ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أحد عشر حديثا، منها واحد مرسل وعشرة متصلة مسندة

٣١٩ فقرة، ج ٦ ص ٩٦

الصفحة ٣ من ٨

  1. وأمَّا سائِرُ العلماء، وجماعَةُ أئمةِ الأمصارِ في الفَتْوَى، فالفَأرَةُ، والوَزَغةُ، والدجاجةُ، وما يُؤكَلُ وما لا يُؤكَلُ عندَهم سواءٌ، إذا مات في السمنِ أو الزيتِ، أو وقَعَ فيه وهو ميتٌ، إذا كان له دَمٌ، ولم يكن كالبعُوضِ الذي لا دَمَ له، والدُّودِ، وشِبْهِ ذلك.

    ج ٦ ص ١٣٣
  2. وأجمعَوا أن المائعاتِ كلَّها من الأطعِمَةِ والأشربَةِ، ما خَلا الماء، سواءٌ إذا وقَعَت فيها الميتةُ، نجَّسَتِ المائِعَ كلَّه، ولم يجُزْ أكْلُه (٣) ولا شربُه عندَ الجميع (٤) ، إلا فِرْقَةً شذَّتْ، على ما ذكرنا، منهم داود (٥) .

  3. واختلفوا في الزيتِ تقَعُ فيه الميتةُ، بعدَ إجماعِهم على نجاسَتِه، هل يُسْتَصْبَحُ به، وهل يُباعُ ويُنتَفَعُ به في غيرِ الأكْلِ؟ فقالت طائِفَةٌ من العلماء: لا يُسْتَصْبَحُ به، ولا يُبَاعُ، ولا يُنتَفَعُ بشيءٍ منه. وممن قال ذلك منهم؛ الحسنُ بنُ صالح، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (١) . ومن حُجَّةِ من ذهب هذا المذهبَ قولُه - صلى الله عليه وسلم - في السمنِ تقَعُ فيه الفأرَةُ: "خُذُوها وما حولَها فألقُوه، وإن كان مائعًا فلا تقرَبُوه" . قالوا: فلما أمَرَ بإلقاء الجامِدِ، وحَكَم له بحكم الفأر الميِّتة، وجب أن يُلْقَى أبدًا، ولا يُنتَفَعَ به في شيءٍ، كما لا يُنتَفَعُ بالفأرَةِ، ولو كان بينَهما فَرْقٌ لَبيَّنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولما أمَرَ بإلقاء شيءٍ يُمكنُ الانتفاعُ به. قالوا: وكذلك المائِعُ يُلْقَى أيضًا كلُّه، ولا يُقْرَبُ، ولا يُنتَفَعُ بشيءٍ منه، هذا لو لم يكن في المائِع نَصٌّ، فكيف وقد قال عبدُ الرزاقِ في هذا الحديثِ: "وإن كان مائعًا فلا تَقْرَبُوه" (٢) ؟

    ج ٦ ص ١٣٤
  4. واحتَجُّوا أيضًا بعُمُوم تحريم الميْتَة في الكتابِ والسنةِ، فمِن ذلك ما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بنُ شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباح: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدٍ الله يقولُ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ الفتح بمكةَ: "إنَّ اللهَ ورسولَه حرَّمَ بيعَ الخمرِ، والميْتَةِ، والخنزيرِ والأصنام" ، قيل له: يا رسولَ الله، أرأيْتَ شحومَ الميْتَةِ، فإنه يُدْهَنُ بها السُّفُنُ والجلُودُ، ويَسْتَصْبحُ بها

    ج ٦ ص ١٣٥الناسُ؟ فقال: "لا، هي حَرَامٌ" . ثم قال رسولُ الله: "قَاتَلَ اللهُ اليهودَ، لما حرَّمَ عليهم الشَّحْمَ، جمَلُوه فبَاعُوه، وأكلوا ثمَنَه" . فحَذَّرَ أُمَّتَه أن يفعَلوا مثلَ ذلك.

  5. وذكره البخاريُّ (١) ، قال: حدَّثنا قُتَيبَةُ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن عطاء بنِ أبي رباح، عن جابرِ بنِ عبدٍ الله، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه. وذكره ابنُ أبي شيبةَ (٢) ، عن أبي أُسامةَ، عن عبدٍ الحميد بنِ جَعْفَرٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ مرفوعًا مثلَه.

    وقال آخرون: يجوزُ الاستصباحُ بالزيتِ تقَعُ فيه الميتَةُ، ويُنتَفَعُ به في الصابُونِ وشِبْهِه، وفي كلِّ شيءٍ، ما لم يُبَعْ ولم يُؤكلْ، فإنه لا يجوزُ بَيْعُه ولا أكلُه بحال. وممن قال بذلك: مالكٌ (٣) ، والشافعيُّ (٤) ، وأصحابُهما، والثوريُّ (٥) .

    قال أبو عُمر: أمَّا أكلُه فمُجتَمَعٌ على تحريمِه، إلا الشُّذُوذَ الذي ذكرْنا.

  6. وأما الاسْتِصْباحُ به، فقد رُوِي عن عليِّ بنِ أبي طالبِ وعبدِ الله بنِ عمرَ إجازَةُ ذلك. روى الحارِثُ (٦) ، عن عليٍّ، قال: استنْفِعْ به للسِّراج، ولا تأكُلْه (٧) .

  7. وروى سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن أيوبَ بنِ موسى، عن نافِع، عن صَفِيّةَ بنتِ أبي عُبَيدٍ، أنَّ فأرَةً وقَعَتْ في أفْراقِ زَيْتٍ لآلِ عبدٍ الله بنِ عمرَ، فأمرَهم ابنُ عمرَ أن يَسْتَصْبِحُوا به ويَدْهُنُوا به الأُدُمَ (١) .

    ج ٦ ص ١٣٦
  8. وروى ابنُ عُيينةَ، والثوريُّ، ومعمرٌ، عن أيوبَ السَّخْتيانيِّ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ مثلَه (٢) .

  9. وروى ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن نافِع، أنَّ امرأةَ عبدٍ الله بنِ عمرَ أخبرَتْه، أنه كان لعبدِ الله بنِ عمرَ جَرَّةٌ ضَخْمَةٌ ملأى سمْنًا، فوجَد فيها فأرَةً ميتةً، فأبى أن يأكُلَ منها، ومنَعَ أهلَه، وأمرَهم أن يَسْتَصْبِحوا به، وأن يَدْهُنُوا به أُدُمًا كان لهم (٣) .

    قال ابنُ وَهْبٍ: وأخبرني أنسُ بنُ عياضٍ، عن عبيدِ الله بنِ محمدِ بنِ أبي مريمَ الثَّقفيِّ، أنه قال: سألت سعيدَ بنَ المسيِّب عن جرَّتَيْنِ وقَعَتْ فيهما فأرَتان؛ فأمَّا الواحِدَةُ فأخرجنا منها الفأرَةَ حيَّةً. فقال سعيدٌ: لا بأسَ بزيتها فكُلُوه. وأمَّا الأُخرى فعالَجْنا الفأرةَ التي فيها حتى ماتت، فقال: لا تأكلُوا ما خرَجَ رُوحُها فيها.

  10. ومن حُجَّةِ هؤلاء في تحريم بيعِه ما حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدٍ العزيز، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن خالدٍ - يعني الحذَّاء - عن برَكَةَ أبي

    ج ٦ ص ١٣٧الوليد، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لعَن اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فباعوها وأكلوا أثمانَها، وإنّ اللهَ إذا حرَّم أكلَ شيءٍ حرَّم ثمَنَه" (١) .

  11. واحتَجُّوا أيضًا بحديثِ زيدِ بنِ أسلَمَ، عن ابنِ وعْلَةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قولِه في الخمرِ: "إنَّ الذي حرَّم شُرْبَها حرَّم بَيْعَها" . وقد مضَى هذا الحديثُ بطُرُقِه، في بابِ زيدٍ من كتابِنا (٢) هذا، والحمدُ لله.

    قالوا: فهذه نُصوصٌ صِحاحٌ في أنه لا يجوزُ بيعُ شيءٍ لا يحِلُّ أكلُه من الطعام والشراب (٣) .

    وقال آخرون: يُنتَفَعُ بالزيتِ الذي تقَعُ فيه الميتَةُ بالبيع وبكلِّ شيءٍ ما عَدَا الأكلَ، فإنه لا يُؤكَلُ. قالوا: وجائِزٌ أن يَبِيعَه ويُبيِّنَ له. وممن قال ذلك؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه (٤) ، والليثُ بنُ سعد (٥) . وقد رُويَ عن أبي موسى الأشْعَريِّ، قال: لا تأكُلُوه، وبيعُوه، وبيِّنوا لن تَبِيعُونَه منه، ولا تَبِيعُوه من المسلمين (٦) . وعن القاسِم وسالم: يَبِيعُونَه ويُبيِّنُونَ له، ولا يُؤكَلُ.

  12. ذكر ابنُ وَهْبٍ، عن ابن لهيعَةَ وحيوةَ بنِ شُرَيْح، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، أنَّه قال: سألتُ القاسِمَ وسالمًا عن الزيتِ تموتُ فيه الفأرَةُ: هل يصلُحُ أن يؤكَلَ منه؟ فقالا: لا، قلتُ: أفيَبِيعُه؟ قالا: نعم، ثم كلُوا ثمَنَه، وبيِّنُوا لمن يشْتَرِيه ما وقَعَ فيه (١) .

    ج ٦ ص ١٣٨
  13. ومن حُجَّةِ من ذهَب إلى هذا المذهَبِ ما ذكره عبدُ الواحِدِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في الفأرَةِ تقَعُ في السَّمْنِ، قال: "إن كان جامدًا فألقُوها وما حولَها، وإن كان مائعًا فاستصبِحُوا به وانتفِعُوا" . قالوا: والبيعُ من بابِ الانتفاع.

    قالوا: وأما قولُه في حديثِ عبدٍ الرزاقِ: "إن كان مائِعًا فلا تقرَبُوه" . فإنه يحتَمِلُ أن يريدَ: لا تقرَبُوه للأكل.

    قالوا: وقد أجرى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - التحريمَ في شُحُوم الميتَةِ في كلِّ وجْهٍ، ومَنَعَ من الانتِفاعَ بشيءٍ منها. وذكروا حديثَ يزيدَ (٢) بنِ أبي حبيبٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، المذكورَ.

    قالوا: وأباح رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في السَّمْن تقَعُ فيه الميتَةُ، الانتِفَاعَ به، فدلَّ على جوازِ وجوهِ سائرِ الانتفاع غيرَ الأكل (٣) . قالوا: والبيعُ من الانتِفاع.

    قالوا: والنَّظَرُ يدُلُّ على ذلك؛ لأن شُحُومَ الميتَةِ محرَّمَةُ العينِ والذاتِ، وأما الزيتُ تقَعُ فيه الميَتَةُ، فإنما تَنَجَّسَ بالمجاوَرَةِ، وما تَنَجَّسَ مِنَ المجاوَرر فبَيْعُه جائزٌ؛ كالثَّوْبِ تُصِيبُه النجاسَةُ من الدَّم وغيرهِ. وفرَّقوا بينَه وبينَ أُمَّهاتِ الأولادِ، بأن الزيتَ النَّجِسَ تجوزُ هِبَتُه والصدقةُ به، وليس يجوزُ ذلك في أُمَّهاتِ الأولادِ.

    ج ٦ ص ١٣٩قالوا: وما جاز تملُّكُه جاز البيعُ فيه.

    قالوا: وأمَّا قولُه عليه الصلاةُ و السَّلامُ: "إن اللهَ إذا حرَّم أكْلَ شيءٍ حرَّمَ ثمَنَه" . فإنَّما هو كلامٌ خرَجَ على شُحُوم الميتَةِ التي حَرُمَ أكْلُها، ولم يُبَح الانتِفاعُ بشيءٍ منها، وكذلك الخمرُ، والمعنَى في ذلك: أنَّ اللهَ تعالى إذا حرَّمَ أكلَ شيءٍ ولم يُبح الانْتِفاعَ به، حرَّمَ ثَمنَه، وأمَّا ما أباح الانتِفاعَ به، فليس مما عنَى بقوله: "إنَّ اللهَ إذا حرَّمَ أكلَ شيءٍ حَرَّمَ ثمنَه" ، بدَليلِ إجماعِهم على بيع الهرِّ والفُهُودِ والسِّباع (١) المتَّخَذَةِ للصيدِ والحُمُرِ الأهلِيَّة. قالوا: وكلُّ ما يجوزُ الانتفاعُ به يجوزُ بيعُه.

    قال أبو عُمر: أجاز بعضُ أصحابِنا - وهو عبدُ الله بنُ نافِع فيما ذُكِرَ عنه - غسْلَ البانِ تقَعُ فيه الميتَةُ (٢) ، ومثلُه الزيتُ تقَعُ فيه الميتَةُ. وقد رُوِيَ عن مالكٍ أيضًا مثلُ ذلك، وذلك أن يَعْمِدَ إلى قِصَار (٣) ثلاثٍ أو أكثر، فيجعَلَ الزيتَ النجِسَ في واحِدةٍ منها حتى يكونَ نِصْفَها أو نحوَ ذلك، ثم يَصُبَّ عليها الماءَ حتى تَمْتَلئ، ثم يُؤْخَذَ الزيتُ من على الماء، ثم يُجعَلَ في أُخرى، ويُعمَلَ به كذلك، ثم في الثالثة، ويُعمَلَ به كذلك. حُكِيتْ لنا هذه الصِّفةُ في غَسْلِ الزَّيتِ عن محمدِ بنِ أحمدَ العُتْبيِّ، وهو قولٌ ليس لقائِلِه سَلَفٌ، ولا تَسْكُنُ إليه النَّفْسُ؛ لأنه لو كان جائزًا ما خَفِي على المتَقَدِّمِين، ولَعَمِلوا به، مع أنه لا يَصِحُّ غَسلُ ما لا يُرى عندَ أُولي النُّهَى (٤) . وقد

    ج ٦ ص ١٤٠رُوِي عن عطَاء بنِ أبي ربَاح في شُحوم الميتةِ قولٌ لم يَقُلْه أحَدٌ من علماء المسلمينَ غيرُه فيما عَلِمتُ (١) .

  14. ذكرَ عبدُ الرزاق (٢) ، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عطاءٌ، قال: ذكروا أنه يُسْتثْقَبُ (٣) بشُحوم الميتةِ، وتُدْهَنُ به السُّفُنُ ولا يُمَسُّ، ولكن يؤخَذُ بعُودٍ. فقلت: فيُدْهَنُ به غيرُ السُّفُنِ؟ قال: لم أعلَمْ. قلت: وأينَ يُدهَنُ به من السُّفُنِ؟ قال: ظُهُورُها، ولا تُدْهَنُ بطُونُها. قلت: فلا بُدَّ أن يمَسَّ وَدَكَها بالمصباح، فتَنالَه اليَدُ، قال: فليَغْسِلْ يَدَه إذا مَسَّه (٤) .

    قال أبو عُمر: قولُ عطاءٍ هذا شُذُوذٌ وخُروجٌ عن تأويلِ العلماء، لا يَصِحُّ به أثرٌ، ولا مدخَلَ له في النظرِ؛ لأن اللهَ حرَّمَ الميتَةَ تحريمًا مُطلقًا، فصارَتْ نَجِسَةَ الذَّات، مُحرَّمَةَ العينِ، لا يجوزُ الانتِفاعُ بشيءٍ منها، إلا ما خَصَّتِ السنةُ من الإهابِ بعدَ الدِّباغ، ولا فرقَ بينَ الشَّحْم واللحم في قياسٍ ولا أثر. وقد رُوِي

    ج ٦ ص ١٤١عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خِلافُ قولِ عطاء نصًّا من حديثه عن جابر، وقد تقدَّمَ ذكرُه في هذا البابِ (١) ، وما أدْرِي كيف جاز له الفَتْوَى بخلافِ ما روى؟ إلا أنَّهم يقولون: إنّ يزيدَ بنَ أبي حَبِيبٍ لم يسْمَعْ حدِيثَه ذلك من عطاء.

  15. وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التَّرمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم، قال: حدَّثنا زَمْعَةُ بنُ صالح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو الزبير، قال: سمِعتُ جابِرَ بنَ عبدٍ الله يقولُ: كنتُ عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا، فجاءه أناسٌ من أهل البحرَيْن فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّا نعملُ في البحر، ولنا سفينةٌ قد احتاجت إلى الدُّهْن، وقد وجدنا ناقةً ميتةً كثيرةَ الشَّحم، وقد أرَدْنا أن نَدهُنَ به سفينتَنا، فإنَّما هو عُودٌ، وإنما تجري في البحر، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنتفِعوا بشَحْم الميتة" ، أو قال: "بشيءٍ من الميتة" (٣) .

  16. حديثٌ خامسٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله مُسنَدٌ (١)

    ج ٦ ص ١٤٢
  17. مالك (٢) ، عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن عبدٍ الله (٣) بن عباس، قال: مَرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بشاةٍ مَيْتةٍ كان أعطاها مولًى لمَيمونةَ زَوْج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ألا (٤) انْتَفَعتُم بجِلْدِها؟ " ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنها ميتَةٌ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما حُرِّمَ أكلُها" .

  18. هكذا روى يحيى هذا الحديثَ، فجوَّدَ إسنادَه أيضًا وأتْقَنه، وتابعَه على ذلك ابنُ وَهْبٍ (٥) ، وابنُ القاسم (٦) ، والشافعيُّ (٧) . ورواه القَعْنَبيُّ (٨) ، وابنُ بُكيْر،

    ج ٦ ص ١٤٣وجُوَيريةُ، ومحمدُ بنُ الحسن (١) ، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيدِ الله، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مُرْسلًا. والصحيحُ فيه اتِّصالُه وإسنادُه.

  19. وكذلك رواه معمرٌ (٢) ، ويونُسُ (٣) ، والزُّبيديُّ (٤) ، وعُقَيلٌ (٥) ، كلُّهم عن ابن شهابٍ، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مثلَ روايةِ يحيى ومَن تابعَه عن مالكٍ سواءً (٦) . وكان ابنُ عيينةَ يقولُ مرَارًا كذلك (٧) ، ومرَارًا يقولُ فيه: عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ (٨) . وكذلك رواه سليمانُ بنُ كثير، عن الزهريِّ،

    ج ٦ ص ١٤٤عن عُبَيدِ الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ، قالت: أُعْطِيَتْ مولاةٌ لي من الصدقةِ.

  20. فذكر الحديثَ، وزاد: "ودِباغُ إهابِها طَهُورُها" (١) .

  21. واتَّفَقَ معمرٌ، ومالكٌ، ويونُسُ على قوله: "إنما حُرِّمَ أكْلُها" ، إلا أن معمرًا قال: "لحمُها" . وذلك سواءٌ، ولم يذكُرْ واحِدٌ منهم الدِّباغَ، وكان ابنُ عيينةَ يقولُ: لم أسْمَعْ أحدًا يقولُ: "إنَّما حُرِّمَ أكْلُها" ، إلا الزهريَّ.

  22. واتَّفَق الزُّبَيْدِيُّ، وعُقَيْلٌ (٢) ، وسليمانُ بنُ كثيرٍ، على ذكْرِ الدِّباغ في هذا الحديثِ عن الزهريِّ، وكان ابنُ عيينةَ مرَّةً يذكُرُه فيه، ومرَّةً لا يذكُرُه، ومرَّةً يجعَلُ الحديثَ عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، ومرَّةً عن ابنِ عباسٍ فقط (٣) .

    قال محمدُ بنُ يحيى النَّيسابُوريُّ: لستُ أعتَمِدُ في هذا الحديثِ على ابنِ عيينةَ؛ لاضطرابِه فيه. قال: وأما ذِكْرُ الدِّباغ فيه، فلا يُوجَدُ إلا من روايةِ يحيى بن أيُّوبَ، عن عُقَيل، ومن رواية بقيَّة، عن الزُّبَيدِيِّ. ويحيى وبقيَّةُ ليسا بالقويَّين. ولم يذكُرْ مالِكٌ، ولا معمرٌ، ولا يونُسُ، الدِّباغَ، وهو الصحيحُ في حديثِ الزهريِّ، وبه كان يُفْتي. قال: وأمَّا من غيرِ روايةِ الزهريِّ، فذلك محفوظٌ صحيحٌ عن ابنِ عباسٍ.

    ج ٦ ص ١٤٥قال أبو عُمر: قد ذكرنا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ (١) روايةَ ابنِ وعْلَةَ، وعطَاء، وابنِ أبي الجَعْدِ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "دباغُ الإهابِ طَهُورُه" . وذكَرْنا هناك ما رُوِي في هذا البابِ من الآثارِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وما قاله العلماءُ في ذلك، ووُجُوهَ اختِلافِهم فيما اختلفوا فيه من هذا البابِ، بأبسطِ ما يكونُ من القولِ وأعْظَمِه فائدةً، والحمدُ لله.

  23. وكلُّ ما يجبُ من القولِ في هذا البابِ، فقد مضَى مُمَهَّدًا بما للعلماء (٢) في ذلك من المذاهِبِ في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن ابنِ وعلَةَ، فلا معنَى لإعادَةِ ذلك هاهنا.

  24. والقولُ الذي قاله النَّيسابُورِيُّ (٣) ، عن ابنِ عُيينةَ، من اضطرابِه عن الزُّهريِّ في هذا الحديث، قد قاله غيرُه عن ابنِ شِهابٍ، واضطِرابُ ابنِ شِهابٍ في هذا الحديثِ وفي حديثِ ذي اليَدَيْنِ كثيرٌ جِدًّا، وهذا الحديثُ من غيرِ روايَةِ ابنِ شهابٍ أصَحُّ، وثُبوتُ الدِّباغ في جُلُودِ الميتةِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وجُوهٍ كثيرةٍ صحَاح ثابِتة، قد ذكرناها في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا، وبيَّنا الحجَّةَ على من أنكَرَ الدِّبَاغَ بما فيه كِفايَةٌ من جهةِ النَّظَر والأثر، وبالله التوفيقُ.

  25. وفي البابِ قبلَ هذا في قِصَّةِ الفأرَةِ تقَعُ في السَّمْنِ ما يَدْخُلُ في معنَى هذا البابِ، ويُفسِّرُ المنعَ من بيع ما لا يَحِلُّ أكْلُه، ويقْضِي على أنّ المأكُولَ كلَّه من الميتَةِ حَرامٌ، وفي ذلك كشْفُ معنَى قولِه في هذا الحديثِ: "إنما حُرِّمَ أكْلُهَا" . ومعْلُومٌ أنَّ العَظْمَ حُكْمُه حُكْمُ اللَّحْم؛ لأنَّه لا يُقْطَعُ ولا يُنْزَعُ من البهيمَةِ وهي حيَّةٌ كما

    ج ٦ ص ١٤٦يُصْنَعُ بالصُّوفِ، وإنَّما يَحْرُمُ بالموتِ ما حَرُمَ قَطْعُه من الحيِّ، إلا ترَى إلى قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما قُطِع من حَيٍّ فهو ميتَةٌ (١) ؟ وأجمَع العلماءُ على أن جَزَّ الصُّوفِ عن الشاةِ وهي حيَّةٌ حلالٌ، وفي هذا بيَانُ ما ذكَرْنا.

  26. وأمَّا قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: "لا تَنْتفِعُوا من الميْتَةِ بإهابٍ " (٢) ، فإن معناه: حتى يُدْبَغَ، بدَليلِ أحادِيثِ الذَباغ، وقد أوضَحنا هذا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ. والحمدُ لله.

  27. ومَن أجاز عَظْمَ الميتَةِ، كالعَاج وشِبْهِه في الأمْشاطِ وغيرِها، زَعَم أن الميتَةَ: ما جرَى فيه الدَّمُ، وليس كذلك العَظْمُ. واحتَجُّوا بقوله في هذا الحديثِ: "إنَّما حُرِّمَ أكْلُها "، وليس العَظْمُ مما يؤكَلُ. قالوا: فكلُّ ما لا يُؤْكَلُ من الميتةِ جائِزٌ الانْتِفاعُ به؛ لقوله: " إنَّما حُرِّم أكْلُها".

  28. وممن رخَّص في أمشاطِ العاج وما يُصْنَعُ من أنيابِ الفِيَلَةِ وعِظام الميتةِ: ابنُ سِيرين (١) ، وعروةُ بنُ الزُّبيرِ (٢) ، وأبو حنيفةَ (٣) وأصحابُه، قالوا: تُغْسَلُ ويُنتَفَعُ بها، وتُباعُ وتُشْتَرى. وبه قال الليثُ بنُ سعدٍ (٤) ، إلا أنه قال: تُغْلَى بالماء والنَّارِ حتى يَذْهَبَ ما فيها من الدَّسَم.

    ج ٦ ص ١٤٧
  29. وممَّن كَرِه العاجَ وسائِرَ عِظَام الميْتَةِ، ولم يُرخِّصْ في بَيْعِها ولا الانتفاع بها: عطاءٌ، وطاوسٌ، وعمرُ بنُ عبدٍ العزيز (٥) ، ومالكُ بنُ أنس (٦) ، والشافعيُّ (٧) ، واخْتُلِف فيها عن الحسنِ البصريِّ (٨) . ومن حُجَّتِهم أنّ الميتةَ مُحرَّمةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ المجتمَع عليهما، والعظمُ ميتةٌ، بدليلِ قوله تعالى: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: ٧٨] ، وأنَّه لا يؤخَذُ من الحيِّ، ولهم في ذلك ما يطولُ ذكرُه.

  30. حديثٌ سادسٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله مُسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عُتبَةَ بنِ مسعودٍ، عن عبدٍ الله بنِ عباس، عن الصَّعْبِ بنِ جثَّامَةَ، أنَّهُ أهْدَى لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حِمارَ وَحْشٍ، وهو بالأبواء، أو بوَدَّانَ، فرَدَّه عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فلما رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما في وجْهِي قال: "إنَّا لم نَرُدَّه عليك، إلا أَنَّا حُرُمٌ" (٢) .

    ج ٦ ص ١٤٨
  31. هذا حديثٌ لم يُختلَفْ في إسنادِه على مالكٍ، ولا على ابنِ شهاب، وكلُّ من في إسنادِه فقد سَمِعه بعضُهم من بعضٍ سَماعًا (٣) ، كذلك في الآثارِ (٤) عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عبيدُ الله، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، قال: أخبرني الصَّعْبُ بنُ جَثَّامةَ. وقد قُلْنا في السَّنَدِ المعَنْعَنِ في أوَّلِ كتابِنا ما فيه كِفايةٌ (٥) .

  32. وممن روَاه عن ابنِ شهابٍ كما رواه مالكٌ: معمرٌ (٦) ، وابنُ

    ج ٦ ص ١٤٩جُرَيج (١) ، وعبدُ الرحمن بنُ الحارثِ، وصالحُ بنُ كَيْسانَ (٢) ، وابنُ أخي ابنِ شهابٍ (٣) ، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ (٤) ، ويونُسُ بنُ يزيدَ (٥) ، ومحمدُ بنُ عمرو بنِ علقمةَ (٦) ، كلُّهم قالوا فيه: أهْدَيْتُ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حِمارَ وَحْشٍ. كما قال مالكٌ.

  33. وخالفَهَم ابنُ عيينة (٧) ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ (٨) ، فقالا فيه: أُهْدِيَ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لحمُ حِمَارِ وَحْشٍ.

    ج ٦ ص ١٥٠وقال ابنُ جُرَيج في حديثه (١) : قلتُ لابنِ شهابٍ: الحمارُ عَقِيرٌ؟ قال: لا أدري. فقد بيَّن ابنُ جُرَيج أنَّ ابنَ شهابٍ شَكَّ، فلم يَدْرِ هل كان عَقِيرًا أم لا (٢) ؟ إلا أنَّ في مسَاقِ حديثه: أهْدَيْتُ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حمارَ وَحْشٍ فرَدَّه عليَّ.

  34. وروى حمادُ بنُ زيدٍ هذا الحديثَ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أقْبَل حتى إذا كان بقُدَيْدٍ أهْدَى إليه بعضَ حمارٍ، فرَدَّه عليه وقال: "إنَّا حُرُمٌ لا نأكُلُ الصَّيْدَ" . هكذا قال حمادُ بنُ زيدٍ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن عُبَيدِ الله. لم يذْكُرِ ابنَ شهاب، وقال: بعضَ حِمَارٍ، ذكره إسماعيلُ القاضي (٣) ، عن سليمانَ بنِ حربٍ، عن حمَّادِ بنِ زَيْدٍ.

  35. وعندَ حمَّادِ بنِ زيدٍ في هذا أيضًا إسنادٌ آخرُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ جثَّامَةَ، أنَّه أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بحِمارِ وحْشٍ، فرَدَّه عليه وقال: "إنَّا حُرُمٌ لا نأكُلُ الصَّيْدَ" (١) . هكذا قال في هذا الإسنادِ: بحِمارِ وحْشٍ.

    ج ٦ ص ١٥١
  36. ورواه إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالح بنِ كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ (٢) كما قدَّمْنا ذكرَه، وهو أوْلى بالصوابِ عندَ أهلِ العِلْمِ. فهذا ما في حديثِ ابنِ شهابٍ.

  37. وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ، من حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ، ومِقْسَم، وعطاءٍ، وطاوسٍ، أنَّ الصَّعْبَ بنَ جثّامَةَ أهْدَى لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لحمَ حِمَارِ وَحْشٍ.

    قال سعيدُ بنُ جبيرٍ في حديثه: عَجُزَ حمارِ وَحْشٍ، فرَدَّه يَقْطُرُ دَمًا؛ رواه شعبةُ، عن الحكَم، عن سعيدِ بنِ جُبير (٣) .

    وقال مِقْسَمٌ في حديثه: رجْلَ حِمارِ وحْشٍ؛ رواه هشيمٌ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مِقْسَم (٤) ؛ ذكَرَه إسماعيلُ القاضي، عن إبراهيمَ الهرَويِّ، عن هُشيم.

    ج ٦ ص ١٥٢وقال عطاءٌ في حديثه: أهْدَى له عَضُدَ صَيْدٍ فلم يَقْبَلْه، وقال: "إنَّا حُرُمٌ" ؛ رواه حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن قيسٍ، عن عطاءٍ (١) .

    وقال طاوسٌ في حديثه: عُضْوًا مِن لحم صَيْدٍ؛ حدَّثَ به إسماعيلُ، عن عليِّ بنِ المدينيِّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيج، عن الحَسَن بنِ مسلم، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ.

  38. إلا أنّ منهم من يجعَلُه: عن ابنِ عباسٍ، عن زيدِ بن أرْقَمَ؛ أخبرناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدٍ الباهِلي، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: حدَّثنا هِشَامُ بنُ يوسُفَ القاضي، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني حسنُ بنُ مسلم، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قدِم زيدُ بنُ أرْقَمَ، فقال له ابنُ عباسٍ يستذكِرُه: كيف أخبرتني عن لحم أُهْدِيَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَرَامًا؟ قال: نعم، أهْدَى له رجلٌ عُضْوًا من لحم، فرَدَّه عليه، وقال: "إنَّا لا نأكُلُه، إنَّا حُرُمٌ" (٢) .

  39. وكذلك رواه أبو عاصِم، عن ابنِ جُرَيج بإسنَادِه مثلَه (٣) .

  40. ورواه حمادُ بنُ سلَمَةَ، عن قَيْسِ بنِ سَعْدٍ، عن عطاءٍ (٤) ، عن ابنِ عباسٍ،

    ج ٦ ص ١٥٣أنَّه قال لزيدِ بنِ أرْقَمَ: أما عَلِمْتَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أُهْدِيَ له عُضْوٌ من صَيْدٍ وهو مُحْرِمٌ فلم يَقْبَلْه؟ قال: بلى (١) .

    قال إسماعيلُ: سمِعتُ سليمانَ بنَ حربٍ يتأوَّلُ هذا الحديثَ على أنه صِيدَ من أجلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولولا ذلك كان أكْلُه جائزًا. قال سليمانُ: ومما يَدُلُّ على أنه صِيدَ من أجْلِه، قولُهم في الحديثِ: فرَدَّه يَقْطُرُ دمًا. كأنه صِيدَ في ذلك الوقْتِ.

    قال إسماعيلُ: وأمّا تأوَّلُ سليمانَ بنِ حربٍ الحديثَ الذي فيه، أنه أُهْدِيَ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لحمُ حِمَار، وهو مَوْضِعٌ يحتاجُ إلى تأويل.