ابن شهاب، عن سليمان بن يسار حديثان، أحدهما مرسل
٦٣ فقرة، ج ٦ ص ٢٣٠
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٦ ص ٢٤٧
ورَوى عبدُ الرَّزاقِ، عن هُشَيْم بنِ بَشِيرٍ، عن جَعْفَرِ بنِ أبي وَحْشِيَّة، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى رجلٌ إلى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إن أُخْتي
ج ٦ ص ٢٤٨نَذَرَتْ أنْ تحُجَّ وإنَّها ماتت، قال: "أرأيْتَ لو كان عليها دَيْن، أكُنْتَ قَاضِيَه؟ " ، قال: نعم، قال: "فاقْضُوا اللهَ، فهو أحَقُّ بالوفَاء" (١) .
قالوا: وتَشْبِيهُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك بالدَّيْنِ دليلٌ على وجُوب الحجِّ على مَن عجَز (٢) ببَدَنِه عن الاستمساكِ (٣) على الدابّةِ، وكان له مالٌ يَسْتَأْجِرُ به. قالوا: وكذلك هو واجِبٌ على مَنْ ماتَ قبلَ أنْ يُؤَدِّيَهُ إذا اسْتَطاعَ ذلك ببَدَنِه أو بمَالِه.
قال أبو عُمر: حُجَّةُ أصْحابِ مالِكٍ في تَشْبِيهِ الحجِّ بالدَّيْنِ أنَّ ذلكَ أيضًا خُصُوصٌ للخَثْعَميَّة، كما خُصَّ أبوها بأنْ يُعْمَل عنه ما لَمْ يجب عليه، وكذلك خُصَّتْ بالعَمَلِ عنه لِتُؤجَرَ ويَلْحَقَه ثوابُ عَمَلِها، بدليلِ القرآنِ في الاستطاعةِ، وبدليلِ الإجمَاع (٤) ، أنَّهُ لا يُصَلِّي أحَدٌ عن أحدٍ فرضًا وجَبَ عليه، وقد يعْمَلُ عنه ما لَمْ يَجِبْ عليه، وَيَشْرَكُه في ثَوابِه، هذا مَعْنَى قَوْلهم، وجعَلُوا حَجَّ الخَثْعَميَّة عن أبِيها كالحجِّ بالصِّبيِّ الذي أرِيدَ به التَّبركُ لا الفَرْضُ.
-
وأدخَلَ بعضُ من يَحتَجُّ لمالِكٍ على أصْحابِ الشَّافِعيِّ، أنْ قال: لو ثَبَتَ تَشْبِيهُ الحجِّ بالدَّيْنِ، لكُنْتَ مُخالِفًا له؛ لأنَّكَ زَعَمْتَ أنَّ من حُجَّ عنه، ثم وجَدَ قُوَّةً، أنَّه لا يُجزِئُه، وليس الدَّيْنُ كذلك؛ لأنَّه إذا أُدِّيَ لَمْ يُحتَجْ أنْ يُؤدَّى ثانِيةً.
- ج ٦ ص ٢٤٩
وانْفَصَلَ مِن ذلك أصحابُ الشَّافِعيِّ بأنَّه إنَّما أمَرَ بالحجِّ عنه لعَدَمِه الاسْتِطاعَةَ ببَدَنِه، فلما صَحَّ كان حينئذٍ قد تَوَجَّهَ إليه فَرْضُ الحجِّ، ولَزِمَه قَضاؤُه عن نَفْسِه لقُدْرَته على ذلك ببَدَنِه، قياسًا (١) على المُعْتَدَّةِ بالشُّهُورِ يَطْرأُ عليها الحَيْضُ فتَعُودُ إليه. وأدْخَلَ بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ أنَّ مالِكًا يُجِيزُ أنْ يحُجَّ الرجلُ عن الميِّتِ إذا أوصَى بذلك، ولا يُجِيزُ الصلاةَ ولا الصِّيامَ أنْ يَعْمَلَها أحَدٌ عن أحَدٍ غيرِه ميِّتٍ ولا حَيٍّ، وفي ذلك دليل على خِلافِ الحجِّ للصَّلاةِ وأعمَالِ البَدَنِ. ولبَعْضِهم على بعضٍ تَشْغِيبٌ يطُولُ ذكرُه ولا يجمُلُ اجْتِلابُه (٢) .
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على جوازِ حَجِّ الرَّجُلِ عن غيرِه، واختَلَفَ الفقهاءُ في ذلك؛ فقال الحسنُ بنُ صالح بنِ حَيٍّ: لا يَحجُّ أحَدٌ عن أحَدٍ، إلَّا عن مَيِّتٍ لَمْ يَحجَّ حَجَّةَ الإسلام. وهو قولُ مالكٍ واللَّيْثِ (٣) .
وقال أبو حنيفةَ (٤) : للصَّحِيح أنْ يَأمُرَ مَنْ يحُجُّ عنه، ويكونُ ذلك تطَوُّعًا. وقال: وللمريضِ أن يَأمُرَ مَنْ يحُجُّ عنه حَجَّةَ الإسْلام، فإنْ ماتَ كان ذلك مُسْقِطًا لفَرْضِه، وإنْ أوصَى أن يُحجَّ عنه، كان ذلك في ثُلُثِه، وإنْ تطوَّعَ رجلٌ بالحجِّ عنه بعدَ الموتِ أجْزَأه. ولا يجوزُ عندَه أن يُؤاجِرَ أحَدٌ نَفْسَه في الحجِّ. وقال الثوريُّ نحوَ قولِ أبي حنيفة.
-
أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكِر، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا طاهِرُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حَدَّثَنَا عبَّادُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ أبي حكيم، قال: سمِعتُ سفيانَ، قال: إذا ماتَ الرجلُ ولم يحُجَّ، فليُوصِ أن يُحجَّ عنه، فإن لَمْ يُوصِ،
ج ٦ ص ٢٥٠فحَجَّ عنه ولَدُه، فحَسَنٌ؛ إنما هو دَيْنٌ يَقْضِيه. وقد كان يَسْتَحِبُّ لذي القَرَابَةِ أن يَحُجَّ عن قرابَتِه، فإن كان لا قرَابَةَ له، فمَواليه إن كان، فإنَّ ذلك يُسْتَحَبُّ، فإنْ أحَجُّوا عنه رجلًا تطوُّعًا، فلا بأْسَ، قال: وإذا أوْصَى الرجلُ أنْ يُحجَّ عنه، فلْيَحُجَّ عنه مَن قد حَجَّ، ولا ينبغي لرجلٍ أنْ يحُجَّ عن غيرِه إذا لَمْ يحُجَّ (١) ، وإنْ لَمْ يجد ما يحُجُّ به. قال: وإذا كان الرجلُ عليه دَيْنٌ، ولم يحُجَّ، فليَبْدَأ بدَيْنِه، فإنْ كان عندَه فضْلٌ يحُجُّ به حَجَّ، وإنْ كان عندَه قَدْرُ ما إنْ حَجَّ به أضَرَّ بعِيَالِه، فليُنْفِقْ على عِيَالِه، ولا بَأْسَ أنْ يحُجَّ الرَّجُلُ بدَيْنٍ إذا كان له عُرُوضٌ إنْ ماتَ تركَ وفَاءً، وإنْ لَمْ يكُنْ للرَّجُلِ شيءٌ ولم يحُجَّ، فلا يُعْجِبُني أنْ يَسْتَقْرِضَ ويَسْألَ الناسَ، فيَحُجَّ به، فإنْ فَعَلَ أو أَجَرَ نَفْسَه، أجزَأه مِن حَجَّةِ الإسلام، قال: وإذا كان عندَه ما يحُجُّ به، ولم يكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الإسلام، فأرَادَ أنْ يتزَوَّجَ، وخشيَ على نَفْسِه، فلا بَأْسَ أنْ يتزَوَّجَ، ويحُجَّ بعدَ أنْ يُوسِرَ. هذا كلُّه قولُ الثَّوْريِّ رحِمَه الله.
وقال ابنُ القاسم، عن مالِكٍ (٢) : ينبغي للأعْزَبِ إذا أفَادَ مالًا أنْ يحُجَّ قبلَ أنْ يَنكِحَ. قال: وحَجُّه أولى مِن قَضائِه دَيْنًا عن أبيهِ. قال: وقال مالك (٣) : ولتَخْرُج المرأةُ مع وليِّها، فإنْ أبى ولم يكُنْ لها وليٌّ، ووجَدَتْ مَن يخرُجُ معها من الرِّجالِ أو نساءً مأمُونين، فلتَخْرُج. وهو قولُ الشافعيِّ، وسنذكُرُ ما للعلماء مِن المذاهبِ في المرأةِ التي لا محرَمَ لها يخرُجُ معها عندَ ذِكْرِ حديثِ سعيدٍ المقبُريِّ (٤) إن شاء الله.
-
وقال ابنُ أبي ليلَى (٥) ، والأوزاعيُّ (٦) ، والشافعيُّ: يُحجُّ عن الميِّتِ، وإنْ لَمْ يُوصِ، ويُجزِئُه. قال الشافعيُّ: ويكونُ ذلك مِن رأسِ المالِ.
ج ٦ ص ٢٥١وقال مالكٌ: يجوزُ أنْ يَحجَّ عن الميِّتِ مَن لَمْ يحُجَّ قَطُّ، ولكنَّ الاختيارَ أنْ يحُجَّ عن نَفْسِه أوَّلًا. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعيِّ.
وقال الحَسَنُ بنُ صالح: لا يحُجُّ عن الميِّتِ إلَّا مَن قد حَجَّ عن نَفْسِه، ويُكرَهُ أنْ تحُجَّ المرأةُ عن الرجلِ، ولا يُكرَهُ أن يحُجَّ الرجلُ عن المرأةِ؛ لأنَّ المرأةَ تَلْبَسُ، والرجلَ لا يَلْبَسُ (١) .
وقال الشافعيُّ (٢) : لا يحُجُّ عن الميِّتِ إلَّا مَن قد حَجَّ عن نَفْسِه، فإنْ حَجَّ عن الميِّتِ صَرُورَةٌ (٣) ، كانت نيَّتُه للنَّفْلِ لغْوًا. وقال الشافعيُّ (٤) : جائزٌ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه في الحجِّ، ولستُ أكْرَهُه.
وقال مالكٌ (٥) : أكْرَهُ أنْ يُؤجرَ نَفْسَه في الحجِّ، فإنْ فَعَلَ جازَ. وهو قولُ الشافعيِّ في روايةٍ، وعندَ أبي حنيفةَ: لا يجُوزُ، ومن حُجَّتِه أنَّ الحجَّ قُرْبَةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ، فلا يَصِحُّ أنْ يعْمَلَه غيرُ المُتَقَرِّبِ به. قال بعضُ أصحابِه: ألا تَرى أنَّه لا يجوزُ بإجماع أنْ يُسْتَأجَرَ الذِّمِّيُّ أنْ يحُجَّ عن مسلم؛ وذلك لأَنه قربةٌ للمسلم؟
-
ومن حُجَّةِ مالكٍ والشافعيِّ على جوازِ ذلك: إجماعُهم على كتابِ المُصحَف، وبِناء المَسْجد، وحَفْرِ القُبورِ، وصِحَّةِ الاستئجارِ في ذلك، وهو قُرْبَةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ، فكذلك عَمَلُ الحجِّ عن الغَيْرِ والصَّدَقاتُ قُرْبَةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ، وقد أباحَ اللهُ للعامِلِ عليها أنْ يأخُذَ منها على قَدْرِ عَمَلِه، ولا مَعْنَى لاعْتِبارِ الإجماع
ج ٦ ص ٢٥٢على أنَّ الذِّمِّيَّ لا يجوزُ استئجارُه في ذلك؛ لأنَّهم قد أجمَعُوا على أنَّ الذِّمِّيَّ لا يحُجُّ عن المسلم تَطَوُّعًا، وأنَّ ذلك جائزٌ في المُسْلِم.
-
وفي حديث الخَثْعَمِيَّة هذا رَدٌّ على الحَسَن بنِ صالح بنِ حَيٍّ في قوله: إنَّ المرأةَ لا يجُوزُ أنْ تحُجَّ عن الرجلِ، وحُجَّةٌ لمن أجازَ ذلك.
-
وأمَّا حُجَّةُ مَن أبَى جَوازَ حَجِّ الرجلِ عن الرجلِ وهو صَرُورَةٌ (١) لم يحُجَّ عن نَفْسِه، فحَدِيثُ ابنِ عبَّاس.
-
حَدَّثَنَاهُ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكر، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢) : حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الطَّالقَانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ، عن قتَادةَ، عن عَزْرةَ (٣) ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبَّاس، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمِعَ رجُلًا يقولُ: لبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ، فقال: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " ، قال: أخٌ لي، أو: قَرِيبٌ لي، فقال: "أحَجَجْتَ عن نَفْسِكَ؟ " ، قال: لا، قال: "فحُجَّ عن نَفْسِكَ، ثم حُجَّ عن شُبْرُمَة" (٤) .
- ج ٦ ص ٢٥٣
ومَنْ أبى القَوْلَ بهذا الحديث، عَلَّلَه بأنَّه قد رُوِيَ هذا الحديثُ موقُوفًا (١) على ابنِ عباس (٢) ، وبعضُهم يجعَلُه عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبير، لا يَذْكُرُ عزرةَ (٣) ، وليست هذه عِلَلًا يجِبُ بها التوقفُ عن القولِ بالحديثِ (٤) ؛ لأنَّ زيادةَ الحافظِ مقبولةٌ، حُكْمُها حُكْمُ الحديثِ نَفْسِه، لو لَمْ يجِئْ به غيرُه، وباللّه التوفيقُ.
- ج ٦ ص ٢٥٤
حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن سُليمان بن يَسار
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن سُليمانَ بن يَسار، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبعَثُ عبدَ الله بنَ رَواحةَ يَخْرُصُ (٢) بينَه وبينَ يهودِ خَيْبَر، قال: فجَمَعوا له حُلِيًّا من حُلِيِّ نسائهم، فقالوا: هذا لكَ، وخَفِّفْ عنّا وتجاوَزْ في القَسْم، فقال عبدُ الله بن رَواحة: يا معشر اليهود، واللّه إنّكم لمِن أبغضِ خَلْق الله إليَّ، وما ذلك بحاملي على أنْ أحِيفَ عليكم، فأمَّا ما عَرَضتُم من الرِّشوةِ فإنَّها سُحتٌ، وإنَّا لا نأكلُها. فقالو ا: بهذا قامتِ السماواتُ والأرضُ (٣) .
-
هذا الحديثُ مرسلٌ في جميع "الموطآتِ" عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، وقد تقدَّم القولُ في معناه مستوعَبًا، في بابِ حديثِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، مِن كتابِنا هذا (٤) ، فلا وجهَ لإعادةِ القولِ في ذلك.
-
وقد يستنِدُ معنى هذا الحديثِ مِن روايةِ ابنِ عباسٍ، وجابرٍ (٥) ، وغيرِهما، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وسماعُ سليمانَ بنِ يسارٍ مِن ابنِ عباسٍ صحيحٌ (٦) .
وقال (٧) مَعْمرٌ، عن الزُّهْري في هذا الحديث: خَمَّس رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبرَ
ج ٦ ص ٢٥٥ولم يكنْ له ولا لأصحابه عمالٌ يعملونَها ويزرَعونَها، فدعا يهودَ خَيْبر وقد كانوا أُخرجوا منها، فدَفَع إليهم خَيْبرَ على أنَّ يعمَلوها على النِّصف يؤدُّونَه إلى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال لهم: "أُقِرُّكم على ذلك بما أقَرَّكمُ اللهُ" فكان يبعَثُ إليهم عبدَ الله بنَ رَواحةَ فيَخرُصُ النَّخلَ حين يَطِيبُ أولُه، ثُم يُخيِّرُ يهودَ يأخُذونَها بذلك الخَرْص أو يدفعونَها بذلك الخَرْص، وإنّما كانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرَ بالخَرْص في ذلك لكي تُحصى الزّكاةُ في ذلك قبلَ أن تؤكَلَ الثمرة (١) .
-
وفيه مِن الفقهِ: إثباتُ خبرِ الواحدِ، ألا ترى أنَّ عبدَ الله بنَ رواحةَ قدِم على أهلِ خيبرَ وهو واحدٌ، فأخبرَهم عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحكم كبيرٍ في الشريعةِ، فلم يقولوا له: إنَّك واحدٌ لا نُصدِّقُك على رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ولو كان خبرُه وحدَه لا يجبُ به الحكمُ، ما بعَثه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحدَه.
-
وفيه: أنَّ المؤمنَ (٢) وإنْ أبغَض في الله، لا يحمِلُه بغضه على ظُلم مَن أبغضَه، والظَّالم نفسَه يظلمُ، قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الظُّلمُ ظُلمات يومَ القيامةِ" (٣) .
-
وفيه: دليل على أنَّ كلَّ ما أخذَهُ الحاكمُ والشاهدُ على الحكم بالحقِّ أو الشَّهادةِ بالحقِّ سُحتٌ، وكلُّ رِشوةٍ سُحتٌ، وكلُّ سُحتٍ حرامٌ، ولا يحلُّ لمسلم أكلُه، وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ علماء المسلمينَ. وقال جماعةُ أهلِ التَّفسيرِ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: ٤٢] ، قالوا: السُّحتُ: الرِّشوةُ في الحكم (٤) . وقيل: السُّحتُ كلُّ ما لا يحلُّ كسبُه (٥) .
- ج ٦ ص ٢٥٦
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ السُّحتَ، وهو الرِّشوةُ، عندَ اليهودِ حرامٌ ولا يحلُّ، ألا ترى إلى قولهم: بهذا قامَت السَّماواتُ والأرضُ؟ ولولا أنَّ السُّحتَ محرَّمٌ عليهم في كتابِهم ما عيَّرَهم اللهُ عزَّ وجلَّ في القرآنِ بأكلِه، فالسُّحتُ محرَّمٌ عندَ جميع أهلِ الكتابِ، أعاذَنا اللهُ منه برحمتِه، آمينَ.
- أنشدَنا غيرُ واحدٍ لمنصورٍ الفقيهِ (١) ، رحمه الله:
-
إذا رشوةٌ مِن بابِ بيتٍ تَقَحَّمَت ... لتدخُلَ فيه والأمانةُ فيهِ
سَعَتْ هَرَبًا منه ووَلَّتْ كأنَّها ... حَليمٌ تنَحَّى عن جوارِ سَفيهِ (٢)
-
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله مالكُ بنُ عيسى بنِ نصرٍ القَفْصيُّ الحافظ بقَفْصَةَ (٣) . وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ سليمانُ بنُ الأشْعثِ (٤) ، قالا: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمليُّ، قال: حَدَّثَنَا
ج ٦ ص ٢٥٧زيدُ بنُ أبي الزَّرقاء، عن جعفرِ بنِ بُرْقانَ. وحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا المُعافى بنُ عمرانَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ بُرْقانَ، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، عن مِقسَم أبي القاسم (١) ، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينَ افتَتحَ خيبرَ واشتَرط عليهم أنَّ له الأرضَ وكلَّ صفراءَ وبيضاء، يعني: الذهبَ والفضَّةَ، فقال له أهلُ خيبرَ: نحن أعلمُ بالأرض، فأعطناها على أنْ نعمَلَ ولنا نصفُ الثمرةِ ولكم النِّصفُ. فزعَم أنَّه أعطاهم على ذلك، فلمَّا كان حينَ تُصرَمُ النخلُ، بعَث إليهم عبدَ الله بنَ رواحةَ، فحزَر النخلَ، وهو الذي يدعوه أهلُ المدينةِ الخرْصَ، فقال: هي كذا وكذا، فقالوا: أكثرَتَ علينا. وفي حديثِ المُعافَى: فقال: في ذا كذا وكذا، فقالوا: أكثَرتَ يا ابنَ رواحةَ، قال: فأنا أُعطيكم النِّصفَ الذي قلتُ، قالوا: هذا الحقُّ، وبه قامَت السَّماواتُ والأرضُ، رَضِينا أنْ نأخُذَه بالذي قلْتَ. وفي حديث زيدِ بنِ أبي الزَّرقاء: أكثرْتَ علينا يا ابنَ رواحةَ، قال: فأنا ألي جِذاذَ النَّخل، وأُعطيكم نصفَ الذي قلتُ، قالوا: هذا الحقُّ، وبه قامتِ السَّماواتُ والأرضُ، قد رَضِينا أن نأخُذَه بالذي قلت.
-
قد تقدَّم في باب رَبيعةَ من القول في ذكْرِ الأرض، وفي باب ابن شِهاب من معاني الخَرْص ومعاني أرض خَيْبر ما فيه إشرافٌ على معاني ذلك كلِّه، والحمد للّه.
وقال أبو بكرٍ الأصَمُّ عبدُ الرَّحمن بن كَيْسان: كان إعطاءُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبرَ على النِّصف مما تُخرجُ أرضُها وثمرتُها خصوصًا له - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنَّ اليهودَ كانوا له كالعبيد، وللسيّد أن يأخُذَ مالَ عبدِه كيف شاء ويبيعَ منه الدرهمَ بالدّرهمينِ،
ج ٦ ص ٢٥٨فرخَّص رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في دَفْع الأرض إلى اليهود بالنظرِ لتلك العِلّة، ولا يجوزُ ذلك لغيرِهِ، لِما ثَبَت من نَهْيه (١) عن مثلِ ذلك في كِراءِ الأرض وفي بيع الثِّمار قبلَ بُدوِّ صلاحِها، ولِما أجمَعوا عليه أنَّ المجهولَ لا يكونُ بمثلٍ لشيء ولا يجوزُ بيعُه.
-
وقرأتُ على سعيدِ بن نَصْر، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدّثهم، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بن محمد الصَّائغ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سابق، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن طَهْمان (٢) ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّه قال: أفاء اللهُ خَيْبرَ على رسوله، فأقرَّهم رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها وجَعَلَها بينَه وبينَهم، فبَعَث عبدَ الله بن رَواحةَ فخَرَصَها عليهم، ثم قال: يا معشرَ اليهود، أنتم أبغضُ الخَلْق إليَّ، قتلتُم أنبياءَ الله، وكذبتُم على الله، وليس يحمِلُني بُغضي إياكم على أنْ أحِيفَ عليكم، قد خَرَصتُ عشرينَ ألفَ وَسَق من تمر، فإنْ شئتُم فلكُم، وإنْ شئتُم فلي، فقالوا: بهذا قامتِ السمواتُ والأرض، قد أخَذْنا فاخرُجوا عنا (٣) .
ج ٦ ص ٢٥٩فقال أبو الزُّبير: إنَّ عُمرَ بن الخطَّاب إنَّما أخرَجَهم منها بعدَ ذلك؛ لأنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا تُقِرُّوا في جزيرة العَربِ مَن ليس منّا" أو قال: "من ليس من المسلمين" (١) .