ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أحد عشر حديثا، منها واحد مرسل وعشرة متصلة مسندة
٣١٩ فقرة، ج ٦ ص ٩٦
الصفحة ٦ من ٨
- ج ٦ ص ١٨٢
وأمَّا حديثُ عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قولُه: "الثيِّبُ بالثيِّبِ، جَلْدُ مئةٍ والرجمُ" (١) . فإنَّما كان هذا في أوَّلِ نُزولِ آيةِ الجلدِ، وذلك أنَّ الزُّناةَ كانت عقُوبَتُهم إذا شَهِد عليهم أربعةٌ من العُدُولِ في أوَّلِ الإسلام، أن يُمْسَكوا في البيوتِ إلى الموتِ، أو يجعَلَ اللهُ لهم سبيلًا، فلمَّا نزَلَت آيةُ الجلْدِ التي في سورةِ "النورِ" ؛ قولُه عزَّ وجلَّ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} الآيةَ [النور: ٢] ، قام - صلى الله عليه وسلم - فقال: "خُذُوا عنِّي، قد جعَل اللهُ لهنَّ سبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ، جَلدُ مئةٍ وتَغْرِيبُ عام، والثيِّبُ بالثيِّبِ، جلدُ مئةٍ والرَّجْمُ بالحجارةِ" . فكان هذا في أولِ الأمرِ (٢) ، ثم رجَم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جماعةً ولم يجلِدْهم، فعَلِمْنا أنَّ هذا حُكْمٌ أحدَثه اللهُ نسَخ به ما قبلَه (٣) ، ومثلُ هذا كثيرٌ في أحكامِه وأحكام رسولِه ليَبْتَليَ عبادَه، وإنَّما يُؤخَذُ بالأحْدَثِ فالأحْدَثِ من أمرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
ذكر عبدُ الرزاقِ (٤) ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أنه كان يُنكِرُ الجلدَ مع الرجْم، ويقولُ: رجَم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجلِدْ.
- ج ٦ ص ١٨٣
وعن الثوريِّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ليس على المرجوم جلدٌ، بلَغَنا أنَّ عمرَ رجَم ولم يجلِدْ (١) .
-
وفي هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ (٢) ، وهو أنَّ الثيِّبَ من الزُّناةِ إن كان شابًّا رُجِم، وإن كان شيخًا جُلِد ورُجِم. رُوي ذلك عن مسروقٍ (٣) ، وقالت به فرْقةٌ من أهلِ الحديثِ.
-
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى المروزيُّ، قال: حدَّثنا خلَفُ بنُ هشام البزَّارُ، قال: حدَّثنا أبو شهابٍ (٤) ، عن الأعمشِ، عن مسلم، عن مسروقٍ، قال: البِكرَانِ يُجلَدانِ ويُنْفَيان سَنةً، والثيِّبان يُرجمان، والشيخانِ يُجلَدان ويُرْجَمان (٥) .
-
فهذا ما لأهلِ السنة من الأقاويلِ في هذا البابِ، وأمَّا أهلُ البدع (٦) ،
ج ٦ ص ١٨٤فأكثرُهم (١) يُنكِرُ الرجمَ ويدْفَعُه، ولا يقولُ به في شيءٍ من الزُّناةِ، ثيِّبًا ولا غيرَ ثيِّبٍ، عصَمَنا اللهُ مِن الخِذْلانِ برحمتِه.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال (٢) : حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سَمِعْتُ عمرَ بنَ الخطابِ يَخطُبُ، فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ الرجمَ حقٌّ، فلا تُخدَعُنَّ عنه، فإن آيةَ ذلك أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد رجَم، وأنَّ أبا بكرٍ قد رجَم، وأنَّا قد رجَمْنا بعدَهما، وسيكونُ قومٌ من هذه الأُمَّةِ يُكذِّبون بالرجم، ويُكذِّبون بالدجَّالِ (٣) ، ويُكذِّبونَ بطُلوع الشمسِ من مَغْربِها، ويُكذِّبونَ بعذابِ القبرِ، ويُكذِّبونَ بالشفاعةِ، ويكذِّبونَ بقوم يخرُجونَ من النارِ بعْدَما امْتَحَشُوا (٤) .
قال أبو عُمر: الخوارجُ والمعتزلةُ يُكذِّبون بهذا كلِّه، وليس كتابُنا هذا مَوْضِعًا للردِّ عليهم، والحمدُ لله الذي عافانا مما ابْتَلاهم به.
- ج ٦ ص ١٨٥
ورَوَى عن عليِّ بنِ زيدٍ: حمَّادُ (١) بنُ سلَمةَ (٢) ، وحمَّادُ بنُ زيدٍ (٣) ، والمباركُ بنُ فَضَالة (٤) ، وأشعثُ (٥) ، وهُشيمٌ (٦) ، كُلُّهم بإسنادِه ومعناه.
وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: سَمِعْتُ عليَّ بنَ زيدٍ يقولُ: كنا نُشَبِّهُ حفظَ يوسفَ بنِ مِهْرانَ بحفظِ عمرِو بنِ دينارٍ (٧) .
- ج ٦ ص ١٨٦
واختلَف الفقهاءُ في الإحصانِ الموجِبِ للرجم؛ فجُمْلَةُ قولِ مالكٍ ومَذْهَبِه، أن يكونَ الزاني حُرًّا، مسلمًا، بالغًا (١) ، عاقلًا، قد وطِئ وطْئًا مباحًا في عقدِ نكاح، ثم زنَى بعدَ هذا. والكافِرُ عندَه والعبدُ لا يَثبُتُ لواحدٍ منهما إحصانٌ في نفسِه، وكذلك العَقْدُ الفاسِدُ لا يَثبُتُ به إحصان، وكذلك الوطءُ المحظورُ؛ كالوطء في الإحرام، أو في الصيام، أو في الاعتكافِ، أو في الحيضِ، لا يَثبُتُ بشيءٍ (٢) مِن ذلك إحْصَانٌ، إلا أنَّ الأمَةَ الكافرةَ، والصغيرةَ، يُحصنَّ الحرَّ المسلمَ عندَه ولا يُحصِنُهُنَّ. هذا كلُّه تَحصِيلُ مَذهبِ مالكٍ وأصحابِه.
-
وحَدُّ الحصانةِ في مذْهَبِ أبي حنيفةَ وأصحابِه على ضَرْبَين (٣) :
أحدُهما: إحصانٌ يُوجِبُ الرجمَ، يتعلَّقُ بسبع شَرائِطَ: الحريةُ، والبُلوغُ، والعقلُ، والإسلامُ، والنكاحُ الصحيحُ، والدخولُ.
-
والآخَرُ: إحصانٌ يتعلَّقُ به حَدُّ القذفِ، له خَمسُ شَرائِطَ في المقذوفِ: الحريةُ، والبُلوغُ، والعقلُ، والإسلامُ، والعِفَّةُ.
- ج ٦ ص ١٨٧
وقد رُوي عن أبي يوسفَ، في "الإملاء" ، أنَّ المسلمَ يُحصنُ النصرانيةَ ولا تُحصِنُه. ورُوي عنه أيضًا، أنَّ النصرانيَّ إذا دخَل بامرأتِه النصرانيةِ، ثم أسْلَما، أنَّهما مُحصَنانِ بذلك الدخولِ. وروَى بِشْرُ بنُ الوليدِ، عن أبي يوسفَ، قال: قال ابنُ أبي ليلى: إذا زنَى اليهوديُّ والنصرانيُّ بعدما أحْصَنا، فعليهما الرجمُ. قال أبو يوسفَ: وبه نأخُذُ.
وقال الشافعيُّ: إذا دخَل بامرأتِه وهما حُرَّان، فوطِئَها، فهذا إحصانٌ؛ كافِرَيْنِ كانا أو مسلِمَيْن.
- واختَلَف أصحابُ الشافعيِّ على أربعةِ أوجُهٍ (١) :
-
فقال بعضُهم: إذا تزوَّج العبدُ أو الصبيُّ، ووطِئا، فذلك إحصانٌ.
وقال بعضُهم: لا يكونُ واحِدٌ منهما مُحصنًا، كما قال مالِكٌ.
وقال بعضُهم: إذا تزوَّج الصَّبِيُّ، أحْصَن إذا وطئ، فإذا بَلَغ وزَنَى، كان عليه الرجمُ، والعبدُ لا يُحصِنُ.
وقال بعضُهم: إذا تزوَّج الصبيُّ لا يُحصنُ، وإذا تزوَّج العبدُ أحصَن.
وقالوا جميعًا: الوطءُ الفاسِدُ لا يقَعُ به إحصانٌ.
وقال مالكٌ: تُحصنُ الأمَةُ الحرَّ، ويُحصِنُ العبدُ الحرَّةَ، ولا تُحصنُ الحرَّةُ العبدَ، ولا الحرُّ الأمَةَ، وتُحصنُ اليهوديةُ والنصرانيةُ المسلمَ، وتُحصِنُ الصبِيَّةُ الرجلَ، وتُحصِنُ المجنونةُ العاقلَ، ولا يُحصِنُ الصبيُّ المرأةَ، ولا يُحصِنُ العبدُ الأمَةَ، ولا تُحصِنُه إذا جامَعَها في حال الرِّقِّ. قال: وإذا تزوَّجَتِ المرأةُ
ج ٦ ص ١٨٨خَصِيًّا وهي لا تَعْلَمُ أنَّه خَصِيٌّ، فوطِئَها، ثم عَلِمَت أنَّه خَصيٌّ، فلها أن تختارَ فِراقَه، ولا يكونُ ذلك الوطءُ إحصانًا (١) .
وقال الثوريُّ: لا يُحصَنُ بالنصرانيةِ، ولا بالمملوكة، وهو قولُ الحسنِ بنِ حيٍّ. زاد الحسنُ بنُ حيٍّ: وتُحصَنُ المشركةُ بالمسلم، ويُحصَنُ المشْرِكانِ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِه.
وقال الليثُ بنُ سعدٍ في الزوجين المملُوكَين: لا يكونان مُحصنَينِ حتى يَدْخُلَ بها بعدَ عِتْقِهما، وكذلك النَّصْرانيَّان لا يكونان مُحصَنَين حتى يدْخُلَ بها بعدَ إسلامِهما. قال: وإن تزَوَّج امرأةً في عِدَّتِها، فوَطِئَها، ثم فُرِّق بينَهما، فهو إحصانٌ.
وقال الأوزاعيُّ في العبدِ تحتَه الحرَّةُ: إذا زنَى فعليه الرجمُ، وإن كانت تحتَه أمَةٌ وأُعتِق ثم زنَى، فليس عليه الرجمُ حتى يَنكِحَ غيرَها. وقال في الصغير التي لم تحضْ: إنّها (٢) تُحصِنُ الرجلَ، والغُلام الذي لم يَحتَلِمْ: لا يُحصِنُ المرأةَ. قال: ولو تَزَوَّج امرأةً فإذا هي أُختُه مِنَ الرَّضاعةِ، فهذا إحصانٌ (٣) .
قال أبو عُمر: إيجابُ الأوزاعيِّ الرجمَ على المملوكةِ تحتَ الحُرِّ، وعلى العبدِ تحتَ الحرَّةِ، لا وجهَ له (٤) ؛ لأن الله تعالى يقولُ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: ٢٥] . والرجمُ لا يتنَصَّفُ،
ج ٦ ص ١٨٩وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الأمةِ: "إن زَنَتْ فاجْلِدُوها" (١) . وقال مالكٌ في حديثه ذلك: ولم تُحصِنْ. وسنُبيِّنُ ذلك بعدَ تمَام القولِ في هذا الحديثِ إن شاء اللهُ.
-
وأمَّا قولُه في الحديثِ: جلَد ابنَه مئةَ جَلْدَة (٢) ، وغَرَّبه عامًا، فلا خِلافَ بينَ علماء المسلمينَ أنَّ ابنَه ذلك كان بِكْرًا، وأنَّ الجلدَ حَدُّ البِكْرِ مئةُ جَلْدَةٍ. واختَلَفوا في التَّغْرِيبِ، فقال مالكٌ (٣) : يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ ولا العبدُ، ومَن نُفِي حُبِس في الموضع الذي يُنْفَى إليه. وقال الأوزاعيُّ: يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ.
وقال أبو حنيفةَ (٤) وأصحابُه: لا نَفْيَ على زانٍ، وإنَّما عليه الحدُّ؛ رجلًا كان أو امرأةً، حُرًّا كان أو عبدًا.
وقال الثوريُّ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ: يُنْفَى الزاني إذا جُلِد؛ امرأةً كان أو رجلًا. واختَلَف قولُ الشافعي (٥) في نفي العبدِ، فقال مرَّةً: أستَخِيرُ اللهَ في تغريب العبيدِ، وقال مَرَّةً: يُنْفَى العبدُ نصفَ سنةٍ، وقال مرَّةً أُخرى: سنةً إلى غيرِ بلدِه. وبه قال الطبريُّ.
قال أبو عُمر: مِن حُجَّةِ مَن غَرَّبَ الزُّناةَ مع حديثنا هذا، حديثُ عُبادةَ بنِ الصامتِ: "البكرُ بالبكرِ، جَلْدُ مئةٍ وتغريبُ عام" ، لم يخُصَّ عبدًا من حُرِّ، ولا أنْثَى من ذكرٍ.
-
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ
ج ٦ ص ١٩٠أبي أسامةَ (١) ومحمدُ بنُ الجهم، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عطاءٍ، قال: أخبرنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ الله الرَّقَاشيِّ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ وبكرُ بنُ حمَّادٍ - قال أحمدُ: حدَّثنا أبي، وقال بكرٌ: حدَّثنا مُسَدَّدٌ (٢) - قالا: حدَّثنا يحيى القَطَّانُ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ الله، عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عني، قد جعَل اللهُ لهُنَّ سبيلًا، الثيِّبُ جلدُ مئةٍ ورجمٌ بالحجارةِ، والبكرُ جلدُ مئةٍ ثم نَفْيُ سَنةٍ" (٣) .
-
ومن حُجَّتِهم أيضًا: ما حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ مَرْوانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ داودَ، قال: حدَّثنا موسى بنُ الحسنِ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريس، عن عبيدِ الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ضرَب وغرَّب، وأنَّ أبا بكرٍ ضرَب وغَرَّب، وأنَّ عمرَ ضرَب وغرَّب (٤) .
- ج ٦ ص ١٩١
وحُجَّةُ من لم يرَ النفيَ على العبيدِ: حديثُ أبي هريرةَ في الأمَةِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ ذكر فيه الحدَّ دُونَ النفي. ومن رأى نَفْيَ العبيدِ زعَم أنَّ حديثَ الأمَةِ معنَاه التأديبُ لا الحدُّ. وسنُوضِّحُ القولَ في ذلك في البابِ بعدَ هذا إن شاء الله.
-
وحُجَّةُ مَن لم يرَ نَفْيَ النساء ما يُخشَى عليهنَّ من الفتنةِ، وقد رُوي عن أبي بكرٍ وعمرَ تَغْريبُ المرأةِ البِكْرِ (١) ، ورُوي عن عليٍّ أنَّه لم يرَ نفيَ النساء (٢) .
-
وروى عبدُ الرزاقِ (٣) ، عن أبي حنيفةَ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ الله في البكرِ يَزْني بالبكرِ: يُجلَدانِ مئةً، ويُنْفَيانِ سنةً. قال: وقال عليٌّ: حَسْبُهما من الفتنةِ أن يُنْفَيا.
- ج ٦ ص ١٩٢
عبدُ الرزاقِ (١) ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، قال: غَرَّبَ عمرُ ربيعةَ بنَ أُميَّةَ بنِ خَلَفٍ في الخمْرِ إلى خَيبرَ، فلَحِقَ بهِرَقْلَ، فتنَصَّر، فقال عمرُ: لا أُغرِّبُ مسلمًا بعدَ هذا أبدًا (٢) .
قالوا: ولو كان النفيُ حدًّا لله ما ترَكه عمرُ بعدُ، ولا كان عليٌّ ليكرَهَه.
-
وهو قولُ الكوفيِّين. وأمَّا أهلُ المدينةِ فعلى ما ذكرنا عنهم.
قال معمرٌ: وسَمِعْتُ الزُّهريَّ وسُئِل: إلى كم يُنْفَى الزاني؟ قال: نفاه عمرُ من المدينةِ إلى البصرةِ، ومن المدينةِ إلى خيبرَ (٣) .
-
عبدُ الرزاقِ (٤) ، عن ابنِ جريج، قال: سمِعتُ ابنَ شهاب وسُئِل، بمِثلِه سواءً.
-
أيوبُ وعُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ نفَى إلى فَدَكٍ (٥) ، وأنَّ ابنَ عمرَ نفَى إلى فَدَك (٦) .
-
الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، أنَّ عليًّا نفَى من الكوفةِ إلى البصرةِ (٧) .
ج ٦ ص ١٩٣وقال ابنُ جُريج: قلتُ لعطاء: نفَى من مكةَ إلى الطائفِ؟ قال: حَسْبُه ذلك (١) .
-
وأما قولُ الرجلِ: إنّ ابني كان عسيفًا على هذا، فزنَى بامرأتِه، مع قولِ أبي هريرةَ: فجلَد ابنَه مئةَ جَلْدَةٍ، وغرَّبه عامًا. فيَدُلُّ على أنَّ ابنَ الرجلِ المتكَلِّم أقرَّ على نفسِه بما قال أبوه أو صَدَّقَه في قولِه ذلك عليه، ولولا إقرارُهُ (٢) لما أقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الحدَّ عليه؛ لأنَّ من شَريعَتِه وسنتِه - صلى الله عليه وسلم - ألا يُؤخَذَ (٣) أحَدٌ بإقرار غيره عليه، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] . {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: ١٦٤] : لا على غيرها (٤) . وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي رَمْثَةَ (٥) : "إنَّكَ لا تَجني عليه، ولا يَجني عليكَ" (٦) . وهذا كلُّه يُوضِّحُ لك أنَّه إنَّما جَلَده بإقرارِه
ج ٦ ص ١٩٤وكَسْبِه على نفسِه لا بإقرارِ أبيه عليه، ولولا إقرارُه بذلك على نفسِه، لكان أبوه قاذفًا له، وهذا ما لا خلافَ في شيءٍ منه عندَ العلماء، والحمدُ لله.
-
واختلفوا فيمَن أقرَّ بالزِّنَى بامرأةٍ بعينِها، وجحَدت هي؛ فقال مالكٌ (١) : يُقامُ عليه حَدُّ الزِّنَى، وإن طَلَبَت حَدَّ القَذْفِ أُقيم عليه أيضًا. قال: وكذلك لو قالت: زنَى بي فلانٌ، وأنكَر: حُدَّتْ للقذفِ، ثم للزِّنَى. وبهذا قال الطبريُّ.
وقال أبو حنيفة (٢) : لا حَدَّ عليه للزنَى، وعليه حَدُّ القَذْفِ، وعليها مثلُ ذلك إن قالت له ذلك.
وقال أبو يوسفَ (٣) ، ومحمدٌ، والشافعيُّ: يُحدُّ مَنْ أقرَّ منهما للزِّنَى فقط؛ لأنَّا قد أحَطْنَا عِلْمًا أنه لا يجبُ عليه الحدَّانِ جميعًا؛ لأنَّه إن كان زانيًا، فلا حَدَّ على قاذفِه، فإذا أُقيم عليه حدُّ الزِّنى، لم يُقَمْ عليه حَدُّ القَذْفِ.
وقال الأوزاعيُّ (٤) : يُحدُّ للقذفِ، ولا يُحدُّ للزِّنى.
وقال ابنُ أبي ليلى (٥) : إذا أقَرَّ هو بالزِّنى، وجَحَدَتْ هي، جُلِدَ وإن كان مُحصَنًا، ولم يُرجَمْ.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا: رَدُّ ما قُضِي به من الجهالاتِ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ عَمَلٍ ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ" (٦) . وقال عمرُ: رُدُّوا الجهالاتِ إلى السنَّةِ (٧) .
- ج ٦ ص ١٩٥
وأجمَع العلماءُ (١) أن الجوْرَ البيِّنَ، والخطَأ الواضِحَ الخالِفَ للإجماع والسُّنةِ الثابتةِ المشهورةِ التي لا مُعارِضَ لها، مَرْدُودٌ على كُلِّ من قَضى به.
-
ذكر مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ وربيعةَ، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيز كان يقولُ: ما مِن طينةٍ أهْوَنُ عليَّ فتًّا، ولا كتابٍ أهْوَنُ عليَّ ردًّا، من كتاب قَضَيْتُ به، ثم أبصَرْتُ أنَّ الحقَّ في خِلافِه. أو قال: في غيرِه (٢) .
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا: أنَّ اعتِرافَ الزاني مرَّةً واحدةً بالزِّنى، يُوجِبُ عليه الحدَّ ما لم يَرْجعْ، ألا ترَى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن اعْتَرفتْ فارجُمْها" ، ولم يَقُلْ: إن اعْتَرفت أربعَ مرَّاتٍ. وسَنُبيِّنُ هذا في بابِ مُرْسَلِ ابنِ شهابٍ من هذا الكتابِ (٣) إن شاء اللهُ.
-
وفي هذا الحديث أيضًا: إثباتُ خَبَرِ الواحِدِ (٤) ، وإيجابُ العَمَلِ به في الحُدُودِ، وإذا وجَب ذلك في الحدودِ، فسائِرُ الأحكام أحْرَى بذلك.
-
وفيه: أنَّ للإمام أن يسألَ المقذوفَ، فإن اعْتَرف حكم عليه بالواجبِ، وإن لم يَعْتَرفْ، وطالبَ القاذِفَ، أخَذ له بحَدِّه. وهذا مَوْضِعٌ اختَلَف فيه الفقهاءُ،
ج ٦ ص ١٩٦فقال مالكٌ: لا يحُدُّ الإمامُ القاذِفَ حتى يُطالبَه المقذوفُ، إلا أن يكونَ الإمامُ سَمِعه، فيحُدَّه إن كان معه شهودٌ غيره عُدُولٌ. قال: ولو أنَّ الإمامَ شَهِد عندَه شهودٌ عُدولٌ على قاذِفٍ، لم يُقِم الحدَّ حتى يُرْسِلَ إلى المقذوفِ وَينْظُرَ ما يقولُ، لعَلَّه يُريدُ سَتْرًا على نفسِه (١) .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ: لا يُحدُّ القاذِفُ إلا بمُطالبَةِ المقذوفِ.
وقال ابنُ أبي ليْلَى: يحُدُّه الإمامُ وإن لم يَطلُبْه المقذوفُ (٢) .
-
وفيه: أن يكونَ الرسولُ في حُكْم الدِّينِ واحدًا، كما أن الحكَمَ واحدٌ، وذلك كلُّه قُوَّةٌ في العملِ بخَبرِ الواحدِ.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الحاكمَ يَقْضي بما يُقِرُّ به عندَه المُقِرُّ (٣) ، وإن لم يَحْضُرْهُ أحَدٌ؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقلْ له: احمِلْ معك من يسمعُ اعترافَها.
-
وفي ذلك: إيجاب القضاء بما علم القاضي وهو حاكمٌ، وسيأتي القول في قضاء القاضي بعلمه، واختلاف العلماء في ذلك، ووجوه أقوالهم وما نزَعوا به في باب هشام بن عُروة عن أبيه عن زينب بنت أبى سلَمة عن أمِّ سَلَمة من كتابنا هذا (٤) إنْ شاء الله، والله المستعان لا ربَّ سواه.
- ج ٦ ص ١٩٧
حديثٌ تاسعٌ لابن شِهاب، عن عُبيد الله
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن الأمَةِ إذا زنَت ولم تُحصِنْ، فقال: "إن زَنَتْ فاجلِدُوها، ثمَّ إنْ زَنَت فاجلِدوها، ثمَّ إنْ زنَت فاجلِدُوها، ثم بيعُوها ولو بضَفيرٍ" . قال ابنُ شهابٍ: لا أدري أبعدَ الثالثةِ أم الرابعةِ؟
-
هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ بهذا الإسنادِ، وتابَعَه على إسنادِه عن ابن شهابٍ: يونسُ بنُ يزيدَ (٢) ، ويحيى بنُ سعيدٍ (٣) .
-
ورواه عُقَيلٌ (٤) ، والزُّبيدِيُّ (٥) ، وابنُ أخي الزُّهريِّ (٦) ، عن الزُّهريِّ، عن
ج ٦ ص ١٩٨عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، أنَّ شبلًا أو شُبَيْلَ (١) بنَ خالدٍ (٢) المزنيَّ أخبره، أنَّ عبدَ الله بنَ مالكٍ الأوسيَّ أخبره، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن الأمَةِ. وذكروا الحديثَ، إلا أن عُقَيلًا وحدَه قال: مالكُ بنُ عبدِ الله الأوسيّ (٣) .
وقال الزُّبيدِيُّ، وابنُ أخي الزهريِّ: عبدُ الله بنُ مالكٍ. وكذلك قال يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، عن شِبْلِ بنِ حامدٍ المُزَنيِّ (٤) ، عن عبدِ الله بنِ مالكٍ الأوسيِّ.
- ج ٦ ص ١٩٩
فجمَع يونسُ بنُ يزيدَ الإسنادَيْنِ جميعًا في هذا الحديثِ، وانفَرَد مالكٌ فيه بإسنادٍ واحدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن أبي هريرةَ وزيدٍ.