنيه إلى السَّحرِ بقوله: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: ٩٨] .

    ج ٥ ص ١٧٢
  23. ورَوَى حمّادُ بنُ سلَمةَ، عن الجُريريِّ، أنَّ داودَ عليه السلام سأل جبريلَ، فقال: أيُّ الليل أسمعُ؟ قال: لا أدري، غير أنَّ العرشَ يهتزُّ في السَّحَر (٢) .