باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من (مكة) إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم من الفتنة
٨٦ فقرة، ج ١ ص ١٦٤
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ١٧٣
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا: ماذا تقولون؟
ج ١ ص ١٧٤فقالوا: وماذا نقول؟! نقول -واللَّه- ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا ﷺ كائن من ذلك ما كان.
-
فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه .
فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية!
فقال له جعفر: أيها الملك! كنا قومًا على الشرك نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نُحلل شيئًا ولا نحرمه، فبعث اللَّه إلينا نبيًّا من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا بلى أن نعبد اللَّه وحده لا شريك له، ونصل الأرحام، ونحمي الجوار، ونصلي للَّه عز وجل ، ونصوم له، ولا نعبد غيره.
-
(وقال زياد (١) عن ابن إسحاق: فدعانا إلى اللَّه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد اللَّه ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قال: فعدد عليه أمور الإسلام-
ج ١ ص ١٧٥فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند اللَّه، فعبدنا اللَّه وحده لا شريك له، ولم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.
- (١)هو زياد البكائي راوي "السيرة" عن ابن إسحاق، وهي التي اختصرها ابن هشام دون رواية يونس بن بكير عنه، وبين روايتهما عنه بعض الاختلاف، ولذلك نرى المؤلف يذكر الفرق بين روايتهما في هذا الحديث، وإن كان لم يفصح عن منتهى رواية زياد، فاستدركت ذلك بجعلها بين هلالين.
-
فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا، ويردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث.
-
فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك!
قالت: فقال النجاشي: هل معك شيء مما جاء به؟
-
فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، فبكى -واللَّه- النجاشي حتى اخضَلَّتْ لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم [حين سمعوا ما تلا عليهم] ) (١) .
ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى؛ انطلقوا راشدين، لا واللَّه؛ لا أردهم عليكم، ولا أنعمكم عينًا.
- (١)إلى هنا تنتهى رواية زياد، وهي في "سيرة ابن هشام" (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، والزيادة منه.
-
فخرجنا من عنده، وكان أبقى الرجلين فينا عبد اللَّه بن [أبي] ربيعة، فقال عمرو بن العاص: واللَّه؛ لآتينه غدًا بما أستأصل به خضراءهم، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد -عيسى ابن مريم- عبد!
فقال له عبد اللَّه بن [أبي] ربيعة: لا تفعل؛ فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحمًا، ولهم حقًّا.
ج ١ ص ١٧٦فقال: واللَّه لأفعلن.
-
فلما كان الغد دخل عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عنه.
-
فبعث -واللَّه- إليهم، ولم ينزل بنا مثلها.
فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون في عيسى إن هو سألكم (١) عنه؟
فقالوا: نقول -واللَّه- الذي قاله اللَّه فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه.
- (١)الأصل: "يسألكم".
-
فدخلوا عليه وعنده بطارقته، فقال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟
فقال له جعفر: نقول: هو عبد اللَّه ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
-
فدلى النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودًا بين إصبعيه، فقال: ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العويد.
-
فتناخرت بطارقته، فقال: وإن تناخرتم واللَّه!
-
اذهبوا فأنتم شيوم في الأرض (الشيوم: الآمنون في الأرض) ، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم (ثلاثًا) ، ما أحب أن لي دَبْرًا وأني آذيت رجلًا منكم. (والدبر بلسانهم: الذهب) .
-
(وقال زياد عن ابن إسحاق: ما أحب لي دبرًا من الذهب. قال ابن هشام: ويقال: زبرًا، وهو الجبل بلغتهم) .
ج ١ ص ١٧٧ثم قال النجاشي: فواللَّه؛ ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! ردوا عليهما هداياهم، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي.
-
فخرجا مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به.
قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار.
-
فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه الملك.
-
فواللَّه؛ ما علمتنا حزنَّا حزنًا قط هو أشد منه فرقًا من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه.
-
فجعلنا ندعوا اللَّه ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائرًا.
فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقيعة حتى ينظر على من تكون.
فقال الزبير -وكان من أحدثنا سنًا-: أنا.
-
فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة.
-
فهزم اللَّه ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه.
-
فجاءنا الزبير، فجعل يليح لنا بردائه ويقول: ألا فأبشروا؛ فقد أظهر اللَّه النجاشي.
قالت: فواللَّه؛ ما علمتنا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي.
- ج ١ ص ١٧٨
ثم أقمنا عنده حتى خرج مَنْ خرج منا إلى (مكة) ، وأقام من أقام (١) .
قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: أتدري ما قوله: "ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! "
فقلت: لا؛ ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة.
فقال عروة: فإن عائشة حدثتني: أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلًا، ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي، وملكنا أخاه؛ فإن له اثني عشر رجلًا من صلبه؛ فتوارثوا الملك؛ لبقيت الحبشة عليهم دهرًا طويلًا لا يكون بينهم اختلاف.
- (١)قلت: إلى هنا أخرجه أحمد أيضًا (١/ ٢٠١ و ٥/ ٢٩٠ - ٢٩٢).
-
فعدوا عليه فقتلوه، وملَّكوا أخاه.
-
فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه، فلا يدير أمره غيره، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال.
-
فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفًا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله، أو ليخرجه من بلادنا.
- ج ١ ص ١٧٩
فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا؛ فإما أن تقتله؛ وإما أن تخرجه من بلادنا.
قال: ويحكم! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟! بل أخرجه من بلادكم.
-
فخرجوا به، فوقفوه في السوق، وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم، أو بسبعمائة فانطلق به.
-
فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته.
-
ففزعوا إلى ولده؛ فإذا هم مُحمقون ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره لَلَّذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة؛ فأدركوه قبل أن يذهب.
-
فخرجوا في طلبه، فأدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره وملكوه.
فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي. فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذًا واللَّه لأكلمنه.
-
فمشى إليه فكلمه، فقال: أيها الملك! إنى ابتعت غلامًا، فقبض مني الذين باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي، ولم يردوا علي مالي.
-
فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال:
لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده، فليذهبن به حيث شاء.
ج ١ ص ١٨٠فقالوا: بل نعطيه ماله. فأعطوه إياه.
-
فلذلك يقول: ما أخذ اللَّه مني الرِّشوة؛ فآخذ الرشوة حين رد عليّ ملكي؟! وما أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه (١) ؟!
- (١)قلت: الحديث بطوله في "سيرة ابن هشام" من روايته عن زياد البكائي عن ابن إسحاق -كما تقدم (ص ١٧٤) - مع تقديم وتأخير في بعض الجمل، ونقص في بعضها، وكذلك رواه أبو نعيم في "الدلائل" (ص ٨١ - ٨٤) من طريق أخرى عن ابن إسحاق به. ورواه أحمد دون حديث الزهري عن عروة عن عائشة -كما ذكرت (ص ١٧٨) - وإسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، وقال الهيثمي (٦/ ٢٧): "رواه أحمد ورجاله رجال "الصحيح"؛ غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع".
-
والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة.
-
والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغيرهما أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة (٢) -وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول اللَّه ﷺ حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره ﷺ وهو ساجد عند الكعبة (٣) -وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري (٤) .
- (٢)قلت: وكذلك وقع في حديث عروة المرسل عند أبي نعيم (ص ٨٠).
- (٣)تقدم ذلك (ص ١٤٦).
- (٤)تقدم حديثهما في أول الجزء (ص ١٦٤ و ١٦٦).
-
والمقصود أنهما حين خرجا من (مكة) كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شابًا حسنًا، فاصطحبا في السفينة، وكأن عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص؛
- ج ١ ص ١٨١
فألقى عمرًا في البحر ليهلكه، فسبح حتى رجع إليها، فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك (١) . فحقد عمرو عليه.
- (١)قول عمارة هذا لم يتقدم في شيء من الروايات السابقة، فتنبه.
-
فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي، فوشى به عمرو، فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله، وساح في البرية مع الوحوش.
-
وقد ذكر الأموي (٢) قصته مطولة جدًّا، وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصَّده بعض الصحابة ومسكه، فجعل يقول: أرسلني أرسلني وإلا متُّ. فلما لم يرسله مات من ساعته. فاللَّه أعلم.
- (٢)هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الكوفي الحافظ الملقب بـ (الجمل)، توفي سنه (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، وقوله في "الرسالة المستطرفة" (ص ٨٢): "ومائتين" خطأ؛ ذكره فيمن ألف في المغازي، وفي "تاريخ بغداد" (١٤/ ١٣٢) أنه روى عن محمد بن إسحاق "المغازي"، فلا أدري هو هذا أم غيره؟!
- وروى ابن إسحاق بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: