مواقف الصحابة من البيعة والصراع بين ابن الزبير رضي الله عنه وبني أمية من جهة أخرى
٣ فقرات، ج ٤ ص ١٢٧
- ج ٤ ص ١٢٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = مواقف الصحابة من البيعة والصراع بين ابن الزبير رضي الله عنه وبني أمية من جهة أخرى ونذكر منهم: (عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن الحنفية، والحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين). أما ابن عباس: فكان بادي الرأي ميالًا إلى بيعة ابن الزبير. وأما ابن عمر: فقد بايع ليزيد بعد وفاة أبيه معاوية رضي الله عنه. وأما ابن الحنفية: فقد امتنع عن البيعة لأحدٍ منهم. وأما الحسين: فقد رفض البيعة ليزيد ومضى إلى ربه شهيدًا يشكو ظلم يزيد وولاته. وأما ابن أبي بكر فرفضه واضح كما ذكرنا في الفصل السابق، وسنذكر تفاصيل أقوالهم. ١ - موقف عبد الله بن عمر في هذه المحنة التي مرت بها الأمة: لم يكن عبد الله بن عمر يومًا ليشك في صلاح وورع عبد الله بن الزبير إلَّا أنه كان يرى في بيعة يزيد إخمادًا لنار الفتنة وإخراجًا للأمة من حالة الفوضى وقد ذكرنا رواية البخاري في صحيحه يوم أن رفض ابن الزبير بيعة يزيد فجمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ولده وحشمه وقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ينصب لكل غادر لواءٌ يوم القيامة) وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع برجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلَّا كانت الفيصل بيني وبينه". [صحيح البخاري (ح ٧١١١)]. وسنرجع مرة أخرى إلى رأي ابن عمر رضي الله عنهما في نهاية المطاف حين يمر بجسد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما مصلوبًا فيقول قولته المشهورة: "والله لقد كنتَ ما علمتُ صوامًا قوامًا لأمة أنت أشرها أمة خير". وقال هذا مع اعتراضه على موقفه: "ألم أنهك عن هذا". وخلاصة القول: فإن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر نهى عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم عن الاستمرار في موقفه من بني أمية بعد وفاة يزيد، وذلك درءًا للفتنة والاقتتال بين المسلمين، ومن ثم إضعاف شوكتهم وقد حصل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. ٢ - موقف أبي سعيد الخدري وأبو برزة الأسلمي رضي الله عنهما: أخرج البخاري في صحيحه (ح ٧١١٢): عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل عُلّيَّه له من قصب، فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ بكم ما ترون =
- ج ٤ ص ١٢٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = وهذه الدنيا أفسدت بينكم إن ذاك بالشام والله إن يقاتل إلَّا على دنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلَّا على دنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلَّا على الدنيا". ٣ - عبد الله بن عباس وموقفه من ابن الزبير رضي الله عنهم: كان ابن عباس رضي الله عنهما يرى أحقية عبد الله بن الزبير بالخلافة للمواهب والصفات التي رزقها وتحلى بها إلَّا أن الجفاء الذي أبداه ابن الزبير تجاه ابن عباس أثر في موقف ابن عباس فصار على الحياد وانضم إلى محمد بن الحنفية لا يبايع للذي بالشام ولا للذي بالحجاز. أخرج البخاري في صحيحه / كتاب التفسير: حدثني عبد الله بن محمد، قال: حدثني يحيى بن معين، حدثنا حجاج، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: وكان بينهما شيء فغدوت على ابن عباس فقلتُ: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحل حرم الله؟ فقال: "معاذ الله إن الله كتب ابن الزبير وبني أمية محلين وإني والله لا أحله أبدًا قال: قال الناس: بايع لابن الزبير، فقلت: وأين بهذا الأمر عنه أمَّا أبوه فحواري النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد الزبير- وأما جده فصاحب الغار -يريد أبا بكر- وأما أمه فذات النطاق -يريد أسماء- وأما خالته فأم المؤمنين -يريد عائشة- وأما عمته فزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد خديجة- وأما عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - فجدته -يريد صفية- ثم عفيف في الإسلام قارئ للقرآن والله إن وصلوني وصلوني من قريب وإن ربوني ربوني أكفاء كرام فآثر عليَّ التويتات والأسامات والحميدات -يريد أبطنًا من بني أسد: بني تويت وبني أسامة وبني أسد- أن ابن أبي العاص برز يمشي القدمية، يعني عبد الملك بن مروان وإنه لوى ذنبه، يعني ابن الزبير". [صحيح البخاري (ح ٤٦٦٥)]. وأخرج البخاري: حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد، قال: أخبرني ابن أبي مليكة: دخلت على ابن عباس فقال: "ألا تعجبون لابن الزبير قام في أمره هذا؟ " فقلت: لأحاسبن نفسي له ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر ولهما كانا أولى بكل خير منه، وقلت: ابن عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن الزبير، وابن أبي بكر، وابن أخي خديجة، وابن أخت عائشة، فإذا هو يتعلى عني ولا يريد ذلك، فقلت: ما كنت أظن أني أعرض هذا من نفسي فيدعه، وما أراه يريد خيرًا، وإن كان لا بد لأن يربني بنو عمي أحب إليَّ من أن يربني غيرهم" [ح ٤٦٦٦]. وسنذكر طرفًا من شرح الحافظ ابن حجر لمفردات الروايتين: أما قول ابن عباس: [وأين بهذا الأمر] أي: الخلافة ليست ببعيدة عنه لماله من الشرف بأسلافه الذين ذكرهم ثم صفته التي أشار إليها بقوله: "عفيف في الإسلام قارئ للقرآن" وفي رواية ابن قتيبة من طريق محمد بن الحكم عن عوانة، ومن طريق يحيى بن سعد عن الأعمش قال: قال ابن عباس -لما قيل له: بايع لابن الزبير- "أين المذهب عن ابن الزبير". [فتح الباري (١/ ٢٥٥)]. "وإن ربوني" من التربية. "أكفاء" أي: أمثال. "كرام" أي: في أحسابهم وظاهر هذا أن مراد =
- ج ٤ ص ١٢٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = ابن عباس بالمذكورين بنو أسد رهط ابن الزبير. ثم قال الحافظ ابن حجر: ثم رأيت بيان ذلك واضحًا فيما أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه في الحديث المذكور فإنه قال بعد قوله: ثم عفيف في الإسلام قارئ للقرآن "وتركت بني عمي إن وصلوني وصلوني عن قريب" أي: أذعنت له وتركت بني عمي فآثر علي غيري، وبهذا يستقيم الكلام. [الفتح (١/ ٢٢٦)]. "التويتات": نسبة إلى بني تويت بن أسد. "الأسامات": نسبة إلى بني أسامة بن أسد. "الحميدات": نسبة إلى بني حميد بن زهير بن الحارث بن أسد. وتجتمع هذه الأبطن مع خويلد بن أسد جد عبد الله بن الزبير. ثم نقل الحافظ ابن حجر شرح الأزرقي: قال الأزرقي: كان ابن الزبير إذا دعا الناس في الإذن بدأ ببني أسد علي بني هاشم وبني عبد شمس وغيرهم، فهذا معنى قول ابن عباس: "فآثر علي التويتات. إلخ" قال: فلما ولي عبد الملك بن مروان قدم بني عبد شمس ثم بني هاشم وبني المطلب وبني نوفل ثم أعطى بني الحارث بن فهر قبل بني أسد وقال: لأقدمن عليهم أبعد بطن من قريش، فكان يصنع ذلك مبالغة منه في مخالفة ابن الزبير، وجمع ابن عباس البطون المذكورة جمع القلة تحقيرًا لهم. [فتح الباري (١/ ٢٢٦)]. قوله في الرواية (٤٦٦٦): "لأحاسبن نفسي". أي: لأناقشنها في معونته ونصحه. الخطابي. وقال الداودي: معناه: لأذكرن من مناقب ابن الزبير ما لم أذكر من مناقبهما وإنما صنع ابن عباس ذلك لاشتراك الناس في معرفة مناقب أبي بكر وعمر بخلاف ابن الزبير فما كانت مناقبه في الشهرة كمناقب الشيخين فأظهر ذلك ابن عباس وبينه للناس إنصافًا منه لابن الزبير، فلما لم ينصفه ابن الزبير رجع عنه ابن عباس. [انظر الفتح (١/ ٢٢٦)]. وقوله: "فإذا هو يتعلى عني". أي: يترفع عليَّ متنحيًا عني. "ولا يريد بذلك". أي: لا يريد أن أكون من خاصته. وقوله: "ما كنت أظن أني أعرض هذا من نفسي". أي: أبدأ بالخضوع له ولا يرضى مني بذلك [الفتح (١/ ٢٢٦)]. ونتيجةً لتلك العلاقة التي وصفها ابن عباس أروع وصف (في رواية البخاري) تنحى ابن عباس وانضم إلى رجل آخر من آل البيت وهو محمد بن الحنفية. قال ابن حجر: وروى الفاكهي من طريق سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: "كان ابن عباس وابن الحنفية بالمدينة، ثم سكنا مكة، وطلب منهما ابن الزبير البيعة فأبيا حتى يجتمع الناس على رجل، فضيق عليهما فبعثا رسولًا إلى العراق فخرج إليهما جيش في أربعة آلاف فوجدوهما محصورين، وقد أحضر الحطب فجعل على الباب يخوفهما بذلك، =