[فتح الرشيد هرقلة]
٥ فقرات، ج ٥ ص ٢٠٤
- ج ٥ ص ٢٠٤
وفيها فتح الرشيد هرقلة، وبثّ الجيوش والسرايا بأرض الروم؛ وكان دخْلها - فيما قيل - في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق؛ سوى الأتباع وسوى المطوّعة وسوى من لا ديوان له، وأناخ عبد الله بن مالك علي ذي الكلاع ووجّه داود بن عيسى بن موسى سائحًا في أرض الروم في سبعين ألفًا، وافتتح
ج ٥ ص ٢٠٥شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودَبْسة، وافتتح يزيد بن مخلد الصّفْصاف وملَقوبية - وكان فتح الرشيد هرقلة في شَوّال - وأخربها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يومًا عليها، وولّى حُمَيد بن مَعيوف سواحل بحر الشأم إلى مصْر، فبلغ حُميد قُبْرُس، فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفًا، فأقدمهم الرّافقة، فتولّى بيعهم أبو البختريّ القاضي، فبلغ أسقف قُبرس ألفي دينار (١) .
- (١)المرجع السابق نفسه.
-
وكان شخوص هارون إلى بلاد الروم لعشر بقين من رجب؛ واتخذ قلنسوة مكتوبًا عليها "غاز حاجٌّ" ، فكان يلبسها، فقال أبو المعالي الكلابيّ:
فَمنْ يَطلُبْ لقاءَكَ أَو يُرِدْهُ ... فَبِالحَرَمَين أَو أَقصى الثغورِ
ففِي أَرْضِ العَدُوِّ على طِمِرٍّ ... وفي أَرضِ التَّرفّهِ فَوْقَ كُورِ
وما حازَ الثغورَ سِواكَ خَلْقٌ ... مِنَ المُتخلَّفينَ على الأُمورِ (٢)
- (٢)انظر تعليقنا (٨/ ٣٢٢ / ١) وأما الأبيات فقد ذكرها الخطيب كذلك ونسبها إلى أبي الشفلى وانظر تأريخ بغداد (١٤/ ٦).
-
ثم صار الرّشيد إلى الطُّوَانة، فعسكر بها، ثم رحل عنها، وخلَّف عليها عقبة بن جعفر، وأمره ببناء منزل هنالك، وبحث نقفور إلى الرشيد بالخرَاج والجزية، عن رأسه وولّى عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار؛ منها عن رأسه أربعة دنانير؛ وعن رأس ابنه استبراق دينارين، وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جارية من سبي هِرَقلة كتابًا نسخته:
لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم. سلام عليكم، أما بعد أيها الملك، فإِنّ لي إليك حاجة لا تضرّك في دينك ولا دنياك، هيّنة يسيرة؛ أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرَقلة، كنت قد خطَبتُها على ابني، فإن رأيتَ أن تسعفني بحاجتي فعلت. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
- ج ٥ ص ٢٠٦
واستهداه أيضًا طيبًا وسرادقا من سرادقاته؛ فأمر الرشيد بطلب الجارية، فأحضرَت وزُيِّنَت وأجْلِست على سرير في مضربه الذي كان نازلًا فيه، وسلِّمت الجارية والمضرَب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور، وبعث إليه بما سأل من العطر، وبعث إليه من التمور والأخبصة والزّبيب والترياق، فسلَّم ذلك كله إليه رسول الرشيد، فأعطاه نقْفور وقْر دراهم إسلامية على بُرذون كُميت كان مبلغه خمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج ومائتي ثوب بُزْيون، واثني عشر بازيًا، وأربعة أكلب من كلاب الصّيد، وثلاثة براذين. وكان نقفور اشترط ألا يخرب ذا الكلاع ولا صمله ولا حصن سنان، واشترط الرشيد عليه ألا يعمّر هرقلة وعلى أن يحمل نقفور ثلاثمائة آلاف دينار (١)
- (١)قبل أن نستعين بخبر خليفة نذكر ما قاله المؤرخ المتقدم المعاصر للطبري وهو كما قال ابن النديم أحد الكتاب الأخباريين المترسلين / الفهرست ١٤١ / قال الجهشياري (محمد بن عبدوس): وكان الرشيد قد أحبّ الغزو، وكان من رسمه أن يَحُجَّ سنة ويغزو سنة، وكان يَلْبَسُ دُرَّاعة قد كتب من خلفها حاجّ، ومن قدَّامِها غاز، فطلب "نِقْفُور" الهُدْنة على أن يؤدّي إليه عن كلّ حالم ممن عنده من الروم دينارًا، سواه وسوى ابنه، فأبى الرشيد ذلك، ثم تراضيا على الصّلح، وأشار عليه يحيى بن خالد بقبوله إياه، فصالحه وهادنه، فانصرف عنه، ولما صار بالرقة نكث "نِقفور" وغدر، فكره يحيى بن خالد أن يُعرّف الرشيد ذلك فيغتمّ له، ويرجع باللوم عليه، لما كان من مَشُورَته عليه بمصالحته، فأمر عبد الله بن محمد الشاعر، المعروف بالمكي أن يقول في ذلك شعرًا، وينشده الرشيد، فقال: نَقَضَ الّذي أَعْطَيتَهُ "نِقْفُورُ" ... فعليه دائرة البَوَارِ تَدُورُ أَبْشِرْ أَميرَ المؤمنين فإنه ... فَتْحٌ أَتَاكَ بهِ الإلهُ كَبيرُ فقال الرشيد ليحيى: قد علمت أنك احتلت في إسماعي هذا الخبر على لسان المكي ونهض نحوُ الروم، فافتتح هِرَقلة [كتاب الوزراء / ٢٠٧]. قلت والخبر بهذه الصيغة مع أبيات الشعر ذكره الطبري آنفًا (٨/ ٣٠٧ - ٣١٠) ولم يؤرخ = = الجهشياري للصلح ولا للمعركة التي دارت بين الطرفين وعلى ما يبدو فإن الغدر تكرر من نقفور، كما ذكرنا في (٨/ ٣١٠) وأما الدينوري فقد ذكر هذه الأحداث ضمن وقائع سنة (١٩٠ هـ) وكذلك خليفة مع اختلاف يسير وعهدنا بالطبري أنه أدق في ذكر هذه التفاصيل من معاصريه والله تعالى أعلم. قال خليفة: وفيها (أي ١٩١ هـ) غزا أمير المؤمنين الروم وفرّق القواد في بلادهم وأقام أمير المؤمنين بطوانة وسأله الطاغية أن ينصرف ويعطيه مالًا، فأبى إلَّا أن يعطيه فدية وبعث إليه بجزية عن رأسه ورأس ابنه فبعث إليه بثلاثين ألف دينار جزية [تأريخ خليفة / ٣٠٤]. وقال أبو حنيفة الدينوري (ت ٢٨٠ هـ) وهو أخباري صدوق: فما دخلت سنة تسعين ومائة خرج غازي [(أي الرشيد) أرض الروم حتى أوغل فيها وانتهى إلى هرقلة فافتتحها [الأخبار الطوال / ٣٩١].
- ج ٥ ص ٢٠٧
وحجّ بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي (١) .
- (١)وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣٠٤) والبسوي في المعرفة (١/ ٥١).