ذكر الأحاديث التي ادعوا عليها التناقض

٧٢٦ فقرة، ج ١ ص ١٤٥

الصفحة ٤ من ١٩

  1. وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِيهَا على استثقال

    ج ١ ص ١٧١لظلها، وَاسْتِيحَاشٍ بِمَا نَالَهُمْ فِيهَا، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ.

    ج ١ ص ١٧٠
  2. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَتَرْكِيبِهِمُ، اسْتِثْقَالَ مَا نَالَهُمُ السُّوءُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا سَبَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَحُبَّ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الْخَيْرُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ، وَبُغْضَ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الشَّرُّ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ.

  3. وَكَيْفَ يَتَطَيَّرُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ.

  4. وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا، وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا.

    قَالَ الشَّاعِرُ١ يَمْدَحُ رَجُلًا:

    وليسَ بهيَّابٍ إِذَا شّدَّ رحلَه ... يقولُ عَدَانِي اليومَ واقٌ وحاتِمُ

    وَلَكِنَّهُ يَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِما ... إِذَا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الهَناتِ الخُثارِمُ

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    الْخُثَارِمُ، هُوَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ، وَالَوَاقُ الصَّرْدُ، وَالْحَاتِمُ: الْغُرَابُ.

    وَقَالَ الْمُرَقِّشُ٢:

    وَلَقدْ غدوتُ وكنتُ لَا ... أغدُو عَلَى واقٍ وحاتمْ

    فَإِذا الأشائمُ كالأيا ... مِنِ والأيامنُ كالأشائمْ

    وَكَذَاكَ لَا خيرٌ وَلَا ... شرٌّ عَلَى أحدٍ بدائمْ

    وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثلاثةٌ لَا يَسلمُ مِنْهُنَّ أحدٌ، الطِّيَرَةُ، وَالظَّنُّ، وَالْحَسَدُ" ٣.

  5. قِيلَ: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ؟

    قَالَ: "إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعُ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقُ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ" هَذِهِ الْأَلْفَاظُ١ أَوْ نَحْوُهَا.

    ج ١ ص ١٧٢
  6. وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَعْجَبُ، مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالطِّيَرَةِ، وَيَعِيبُهَا أَشَدَّ الْعَيْبِ.

    وَقَالَ: فَرَقَتْ٢ لَنَا نَاقَةٌ: وَأَنَا بِالطَّفِّ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهَا، فَلَقِيَنِي هَانِئُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَهُوَ مُسْرِعٌ يَقُولُ:

    وَالشَّرُّ يُلْفَى٣ مطالعَ الْأَكَمْ

    ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ:

    وَلَئِنْ بغيتَ لَنَا٤ بُغَاةً ... مَا البغاةُ بِوَاجِدِينَا٥

    ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى غُلَامٍ قَدْ وَقَعَ فِي صِغَرِهِ فِي نَارٍ، فَأَحْرَقَتْهُ، فَقَبُحَ وَجْهُهُ، وَفَسَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ ذَكَرْتَ مِنْ نَاقَةٍ فَارِقٍ؟

    قَالَ: هَهُنَا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَانْظُرْ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ أَنْتَجَتْ، فَأَخَذْتُهَا وَوَلَدَهَا.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    الْفَارِقُ: الَّتِي قَدْ حَمَلَتْ، فَفَارَقَتْ صَوَاحِبَهَا.

    وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَمَرَّ طَائِرٌ يَصِيحُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: "خَيْرٌ خَيْرٌ" .

    فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْتَحِبُّ الْاسْمَ الْحَسَنَ والفأل الصَّالح.

  7. وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشَيُّ١ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ: قَالَ سَأَلت بن عَوْنٍ عَنِ الْفَأْلِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا، فَيُسْمَعَ "يَا سَالِمُ" أَوْ يَكُونَ بَاغِيًا٢ فَيُسْمَعُ "يَا وَاجِدُ" .

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَهَذَا أَيْضًا، مِمَّا جُعِلَ فِي غرائز النَّاس تستحبه وتأنس بِهِ، كَمَا جُعِلَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ، وَالْمَدِّ فِي الْأُمْنِيَةِ، وَالتَّبْشِيرِ بِالْخَيْرِ.

    ج ١ ص ١٧٣
  8. وَكَمَا يُقَالُ: "انْعَمْ وَاسْلَمْ" وَ "انْعَمْ صَبَاحًا" وَكَمَا تَقُولُ الْفُرْسُ: "عِشْ أَلْفَ نوروز" .

  9. وَالسَّامِعُ لِهَذَا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَلَكِنْ جُعِلَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةُ الْخَيْرِ وَالْارْتِيَاحُ لِلْبُشْرَى، وَالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ، وَالْوَجْهِ الْحَسَنِ، وَالْاسْمِ الْخَفِيفِ.

  10. وَقَدْ يَمُرُّ الرَّجُلُ بِالرَّوْضَةِ الْمُنَوِّرَةِ٣ فَتَسُرُّهُ، وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ، وَبِالْمَاءِ الصَّافِي فَيُعْجَبُ بِهِ٤ وَهُوَ لَا يَشْرَبُهُ وَلَا يُورِدُهُ٥.

  11. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ يُعْجَبُ بِالْأُتْرُجِّ، وَيُعْجِبُهُ الْحَمَامُ الْأَحْمَرُ" ٦.

  12. "وَتُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ" ٧ وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ.

  13. وَهَذَا مِثْلُ إِعْجَابِهِ بِالْاسْمِ الْحَسَنِ، وَالْفَأْلِ الْحَسَنِ.

  14. وَعَلَى مِثْلِ هَذَا، كَانَتْ كَرَاهَتُهُ لِلْاسْمِ الْقَبِيحِ، كَـ "بَنِي النَّارِ" وَ "بَنِي حِرَاقٍ" وَ "بَنِي زِنْيَةٍ" وَ "بَنِي حزن" وَأَشْبَاه هَذَا.

    ج ١ ص ١٧٤قَالُوا: حديثان متناقضان

  15. ١١- الْإِيرَاد فِي الصَّلَاةِ:
  16. قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ قَالَ: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّمْضَاءَ، فَلَمْ يُشْكِنَا" ١.

  17. يَعْنِي أَنَّهُمْ شَكَوْا إِلَيْهِ شِدَّةَ الْحَرِّ وَمَا يَنَالُهُمْ مِنَ الرَّمْضَاءِ وَسَأَلُوهُ الْإِبْرَادَ بِالصَّلَاةِ، فَلَمْ يُشْكِهِمْ، أَيْ "لَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى تَأْخِيرِهَا" .

  18. ثُمَّ رَوَيْتُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ" ٢.

    قَالُوا: وَهَذَا اخْتِلَافٌ، لَا خَفَاءَ بِهِ، وَتَنَاقُضٌ.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّه لَيْسَ هَهُنَا -بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى- اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ.

  19. لِأَنَّ أَوَّلَ الْأَوْقَاتِ، رِضْوَانُ اللَّهِ. وَآخِرَ الْأَوْقَاتِ، عَفْوُ اللَّهِ، وَالْعَفْوُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ تَقْصِيرٍ.

  20. فَأَوَّلُ الْأَوْقَاتِ أَوْكَدُ أَمْرًا، وَآخِرُهَا رُخْصَةٌ.

  21. وَلَيْسَ يَجُوزُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ فِي نَفْسِهِ إِلَّا بِأَعْلَى الْأُمُورِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

  22. وَإِنَّمَا يَعْمَلُ فِي نَفْسِهِ بِالرُّخْصَةِ، مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ النَّاسَ عَلَى جَوَازِهَا.

    ج ١ ص ١٧٥
  23. فَأَمَّا أَنْ يَدُومَ عَلَى الْأَمْرِ الْأَخَسِّ، وَيَتْرُكَ الْأَوْكَدَ وَالْأَفْضَلَ، فَذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ.

  24. فَلَمَّا شَكَا إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ الرَّمْضَاءَ، وَأَرَادُوا مِنْهُ التَّأْخِيرَ إِلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحُرُّ، لَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، إِذْ كَانُوا مَعَهُ.

  25. ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِبْرَادِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ، تَوْسِعَةً عَلَى أُمَّتِهِ، وَتَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ.

  26. وَكَذَلِكَ تَغْلِيسُهُ بِالْفَجْرِ، وَقَوْلُهُ: "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ" ١.

  27. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ لِلزَّوَالِ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا، حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عُلَيَّةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ٢ الشَّمْسُ" يَعْنِي: حِين تَزُول.

    ج ١ ص ١٧٦قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ

    ١٢- هَلْ كَانَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ؟

    قَالُوا: رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا كَفَرَ بِاللَّهِ نَبِيٌّ قَطُّ، وَأَنَّهُ بُعِثَ إِلَيْهِ مَلَكَانِ، فَاسْتَخْرَجَا مِنْ قَلْبِهِ -وَهُوَ صَغِيرٌ- عَلَقَةً ثُمَّ غَسَلَا قَلْبَهُ، ثُمَّ رَدَّاهُ إِلَى مَكَانِهِ" ١.

  28. ثُمَّ رَوَيْتُمْ، أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ: عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ، وَأَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، وَهُمَا كَافِرَانِ.

    قَالُوا: وَفِي هَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ، وَتَنَقُّصٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ، بِنِعْمَةِ اللَّهِ، مُتَعَلَّقٌ وَلَا مَقَالٌ، إِذَا عَرَفَ مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ جَمِيعًا، مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، خَلَا الْيَمَنَ. وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى بَقَايَا مِنْ دَيْنِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْ ذَلِكَ حَجُّ الْبَيْتِ وَزِيَارَتُهُ، وَالْخِتَانُ، وَالنِّكَاحُ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ، إِذَا كَانَ ثَلَاثًا، وَلِلزَّوْجِ الرَّجْعَةُ فِي الْوَاحِدَةِ وَالْاثْنَتَيْنِ، وَدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ٢، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَاتِّبَاعُ الْحُكْمِ فِي الْمُبَالِ فِي الْخُنْثَى، وَتَحْرِيمُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ وَالنَّسَبِ -وَهَذِهِ أُمُور مَشْهُورَة عَنْهُم.

  29. وَكَانُوا -مَعَ ذَلِكَ- يُؤْمِنُونَ بِالْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ.

    قَالَ الْأَعْشَى١ وَهُوَ جَاهِلِيٌّ:

    فَلَا تَحْسَبَنِّي كَافِرًا لَكَ نِعْمَةً ... عَلَى شَاهِدِي يَا شَاهِدَ اللَّهِ فَاشْهَدِ

    يُرِيدُ: عَلَى لِسَانِي، يَا مَلَكَ اللَّهِ،، فَاشْهَدْ بِمَا أَقُولُ.

    ج ١ ص ١٧٧
  30. وَيُؤْمِنُ بَعْضُهُمْ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ. -قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى٢، وَهُوَ جَاهِلِيٌّ لَمْ يَلْحَقِ الْإِسْلَامَ- فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ، الَّتِي تُعَدُّ مِنَ السَّبْعِ:

    يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَرْ ... لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ

    وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي الْبَلِيَّةِ -وَهِيَ النَّاقَةُ تُعْقَلُ عِنْدَ قَبْرِ صَاحِبِهَا، فَلَا تُعْلَفُ وَلَا تُسْقَى حَتَّى تَمُوتَ-: "إِنَّ صَاحِبَهَا يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَاكِبَهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْلِيَاؤُهُ ذَلِكَ بَعْدَهُ، جَاءَ حَافِيًا رَاجِلًا" .

  31. وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو زُبَيْدٍ فَقَالَ:

    كَالْبَلَايَا رُءُوسُهُا فِي الولايا ... مانحات السُّمُومِ حَرَّ الْخُدُودِ

    وَالْوَلَايَا: الْبَرَاذِعُ.

  32. وَكَانُوا يُقَوِّرُونَ الْبَرْذعَةَ، وَيُدْخِلُونَهَا فِي عُنُقِ تِلْكَ النَّاقَةِ، فَقَالَ النَّابِغَةُ:

    مَحَلَّتُهُمْ ذَاتُ الْإِلَهِ وَدِينُهُمْ ... قَوِيمٌ فَمَا يَرْجُونَ غَيْرَ الْعَوَاقِبِ

    يُرِيدُ الْجَزَاء بأعمالهم، ومحلتهم الشَّام٣.

  33. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ؛ يُرَادُ: عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِشَرَائِعِهِمْ: فِي الْخِتَانِ، وَالْغُسْلِ، وَالْحَجِّ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالْبَعْثِ، وَالْقِيَامَةِ وَالْجَزَاءِ وَكَانَ -مَعَ هَذَا- لَا يقرب الْأَوْثَان، ويعيبها، وَقَالَ: "بُغِّضَتْ إِلَيَّ" غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ فَرَائِضَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالشَّرَائِعَ الَّتِي شَرَعَهَا لِعِبَادِهِ، عَلَى لِسَانِهِ حَتَّى أُوحِيَ إِلَيْهِ.

    ج ١ ص ١٧٨
  34. وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى} ١.

  35. يُرِيدُ: ضَالًّا عَنْ تَفَاصِيلِ الْإِيْمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، فَهَدَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

  36. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ} ٢ يُرِيدُ مَا كُنْتَ تَدْرِي، مَا الْقُرْآنُ، وَلَا شَرَائِعُ الْإِيْمَانِ.

  37. وَلَمْ يُرِدِ الْإِيْمَانَ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ، لِأَنَّ آبَاءَهُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، كَانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَحُجُّونَ لَهُ، وَيَتَّخِذُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِهِ، يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَيْهِ تَعَالَى وتقربه فِيمَا ذَكَرُوا مِنْهُ، ويَتَوَقّوْنَ الظُّلْمَ، وَيَحْذَرُونَ عَوَاقِبَهُ، وَيَتَحَالَفُونَ عَلَى أَنْ لَا يُبغى عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يُظْلَمَ.

    وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ٣ لِمَلِكِ الْحَبَشَةِ، حِينَ سَأَلَهُ حَاجَتَهُ فَقَالَ: "إِبِلٌ ذَهَبَتْ لِي" .

  38. فَعَجِبَ مِنْهُ، كَيْفَ لَمْ يَسْأَلْهُ الْانْصِرَافَ عَنِ الْبَيْتِ.

    فَقَالَ: "إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ مَنْ يَمْنَعُ مِنْهُ" أَوْ كَمَا قَالَ.

  39. فَهَؤُلَاءِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ الْوَحْيِ؟ ! وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْهِ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ} أَنَّ الْإِيْمَانَ، شَرَائِعُ الْإِيْمَانِ.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

    وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.

    ج ١ ص ١٧٩
  40. وَقَوْمِهِ هَؤُلَاءِ، لَا أَبُو جَهْلٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ١.

    وَقَالَ لِنُوحٍ: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} ٢ يَعْنِي: ابْنَهُ، لَمَّا كَانَ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ.