الحكم الثالث عشر: استحقاق القاتل سلب القتيل
١١٩ فقرة، ج ١ ص ٦٤٨
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ٦٦٣
وثانيها: "أنه عليه السلام أمر خالدا بالرد عليه ".
-
وثالثها: "أن في نصه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بأن لا يرد عليه، لأنه علم أن القاتل صاحب السلب أعطاه بطيب نفس ولم يطلب خالدا به، وأن عوفاً يتكلم فيما لا حق له فيه وهذا هو نص الخبر ".
-
ورابعها: "أنه لو كان كما يوهمون لما كان لهم فيه حجة، لأن يوم حنين الذي قال فيه عليه السلام "من قتل كافرا فله سلبه" كان بعد يوم مؤتة٣ بلا خلاف ". ويوم حنين كان بعد فتح مكة" ... فيوم حنين حكمه ناسخ لما تقدم لو كان خلافه٤ ".
- (٣)كانت غزوة مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة". (سيرة ابن هشام ٢/٣٧٣) .
- (٤)المحلى ٧/٥٤٩، ومعنى قوله (لو كان خلافه) يعني أنه لو سلم لهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع القاتل سلب قتيله، لكان ما قاله عليه السلام يوم حنين ناسخا لما كان في غزوة مؤتة".
-
د- وأما حديث شبر بن علقمة وقول سعد بن أبي وقاص إنا قد نفلناه إياه فأجاب عنه ابن قدامة بقوله: "أما خبر شبر فإنما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه نفلا لأنه في الحقيقة نفل لأنه زيادة على سهمه٥".
- (٢)الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص٢٢٥ ونصب الراية للزيلعي ٣/٤٣٢".
- (٥)المغني ٨/٣٩٣".
- ج ١ ص ٦٦٤
هـ- وأما قول مالك: "بم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين ".
-
فأجاب عنه ابن حجر بقوله: "وأجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن:
منها: "يوم بدر, كما في قصة أبي جهل" .
-
ومنها: "حديث حاطب بن أبي بلتعة في قتله رجلا يوم أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه" .
-
ومنها: "حديث عوف بن مالك في قصة قتل المددي رجلا من العدو" .
-
ومنها: "قصة عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص في دعائهما يوم أحد وقول سعد: " اللهم ارزقني رجلا شديدا أقتله وآخذ سلبه, وغير ذلك من المواطن التي ورد فيها لفظ السلب قبل غزوة حنين ".
-
وأجاب ابن حجر أيضا بقوله: فإن أراد مالك أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود، لكن على غير مالك ممن منعه فإن مالكا إنما نفى البلاغ, وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل " وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق١.اهـ.
وقال بن حزم: "وقال بعضهم: "لم يقل ذلك٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ يوم حنين" .
قال أبو محمد: "فكان هذا عجبا, نعم, فهبك أنه لم يقله - عليه السلام - قط إلا مرة يومئذ، أو قاله قبل وبعد, أترى أنهم يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى به مرة أو يرونه باطلا حتى يكرر القضاء به؟.." .
- (١)فتح الباري ٦/١٦٩ و٢٤٧-٢٤٨, والأم للشافعي ٤/٦٦/٦٨ وسبل السلام للصنعاني ٤/٥٢-٥٣ وانظر ص (٦٤٦) وحديث (٢٨٢) و (٢٨٣) .
- (٢)يعني (من قتل قتيلا فله سلبه) .
-
فلا فرق بين ما قاله مرة, أو ألف ألف مرة, كله دين وكله حق, كله حكم الله تعالى, وكله لا يحل لأحد خلافه "٣.
-
المسألة الثانية: "من مسائل هذا الحكم: تخميس السلب, وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: "
-
القول الأول: "أن السلب لا يخمس قلَّ أم كثر".
ج ١ ص ٦٦٥قال ابن قدامة: "روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص, وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير١" .اهـ.
وقال النووي: "واختلفوا في تخميس السلب, وللشافعي فيه قولان:
الصحيح منها عند أصحابه, لا يخمس وهو ظاهر الأحاديث وبه قال: أحمد وابن جرير وابن المنذر وآخرون٢".اهـ ".
وقال أبو عبيد: "وفي النفل٣ الذي ينفله الإمام سنن أربع, لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى ".
- (٣)المحلى ٧/٥٤٧".
- (٣)تقدم بيان النفل في ص ٣٥٣".
-
فإحداهن: "في النفل الذي لا خمس فيه ".
-
والثانية: "في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس ".
-
والثالثة: "في النفل الذي يكون من الخمس نفسه ".
-
والرابعة: "في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء ".
-
فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب, وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك فيكون له سلبه مسلما من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من أهل العسكر٤".
وقال ابن حزم: "وكل من قتل قتيلا من المشركين فله سلبه قال ذلك الإمام أو لم يقله, كيف ما قتله صبراً, أو في القتال, ولا يخمس السلب قلّ أو كثر" ٥.
وقال ابن قيم الجوزية: حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلب كله للقاتل ولم يخمسه، ولم يحعله من الخمس, بل من أصل الغنيمة, وهذا حكمه وقضاؤه "٦" .اهـ.
-
وأدلة هذا القول الأحاديث المتقدمة مثل حديث أبي قتادة: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" .
-
وحديث سلمة بن الأكوع في قتله طليعة المشركين, وقول الرسول صلى الله عليه وسلم من قتل الرجل فقالوا: "سلمة بن الأكوع, فقال صلى الله عليه وسلم: " له سلبه أجمع".
- (١)المغني لابن قدامة ٨/٣٩١".
- (٢)شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢".
- (٤)كتاب الأموال ص ٤٣٠".
- (٥)المحلى ٧/٥٤٤
- (٦)زاد المعاد ٥/٧٢و٣/٤٩٣-٤٩٤".
- ج ١ ص ٦٦٦
وحديث أنس بن مالك "أن أبا طلحة قتل عشرين رجلا يوم حنين وأخد أسلابهم" ١ ".
-
وساق القرطبي في تفسيره حديث عوف بن مالك الذي رواه مسلم, ثم قال: "وأخرجه أبو بكر٢ البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم, وزاد بيانا أن عوف بن مالك, قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس السلب" ٣.
- (٢)هو الإمام الحافظ شيخ الفقهاء والمحدثين أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني الشافعي شيخ بغداد, صنف التصانيف وخرج على الصحيحين, حدث عنه البيهقي والخطيب البغدادي وغيرهم". قال الخطيب: "كان ثقة ورعاً ثبتا لم نر في شيوخنا أثبت منه, عارفا بالفقه له حظ من علم العربية كثير, صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم, ولد سنة ٣٣٦ ومات ببغداد سنة٤٢٥ هـ". (تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٠٧٤-١٠٧٦ وتاريخ بغداد ٤/٣٧٣-٣٧٦) .
-
وروى الإمام أحمد فقال: "حدثنا أبو المغيرة٤ قال ثنا صفوان٥ بن عمرو قال: " حدثني عبد الرحمن٦ بن جبير بن نفير عن أبيه٧ عن عوف ابن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب ".
- (٤)هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني, أبو المغيرة الحمصي, ثقة, من التاسعة (ت ٢١٢) ./ع". (التقريب ١/٥١٥ وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٩) .
- (٥)صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي, أبو عمرو الحمصي, ثقة من الخامسة (ت١٥٥أو بعدها) .بخ م عم (التقريب١/٣٦٨,وتهذيب التهذيب٤/٢٢٨-٢٢٩) .
- (٦)عبد الرحمن بن جبير بجيم وموحدة مصغرا ابن نفير بنون وفاء مصغرا الحضرمي الحمصي, ثقة من الرابعة (ت ١١٨) . بخ م عم". (التقريب ١/٤٧٥ وتهذيب التهذيب ٦/١٥٤ وقد سقط من تهذيب التهذيب علامة من أخرج له) .
- (٧)هو جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي, الحمصي, ثقة جليل, من الثانية مخضرم, ولأبيه صحبة فكأنه هو ما وفد إلا في عهد عمر (ت٨٠ وقيل بعدها) . بخ م". عم". (التقريب ١/١٢٦ وتهذيب التهذيب ٢/٦٤-٦٥) .
-
ورواه من هذه الطريق أيضا مطولا".
-
ورواه أيضا عن الوليد بن مسلم قال حدثني صفوان بن عمرو به مطولا أيضا ٨ ".
-
وأخرجه أبو داود من طريق أحمد الأخيرة".
- (١)تقدم هذه الأحاديث في ص ٦٣٦-٦٣٧ و٦٤٠-٦٤٢".
- (٣)الجامع لأحكام القرآن ٨/٧-٨, وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٤-٣٩٥".
- (٨)المسند ٦/٢٦و٢٧-٢٨".
- ج ١ ص ٦٦٧
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي ١ ".
-
وأخرجه أبو داود أيضا مختصرا من طريق إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف ن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب" ٢.
-
ورواه ابن الجارود من طريق أبي المغيرة قال ثنا صفوان بن عمرو به ولفظه "عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب" ٣.
-
رواه الطحاوي من طريق الوليد بن مسلم قال: "ثنا صفوان بن عمرو به ولفظه " عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "قلت لخالد بن الوليد يوم مؤتة ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب؟ قال: " بلى " ٤.
-
ورواه البيهقي أيضا من طريق الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو به٥".
-
ولمسلم من طريق الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو به بلفظ "قال عوف: " فقلت: "يا خالد! أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: " بلى، ولكني استكثرته " ٦.
-
والحديث صحيح وهو نص في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب".
-
القول الثاني: "أن السلب يخمس مطلقاً" .
قال ابن قدامة: "وهو قول ابن عباس والأوزاعي ومكحول٧" .
-
ونسبه النووي أيضا لمالك وقال: "وهو قول ضعيف للشافعي" .
ج ١ ص ٦٦٨ثم قال: "وعن مالك رواية اختارها إسماعيل القاضي١ أن الإمام بالخيار إن شاء خمسه وإلا فلا٢" .
- (١)السنن الكبرى ٦/٣١٠".
- (٢)سنن أبي داود ٢/٦٥و٦٦ كتاب الجهاد، باب في السلب لا يخمس".
- (٣)المنتقى ص ٣٦١".
- (٤)شرح معاني الآثار ٣/٢٢٦".
- (٥)السنن الكبرى ٦/٣١٠ وانظر إرواء الغليل ٥/٥٥-٥٧".
- (٦)تقدم الحديث برقم (٢٨٣) .
- (٧)المغني ٨/٣٩١.
- (١)هو أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري، ثم البغدادي المالكي، الحافظ شيخ الإسلام صاحب التصانيف وشيخ مالكية العراق وعالمهم". قال الخطيب: "كان عالما متقنا فقيها شرح مذهب مالك واحتج له، وصنف المسند، وصنف في علوم القرآن، وجمع حديث أيوب وحديث مالك". قال الذهبي: "وصنف الموطأ، وصنف كتابا حافلا نحو مائتي جزء في الرد على محمد تبن الحسن لم يتمه، (ولد سنة ١٧٩ ومات سنة ٢٨٢) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٢٥-٦٢٦ وتاريخ بغداد ٦/٢٨٤) .
-
واستدل من قال بأن السلب يخمس بعموم قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [سورة الأنفال، من الآية: ٤١] .ولم يستثن شيئا ".
-
ورد الجمهور على هذا الدليل بقوله صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلا فله سلبه " وبغير ذلك من الأحاديث القاضية بأن السلب للقاتل، وهي مخصصة لعموم الآية ٣" .
-
القول الثالث: "أن السلب إن كان كثيرا خمس، وإلا فلا" .
-
وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإسحاق بن راهويه ودليل هذا القول هو ما رواه سعيد بن منصور في "سننه" .
-
٢٨٦- عن ابن سيرين٤ أن البراء بن مالك٥ بارز مرزبان٦ الزارة٧
ج ١ ص ٦٦٩بالبحرين، فطعنه فدق صلبه، وأخذسواريه١ وسلبه، فلما صلى عمر الظهر، أتى أبا طلحة في داره، فقال: "إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه فكان أوّل سلب خمس في الإسلام، سلب البراء، وبلغ ثلاثين ألفا" ٢.
- (٤)هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة (ت ١١٠) . /ع". (التقريب ٢/١٦٩ وتهذيب التهذيب ٩/٢١٤) .
- (٥)البراء بن مالك بن النضر، الأنصاري، أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه، وأمهما أم سليم، قال أبو حاتم: "أخوه لأبيه، كان شجاعا مقداما شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بدرا، وهو الذي فتح حديقة مسيلمة التي تحصن فيها هو وجنده يوم اليمامة، واستشهد البراء يوم حصن تستر في خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين وقيل توفي سنة ٢٣". (أسد الغابة ١/٢٠٦ والإصابة ١/١٤٣ والاستيعاب ١/١٣٧ مع الإصابة) .
- (٦)في القاموس المحيط١/٧٣:والمرزبة كمرحلة رياسة الفرس وهو مرزبانهم بضم الزاي".
- (٧)الزارة: "بالزاي وفتح الراء المخففة، وقال أبو منصور: "عين الزارة بالبحرين معروفة، والزارة قرية كبيرة بها، ومنها مرزبان الزارة، وله ذكر في الفتوح، وفتحت الزارة في سنة ١٢هـ في أيام أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وصولحوا". قال أبو أحمد العسكري: "الخط والزارة والقطيف قرى بالبحرين وهجر". (معجم البلدان لياقوت ٣/١٢٦) .
- (٢)المغني لابن قدامة ٨/٣٩٠-٣٩١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢ وفتح الباري ٦/٢٤٧ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٤و٣٩٥، وزاد المعاد ٣/٤٩٤".
- (٣)المغني لابن قدامة ٨/٣٩٠-٣٩١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢ وفتح الباري ٦/٢٤٧ وأضواء البيان الشنقيطي ٢/٣٩٤و٣٩٥، وزاد المعاد ٣/٤٩٤".
- (١)السوار: "بكسر السين وضمها هو ما يتحلى به النساء في أيديهن". (النهاية ٢/٤٢٠ والقاموس ٢/٥٣ وهدي الساري مقدمة فتح الباري ص ١٣٥) .