باب في ذراري المشركين
١٢٧ فقرة، ج ١٢ ص ٣١٦
الصفحة ٢ من ٤
- ج ١٢ ص ٣١٩
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
-
(كُلُّ مَوْلُودٍ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ (يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ المراد بالفطرة الإسلام
-
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ (يُهَوِّدَانِهِ) أَيْ يُعَلِّمَانِهِ الْيَهُودِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ يَهُودِيًّا (وَيُنَصِّرَانِهِ) أَيْ يُعَلِّمَانِهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ نَصْرَانِيًّا (كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ) أَيْ تَلِدُ (جَمْعَاءَ) أَيْ سَلِيمَةِ الْأَعْضَاءِ كَامِلَتِهَا (هَلْ تُحِسُّ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ هَلْ تُدْرِكُ
-
قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أي سليمة مقولا في حقها ذلك (في جدعاء) أي مقطوعة الأذن
-
والمعنى أن البهيمة أول
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
وَأَمَّا مُسْلِم فَأَوْرَدَهُ فِي صَحِيحه كَمَا تَقَدَّمَ
-
ومن انتصر للحديث وصحيحه يَقُول الْإِنْكَار مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَة إِنَّمَا كَانَ لِشَهَادَتِهَا لِلطِّفْلِ الْمُعَيَّن بِأَنَّهُ فِي الْجَنَّة كَالشَّهَادَةِ لِلْمُسْلِمِ الْمُعَيَّن فَإِنَّ الطِّفْل تَبَع لِأَبَوَيْهِ فَإِذَا كَانَ أَبَوَاهُ لَا يُشْهَد لَهُمَا بِالْجَنَّةِ فَكَيْف يُشْهَد لِلطِّفْلِ التَّابِع لَهُمَا
-
وَالْإِجْمَاع إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَة مَعَ آبَائِهِمْ فَيَجِب الْفَرْق بَيْن الْمُعَيَّن وَالْمُطْلَق
-
وَفِي صَحِيح أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن ضَمْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَرَارِيّ الْمُؤْمِنِينَ يكفلهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنَّة
-
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِر أَنْ يَقُول لِأَصْحَابِهِ هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ رُؤْيَا قَالَ فَيَقُصّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يَقُصّ وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَات غَدَاة أَتَانِي اللَّيْلَة آتِيَانِ فَذَكَرَ حَدِيث الرُّؤْيَا بِطُولِهِ إِلَى أَنْ قَالَ فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَة مُعْتِمَة مِنْ كُلّ لَوْن الرَّبِيع وَإِذَا بَيْن ظَهْرَيْ الرَّوْضَة رَجُل طَوِيل لَا أَكَاد أَرَى رَأْسه طُولًا فِي السَّمَاء وَإِذَا حَوْل الرَّجُل أَكْثَر وِلْدَان رَأَيْتهمْ قَطّ وَقَالَ فِيهِ وَأَمَّا الرَّجُل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا الْوِلْدَان الَّذِينَ حَوْله فَكُلّ مَوْلُود مَاتَ عَلَى الْفِطْرَة قَالَ فَقَالَ بَعْض الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُول اللَّه وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ
ج ١٢ ص ٣٢٠مَا تُولَدُ تَكُونُ سَلِيمَةً مِنَ الْجَدْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهَا أَرْبَابُهَا النَّقَائِصَ كَذَلِكَ الطِّفْلُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَوْ تُرِكَ عَلَيْهَا لَسَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ إِلَّا أَنَّ وَالِدَيْهِ يُزَيِّنَانِ لَهُ الْكُفْرَ وَيَحْمِلَانِهِ عَلَيْهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هريرة (إن أهل الأهواء) المراد بهم ها هنا الْقَدَرِيَّةُ (قَالَ مَالِكٌ احْتَجَّ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الِاحْتِجَاجِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ (بِآخِرِهِ) أَيْ بِآخِرِ الْحَدِيثِ (قَالُوا أَرَأَيْتَ إِلَخْ) هَذَا بيان لآخر الحديث
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
وفي الصحيحين عن بن عَبَّاس سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ
-
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عن أبي بن كعب رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِر طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا
-
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الصَّعْب بْن جَثَّامَة قَالَ سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّار مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهمْ فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ
-
وَفِي لَفْظ لَهُمَا هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ
-
وَهَذِهِ الْأَحَادِيث لَا تَنَاقُض بَيْنهَا بَلْ يُصَدِّق بَعْضهَا بَعْضًا
-
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَطْفَال عَلَى ثَمَانِيَة أَقْوَال
-
أَحَدهَا الْوَقْف فِيهِمْ وَتَرْك الْكَلَام فِي مُسْتَقَرّهمْ وَيُوَكَّل عِلْمهمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى
-
قَالَ هَؤُلَاءِ وَظَوَاهِر السُّنَن وَأَجْوِبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم في حديث بن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَكَّلَ عِلْمهمْ إِلَى اللَّه وَقَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
-
قالوا وقد روى بن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث جَرِير بْن حَازِم قَالَ سَمِعْت أَبَا رَجَاء الْعُطَارِدِيّ قَالَ سمعت بن عَبَّاس يَقُول وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزَال أَمْر هَذِهِ الْأُمَّة قِوَامًا أَوْ مُقَارِبًا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْوِلْدَان وَالْقَدَر
-
قَالَ أَبُو حَاتِم الْوِلْدَان أَرَادَ بِهِمْ أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ
-
وَفِيمَا اِسْتَدَلَّتْ بِهِ هَذِهِ الطَّائِفَة نَظَر وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجِبْ فِيهِمْ بِالْوَقْفِ وَإِنَّمَا وَكَّلَ عِلْم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ لَوْ عَاشُوا إِلَى اللَّه وَهَذَا جَوَاب عَنْ سُؤَالِهِمْ كَيْف يَكُونُونَ مَعَ آبَائِهِمْ بِغَيْرِ عَمَل وَهُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث
ج ١٢ ص ٣٢١قال بن الْقَيِّمِ سَبَبُ اخْتَلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّهِ بَلْ مِمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ إِحْدَاثَهُ فَحَاوَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُخَالَفَتَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْآثَارَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ لَفْظِ الْفِطْرَةِ إِلَّا الْإِسْلَامَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَخْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
-
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّل بَاب وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَ الْعِلْم بِعَمَلِهِمْ إِلَى اللَّه وَلَمْ يَقُلْ اللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَسْتَقِرُّونَ أَوْ أَيْنَ يَكُونُونَ
-
فَالدَّلِيل غَيْر مُطَابِق لِمَذْهَبِ هَذِهِ الطائفة
-
وأما حديث أبي رجاء عن بن عَبَّاس فِي الْمَنْع مِنْ الْكَلَام فِيهِمْ فَفِي الْقَلْب مِنْ رَفْعه شَيْء
-
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّمَا يَدُلّ عَلَى ذَمّ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْم أَوْ ضَرَبَ الْأَحَادِيث فِيهِمْ بَعْضهَا بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَ مَعَ الَّذِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ كَلَامهمْ فِي الْقَدَر وَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بِعِلْمٍ وَحَقّ فَلَا يُذَمّ
-
الْقَوْل الثَّانِي أَنَّ أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ فِي النَّار
-
وَهَذَا مَذْهَب طَائِفَة وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رِوَايَة عَنْ أَحْمَد قَالَ شَيْخنَا وَهُوَ غَلَط مِنْهُ عَلَى أَحْمَد وَسَبَب غَلَطه أَنَّ أَحْمَد سُئِلَ عَنْهُمْ فَقَالَ هُمْ عَلَى الْحَدِيث قَالَ الْقَاضِي أَرَادَ حَدِيث خَدِيجَة إِذْ سَأَلَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادهَا الَّذِينَ مَاتُوا قَبْل الْإِسْلَام فَقَالَ إِنْ شِئْت أَسْمَعْتُك تَضَاغِيهمْ فِي النَّار
-
قَالَ شَيْخنَا وَهَذَا حَدِيث مَوْضُوع وَأَحْمَد أَجَلّ مِنْ أَنْ يَحْتَجّ بِمِثْلِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ حَدِيث عَائِشَة اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
-
وَالْقَوْل الثَّالِث إِنَّهُمْ فِي الْجَنَّة وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ سَمُرَة الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
-
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا} وَبِقَوْلِهِ {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خَزَنَتهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِير فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّه مِنْ شَيْء} فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ كُلّ فَوْج يُلْقَى فِي النَّار لَا بُدّ وَأَنْ يَكُونُوا قَدْ جَاءَهُمْ النَّذِير وَكَذَّبُوهُ وَهَذَا مُمْتَنِع فِي حَقّ الْأَطْفَال
-
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْلِيس {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تَبِعَك مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}
- ج ١٢ ص ٣٢٢
(قَالَ هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْإِقْرَارُ الَّذِي كَانَ يَوْمَ الْمِيثَاقِ
-
والحديث سكت عنه المنذري