باب السلف يحول
١٤٤ فقرة، ج ٩ ص ٢٥٤
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٩ ص ٢٥٨
فَإِذَا جَازَ فِي الْأَعْيَان أَنْ تُبَاع لِبَائِعِهَا قَبْل الْقَبْض فَدَيْن السَّلَم أَوْلَى بِالْجَوَازِ كَمَا جَازَتْ الْإِقَالَة فِيهِ قَبْل الْقَبْض اِتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْإِقَالَة فِي الْأَعْيَان
-
وَمِمَّا يُوَضِّح ذَلِكَ أن بن عَبَّاس لَا يُجَوِّز بَيْع الْمَبِيع قَبْل قَبْضه واحتج عليه بنهي النبي عَنْ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضه وَقَالَ أَحْسِب كُلّ شَيْء بِمَنْزِلَةِ الطَّعَام وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ جَوَّزَ بَيْع دَيْن السَّلَم مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَرْبَح فِيهِ
-
وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن الطَّعَام وَغَيْره وَلَا بَيْن الْمَكِيل وَالْمَوْزُون وَغَيْرهمَا
-
لِأَنَّ الْبَيْع هُنَا مِنْ الْبَائِع الَّذِي هُوَ فِي ذِمَّته
-
فَهُوَ يَقْبِضهُ مِنْ نَفْسه لِنَفْسِهِ بَلْ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ هُنَا قَبْض بَلْ يَسْقُط عَنْهُ مَا فِي ذِمَّته فَتَبْرَأ ذِمَّته وَبَرَاءَة الذِّمَم مَطْلُوبَة فِي نَظَر الشَّرْع لِمَا فِي شَغْلهَا مِنْ الْمَفْسَدَة فَكَيْف يَصِحّ قِيَاس هَذَا عَلَى بَيْع شَيْء غَيْر مَقْبُوض لِأَجْنَبِيٍّ لَمْ يَتَحَصَّل بَعْد وَلَمْ تَنْقَطِع عَلَق بَائِعه عَنْهُ
ج ٩ ص ٢٥٩. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمُسْلَم فِيهِ ثُمَّ أَعَادَة إِلَيْهِ جَازَ
-
فَأَيّ فَائِدَة فِي أَخْذه مِنْهُ
-
ثُمَّ إِعَادَته إِلَيْهِ وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا مُجَرَّد كُلْفَة وَمَشَقَّة لَمْ تَحْصُل بِهَا فَائِدَة
-
وَمِنْ هُنَا يُعْرَف فَضْل عِلْم الصَّحَابَة وَفِقْههمْ عَلَى كُلّ مَنْ بَعْدهمْ
-
قَالُوا وَأَمَّا اِسْتِدْلَالكُمْ بنهي النبي عَنْ رِبْح مَا لَمْ يُضْمَن فَنَحْنُ نَقُول بِمُوجَبِهِ وَأَنَّهُ لَا يَرْبَح فِيهِ كَمَا قَالَ بن عَبَّاس خُذْ عَرْضًا بِأَنْقَص مِنْهُ وَلَا تَرْبَح مَرَّتَيْنِ
-
فَنَحْنُ إِنَّمَا نُجَوِّز لَهُ أَنْ يُعَاوِض عنه بسعر يومه كما قال النبي لِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر فِي بَيْع النُّقُود فِي الذِّمَّة لَا بَأْس إِذَا أَخَذْتهَا بِسِعْرِ يومها فالنبي إِنَّمَا جَوَّزَ الِاعْتِيَاض عَنْ الثَّمَن بِسِعْرِ يَوْمه لِئَلَّا يَرْبَح فِيمَا لَمْ يُضْمَن
-
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى هَذَا الْأَصْل فِي بَدَل الْعِوَض وَغَيْره مِنْ الدُّيُون أَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَاض عَنْهُ بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن
-
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك يَجُوز الِاعْتِيَاض عَنْهُ بِسِعْرِ يومه كما قال بن عَبَّاس لَكِنْ مَالِك يَسْتَثْنِي الطَّعَام خَاصَّة لِأَنَّ مِنْ أَصْله أَنَّ بَيْع الطَّعَام قَبْل قَبْضَة لَا يَجُوز بِخِلَافِ غَيْره
-
وَأَمَّا أَحْمَد فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْن أَنْ يَعْتَاض عَنْهُ بِعَرْضٍ أَوْ حَيَوَان أَوْ نَحْوه دُون أَنْ يَعْتَاض بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُون
-
فَإِنْ كَانَ بِعَرْضٍ وَنَحْوه جَوَّزَهُ بسعر يومه كما قال بن عَبَّاس وَمَالِك وَإِنْ اِعْتَاضَ عَنْ الْمَكِيل بِمَكِيلٍ أَوْ عَنْ الْمَوْزُون بِمَوْزُونٍ فَإِنَّهُ مَنَعَهُ لِئَلَّا يُشْبِه بَيْع الْمَكِيل بِالْمَكِيلِ مِنْ غَيْر تَقَابُض إِذْ كَانَ لَمْ تُوجَد حَقِيقَة التَّقَابُض مِنْ الطَّرَفَيْنِ
-
وَلَكِنْ جَوَّزَهُ إِذَا أَخَذَ بِقَدْرِهِ مِمَّا هُوَ دُونه كَالشَّعِيرِ عَنْ الْحِنْطَة نَظَرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ هَذَا اِسْتِيفَاء لَا مُعَاوَضَة كَمَا يُسْتَوْفَى الْجَيِّد عَنْ الرَّدِيء
-
فَفِي الْعَرْض جَوَّزَ الْمُعَاوَضَة إِذْ لَا يُشْتَرَط هُنَاكَ تَقَابُض
-
وَفِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُون مَنَعَ الْمُعَاوَضَة لِأَجْلِ التَّقَابُض وَجَوَّزَ أَخْذ قَدْر حَقّه أَوْ دُونه
-
لِأَنَّهُ اِسْتِيفَاء
-
وَهَذَا مِنْ دَقِيق فِقْهه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
-
قَالُوا وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ هَذَا الدَّيْن مَضْمُون لَهُ فَلَوْ جَوَّزْنَا بَيْعه لَزِمَ تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ فَهُوَ دَلِيل بَاطِل مِنْ وَجْهَيْنِ
-
أَحَدهمَا أَنَّهُ لَا تَوَالِي ضَمَانَيْنِ هُنَا أَصْلًا
-
فَإِنَّ الدَّيْن كَانَ مَضْمُونًا لَهُ فِي ذِمَّة الْمُسْلَم إِلَيْهِ
-
فإذا
ج ٩ ص ٢٦٠بيع الطعام قبل قبضه وقال أحسب كل شيء بمنزلة الطعام ومع هذا فقد ثبت عنه أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه ولم يفرق بين الطعام وغيره ولا بين المكيل والموزون وغيرهما لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته فهو يقبضه من نفسه لنفسه بل في الحقيقة ليس هنا قبض بل يسقط عنه ما في ذمته فتبرأ ذمته وبراءة الذمم مطلوبة في نظر الشرع لما في شغلها من المفسدة فكيف يصح قياس هذا على بيت شيء غير مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعد ولم تنقطع علق بائعه عنه
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
بَاعَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَصِرْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِحَالٍ
-
لِأَنَّهُ مَقْبُوض فِي ذِمَّة الْمُسْلَم إِلَيْهِ فَمِنْ أَيّ وَجْه يَكُون مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِع بَلْ لَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ لَكَانَ مَضْمُونًا لَهُ عَلَى الْمُسْلَم إِلَيْهِ وَمَضْمُونًا عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي وَحِينَئِذٍ فَيَتَوَالَى ضَمَانَانِ
-
الْجَوَاب الثَّانِي أَنَّهُ لَا مَحْذُور فِي توالي الضمانين
-
وليس يوصف مُسْتَلْزِم لِمَفْسَدَةٍ يَحْرُم الْعَقْد لِأَجْلِهَا
-
وَأَيْنَ الشَّاهِد مِنْ أُصُول الشَّرْع لِتَأْثِيرِ هَذَا الْوَصْف وَأَيّ حُكْم عَلَّقَ الشَّارِع فَسَاده عَلَى تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ وَمَا كَانَ مِنْ الْأَوْصَاف هَكَذَا فَهُوَ طَرْدِيّ لَا تَأْثِير لَهُ
-
وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْر الصُّوَر الَّتِي فِيهَا تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ
-
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النبي أَنَّهُ جَوَّزَ الْمُعَاوَضَة عَنْ ثَمَن الْمَبِيع فِي الذِّمَّة
-
وَلَا فَرْق بَيْنه وَبَيْن دَيْن السَّلَم
-
قَالُوا وَأَيْضًا فَالْمَبِيع إِذَا تَلِفَ قَبْل التَّمَكُّن مِنْ قَبْضه كَانَ عَلَى الْبَائِع أَدَاء الثَّمَن الَّذِي قَبَضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي
-
فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَهُ فَعَلَيْهِ أَدَاء الثَّمَن الَّذِي قَبَضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَالْوَاجِب بِضَمَانِ هَذَا غَيْر الْوَاجِب بِضَمَانِ الْآخَر
-
فَلَا مَحْذُور فِي ذَلِكَ
-
وَشَاهِده الْمَنَافِع فِي الْإِجَارَة وَالثَّمَرَة قَبْل الْقَطْع