ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أحد عشر حديثا، منها واحد مرسل وعشرة متصلة مسندة
٣١٩ فقرة، ج ٦ ص ٩٦
الصفحة ٤ من ٨
- ج ٦ ص ١٥٣
وأمَّا روايةُ مالكٍ أنَّ الذي أُهْدِيَ إليه حمارُ وَحْشٍ، فلا يحتاجُ إلى تَأوِيلٍ؛ لأنَّ المحرِمَ لا يجوزُ له أن يُمْسِكَ صَيْدًا حيًّا ولا يُذَكِّيَه، وإنما يحتاجُ إلى التَّأويلِ قولُ من قال: إنَّ الذي أُهدِيَ هو بعضُ الحمارِ.
قال إسماعيلُ: وعلى تأوِيلِ سليمانَ بنِ حربٍ تكونُ الأحاديثُ كلُّها المرفوعةُ غيرَ مختلِفة (٢) .
قال أبو عُمر: الأحاديثُ المرفوعةُ في هذا البابِ؛ منها: حديثُ عُمَيْرِ بنِ سَلَمَةَ في قصةِ البهْزِيِّ وحمارِه العَقير، رواه مالكٌ (٣) ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن عيسى بنِ طلحةَ، عن عُمَيْر.
- ج ٦ ص ١٥٤
ومنها: حديثُ أبي قَتادة (١) ، رُوي من وجُوهٍ، وممن روى قصَّةَ أبي قتادة: جابرٌ (٢) ، وأبو سعيدٍ (٣) ، وسنذكُرُ حديثَ أبي قتادةَ، في بابِ أبي النَّضْرِ سالم (٤) من كتابِنا هذا إن شاء اللهُ.
-
ومنها: حديثُ الصعْبِ بنِ جثّامةَ المذكُورُ في هذا البابِ من حديثِ ابنِ عباسٍ، على تواتُر (٥) طُرُقِه واختلافِ ألفاظِه.
-
ومنها: حديثُ عليِّ بنِ أبي طالب (٦) ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أُهْدِي إليه رِجلُ
ج ٦ ص ١٥٥حمارِ وَحْش، فأبَى أن يأكُلَه. وحديثُ المطلب، عن جابرٍ يفسِّرُها (١) ، قولُه: "صيدُ البرِّ لكم حلالٌ، ما لم تَصِيدُوه أو يُصَادَ لكم" (٢) .
-
وأجمَع العلماءُ (٣) على أنه لا يجوزُ للمُحْرِم قَبُولُ صَيْدٍ وُهِب له، ولا يجوزُ له شِراؤُه ولا اصْطِيادُه، ولا اسْتِحداثُ مِلْكِه، بوجْهٍ من الوُجوهِ، لا خِلافَ بينَ علماء المسلمين في ذلك؛ لعُمُوم قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] ، ولحديثِ الصَّعْبِ بنِ جثَّامَةَ في قِصةِ الحَمارِ. ولأهْلِ العِلْم قولان في المُحرِم يشْتَري الصيْدَ، أحدُهما: أنَّ الشِّراء فاسِدٌ، والثاني: صحيحٌ، وعليه أن يُرْسلَه.
-
واختَلَف العلماءُ فيمن أحْرَم وفي يَدِه صيدٌ، أو في بَيْتِه عندَ أهْلِه؛ فقال مالكٌ (٤) : إن كان في يَدِه، فعليه إرسالُه، وإن كان في أهلِه، فليس عليه أن يُرْسلَه. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ (٥) ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ (٦) .
ج ٦ ص ١٥٦وقال ابنُ أبي ليلى، والثوريُّ، والحسنُ بنُ صالح (١) : سواءٌ كان في بيته أو في يَدِه، عليه أن يُرْسِلَه (٢) ، فإن لم يُرْسِلْه، ضَمِن. وهو أحدُ قولي الشافعيِّ.
وقال أبو ثورٍ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: سواءٌ كان في يَدِه أو في أهْلِه، ليس عليه أن يُرْسِلَه. وعن مجاهدِ، وعبدِ الله بنِ الحارِثِ، مثلُ ذلك.
-
واختَلَفوا أيضًا فيما صِيد للمُحرِمينَ، أو من أجْلِهم؛ فقال مالكٌ (٣) : لا بَأسَ أن يأكُلَ المحرمُ الصَّيْدَ إذا لم يُصَدْ له، ولا من أجْلِه، فإن صِيد له، أو من أجلِه، لم يأكُلْه، فإن أكل مُحْرِمٌ من صَيْدٍ صِيد من أجْلِه، فَداه. وهو قولُ الأوزاعيِّ (٤) ، والحسنِ بنِ حيِّ.
قال مالكٌ (٥) : فأمَّا ما ذَبَحه المحرمُ فهو ميتَةٌ، لا يحلُّ لمحرم ولا لحلالٍ. وقد اخْتَلَف قولُه فيما صِيدَ لمحرم بعَيْنِه؛ كالأمِيرِ وشِبْهِه، هل لغيرِ ذلك الذي صِيدَ من أجلِه أن يأكُلَه من سائرِ من معَه (٦) من المُحرِمين؟ والمشهورُ من مَذْهَبِه عندَ أصحابِه أنَّ المحرمَ لا يأكُلُ ما صِيدَ لمحرم مُعَيَّنٍ أو غيرِ مُعَيَّنٍ، ولم يأخُذْ بقول عثمانَ لأصحابِه حين أُتي بلَحْم صيدٍ وهو محرمٌ (٧) : كُلُوا، فلَسْتُم مثلي؛ لأنه صِيدَ من أجلي.
ج ٦ ص ١٥٧وقال أبو حنيفة (١) : إذا ذَبَحه الحلالُ فلا بأسَ بأكْلِه للمحرمِ وغيره، وإنْ ذَبَحه مُحرِمٌ لم يجُزْ لأحدٍ أكْلُه. ورُوي عن الثوريِّ كراهةُ أكْلِه إذا ذُبِح من أجلِ المحرمِين، ورُوي عنه إباحتُه، ورُوي عنه أيضًا إباحةُ ما ذبَحه المحرمُ للحلالِ.
-
وللشافعيِّ (٢) فيه قَوْلان؛ أحدُهما: أنه لا يجوزُ للمحرم أكْلُ ما صِيدَ من أجْلِه، وعليه الجزاءُ إن أكَلَه، مثلُ قولِ مالكٍ. وقولٌ آخَرُ: لا جَزاء عليه، وما ذَبَحه المحرمُ لم يجُزْ أكْلُه لأحَدٍ، إلا لمن تحِلُّ له الميتَةُ.
-
ورُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، أنه لا يجوزُ للمحرم أكْلُ لحم صَيْدٍ على حالٍ من الأحوالِ، سواءٌ صِيد من أجْلِه أو لم يُصدْ (٣) ؛ لعُمُوم قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: ٩٦] . قال ابنُ عباسٍ: هي مُبْهَمَةٌ (٤) . وبهذا القولِ يقول طاوسٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ أبو الشَّعْثَاء، ورُويَ ذلك عن الثوريِّ، وبه قال إسحاقُ بنُ راهُويَة (٥) .
-
وكان عمرُ بنُ الخطابِ، وأبو هريرةَ، والزُّبيرُ بنُ العوام، ومجاهدٌ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، يرَوْن للمحرم أكْلَ الصيْدِ على كلِّ حالٍ إذا اصطاده الحلالُ، سواءٌ صِيد من أجْلِه أو لم يُصدْ (٦) . وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، لظاهِرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] . فحَرَّم صَيْدَه وقَتْلَه على المُحرِمينَ دونَ ما صاد غيرُهم.
- ج ٦ ص ١٥٨
وذهبَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وأبو ثورٍ، إلى أنَّ ما صِيد من أجلِ المحرم لم يجُزْ أكْلُه، وما لم يُصَدْ من أجْلِه جاز له أكْلُه.
-
ورُوي هذا القولُ عن عثمانَ بنِ عفانَ، وبه قال عطاءٌ في رواية، وإسحاقُ في روايةٍ.
-
وقد رُويَ عن عطاءٍ، وعن ابن عباسٍ أيضًا، أنهما قالا: ما ذُبح وأنت مُحرِمٌ لم يجُزْ (١) لك أكْلُه، وهو عليك حرامٌ، وما ذُبح من الصَّيْدِ قبلَ أن تُحرِمَ، فلا شيءَ عليك في أكْلِه.
قال أبو عُمر: مَن أجاز أكلَ لحم الصيدِ للمُحرِم إذا اصطاده الحلالُ، فحُجَّتُهم حديثُ البَهْزيِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حمارِ الوَحْشِ العَقِيرِ، أنه أمَر به أبا بكرٍ فقسَمه بينَ الرِّفاقِ، من حديثِ مالكٍ وغيرِه، وسيأتي ذِكْرُه في بابِ يحيى بنِ سعيدٍ إن شاء اللهُ. وحديثُ أبي قتَادةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما هي طُعْمَة أطعَمَكموها اللهُ" ، من حديثِ مالكٍ وغيرِه. وحُجَّةُ من لم يُجزْه حديثُ الصَّعْبِ بنِ جثّامَةَ المذكورُ في هذا البابِ من حديثِ ابنِ عبَّاس، وحُجَّةُ مالكٍ، والشافعيِّ: حديثُ المطَّلِبِ، عن جابِر.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (٢) : أخبرنا قُتيبَةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ، عن عَمْرو، عن المطَّلِبِ، عن جابِر، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "صيدُ البرِّ لكم حلالٌ، ما لم تَصيدُوه أو يُصادَ لكم" (٣) .
- ج ٦ ص ١٥٩
وقد رَوى عبدُ الله بنُ إدريسَ الأَوْدِيُّ الكوفيُّ، وهو إمامٌ في الحديثِ، ثِقَةٌ جليلٌ، عن مالكٍ، بهذا الإسنادِ، أحاديثَ في نَسَقٍ واحِدٍ.
-
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخضرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ العلاء، قال: أخبرنا ابنُ إدريسَ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّعبِ بنِ جَثّامَةَ، أنه سمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا حِمَى إلا لله ولرسولِه" . وسُئِل عن القوم يُبيَّتونَ فيُصِيبُونَ الولدانَ، قال: "هم منهم" . وأُهْدِي إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبواءِ حِمَارٌ فردَّه (٢) .
-
أمَّا قِصَّةُ الحمارِ بالأبواءِ، ففي "الموطأ" . وأمَّا حديثُ التَّبييتِ وقولُه: "لا حِمًى" ، فصَحِيحٌ عن ابنِ شهابٍ، غريبٌ عن مالكٍ.
- ج ٦ ص ١٦٠
حديثٌ سابعٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله
مالكٌ (١) ، عن ابن شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خرَج إلى مكةَ عامَ الفَتْح في رمضانَ، فصامَ حتى بلَغ الكَدِيدَ، ثم أفطَر، فأفطَرَ الناسُ. وكانوا يأخُذُون بالأحدثِ فالأحدثِ من أمْرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديثِ: وكانوا يأخُذُون بالأحدَثِ فالأحْدَثِ من أمرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، يقولون: إنه من كلام ابنِ شِهابٍ (٢) .
-
وفيه دليلٌ على أنّ في حديثِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ناسِخًا ومنسوخًا، وهذا أمْرٌ مجتمَعٌ عليه، واحتجَّ من ذهَب إلى الفِطْرِ في السَّفَرِ بأنّ آخِرَ فِعْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الفطرُ في السفرِ (٣) ، وبقوله: "ليس مِنَ البرِّ الصيامُ في السفرِ" (٤) . وقد أوضحنا هذا المعنى في بابِ حُميْدٍ الطويل (٥) ، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهنا.
-
وروايةُ ابنِ جُرَيْج لهذا الحديثِ عن ابنِ شِهابٍ كروايةِ مالِكٍ سواءً (٦) .
وقال فيه معمرٌ: قال الزُّهريُّ: فكان الفطرُ آخِرَ الأمرَيْن (٧) .
- ج ٦ ص ١٦١
وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ: إباحَةُ السفرِ في رمضانَ، وفي ذلك رَدُّ قولِ من قال: ليس لمن ابتَدَأ صِيامَ رمضانَ في الحضَرِ أن يُسافِرَ فيُفْطِرَ؛ لقولِ الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٥] . ورَدُّ قولِ مَن قال: إنَّ المسَافِرَ في رمضانَ إنْ صامَ بعضَه في الحضَرِ لم يجُزْ له الفِطْرُ في سفرِه (١) .
-
روى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبِيد (٢) ، عن عليٍّ رضِيَ اللهُ عنه، قال: من أدْرَكَه رمضانُ وهو مُقِيمٌ، ثم سافَرَ بعدُ، لزِمَه الصومُ؛ لأن اللهَ تعالى يقولُ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (٣) ، وهو قولُ عَبيد وطائفَةٍ معه (٤) . ورواه حمَّادُ بنُ زْيدٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ قوله (٥) .
-
وتأوَّلَ من ذهَبَ مذْهَبَ هؤلاء في قوله: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} : من أدرَكَه رمضانُ وهو مُسافِرٌ. ففي الحديث ما يُبْطِلُ هذا القولَ كلَّه؛ لأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سافَرَ في رمضانَ بعدَ أن صامَ بعْضَه في الحضرِ مُقِيمًا، وكان خُروجُه بعدَ مُدَّةٍ منه، قد ذكرناها وذكَرْنَا اختِلافَ الآثارِ فيها في بابِ حُميْدٍ الطويلِ (٦) ، والحمدُ لله.
- ج ٦ ص ١٦٢
وفيه: جوازُ الصوم في السفرِ، وجوازُ الفطرِ في السفرِ. وفي ذلك رَدٌّ على من ذهَب إلى أن الصومَ في السفرِ لا يجوزُ، وأنَّ من فعَل ذلك لم يُجزئه (١) ، وزعَم أنَّ الفطرَ عَزْمَةٌ مِنَ الله في قوله: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٥] . وهو قولٌ يُروى عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ، وقد ذكرنا في بابِ حُميْدٍ الطويلِ من كتابِنا هذا، عن ابنِ عباسٍ، خِلافَه من وجُوهٍ صِحَاح (٢) .
-
ورُوي عن ابنِ عمرَ، أنه قال: إن صامَ في السفرِ قَضَى في الحضرِ (٣) .
-
وعن عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ، أنه قال: الصائمُ في السفرِ كالمُفطرِ في الحضرِ (٤) .
- ج ٦ ص ١٦٣
وجمهورُ العلماء من الصحابةِ والتابعين ومن بعدَهم من الخالِفين على خِلافِ هذا القولِ؛ لهذا (١) الحديثِ وشِبْهِه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مما قدَّمنا ذكْرَه في بابِ حُميْدٍ؛ منها حديثُ أنَسٍ: سافَرْنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فمنَّا الصائمُ، ومِنَّا المُفْطِرُ، فلم يَعِبْ هذا على هذا، ولا هذا على هذا (٢) .
-
وحديثُ حمزةَ بنِ عمرٍو الأسْلَمِيِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال له في الصوم في السفرِ: "إن شِئْتَ فصُمْ، وإن شِئْتَ فأفْطِرْ" (٣) . وهو مذكورٌ في بابِ هِشَام بنِ عروةَ (٤) .
-
وذكَرْنَا في بابِ سُمَيٍّ حديثَ ابنِ عباسٍ (٥) ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ: خرجنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - والناسُ مختلِفُون؛ فصَائِمٌ، ومُفْطِرٌ. والآثارُ بهذا كثيرةٌ جدًّا.
- ج ٦ ص ١٦٤
وأجمَعَ الفقهاءُ أنَّ المسافِرَ بالخيارِ؛ إنْ شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أفطَر (١) ،
إلا أنهم اختَلَفوا في الأفْضَلِ من ذلك، وقد مَضَى القولُ فيه في بابِ حُميْدٍ (٢) ، والحمدُ لله.
-
واختلَفَ الفقهاءُ في الفطرِ المذكورِ في هذا الحديثِ؛ فقال قومٌ: معناه: إنْ (٣) أصبَحَ مُفْطِرًا: نَوَى الفِطْرَ، فتَمادَى عليه في أيام سفرِه. واحتَجُّوا بحديثِ العَلاءِ بنِ المسيِّب (٤) ، عن الحكَم بنِ عُتَيبةَ (٥) ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: صامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنَ المدينةِ حتى أتَى قُدَيْدًا، ثم أفطَر حتى أتى (٦) مكة (٧) . وهذا لا بيانَ فيه لما تأوَّلوه.
ج ٦ ص ١٦٥وقال آخرون: معناه أنه أفطر في نهارِه بعدَ ما مَضَى منه صَدْرٌ، وأنَّ الصائمَ جائزٌ له أن يفْعَلَ ذلك في سفرِه. واحتجَّ من قال بهذا القولِ بحديثِ جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خرَج إلى مكةَ عامَ الفتح في رمضانَ، وصامَ حتى بلَغ كُرَاعَ الغَمِيم (١) ، فصامَ الناسُ وهم مُشَاةٌ ورُكبَانٌ، فقِيل له: إنَّ الناسَ قد شَقَّ عليهم الصومُ، وإنَّما يَنظُرُون إلى ما فَعَلْتَ. فدَعَا بقَدَحٍ مِن مَاءٍ، فرفَعه حتى نظَر الناسُ إليه، ثم شَرِبَ، فأفْطَرَ بعضُ الناسِ، وصامَ بعضٌ، فقيل للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ بعضَهم قد صامَ، قال: "أولئكَ العُصاةُ" .
-
حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحَيْم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا عمِّي إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ غياثٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ المختار (٢) ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ. فذكر الحديث (٣) .
- ج ٦ ص ١٦٦
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١) : أخبرنا محمدُ بنُ رافع، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا مُفَضَّلٌ (٢) ، عن منصورٍ (٣) ، عن مجاهدٍ، عن طاوُسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سافَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فصامَ حتى بلَغ عُسْفَانَ (٤) ، ثم دعَا بإنَاءٍ؛ فشَرِبَ نهارًا ليَراه الناسُ، ثم أفطَر حتى دخَل مكةَ، فافتَتحَ مكةَ في رمضانَ. قال ابنُ عباسٍ: فصام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في السفرِ وأفطَر؛ فمَنْ شاءَ صام، ومَن شاءَ أفطَر (٥) .
-
واختلَفَ الفقهاءُ في المسَافرِ يُفْطِرُ بعدَ دُخُولِه في الصَّوْم؛ فقال مالِكٌ: عليه القضاءُ والكفارَةُ (٦) ؛ لأنَّه كانَ مخيَّرًا في الصَّوْم والفِطْرِ، فلما اختارَ الصَّومَ، صارَ من أهْلِه، ولم يكُنْ له أن يُفْطِرَ. وهو قولُ اللَّيْثِ: عليه الكفارةُ.
ثم قال مالِكٌ مرَّةً: لا كفارةَ عليه، وهو قولُ المخْزُوميِّ، وأشْهَبَ، وابنِ كِنانةَ، ومُطَرِّفٍ (٧) .
وقال ابنُ الماجِشُونِ: إن أفطَر بجِماع كفَّرَ؛ لأنَّه لا يَقْوَى بذلك على سفرِه، ولا عُذْرَ له (٨) .
ج ٦ ص ١٦٧وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ (١) ، والأوزَاعيُّ، والثوريُّ: لا كفَّارةَ عليه.
-
وكلُّهم يقولُ: ليس له أن يُفْطِرَ، إلا البُوَيطيَّ؛ حَكَى عنِ الشافعيِّ: من أصبَح صائِمًا في الحضَرِ، ثم سافَرَ، لم يكُنْ له أن يُفْطِرَ، وكذلك من صامَ في سَفَرِه، ليس له أن يُفْطِرَ، إلا أن يَثْبُتَ حديثُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أنه أفطَر يومَ الكَدِيدِ، فإن ثَبَتَ، كان لهما جميعًا أنْ يُفْطِرَا.
-
واختلفوا أيضًا في الذي يخرُجُ في سفرِه وقد بيَّت الصومَ؛ فقال مالِكٌ: من أصبَح في رمضانَ مُقيمًا صائمًا، ثم سافَرَ فأفطَر، فعليه القَضَاءُ، ولا كفَّارةَ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وداودُ، والطبريُّ، والأوزاعيُّ. وللشافعيِّ قولٌ آخرُ؛ أنه يُكفِّرُ إنْ جامَعَ.
-
وكَرِهَ مالِكٌ للذي يُصْبحُ صائمًا في الحضَرِ، ثم يُسَافِرُ، أن يُفْطِرَ، ولم يرَه آثمًا إن أفطَر، وكذلك قال داودُ والمُزنيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في روايةِ المُزنيُّ: لا يجوزُ له أن يُفْطِرَ، فإن فعَل فقد أساءَ، ولا كفَّارةَ عليه.
وقال المخزُوميُّ وابنُ كِنانةَ: عليه القضاءُ والكفَّارةُ، وقولُهما شُذُوذٌ في ذلك عن جماعةِ أهلِ العِلْم.
وقال أحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ: يُفْطِرُ إذا برَزَ مسافِرًا، وهو قولُ ابنِ عمرَ، والشَّعْبِيِّ، وجماعة.
-
وستأتي مسائِلُ هذا البابِ بأسَدِّ استيعابٍ في بابِ سُمَيٍّ (٢) من هذا الكتابِ إنْ شاءَ اللهُ.
- ج ٦ ص ١٦٨
حديثٌ ثامنٌ لابن شِهاب، عن عُبيد الله
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عُتبةَ، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهما أخبَراه، أنَّ رجليْنِ اختَصما إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أحدُهما: يا رسولَ الله، اقْضِ بينَنا بكتابِ الله. وقال الآخرُ، وهو أفْقَهُهما: أجَلْ يا رسولَ الله، فاقضِ بينَنا بكتابِ الله، وائْذَنْ لي أن أتكلَّمَ، قال: "تكلَّمْ" ، قال: إنَّ ابنِي كان عَسِيفًا على هذا، فزَنى بامرأتِه، فأخبرني أنّ على ابنِ الرَّجمَ، فافْتَدَيْتُ منه بمئةِ شاةٍ وبجاريةٍ لي، ثم إني سألتُ أهلَ العلم، فأخبروني أنَّما على ابنِي جَلْدُ مئةٍ وتَغْريبُ عام، وأخبروني أنَّما الرَّجمُ على امرأتِه. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمَا والذي نفسي بيدِه، لأقْضِيَنَّ بينكما بكتابِ الله، أمَّا غنمُكَ وجاريتُكَ، فرَدٌّ عليك" ، وجلَد ابنَه مئةً، وغرَّبه عامًا، وأمَر أُنَيْسًا الأسْلَمِيَّ أن يأتيَ امرأةَ الآخَرِ، فإن اعَترفتْ رجَمها، فاعَترفتْ، فرجَمها.
قال مالكٌ: والعَسِيفُ: الأجيرُ.
-
هكذا قال يحيى: فأخبرني أنَّ على ابنِي الرَّجمَ، فافتَدَيتُ منه. وكذلك قال ابنُ القاسم (٢) ، وهو الصوابُ، واللهُ أعلمُ. وقال القَعْنبيُّ: فاخبروني أنَّ على ابنِ الرَّجمَ (٣) .