[أمر الحجاج بن علاط السلمي]

فقرتان، ج ٢ ص ٢٤٩

  1. ٢٢٠ - قال: ولما فتحت خيبر قال الحجّاج بن علاط السُّلَميّ ثمَّ البَهْزيّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله؛ إنَّ لي مالًا بمكة عند صاحبتي أمّ شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده، له منها مُعَرِّض بن الحجاج - ومال متفرّق في تجار أهل مكة، فائْذَنْ لي يا رسولَ الله. فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ قال: إنه لابدّ لي من أن أقول، قال: قل، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة، فوجدت بثنيّة البيضاء رجالًا من قريش يتسمّعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله، وقد بلغهم أنَّه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفًا ومنعة ورجالًا، فهم يتحسّسون الأخبار؛ فلما رأوْني قالوا: الحجاج بن علاط - ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده والله الخَبر! أخبِرْنا بأمرِ محمَّد، فإنَّه قد بلَغنا أن القاطع قد سار إلى خَيبر؛ وهي بلدة يهود وريف الحجاز. قال: قلتُ: قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر ما يسرّكم. قال: فالتاطوا بجَنْبَي ناقتي يقولون: إيه يا حجّاج! قال: قلت: هُزِمُوا هزيمةً لم تسمعوا بمثلها قطّ؛ وقتل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله قطّ، وأسرَ محمدٌ أسرًا، وقالوا: لن نقتلَه حتى نبعثَ به إلى مكّة فيقتلوه بين أظهرهم بمَنْ كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا فصاحوا بمكّة وقالوا: قد جاءكم الخَبر، وهذا محمَّد إنما تنتظرون أن يُقْدَم به عليكم فيُقتَل بين أظهرِكم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكّة على غرمائي؛ فإنّي أريد أن أقدَم خيبر، فأصيب من فلّ محمَّد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك.

    قال: فقاموا فجمعوا مالي كأحَثِّ جَمْع سمعت به. فجئت صاحبتي فقلت: مالي - وقد كان لي عندها مال موضوع - لعلي ألحق بخيبر؛ فأصيب من فُرَصِ

    ج ٢ ص ٢٥٠البيع قبل أن يسبقَني إليه التجار. فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبرَ وجاءه عنّي، أقبل حتى وقف إلى جنبي؛ وأنا في خيمة من خيام التجّار، فقال: يا حجّاج، ما هذا الذي جئت به؟ قال: قلت: وهلْ عندك حفْظٌ لما وضعت عندك؟ قال: نعم، قلت: فاستأخرْ عَنِّي حتى ألقاك على خلاء، فإني في جَمْع مالي كما ترى؛ فانصرفَ عني حتى إذا فرغتُ من جَمْع كلّ شيءٍ كان لي بمكة، وأجمعت الخروجَ، لقيت العبّاس، فقلت: احفظ عليَّ حديثي يا أبا الفضل؛ فإنّي أخشى الطَّلب ثلاثًا، ثمَّ قل ما شئت. قال: أفعل، قال: قلتُ فإنّي والله لقد تركتُ ابنَ أخيك عروسًا على ابنة ملكهم -يعني صفيّة بنت حيّي بن أخطب- ولقد افتتح خيبر، وانتثل ما فيها؛ وصارت له ولأصحابه. قال: ما تقول يا حجّاج! قال: قلت: إي والله؛ فاكتم عليَّ؛ ولقد أسلمت وما جئت إلَّا لآخذ مالي فَرَقًا من أن أغلَب عليه، فإذا مضت ثلاثٌ فأظهِرْ أمرَك؛ فهو والله على ما تحبّ. قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حُلةً له، وتخلّقَ وأخذ عصاه؛ ثمَّ خرج حتى أتى الكعبةَ، فطاف بها؛ فلما رأوْه قالوا: يا أبا الفضل؛ هذا والله التجلّد لحرِّ المصيبة! قال: كلا والذي حلفتم به! لقد افتتحَ محمدٌ خيبر، وتُرِك عروسًا على ابنة ملكهم، وأحرز أموالها وما فيها؛ فأصبحَتْ له ولأصحابه. قالوا: مَنْ جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به؛ لقد دخل عليكم مسلمًا، وأخذ ماله وانطلق ليلحقَ برسول الله وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله! أفلت عدوُّ الله! أما والله لو علمْنَا لكان لنا وله شأنٌ، ولم ينشَبُوا أن جاءهم الخبر بذلك (١) . (٣: ١٧/ ١٨ / ١٩) .

    1. (١)ذكره الطبري عن ابن إسحاق بلا إسناد وخبر الحجاج بن علاط السلمي صحيح أخرجه غير واحد من الأئمة مع اختلاف يسير في الألفاظ. فقد أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٨) وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ١٥٥). قلنا: ولفظه من حديث أنس: لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالًا وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم. فأنا في حل إن أنا نلت منك، أو قلت شيئًا، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمَّد وأصحابه. فإنهم قد استبيحوا = = وأصيبت أموالهم قال: وفشا ذلك بمكة، وانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا. قال: وبلغ الخبر العباس بن عبد المطلب، فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم. قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري، عن مقسم قال: فأخذ العباس ابنًا له يقال له: قثم، فاستلقي، فوضعه علي صدره وهو يقول: حبّي قثم حبِّي قثم ... شبيه ذي الأنف الأشم نبي رب ذي النعم ... برغم أنف من رغم قال ثابت [عن الحجاج] عن أنس: ثم أرسل غلامًا له إلي الحجاج بن علاط، فقال: ويلك ماذا جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعبد الله -عزَّ وجلَّ- خير مما جئت به. قال الحجاج بن علاط لغلامه: اقرأ علي أبي الفضل السلام، وقل له ليخل لي (في) بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر علي ما يسره، فجاء غلامه، فلما بلغ باب الدار قال: أبشر أبا الفضل قال: فوثب العباس فرحًا حتى قبل بين عينيه. فأخبره ما قال الحجاج فأعتقه. قال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد افتتح خيبر وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفية بنت حييي فاتخذها لنفسه، وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال كان لي هاهنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثًا، ثم اذكر ما بدا لك. قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي أو متاع، فدفعته إليه، ثم استمر به، فلما كان بعد ثلاث، أتي العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك قال: أجل لا يخزي الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله وجرت سهام الله. واصطفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفية لنفسه فإن كان لك حاجة في زوجك فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقًا. قال: فإني صادق والأمر علي ما أخبرتك. ثم ذهب حتى أتي مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصبك إلا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله -تبارك وتعالى- قد أخبرني الحجاج بن علاط: أن خيبر قد فتحها الله -عزَّ وجلَّ- علي رسوله - صلى الله عليه وسلم - وجرت فيها سهام الله، واصطفي صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثًا، وإنما جاء ليأخذ ماله، وما كان له من شيء هاهنا ثم يذهب. قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين علي المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئبًا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر فسرّ المسلمون ورد (الله -يعني) ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن علي المشركين. = والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٢٦٦) والطبراني في الكبير (ح ٣١٩٦) وغيرهم والله أعلم.
    ج ٢ ص ٢٤٩
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٢ ص ٢٥١