ذكر الأحاديث التي ادعوا عليها التناقض

٧٢٦ فقرة، ج ١ ص ١٤٥

الصفحة ١٧ من ١٩

  1. وَإِلَى أَنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ خَيَّلُوا لِمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا أَرَوْهُ.

    قَالُوا: وَمِثْلُ ذَلِكَ؛ أَنَّا نَأْخُذُ الزِّئْبَقَ، فَنُفْرِغُهُ فِي وِعَاءٍ كَالْحَيَّةِ، ثُمَّ نُرْسِلُهُ فِي مَوْضِعٍ حَارٍّ، فَيَنْسَابُ انْسِيَابَ الْحَيَّةِ.

    قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ٣، إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ، وَلَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ.

    وَقَالُوا: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} ٤ هُوَ بِمَعْنَى النَّفْيِ.

    ج ١ ص ٢٦١
  2. أَيْ: لَمْ يَنْزِلْ ذَلِكَ.

    وَقَالُوا: الْمَلِكَيْنِ، بِكَسْرِ اللَّامِ.

  3. وَذَكَرُوا عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، وَيَقُولُ: عِلْجَانِ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَى هَذَا، مُخَالِفٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَجَمِيعِ أَهْلِ الْكُتُبِ، وَمُخَالِفٌ لِلْأُمَمِ كُلِّهَا، الْهِنْدُ، وَهِيَ أَشَدُّهَا إِيمَانًا بِالرُّقَى، وَالرُّومُ وَالْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الْإِسْلَامِ، وَمُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ مُعَانِدٌ لَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَالَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ

    ج ١ ص ٢٦٢وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} ١ فأعلمنا أَنَّ السَّوَاحِرَ، يَنْفُثْنَ فِي عُقَدٍ يَعْقِدْنَهَا كَمَا يَتْفُلُ الرَّاقِي وَالْمُعَوِّذُ.

  4. وَكَانَتْ قُرَيْشٌ، تُسَمِّي السِّحْرَ الْعَضْهَ٢.

  5. وَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَاضِهَةَ وَالْمُسْتَعْضِهَةَ.

  6. يَعْنِي بِالْعَاضِهَةِ: السَّاحِرَةَ، وَبِالْمُسْتَعْضِهَةِ: الَّتِي تَسْأَلُهَا أَنْ تَسْحَرَ لَهَا، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

    أعوذ بربي من النافثا ... ت فِي عَقْدِ الْعَاضِهِ الْمُعْضِهِ

    يَعْنِي: السواحر. وَقد روى بن نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهَذَا طَرِيقٌ مَرْضِيُّ صَحِيحٌ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ سُحِرَ٣-: "جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ ٤ فَقَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمَشَّاطَةٍ، وَجُفِّ ٥ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ" .

  7. وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَجْتَرُّ٦ النَّاسُ بِهِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا، وَلَا يَصْرِفُونَ عَنْهَا ضُرًّا، وَلَا يُكْسِبُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَنَاءً وَمَدْحًا، وَلَا حَمَلَةُ هَذَا الْحَدِيثِ كَذَا بَين، وَلَا مُتَّهَمِينَ، وَلَا مُعَادِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

  8. وَمَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لَبِيدُ بن الأعصم -هَذَا الْيَهُودِيّ- سحر

    ج ١ ص ٢٦٣رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قَتَلَتِ الْيَهُودُ قَبْلَهُ، زَكَرِيَّا بْنَ آذَنَ فِي جَوْفِ شَجَرَةٍ، قَطَّعَتْهُ قِطَعًا بِالْمَنَاشِيرِ.

  9. وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَوْ غَيْرُهُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا وَصَلَ الْمِنْشَارُ إِلَى أَضْلَاعِهِ أَنَّ؛ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَكُفَّ عَنْ أَنِينِكَ، وَإِمَّا أَنْ أُهْلِكَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.

  10. وَقَتَلَتْ بَعْدَهُ ابْنَهُ يَحْيَى بِقَوْلِ بَغِيٍّ، وَاحْتِيَالِهَا فِي ذَلِكَ، وَادَّعَتْ "يَعْنِي الْيَهُودَ" أَنَّهَا قَتَلَتِ الْمَسِيحَ وَصَلَبَتْهُ.

  11. وَلَوْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} ١ لَمْ نَعْلَمْ نَحْنُ، أَنَّ ذَلِكَ شَبَهُهُ لِأَنَّ الْيَهُودَ أَعْدَاؤُهُ، وَهُمْ يَدَّعُونَ ذَلِكَ، وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاؤُهُ وَهُمْ يُقِرُّونَ لَهُمْ بِهِ.

  12. وَقَتَلَتِ الْأَنْبِيَاءَ، وَطَبَخَتْهُمْ٢، وَعَذَّبَتْهُمْ أَنْوَاعَ الْعَذَابِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ، لَعَصَمَهُمْ مِنْهُمْ.

  13. وَقَدْ سُمَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِرَاعِ شَاةٍ مَشْوِيَّةٍ، سَمَّتْهُ يَهُودِيَّةٌ، فَلَمْ يَزَلِ السُّمُّ يعاده حَتَّى مَاتَ.

    وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَر تعادني، فَهَذَا أَوَان انْقِطَاع أَبْهَري" ٣

    ج ١ ص ٢٦٤فَجعل اللَّهُ تَعَالَى لِلْيَهُودِيَّةِ عَلَيْهِ السَّبِيلَ، حَتَّى قَتَلَتْهُ.

  14. وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ السَّبِيلَ عَلَى النَّبِيِّينَ.

  15. وَالسِّحْرُ أَيْسَرُ خَطْبًا مِنَ الْقَتْلِ وَالطَّبْخِ وَالتَّعْذِيبِ.

  16. فَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجْعَلُ لِلشَّيْطَانِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبِيلًا، وَلَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فقد قرؤوا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} ١.

  17. يُرِيدُ: إِذَا تَلَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ -يُعَزِّيهِ، عَمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، حِينَ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ: "تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَجَى" .

  18. غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ، أَنْ يَزِيدَ فِيهِ، أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ.

  19. أَمَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} ٢.

  20. أَيْ: يُبْطِلُ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ.

    ثُمَّ قَالَ: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ٣.

  21. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} ٤. أَيْ: لَا يَقْدِرُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوَّلًا، وَلَا آخِرًا.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَانِي فَقَالَ: إِنْ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ يَكِيدُكَ، فَإِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حَتَّى تختم آيَة الْكُرْسِيّ" ٥.

  22. وَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَيُّوبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} ١.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي السِّحْرِ الَّذِي رَآهُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ تَخْيِيلٌ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَمَا نُنْكِرُ هَذَا وَلَا نَدْفَعُهُ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ الْخَلَائِقَ كُلَّهَا، لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى خَلْقِ بَعُوضَةٍ، لَمَا اسْتَطَاعُوا؛ غَيْرَ أَنَّا لَا نَدْرِي، أَهُوَ بِالزِّئْبَقِ الَّذِي ادَّعَوْا أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ فِي سُلُوخِ الْحَيَّاتِ حَتَّى جَرَتْ، أَمْ بِغَيْرِهِ؟

    ج ١ ص ٢٦٥
  23. وَلَا يَعْلَمُ هَذَا، إِلَّا مَنْ كَانَ سَاحِرًا، أَوْ مَنْ سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا مِنَ السَّحَرَةِ.

  24. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ٢، ثُمَّ قَالَ: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} ١ إِنَّ تَأْوِيلَهُ "وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ" فَلَيْسَ هَذَا بِمُنْكَرٍ مِنْ تَأْوِيلَاتِهِمُ الْمُسْتَحِيلَةِ الْمَنْكُوسَةِ.

  25. فَإِذَا كَانَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ، هَارُوتَ، وَمَارُوتَ، صَارَ الْكَلَامُ فَضْلًا، لَا مَعْنًى لَهُ.

  26. وَإِنَّمَا يَجُوزُ٣ بِأَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ السِّحْرَ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وَيَكُونُ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، أَوْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "اتَّبِعُوا ذَلِكَ" وَلِمَ يَنْزِلُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، كَمَا ذَكَرُوا.

  27. وَمِثَالُ هَذَا؛ أَنْ يَقُولَ مُبْتَدِئًا: عَلَّمْتُ هَذَا الرَّجُلَ الْقُرْآنَ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  28. فَلَا يَتَوَهَّمُ سَامِعُ هَذَا، أَنَّكَ أَرَدْتَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ قَوْلُ أَحَدٍ: أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا يَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّكَ عَلمته الْقُرْآن والتوراة.

  29. وَتَأْويل هَذَا، عندنَا، مُبين بِمَعْرِفَةِ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ.

    ج ١ ص ٢٦٦
  30. وَجُمْلَتُهُ -على مَا ذكر بن عَبَّاسٍ- أَنَّ سُلَيْمَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا عُوقِبَ، وَخَلَفَهُ الشَّيْطَانُ فِي مُلْكِهِ، دَفَنَتِ الشَّيَاطِينُ فِي خِزَانَتِهِ، وَمَوْضِعِ مُصَلَّاهُ، سِحْرًا وأخذًا١ ونيرنجات٢.

  31. فَمَا مَاتَ سُلَيْمَانُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَاءَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: أَلَا نَدُلُّكُمْ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي سُخِّرَتْ بِهِ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ وَالْجِنُّ، وَدَانَتْ لَهُ بِهِ الْإِنْسُ؟ قَالُوا: بَلَى. فَأَتَوْا مُصَلَّاهُ، وَمَوْضِعَ كُرْسِيِّهِ، فَاسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْهُ.

    فَقَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: "مَا هَذَا مِنْ دِينِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ سَاحِرًا" .

    وَقَالَ سَفَلَةُ النَّاسِ: "سُلَيْمَانُ كَانَ أَعْلَمَ مِنَّا، فَسَنَعْمَلُ بِهَذَا، كَمَا عَمِلَ" .

    فَقَالَ الله تَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ٣ أَيْ اتَّبَعَتِ الْيَهُودُ، مَا تَرْوِيهِ الشَّيَاطِينُ.

  32. وَالتِّلَاوَةُ وَالرِّوَايَةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ.

    ثُمَّ قَالَ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} ٤ وَهُمَا مَلَكَانِ أُهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ، حِينَ عَمِلَ بَنُو آدَمَ بِالْمَعَاصِي لِيَقْضِيَا بَيْنَ النَّاسِ، وَأُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمَا شَهْوَةُ النِّسَاءِ، وَأُمِرَا أَنْ لَا يَزْنِيَا، وَلَا يَقْتُلَا، وَلَا يَشْرَبَا خَمْرًا فَجَاءَتْهُمَا الزُّهَرَةُ٥ تُخَاصِمُ إِلَيْهِمَا، فَأَعْجَبَتْهُمَا فَأَرَادَاهَا، فَأَبَتْ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُعَلِّمَاهَا الِاسْمَ الَّذِي يَصْعَدَانِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَعَلَّمَاهَا، ثُمَّ أَرَادَاهَا، فَأَبت حَتَّى يشربا الْخمر، فشرباها،

    ج ١ ص ٢٦٧وقضيا حَاجَتَهُمَا، ثُمَّ خَرَجَا، فَرَأَيَا رَجُلًا، فَظَنَّا أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ١ عَلَيْهِمَا، فَقَتَلَاهُ.

  33. وَتَكَلَّمَتِ الزُّهَرَةُ بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَصَعِدَتْ، فَخَنَسَتْ٢ وَجَعَلَهَا اللَّهُ شِهَابًا.

  34. وَغَضِبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمَلَكَيْنِ، فَسَمَّاهُمَا: هَارُوتَ، وَمَارُوتَ.

  35. وَخَيَّرَهُمَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا.

  36. فَهُمَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ٣.

  37. وَالَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، فِيمَا يَرَى أَهْلُ النَّظَرِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ. الَّذِي صَعِدَتْ بِهِ الزُّهَرَةُ، وَكَانَا بِهِ -قَبْلَهَا وَقَبْلَ السُّخْطِ عَلَيْهِمَا- يَصْعَدَانِ إِلَى السَّمَاءِ. فَعَلِمَتْهُ الشَّيَاطِينُ، فَهِيَ٤ تُعَلِّمُهُ أَوْلِيَاءَهَا، وَتُعَلِّمُهُمُ السِّحْرَ.

  38. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ السَّاحِرَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ، فَيَطِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَيَطْفُو عَلَى الْمَاءِ.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، أَنَّ عَامِلَ عُمَانَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إِنَّا أَتَيْنَا بِسَاحِرَةٍ، فَأَلْقَيْنَاهَا فِي الْمَاءِ، فَطَفَتْ" .

  39. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "لَسْنَا مِنَ الْمَاءِ فِي شَيْءٍ، إِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، وَإِلَّا فَخَلِّ٥ سَبِيلَهَا" .

  40. وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَيْرَةُ بْنُ شُكَيْرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ بِالْبَحْرَيْنِ، فَأُتِيَ بِسَاحِرَةٍ، فَأَمَرَ بِهَا، فَأُلْقِيَتْ فِي الْمَاءِ فَطَفَتْ، فَأَمَرَ بِصَلْبِهَا فَنَحَتْنَا جِذْعًا.

    ج ١ ص ٢٦٨