الباب الخامس في جمل من أخبار البلدان
٥٬٨٣٩ فقرة، ج ١ ص ٤٧
الصفحة ٢٠ من ١٤٦
- ج ١ ص ١١٠
فأجابتها ضرّتها صفيّة:
نحن حفرنا بذّر، ... نسقي الحجيج الأكبر،
- وأمّ أحراد شر
- أَحْرَاصُ:
-
بصاد مهملة، ورواه بعضهم بالضاد المعجمة، في قول أمية بن أبي عائذ الهذلي:
لمن الديار بعلي فالأحراص، ... فالسّودتين فمجمع الأبواص
قال السكري: يروى الأخراص، بالخاء المعجمة، والأحراص، بالحاء المهملة، والقصيدة صادية مهملة.
- أَحْرَاضُ:
-
هذا بالضاد المعجمة، كذا وجدته بخط أبي عبد الله محمد بن المعلّى الأزدي البصري في شرحه لقول تميم بن أبي بن مقبل:
عفا، من سليمى، ذو كلاف فمنكف ... مبادي الجميع، القيظ والمتصيف
وأقفر منها، بعد ما قد تحلّه، ... مدافع أحراض، وما كان يخلف
ج ١ ص ١١١قال صاحب العين: يقال رجل حرض لا خير فيه، وجمعه أحراض، وقال الزّجّاج: يقال رجل حرض أي ذو حرض، ولذلك لا يثنى ولا يجمع، كقولهم رجل دنف أي ذو دنف، ويجوز أن يكون أحراض جمع حرض وهو الأشنان.
- أَحْرُضُ:
-
بالفتح، ثم السكون، وضم الراء، والضاد معجمة، واشتقاقه مثل الذي قبله: وهو موضع في جبال هذيل، سمي بذلك لأن من شرب من مائه حرض أي فسدت معدته.
- أَحْزَاب:
-
بفتح أوله، وسكون ثانيه، وزاي وألف وباء موحدة: مسجد الأحزاب، من المساجد المعروفة بالمدينة التي بنيت في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والأصل في الأحزاب، كل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم، فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضا بمنزلة عاد وثمود، أولئك الأحزاب، والآية الكريمة:
كلّ حزب بما لديهم فرحون، أي كل طائفة هو أهم واحد. وحزّب فلان أحزابا أي جمعهم، قال رؤبة:
لقد وجدت مصعبا مستصعبا، ... حين رمى الأحزاب والمحزّبا
-
وحدث الزبير بن بكّار قال: لما ولّي الحسن بن زيد المدينة، منع عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي أن يؤمّ بالناس في مسجد الأحزاب، فقال له: أصلح الله الأمير، لم منعتني مقامي، ومقام آبائي وأجدادي قبلي؟ قال: ما منعك منه إلا يوم الأربعاء، يريد قوله:
يا للرجال ليوم الأربعاء! أما ... ينفكّ بحدث لي، بعد النّهى، طربا؟
إذ لا يزال غزال فيه يفتني، ... يأتي، إلى مسجد الأحزاب، منتقبا
يخبّر الناس أنّ الأجر همّته، ... وما أتى طالبا أجرا ومحتسبا
لو كان يطلب أجرا ما ما أتى ظهرا، ... مضمّخا بفتيت المسك مختضبا
لكنّه ساقه أن قيل ذا رجب، ... يا ليت عدّة حولي كلّه رجبا
فإنّ فيه، لمن يبغي فواضله، ... فضلا، وللطالب المرتاد مطّلبا
كم حرّة درّة قد كنت آلفها، ... تسدّ، من دونها، الأبواب والحجبا
قد ساغ فيه لها مشي النهار، كما ... ساغ الشراب لعطشان إذا شربا
أخرجن فيه، ولا ترهبن ذا كذب، ... قد أبطل الله فيه قول من كذبا
- الأَحْسَاءُ:
-
بالفتح والمدّ، جمع حسي، بكسر الحاء، وسكون السين: وهو الماء الذي تنشفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر العرب عنه الرمل فتستخرجه، قال أبو منصور:
سمعت غير واحد من تميم يقول: احتسينا حسيا أي أنبطنا ماء حسي، والحسي الرمل المتراكم، أسفله جبل صلّد، فإذا مطر الرمل نشف ماء المطر، فإذا انتهى إلى الجبل الذي تحته، أمسك الماء، ومنع الرمل وحرّ الشمس أن ينشفا الماء. فإذا اشتدّ الحرّ نبث وجه الرمل عن الماء فنبع باردا عذبا يتبرّض تبرّضا. وقد رأيت في البادية أحساء
ج ١ ص ١١٢كثيرة على هذه الصفة، منها أحساء بني سعد بحذاء هجر، والأحساء ماء لجديلة طيء بأجإ، وأحساء خرشاف، وقد ذكر خرشاف في موضعه، وأحساء القطيف، وبحذاء الحاجر في طريق مكة أحساء في واد متطامن ذي رمل، إذا رويت في الشتاء من السيول، لم ينقطع ماء أحسائها في القيظ، وقال الغطريف لرجل كان لصّا، ثم أصاب سلطانا:
جرى لك بالأحساء، بعد بؤوسها، ... غداة القشيريّين بالملك تغلب
عليك بضرب الناس ما دمت واليا، ... كما كنت في دهر الملصّة تضرب
-
والأحساء: مدينة بالبحرين، معروفة مشهورة، كان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة هجر أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنّاني القرمطي، وهي إلى الآن، مدينة مشهورة عامرة. وأحساء بني وهب، على خمسة أميال من المرتمى، بين القرعاء وواقصة، على طريق الحاجّ، فيه بركة وتسع آبار كبار وصغار.
- والأحساء ماء لغنيّ، قال الحسين بن مطير الأسدي:
-
أين جيراننا على الأحساء؟ ... أين جيراننا على الأطواء؟
فارقونا، والأرض ملبسة نو ... ر الأقاحي تجاد بالأنواء
كلّ يوم بأقحوان ونور، ... تضحك الأرض من بكاء السماء
- أَحْسَنُ:
-
بوزن أفعل، من الحسن ضدّ القبح: اسم قرية بين اليمامة وحمى ضرية، يقال لها معدن الأحسن، لبني أبي بكر بن كلاب، بها حصن ومعدن ذهب، وهي طريق أيمن اليمامة، وهناك جبال تسمّى الأحاسن، قال النّوفلي: يكتنف ضريّة جبلان، يقال لأحدهما وسط، وللآخر الأحسن، وبه معدن فضّة.
- الأَحْسِيَةُ:
-
بالفتح، ثم السكون، وكسر السين المهملة، وياء خفيفة، وهاء بوزن أفعلة، وهو من صيغ جمع القلّة، كأنه جمع حساء، نحو حمار وأحمرة، وسوار وأسورة. وحساء جمع حسي، نحو ذئب وذئاب، وزقّ وزقاق، وقد تقدم تفسيره في الأحساء، وقال ثعلب: الحساء الماء القليل، وهو موضع باليمن، له ذكر في حديث الرّدّة، أنّ الأسود العنسي طرد عمّال النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان فروة بن مسيك على مراد، فنزل بالأحسية، فانضمّ إليه من أقام على إسلامه.
- الأَحْصَبَان:
-
تثنية الأحصب، من الأرض الحصباء، وهي الحصى الصغار، ومنه المحصّب، موضع الجمار بمنّى، قال أبو سعد: هو اسم موضع باليمن، ينسب إليه أبو الفتح أحمد بن عبد الرحمن بن الحسين الأحصبي الورّاق نزل الأحصبين.
- الأَحَصُّ:
-
بالفتح، وتشديد الصاد المهملة، يقال: رجل أحصّ، بيّن الحصص أي قليل شعر الرأس، وقد حصّت البيضة رأسي إذا أذهبت شعره، وطائر أحصّ الجناح، ورجل احصّ اللّحية، ورحم حصّاء كله بمعنى القطع، وقال أبو زيد: رجل أحصّ إذا كان نكدا مشؤوما، فكأنّ هذا الموضع، لقلة خيره، وعدم نباته، سمّي بذلك. وبنجد موضعان يقال لهما: الأحصّ وشبيث. وبالشام من نواحي حلب موضعان يقال لهما: الأحصّ وشبيث. فأمّا الذي بنجد، فكانت منازل ربيعة،
ج ١ ص ١١٣ثم منازل ابني وائل بكر وتغلب. وقال أبو المنذر هشام بن محمد في كتابه في افتراق العرب:
ودخلت قبائل ربيعة ظواهر بلاد نجد والحجاز، وأطراف تهامة، وما والاها من البلاد، وانقطعوا إليها، وانتثروا فيها، فكانوا بالذنائب، وواردات، والأحصّ، وشبيث، وبطن الجريب، والتّغلمين، وما بينها وما حولها من المنازل. وروت العلماء الأئمة، كأبي عبيدة وغيره: أن كليبا، واسمه وائل بن ربيعة بن الحارث بن مرّة بن زهير بن جشم ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، قال يوما لامرأته، وهي جليلة بنت مرّة أخت جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وأمّ جساس هبلة بنت منقذ بن سلمان بن كعب بن عمرو ابن سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت أختها البسوس نازلة على ابن أختها جسّاس بن مرّة، قال لها: هل تعرفين في العرب من هو أعزّ مني؟ قالت: نعم، أخواي جسّاس وهمّام، وقيل: قالت نعم، أخي جسّاس وندمانه عمرو المزدلف بن أبي ربيعة الحارث بن ذهل بن شيبان. فأخذ قوسه وخرج فمرّ بفصيل لناقة البسوس فعقره، وضرب ضرع ناقتها حتى اختلط لبنها ودمها، وكانا قد قاربا حماه، فأغمضوا له على ذلك، واستغاثت البسوس، ونادت بويلها.
فقال جسّاس: كفّي، فسأعقر غدا جملا هو أعظم من عقر ناقة. فبلغ ذلك كليبا، فقال: دون عليّان خرط القتاد. فذهبت مثلا، وعليّان فحل إبل كليب. ثم أصابتهم سماء فمرّوا بنهر يقال له شبيث، فأراد جساس نزوله، فامتنع كليب قصدا للمخالفة. ثم مرّوا على الأحصّ، فأراد جساس وقومه النزول عليه، فامتنع كليب قصدا للمخالفة. ثم مرّوا ببطن الجريب، فجرى أمره على ذلك، حتى نزلوا الذنائب، وقد كلّوا وأعيوا وعطشوا، فأغضب ذلك جسّاسا، فجاء وعمرو المزدلف معه، فقال له: يا وائل، أطردت أهلنا من المياه حتى كدت تقتلهم؟ فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلّا ونحن له شاغلون، فقال له: هذا كفعلك بناقة خالتي، فقال له: أو ذكرتها؟ أما إني لو وجدتها في غير إبل مرّة، يعني أبا جساس، لاستحللت تلك الإبل.
-
فعطف عليه جساس فرسه وطعنه بالرمح فأنفذه فيه.
-
فلما أحسّ بالموت، قال: يا عمرو اسقني ماء، يقول ذلك لعمرو المزدلف، فقال له: تجاوزت بالماء الأحصّ، وبطن شبيث. ثم كانت حرب ابني وائل، وهي حرب البسوس، أربعين سنة، وهي حروب يضرب بشدتها المثل. قالوا: والذنائب عن يسار ولجة للمصعد إلى مكة، وبه قبر كليب. وقد حكى هذه القصة بعينها النابغة الجعدي، يخاطب عقال بن خويلد، وقد أجار بني وائل ابن معن، وكانوا قتلوا رجلا من بني جعدة، فحذّرهم مثل حرب البسوس وحرب داحس والغبراء، فقال في ذلك:
فأبلغ عقالا، إنّ غاية داحس ... بكفّيك، فاستأخر لها، أو تقدّم
تجير علينا وائلا بدمائنا، ... كأنّك، عمّا ناب أشياعنا، عم
كليب لعمري كان أكثر ناصرا، ... وأيسر جرما منك، ضرّج بالدم
رمى ضرع ناب، فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهّم
ج ١ ص ١١٤وقال لجسّاس: أغثني بشربة، ... تفضّل بها، طولا عليّ، وأنعم
فقال: تجاوزت الأحصّ وماءه، ... وبطن شبيث، وهو ذو مترسّم
-
فهذا كما تراه، ليس في الشعر والخبر ما يدلّ على أنها بالشام. وأما الأحصّ وشبيث بنواحي حلب، وقد تحقق أمرهما، فلا ريب فيهما، أما الأحصّ فكورة كبيرة مشهورة، ذات قرّى ومزارع، بين القبلة وبين الشمال من مدينة حلب، قصبتها خناصرة، مدينة كان ينزلها عمر بن عبد العزيز، وهي صغيرة، وقد خربت الآن إلّا اليسير منها. وأما شبيث، فجبل في هذه الكورة أسود، في رأسه فضاء، فيه أربع قرى، وقد خربت جميعها. ومن هذا الجبل يقطع أهل حلب وجميع نواحيها حجارة رحيّهم، وهي سود خشنة، وإياها عنى عدي بن الرقاع بقوله:
وإذا الربيع تتابعت أنواؤه، ... فسقى خناصرة الأحصّ وزادها
-
فأضاف خناصرة الى هذا الموضع، وإياها عنى جرير أيضا بقوله:
عادت همومي بالأحصّ وسادي، ... هيهات من بلد الأحصّ بلادي
لي خمس عشرة من جمادى ليلة، ... ما أستطيع على الفراش رقادي
ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا، ... ليت التّشكي كان بالعوّاد
-
وأنشد الأصمعي، في كتاب جزيرة العرب، لرجل من طيّء، يقال له الخليل بن قردة، وكان له ابن واسمه زافر، وكان قد مات بالشام في مدينة دمشق، فقال:
ولا آب ركب من دمشق وأهله ... ولا حمص، إذ لم يأت، في الركب، زافر
ولا من شبيث والأحصّ ومنتهى ال ... مطايا بقنسّرين، أو بخناصر
- وإياه عنى ابن أبي حصينة المعرّي بقوله:
-
لجّ برق الأحصّ في لمعانه، ... فتذكّرت من وراء رعانه
فسقى الغيث حيث ينقطع الأو ... عس من رنده ومنبت بانه
أو ترى النّور مثل ما نشر البر ... د، حوالي هضابه وقنانه
تجلب الريح منه أذكى من المس ... ك، إذا مرّت الصّبا بمكانه
-
وهذا، كما تراه، ليس فيه ما يدل على أنه إلا بالشام. فإن كان قد اتفق ترادف هذين الاسمين بمكانين بالشام، ومكانين بنجد، من غير قصد، فهو عجب. وإن كان جرى الأمر فيهما، كما جرى لأهل نجران ودومة، في بعض الروايات، حيث أخرج عمر أهلهما منهما، فقدموا العراق، وبنوا لهم بها أبنية، وسموها باسم ما أخرجوا منه، فجائز أن تكون ربيعة فارقت منازلها، وقدمت الشام، فأقاموا بها، وسموا هذه بتلك، والله أعلم. وينسب إلى أحصّ حلب، شاعر يعرف بالناشي الأحصّي، كان في أيام سيف الدولة أبي الحسن علي بن حمدان، له خبر ظريف، أنا مورده ههنا، وإن لم أكن على ثقة منه، وهو
ج ١ ص ١١٥أن هذا الشاعر الأحصّي دخل على سيف الدولة، فأنشده قصيدة له فيه، فاعتذر سيف الدولة بضيق اليد يومئذ، وقال له: أعذر فما يتأخر عنا حمل المال إلينا، فإذا بلغك ذلك فأتنا لنضاعف جائزتك، ونحسن إليك. فخرج من عنده فوجد على باب سيف الدولة كلابا تذبح لها السّخال وتطعم لحومها، فعاد إلى سيف الدولة فأنشده هذه الأبيات:
رأيت بباب داركم كلابا، ... تغذّيها وتطعمها السّخالا
فما في الأرض أدبر من أديب، ... يكون الكلب أحسن منه حالا
-
ثم اتفق أن حمل إلى سيف الدولة أموال من بعض الجهات على بغال، فضاع منها بغل بما عليه، وهو عشرة آلاف دينار، وجاء هذا البغل حتى وقف على باب الناشي الشاعر بالأحصّ، فسمع حسّه، فظنّه لصّا، فخرج إليه بالسلاح، فوجده بغلا موقرا بالمال، فأخذ ما عليه من المال وأطلقه. ثم دخل حلب ودخل على سيف الدولة وأنشده قصيدة له يقول فيها:
ومن ظنّ أن الرّزق يأتي بحيلة، ... فقد كذّبته نفسه، وهو آثم
يفوت الغنى من لا ينام عن السّرى، ... وآخر يأتي رزقه وهو نائم
فقال له سيف الدولة: بحياتي! وصل إليك المال الذي كان على البغل؟ فقال: نعم. فقال: خذه بجائزتك مباركا لك فيه. فقيل لسيف الدولة: كيف عرفت ذلك؟ قال عرفته من قوله:
وآخر يأتي رزقه وهو نائم
-
بعد قوله:
- يكون الكلب أحسن منه حالا
- الأَحْفَارُ:
-
جمع حفر، والحفر في الأصل، اسم المكان الذي حفر، نحو الخندق، والبئر إذا وسّعت فوق قدرها، سمّيت حفيرا وحفرا وحفيرة. والأحفار:
علم لموضع من بادية العرب، قال حاجب بن ذبيان المازني:
هل رام نهي حمامتين مكانه، ... أم هل تغيّر بعدنا الأحفار؟
يا ليت شعري غير منية باطل، ... والدهر فيه عواطف أطوار
هل ترسمنّ بي المطيّة بعدها ... يحدي القطين، وترفع الأخدار!
- الأَحْقَافُ:
-
جمع حقف من الرمل. والعرب تسمّي الرمل المعوجّ حقافا وأحقافا، واحقوقف الهلال والرمل إذا اعوجّ، فهذا هو الظاهر في لغتهم، وقد تعسّف غيره. والأحقاف المذكور في الكتاب العزيز: واد بين عمان وأرض مهرة، عن ابن عباس، قال ابن إسحاق: الأحقاف رمل فيما بين عمان إلى حضرموت، وقال قتادة: الأحقاف رمال مشرفة على البحر بالشّحر من أرض اليمن، وهذه ثلاثة أقوال غير مختلفة في المعنى. وقال الضحاك:
الأحقاف جبل بالشام. وفي كتاب العين: الأحقاف جبل محيط بالدنيا، من زبرجدة خضراء تلهب يوم القيامة، فيحشر الناس عليه من كل أفق، وهذا وصف جبل قاف. والصحيح ما رويناه عن ابن عباس وابن إسحاق وقتادة: أنها رمال بأرض اليمن، كانت عاد تنزلها، ويشهد بصحة ذلك ما رواه أبو المنذر
ج ١ ص ١١٦هشام بن محمد، عن أبي يحيى السجستاني، عن مرّة ابن عمر الأبلي، عن الأصبغ بن نباتة، قال: إنّا لجلوس عند عليّ بن أبي طالب ذات يوم في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، إذا أقبل رجل من حضرموت، لم أرقط رجلا أنكر منه، فاستشرفه الناس، وراعهم منظره، وأقبل مسرعا جوادا حتى وقف علينا، وسلم وجثا وكلم أدنى القوم منه مجلسا، وقال: من عميدكم؟ فأشاروا إلى عليّ، رضي الله عنه، وقالوا: هذا ابن عمّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعالم الناس، والمأخوذ عنه، فقام وقال:
اسمع كلامي، هداك الله من هاد، ... وافرج بعلمك عن ذي غلّة صاد
جاب التنائف من وادي سكاك إلى ... ذات الأماحل في بطحاء أجنياد
تلفّه الدّمنة البوغاء، معتمدا ... إلى السّداد وتعليم بإرشاد
سمعت بالدين، دين الحقّ جاء به ... محمد، وهو قرم الحاضر البادي
فجئت منتقلا من دين باغية، ... ومن عبادة أوثان وأنداد
ومن ذبائح أعياد مضلّلة، ... نسيكها غائب ذو لوثة عاد
فادلل على القصد، واجل الرّيب عن خلدي ... بشرعة ذات إيضاح وإرشاد
والمم بفضل، هداك الله عن شعثي، ... وأهدني إنّك المشهور في النادي
إنّ الهداية للإسلام نائبة ... عن العمى، والتّقى من خير أزواد
وليس يفرج ريب الكفر عن خلد ... أفظّه الجهل، إلا حيّة الوادي
قال: فأعجب عليّا، رضي الله عنه، والجلساء شعره، وقال له عليّ: لله درّك من رجل، ما أرصن شعرك! ممن أنت؟ قال: من حضرموت. فسرّ به عليّ وشرح له الإسلام، فأسلم على يديه، ثم أتى به إلى أبي بكر، رضي الله عنه، فأسمعه الشعر، فأعجبه، ثم إنّ عليّا، رضي الله عنه، سأله ذات يوم، ونحن مجتمعون للحديث: أعالم أنت بحضرموت؟ قال: إذا جهلتها لم أعرف غيرها. قال له عليّ، رضي الله عنه: أتعرف الأحقاف؟ قال الرجل:
كأنك تسأل عن قبر هود، عليه السلام. قال عليّ، رضي الله عنه: لله درّك ما أخطأت! قال: نعم، خرجت وأنا في عنفوان شبيبتي، في أغيلمة من الحيّ، ونحن نريد أن نأتي قبره لبعد صيته فينا وكثرة من يذكره منا، فسرنا في بلاد الأحقاف أياما، ومعنا رجل قد عرف الموضع، فانتهينا إلى كثيب أحمر، فيه كهوف كثيرة، فمضى بنا الرجل إلى كهف منها، فدخلناه فأمعنّا فيه طويلا، فانتهينا إلى حجرين، قد أطبق أحدهما دون الآخر، وفيه خلل يدخل منه الرجل النحيف متجانفا، فدخلته، فرأيت رجلا على سرير شديد الأدمة، طويل الوجه، كثّ اللحية، وقد يبس على سريره، فإذا مسست شيئا من بدنه أصبته صليبا، لم يتغيّر، ورأيت عند رأسه كتابا بالعربية: أنا هود النبيّ الذي أسفت على عاد بكفرها، وما كان لأمر الله من مردّ. فقال لنا عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه: كذلك سمعته من أبي القاسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
- ج ١ ص ١١٧
أَحْلَى:
بالفتح بوزن فعلى: وهو حصن باليمن.