ابن شهاب عن محمد بن عبد الله الهاشمي حديث واحد

٦٩ فقرة، ج ٦ ص ٥

الصفحة ٢ من ٢

  1. وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ في التَّمَتُّع ومَسائلِه المذكور هاهنا كلِّها كقولِ الشافعيِّ سواء، وله قولان أيضًا في صيام المتَمَتِّع أيامَ التَّشْرِيق إن لم يَصُمْ قبلَ يوم النَّحْر.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا لم يَسُقِ المُتَمَتِّعُ هَدْيًا، فإذا فَرَغ مِن عمرتِه صار حلالًا، فلا يَزالُ كذلك حتى يُحرِمَ بالحَجِّ فيصيرَ حَرَامًا. ولو كان ساق

    ج ٦ ص ١٨هَدْيًا لمتْعَتِه لم يَحلَّ مِن عُمْرَتِه حتى يَحلَّ مِن حَجَّتِه (١) ؛ لأنَّه ساق الهَدْيَ، على حديثِ حَفصَةَ (٢) .

    ج ٦ ص ١٧
  2. وحُجَّةُ الشافعيِّ في جوازِ إحْلالِه، أنَّ المتَمَتِّعَ إنَّما يكونُ مُتَمَتِّعًا إذا اسْتَمْتَع بإحْلالِه إلى أنْ يُحرِمَ بالحَجِّ، وأمَّا مَن لم يَحلَّ مِن المعْتَمِرِين فإنَّما هو قارِنٌ لا مُتَمَتِّعٌ، والقِرانُ قد أباح التَّمَتُّع.

  3. فهذه جُمْلَةُ أُصولِ أحْكام التَّمَتعُّ بالعمرةِ إلى الحجُّ، وهذا هو الوَجْهُ المشهورُ في التَّمَتعُّ. وقد قيل: إنَّ هذا الوجهَ هو الذي رُويَ عن عمرَ بنِ الخطابِ وعبدِ الله بنِ مسعودٍ كراهِيَتُه، وقالا، أو أحَدُهما: يأْتي أحَدُهم مِنًى وذكَرُه يَقْطُرُ مَنِيًّا (٣) . وقد أجْمَع علماءُ المسلمين على جَوازِ هذا، وعلى أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أباحَه وأذِن فيه.

  4. وقد قال جماعةٌ مِن العلماء: إنَّما كَرِهه عمرُ رضي اللهُ عنه لأنَّ أهلَ الحرم كانوا قد أصابَتْهم يومَئِذٍ مجاعةٌ، فأراد عمرُ أن يَنْتَدِبَ الناسَ إليهم ليَنْعَشُوا بما يُجلَبُ مِن المِيَر.

    وقال آخرون: أحبَّ أن يُزارَ البيتُ في العام مرَّتَيْن؛ مرَّةً للحجِّ، ومرَّةً للعمرةِ، ورأى أنَّ الإفرادَ أفْضَلُ، فكان يَمِيلُ إليه، ويأْمُرُ به، ويَنْهَى عن غيرِه اسْتِحبَابًا،

    ج ٦ ص ١٩ولذلك قال: افْصِلُوا بينَ حجِّكم وعُمْرتِكم، فإنَّه أتمُّ لحجِّ أحَدِكم ولعُمْرتِه أن يَعْتَمِرَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ (١) .

  5. أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا صدَقَةُ بنُ موسى، عن مالكِ بن دينار، قال: سألتُ بالحجازِ عطاءَ بنَ أبي ربَاح وطاووسًا والقاسِمَ بنَ محمد وسالم بنَ عبدِ الله، وسألتُ بالبصرةِ الحسنَ وجابِرَ بنَ زيد ومعْبدًا الجُهَنيَّ وأبا المُتوَكِّل الناجِيَّ، كلُّهم أمرَني بمُتْعَةِ الحجِّ (٢) .

  6. والوجْهُ الثاني مِن وجُوهِ التَّمَتُّع بالعُمْرَةِ إلى الحجِّ: هو أن يجمَعَ الرجلُ بينَ الحجِّ والعُمْرَة، فيُهِلَّ بهما جميعًا في أشهرِ الحجِّ وغيرها، فيقولُ: لبَّيْك بعُمرةٍ وحَجَّةٍ معًا. فإذا قَدِم مكةَ طاف لحجَّتِه وعُمرتِه طوافًا واحِدًا، وسَعَى سَعْيًا واحِدًا، أو طاف طَوَافَين، وسَعَى سَعْيَين، على مَذْهَب مَن رأى ذلك. وقد ذكرْنا القائِلِين بالقَوْلَين جميعًا، وحُجَّةَ كلِّ فريقٍ منهم، في بابِ ابنِ شهاب، عن عروةَ (٣) .

  7. وإنَّما جُعِل القِرَانُ مِن التَّمَتُّع؛ لأنَّ القارِنَ يَتَمَتَّعُ بتَرْكِ النَّصَبِ في السَّفَرِ إلى العُمْرَةِ مَرَّةً وإلى الحجِّ أُخرى، ويَتَمَتَّع بجَمْعِهما، ولم يُحرِمْ لكلِّ واحِدَةٍ مِن مِيقاتِه، وضمَّ العُمرة (٤) إلى الحجِّ، فدخَل تحت قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦] .

  8. وهذا وجْهٌ مِن التَّمَتُّع لا لِخلافَ بينَ العلماءِ في جَوازِه، وأهلُ المدينةِ لا يُجيزُونَ الجمعَ بينَ الحجِّ والعُمْرَة إلَّا بسِيَاقِ الهدْي، وهو عندَهم بَدَنَةٌ لا يجوزُ دُونَها، وأهلُ العراقِ يختارُونَ البدنةَ ويَسْتَحبُّونَها، وتُجزئُ عندَهم عن القارِنِ شاةٌ. وهو قولُ الشافعيِّ، وقد قال في بعضِ كُتُبِه (١) : القارِنُ أخَفُّ حالًا مِن المُتَمَتِّع. فإنْ لم يَجدِ القارِنُ الهَدْيَ، صام ثلاثةَ أيَّام في الحجِّ وسبعةً إذا رجَع إلى بَلَدِه، حُكْمُه في ذلك حُكْمُ المتَمَتِّع بالعمرةِ إلى الحجِّ.

    ج ٦ ص ٢٠
  9. وممَّا يَدُلُّ على أنَّ القِرانَ تَمَتُّعٌ، قولُ ابنِ عمرَ: إنَّما جُعِل القِرانُ لأهلِ الآفاقِ، وتَلا: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (٢) [البقرة: ١٩٦] .

  10. فمَن كان من حاضِرِي المسجدِ الحرام، تَمَتَّعَ أو قَرَن، لم يكنْ عليه دَمُ قِرانٍ ولا تَمَتُّع، ومَن لم يكنْ أهْلُه حاضِرِي المسجِدِ الحرام، وقَرَن أو تَمَتَّع، فعليه دَمٌ.

    ج ٦ ص ٢١
  11. وكان عبدُ الملكِ بنُ الماجِشُونِ يقولُ: إذا قرَن المكِّيُّ الحجَّ مع العُمرةِ، كان عليه دَمُ القِرانِ؛ مِن أجْلِ أنَّ اللهَ تعالى إنَّما أسْقَط عن أهلِ مكَّةَ الدَّمَ والصِّيامَ، في التَّمَتُّع لا في القِرانِ (١) .

    وقال مالكٌ: لا أُحِبُّ لمكيٍّ أن يَقْرُنَ بينَ الحجِّ والعُمْرَةِ، وما سمِعتُ أنَّ مكّيًّا قرَن، فإن فعَل لم يكنْ عليه دمٌ ولا صيام (٢) . وعلى قولِ مالكٍ جمهورُ الفقهاء في ذلك.

  12. والوَجْهُ الثالثُ مِن التَّمَتُّع: هو الذي تَواعَدَ عليه عمرُ بنُ الخطابِ الناسَ، وقال: مُتْعَتان كانتا على عهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أنْهَى عنهما وأُعاقِبُ عليهما (٣) ؛ مُتْعَةُ النِّساء ومُتْعَةُ الحجِّ (٤) .

  13. وقد تنازَعَ العلماءُ (١) بعدَه في جَوازِ هذا الوَجْهِ هَلُمَّ جرًّا؛ وذلك أنْ يُهِلَّ الرجلُ بالحجِّ، حتى إذا دخَل مكةَ فسَخَ حجَّه في عُمْرَةٍ، ثم حَلَّ وأقامَ حلالًا حتى يُهِلَّ بالحجِّ يومَ التَّرْوِيَةِ. فهذا هو الوجهُ الذي تَواتَرتِ الآثارُ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، أنَّه أمَر أصْحابَه في حَجَّتِه؛ مَن لم يكنْ معه منهم هَدْيٌ، ولم يَسُقْه، وقد كان أحْرَم بالحَجِّ، أن يَجعَلَها عُمْرَةً.

    ج ٦ ص ٢٢
  14. وقد أجمَع العلماءُ على تَصْحيح الآثارِ بذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - ولم يدْفَعوا شيئًا منها، إلَّا أنَّهم اخْتَلَفوا في القولِ بها والعَمَلِ؛ لعِلَلٍ نَذْكُرُها إن شاء الله. فجمهورُ أهلِ العِلْم على تَرْكِ العَمَل بها؛ لأنَّها عندَهم خُصوصٌ خَصَّ بها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه في حَجَّتِه تلك؛ لعِلَّةٍ قالها ابنُ عباسٍ رَحِمَه الله، قال: كانوا يَروْنَ العمرةَ في أشهرِ الحجِّ مِن أفجرِ الفُجور، ويجعَلون المحرمَ صفرًا (٢) ، ويقولونَ: إذا برَأ

    ج ٦ ص ٢٣الدَّبَرْ (١) ، وعَفا الأثَرْ، وانْسَلَخ صفَرْ - أو قالوا: دخَلَ صفَرْ - حلَّت العُمرَةُ لمن اعتَمَرْ؛ ذكره ابنُ أبي شيبة، عن أبي أُسامة، عن وُهيْب، عن ابنِ طاوُوس، عن أبيه، عن ابنِ عباس (٢) .

    قال أبو بكر بنُ أبي شيبةَ: وحدَّثنا يحيى بنُ آدَم، قال: حدَّثنا وهَيْب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ طاووس، عن أبيه، عن ابنِ عباس، قال: كان أهلُ الجاهليَّة يرَوْن أنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ مِن أفجرِ الفُجورِ، وكانوا يُسَمُّونَ المحرَّمَ صَفَرًا، وكانوا يقولون: إذا برَأ الدَّبَرْ، وعَفا الأثَرْ، وانسَلَخ صَفَر، حلَّتِ العمرةُ لمن اعتَمَر. فقَدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه صَبِيحَةَ رابعَة، فأمَرَهم أن يجعَلوها عمرة، فقالوا: يا رسولَ الله، أيُّ الحلِّ؟ قال: "الحلُّ كلُّه" .

  15. ففي هذا دليلٌ على أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما فسَخ الحجَّ في العمرةِ ليُريَهم أنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ لا بأْسَ بها، وكان ذلك له ولمن معه خاصَّةً؛ لأنَّ اللهَ قد أمرَ بإتمام الحجِّ والعُمرةِ كلَّ مَن دخَل فيهما أمْرًا مُطلَقًا، ولا يجبُ أن يُخالَفَ ظاهِرُ كتابِ الله إلَّا إلى ما لا إشْكالَ فيه، مِن كتابٍ ناسِخ، أو سُنَّةٍ مُبيِّنة.

  16. واحتَجُّوا مِن الحديثِ بما حدَّثنا به محمدُ بنُ إبرهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١) : أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، عن عبدِ العزيز بنِ محمد، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن، عن الحارِثِ بنِ بلال، عن أبيه، قال: قُلْنا: يا رسولَ الله، فَسْخُ الحجِّ لنا خاصَّةً أم للناسِ عامةً؟ فقال: "بل لنا خاصَّةً" .

    ج ٦ ص ٢٤
  17. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ الدَّراورديُّ، قال: سمِعتُ ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمن يذكُرُ عن الحارِثِ بنِ بلالِ بنِ الحارِثِ المزنيِّ، عن أبيه، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أفَسْخُ الحجِّ لنا خاصَّةً أم لمن بعدَنا؟ قال: "بل لنا خاصَّةً" (٢) .

  18. وحدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارِثِ (٣) ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ

    ج ٦ ص ٢٥إسحاقَ، قال: حدَّثنا حجَّاجُ بنُ منهال، قال: حدَّثنا أبو عوانَة، عن معاويةَ بنِ إسحاقَ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن أبيه، قال: سُئِلَ عثمانُ بنُ عفانَ عن مُتْعَةِ الحجِّ، فقال: كانت لنا، ليست لكم (١) .

  19. وذكر أبو بكرٍ بنُ أبي شيبة (٢) ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ ويعلى بنُ عبيد، عن الأعمش، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ، قال: إنَّما كانتِ المتعةُ بالحجِّ لأصحابِ محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّة. قال أبو معاوية: يعني أن يُجعَلَ الحجُّ عُمْرَةً.

    وقال إسماعيلُ: حدَّثنا حجاج، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ الثقفي، عن يحيى بنِ سعيد، قال: أخبرني المُرَقِّع، عن أبي ذرٍّ، قال: ما كانت لأحَدٍ بعدنا أن يُحرِمَ بالحجِّ ثم يَفْسَخَها بعُمرة (٣) .

  20. وعلى هذا جماعَةُ فقهاء الحجازِ، والعراق، والشام، كمالك، والثوريّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابِهم، وأكثرُ علماء التابعين، وجمهورُ فقهاء المسلمين، إلَّا شيءٌ يُروى عن ابنِ عباسٍ وعن الحسنِ البصريِّ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبل. قال أحمدُ بنُ حنبل: لا أرُدُّ تلك الآثارَ المتَواتِرةَ الصِّحاحَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في فَسْخ الحجِّ في العُمرَةِ بحديثِ الحارثِ بنِ بلال، عن أبيه، وبقولِ أبي ذر. قال: ولم يُجمِعوا على ما قال أبو ذَرٍّ، ولو أجمَعوا كان حُجَّة. قال: وقد خالَفَ ابنُ عباسِ أبا ذَرٍّ ولم يجعَلْه خُصُوصًا (١) .

    ج ٦ ص ٢٦
  21. وذكر عن يحيى القطَّان، عن الأجْلَح (٢) ، عن عبدِ الله بنِ أبي الهُذيْل، قال: كنتُ جالسًا عندَ ابنِ عباس، فأتاه رجلٌ يَزْعُمُ أنَّه مُهِلٌّ بالحجِّ، وأنَّه طاف بالبيتِ وبالصَّفا والمروة، فقال له ابنُ عباس: أنت مُعْتَمِر، فقال له الرجلُ: لم أُرِدْ عمرة، فقال: أنتَ مُعتَمِر.

  22. وروى ابنُ أبي مُلَيكَة، عن عروةَ بنِ الزبير، أنَّه قال لابنِ عباس: أضْلَلَتَ الناسَ. قال: وما ذاك؟ قال: تُفْتي الناسَ إذا طافوا بالبيتِ فقد حلُّوا، وقال أبو بكر وعُمَر: مَن أحْرَم بالحجِّ لم يزَلْ مُحرِمًا إلى يوم النَّحْر، فقال ابنُ عباس:

    ج ٦ ص ٢٧أُحدِّثُكم عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وتُحدِّثُوني عن أبي بكرٍ وعمر! فقال عُرْوَة: كانا أعلمَ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - منك (١) .

  23. وذكر رَوْحُ بنُ عُبَادَة، عن أشْعَث (٢) ، عن الحسن، جوازَ فَسْخ الحجِّ في العُمْرَة.

  24. واحْتَجَّ أحمدُ ومَن قال بهذا القولِ بقولِ سُرَاقَة بنِ مالكِ بنِ جُعْشُم في حديثِ جابِر: يا رسولَ الله، مُتْعَتُنا هذه لعامِنا أم للأبدِ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل للأبدِ" (٣) . وهذا يحتَمِلُ أن يكونَ أراد وُجوبَ ذلك مرَّة في الدَّهْرِ، واللهُ أعلم.

  25. والوجهُ الرابعُ مِن المتعةِ: مُتْعَةُ المحْصَرِ ومَن صُدَّ عن البيت.

  26. ذكرَ يعقوبُ بنُ شيبة، قال: أخبرنا أبو سَلَمَةَ التَّبُوذَكيُّ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْد، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ الزبيرِ وهو يَخطُبُ وهو يقول: أيُّها الناسُ، إنَّه والله ليس التَّمَتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ كما تَصنَعون (٤) ، ولكنَّ التَّمَتُّعَ بالعمرةِ إلى الحجِّ أن يخرُجَ الرجلُ حاجًّا فيَحْبِسَه عدوٌّ أو أمْرٌ يُعْذَرُ به، حتى تَذْهَبَ أيَّامُ الحجِّ، فيأتيَ البيتَ فيطوفَ، ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروة، ثم

    ج ٦ ص ٢٨يتَمَتَّعَ بحِلِّه إلى العام المسْتَقْبَل (١) ، ثم يَحُجَّ ويُهْدِي (٢) . وسنذْكُرُ وُجوهَ ذلك في بابِ نافِع، عن ابنِ عُمَر، إنْ شاءَ الله.

  27. وأمَّا قولُ سعدٍ: صَنَعها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وصَنَعْناها معه. فليس فيه دليلٌ على أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَمَتَّع؛ لأنَّ عائشةَ وجابرًا يقولان: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أفْرَدَ الحجَّ (٣) .

  28. ويقولُ أنسٌ، وابنُ عباس، وجماعةٌ: قَرَن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال أنسٌ: سَمِعتُه يُلبِّي بعُمْرَةٍ وحجَّة معًا (١) . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "دخَلَتِ العُمرَةُ في الحجِّ إلى يوم القِيامَةِ" (٢) (٣) .

    ج ٦ ص ٢٩
  29. وَيحْتَملُ قوله: صَنَعها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، بمعنَى: أذِنَ فيها وأباحها. وإذا أمَرَ الرئيسُ بالشيء جازَ أن يُضافَ فِعْلُه إليه، كما يقال: رَجَم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الزِّنَى، وقَطَع في السَّرِقَة، ونحوُ هذا. ومن هذا المعنى قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} [الزخرف: ٥١] أي: أمرَ فنُودِي (٤) ، واللهُ أعلم.