ملوك الحبشة باليمن
٥٥ فقرة، ج ٢ ص ٦٣٨
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٦٣٨
وأقامت: الحبشة ب «اليمن» ، مع «أبرهة الأشرم» ، وهو الّذي أراد هدم «الكعبة» ، فسار إليها ومعه الفيل، فأهلك الله جيشه بالطير الأبابيل، ووقعت في جسده الأكلة، فحمل إلى «اليمن» ، فهلك بها.
-
وفي ذلك العصر، ولد النبيّ- صلّى الله عليه وسلم.
- يكسوم بن أبرهة:
-
وملك بعده «يكسوم بن أبرهة» ، وساءت سيرة «الحبشة» في «اليمن» وركبوا منهم العظائم، فخرج «سيف بن ذي يزن» ، حتى أتى «كسرى أنوشروان ابن قباذ» في آخر أيام ملكه- هكذا تقول الأعاجم في سيرها، وأنا أحسبه «هرمز بن أنوشروان» على ما وجدت في التاريخ- فشكا إليه ما هم فيه من «الحبشة» ، وسأله أن يبعث معه جندا لمحاربتهم. فوجه معه قائدا- يقال له:
«وهرز» في سبعة آلاف وخمسمائة رجل، فساروا نحوهم في البحر، وسمع أهل «اليمن» بمسيرهم، فأتاهم منهم خلق كثير، فحاربوا الحبشة، فهزموهم. وقتلوهم ومرقوهم، ولم يرجع منهم أحد إلى أرضهم، وسبوا نساءهم، وذراريهم.
-
واختلفوا في مكث «الحبشة» في «اليمن» اختلافا متفاوتا.
- سيف بن ذي يزن:
-
وأقام «سيف بن ذي يزن» ملكا من قبل «كسرى» ، يكاتبه، ويصدر في الأمور عن رأيه إلى أن قتل، وكان سبب قتله، أنه كان اتخذ من أولئك «الحبشة» خدما، فخلوا به يوما، وهو في متصيد له، فزرقوه بحرابهم. فقتلوه،
ج ٢ ص ٦٣٩وهربوا في رءوس الجبال، وطلبهم أصحابه، فقتلوهم جميعا. وانتشر الأمر «باليمن» . ولم يملكوا أحدا غير أن/ ٣١٣/ أهل كل ناحية ملكوا عليهم رجلا من «حمير» ، فكانوا كملوك «الطوائف» ، حتى أتى الله بالإسلام.
-
ويقال: إنها لم تزل في أيدي ملوك «فارس» ، وأن النبي- صلّى الله عليه وسلم- بعث «باذان» عامل «أبرويز» عليها، ومعه قائدان من قوّاد «أبرويز» يقال لهما: فيروز، و «ذادويه» ، فأسلموا.
- ج ٢ ص ٦٤٠
ملوك الشام
قال أبو محمد:
أوّل من دخل «الشام» من العرب: سليح، وهو من «غسان» - ويقال من «قضاعة» ، فدانت بالنصرانية، وملك عليها ملك «الروم» رجلا منهم. يقال له «النعمان بن عمرو بن مالك» - ثم ملك بعده ابنه «مالك» ، ثم ابنه «عمرو» ، ولم يملك منهم غير هؤلاء الثلاثة.
-
فلما خرج «عمرو بن عامر مزيقياء» من «اليمن» في ولده وقرابته، ومن تبعه من «الأزد» ، اتبعوا بلاد «عك» ، وملكهم يومئذ «سملقة» ، وسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام حتى يبعثوا من يرتادون لهم المنازل، ويرجعون إليهم. فأذنوا لهم، فوجه «عمرو بن عامر» ثلاثة من ولده: الحارث بن عمرو، ومالك بن عمرو، وحارثة بن عمرو. ووجه غيرهم روّادا. فمات «عمرو بن عامر» بأرض «عك» ، قبل أن يرجع إليه ولده وروّاده، واستخلف ابنه «ثعلبة بن عمرو» ، وأن رجلا من «الأزد» ، يقال له: جذع بن سنان- احتال في قتل «سملقة» ، ووقعت الحرب بينهم، فقتلت «عك» أبرح قتل، وخرجوا هاربين. فعظم ذلك على «ثعلبة بن عمرو» ، فحلف ألا يقيم، فسار ومن اتبعه حتى انتهوا إلى «مكة» ، وأهلها يومئذ «جرهم» ، وهم ولاة البيت، فنزلوا «بطن مر» ، وسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام معهم، فقاتلتهم «جرهم» ، فنصرت «الأزد» عليهم، فأجلوهم عن «مكة» ، ووليت «خزاعة» البيت. فلم يزالوا ولاته، واشتدّت شوكتهم، وعظم سلطانهم، حتى أحدثوا أحداثا، ونصبوا أصناما.
-
ثم سار «قصي» إلى «مكة» ، فحارب «خزاعة» بمن تبعه، وأعانه «قيصر»
- ج ٢ ص ٦٤١
عليها، وصارت ولاية البيت له ولولده، فجمع «قريشا» ، وكانت في الأطراف والجوانب، فسمى «مجمعا» وأقامت «الأزد» زمانا، فلما رأوا ضيق العيش ب «مكة» ، شخصوا، وانخرعت عنها «خزاعة» لولاية البيت، فصار بعضهم إلى السواد، فملكوا بها عليهم: «مالك بن فهم» أبا «جذيمة بن مالك الأبرش» [١] ومن/ ٣١٤/ تبعه.
-
وصار قوم إلى «يثرب» ، فهم: «الأوس» و «الخزرج» . وصار قوم إلى «عمان» ، وصار قوم إلى «الشام» ، فهم: «آل جفنة» ملوك «الشام» .
-
وصار «جذع بن سنان» قاتل «سملقة» ، إلى «الشام» أيضا، وبها «سليح» ، فكتب ملك «سليح» إلى «قيصر» يستأذنه في إنزالهم. فأذن له على شروط شرطها لهم، وأن عامل «قيصر» ، قدم عليهم ليجبيهم، فطالبهم- وفيهم «جذع» - فقال له «جذع» : خذ هذا السيف رهنا أن نعطيك. فقال له العامل: اجعله في كذا وكذا من أمك، فاستل «جذع» السيف فضرب به عنقه. فقال بعض القوم:
«خذ من جذع ما أعطاك» . فذهبت مثلا. فمضى كاتب العامل إلى «قيصر» فأعلمه، فوجه إليهم ألف رجل، وجمع له «جذع» من «الأزد» من أطاعه، فقاتلوهم، فهزموا «الروم» ، وأخذوا سلاحهم، وتقوّوا بذلك، ثم انتقلوا إلى «يثرب» ، وأقام «بنو جفنة» ب «الشام» وتنصروا. ولما صار «جذع» إلى «يثرب» ، وبها اليهود، حالفوهم، وأقاموا بينهم على شروط. فلما نقضت اليهود الشروط، أتوا «تبعا الآخر» ، فشكوا إليه ذلك، فسار نحو «اليهود» حتى قتل منهم، وقد تقدّم ذكر هذا. وخرجت «طيئ» من بلاد «اليمن» ، بعد «عمرو بن عامر»
- ج ٢ ص ٦٤٢
بمدّة يسيرة، فنزلت «الجبلين» : «أجأ» و «سلمى» ، وحالفتها «بنو أسد» بعد إذلال من «طيِّئ» لها وقهر.
-
فأوّل من ملك «الشام» من «آل جفنة» :
- الحارث بن عمرو بن محرق:
-
وقد اختلف النساب فيما بعد «عمرو» من نسبه. وسمى «محرقا» ، لأنه أوّل من حرق «العرب» في ديارهم، فهم يدعون: «آل محرق» ، وهو:
«الحارث الأكبر» ، ويكنى: «أبا شمر» .
- الحارث بن أبى شمر:
-
ثم ملك بعده «الحارث بن أبى شمر» ، وهو: «الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر» . وأمة «مارية ذات القرطين» . وكان خير ملوكهم، وأيمنهم طائرا، وأبعدهم مغارا، وأشدّهم مكيدة، وكان غزا «خيبر» فسبى من أهلها، ثم أعتقهم، بعد ما قدم «الشام» ، وكان سار إليه «المنذر بن ماء السماء» في مائة ألف. فوجه إليهم مائة رجل، فيهم «لبيد» الشاعر، وهو غلام. وأظهر أنه إنما بعث بهم لمصالحته، فأحاطوا برواقه/ ٣١٥/ فقتلوه، وقتلوا من معه في الرواق، وركبوا خيلهم، فنجا بعضهم، وقتل بعض، وحملت خيل «الغسانيين» على عسكر «المنذر» ، فهزموهم. وكانت له بنت يقال لها: «حليمة» ، وكانت تطيّب أولئك الفتيان يومئذ، وتلبسهم الأكفان والدروع، وفيها جرى المثل: «ما يوم حليمة بسر» .
-
وكان فيما أسر يومئذ أسارى من «بنى أسد» ، فأتاه «النابغة الذبيانيّ» فسأله إطلاقهم، فأطلقهم، وأتاه «علقمة بن عبدة» في أسارى من «بنى تميم» ، وفي أخيه «شأس بن عبدة» ، فأطلقهم، وفيه يقول «علقمة» :
ج ٢ ص ٦٤٣[طويل]
إلى الحارث الوهّاب أعملت ناقتي ... بكلكلها والقصريين وجيب
وفي كل حىّ قد خبطت بنعمة ... فحقّ لشأس من نداك ذنوب «١»
فقال الحارث: نعم، وأذنبة.
- الحارث بن الحارث بن الحارث:
-
ثم ملك بعده «الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر» - وكان له إخوة، منهم: النعمان بن الحارث- وهو الّذي قال فيه «النابغة» : [رجز]
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التّمام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر ... والحارث الأعرج خير الأنام
وله يقول النابغة أيضا، وكان خرج غازيا: [طويل]
إن يرجع النعمان نفرح ونبتهج ... ويأت معدّا ملكها وربيعها
ويرجع إلى غسّان ملك وسؤدد ... وتلك المنى لو أننا نستطيعها
وكان ل «لنعمان بن الحارث» ثلاثة بنين: «حجر بن النعمان» - وبه كان يكنى- و «النعمان بن النعمان» ، و «عمرو بن النعمان» . وفيهم يقول «حسان بن ثابت» : [مديد]
من يغرّ الدّهر أو يأمنه ... من قتيل بعد عمرو وحجر
ملكا من جبل الثلج إلى ... جانبي أيلة من عبد وحرّ
ومن ولد «الحارث الأعرج» أيضا «عمرو بن الحارث» ، الّذي كان «النابغة» ، صار إليه حين فارق «النعمان بن المنذر» ، وله يقول «النابغة» : [طويل]
/ ٣١٦/ عليّ بعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
ج ٢ ص ٦٤٤وكان يقال ل «عمرو» : أبو شمر الأصغر. ومن ولده: «المنذر بن الحارث» ، و «الأيهم بن الحارث» ، و «الأيهم» هذا، أبو «جبلة بن الأيهم» ، و «جبلة» آخر ملوك «غسان» ، وكان طوله اثنى عشر شبرا، وكان إذا ركب مسحت قدمه الأرض، وأدرك الإسلام، فأسلم في خلافة «عمر بن الخطاب» ، ثم ارتد، وتنصر بعد ذلك ولحق ب «الروم» . وكان سبب تنصره أنه مر في سوق «دمشق» ، فأوطأ رجلا فرسه، فوثب الرجل فلطمه، فأخذه «الغسانيون» ، فأدخلوه على «أبى عبيدة بن الجراح» ، فقالوا: هذا لطم سيدنا. فقال «أبو عبيدة بن الجراح» : البينة أنّ هذا لطمك. قال: وما تصنع بالبينة؟ قال:
إن كان لطمك لطمته بلطمتك. قال: ولا يقتل؟ قال: لا. قال: ولا تقطع يده؟ قال: لا. إنما أمر الله بالقصاص، فهي لطمة بلطمة، فخرج «جبلة» ولحق بأرض «الروم» وتنصر. ولم يزل هناك إلى أن هلك.
- ج ٢ ص ٦٤٥
ملوك الحيرة
أوّل ملوك الحيرة:
- مالك بن فهم بن غنم بن دوس:
-
من «الأزد» ، وكان قد خرج من «اليمن» مع «عمرو بن عامر مزيقياء» ، حين أحسوا بسيل العرم. فلما صارت «الأزد» إلى «مكة» ، وغلبوا «جرهم» على ولاية البيت، أقاموا زمانا ثم خرجوا، إلا «خزاعة» ، فإنّها أقامت على ولاية البيت، فصار «مالك بن فهم» إلى «العراق» ، فأقام «ملكا» على «العراق» عشرين سنة، ثم هلك، وملك ابنه.
- جذيمة بن مالك الأبرش:
-
وملك بعده ابنه «جذيمة الأبرش» ، وكان يقال له: الأبرش، والوضاح، لبرص كان به. وكان ينزل «الأنبار» ويأتى «الحيرة» ، ثم يرجع، وكان لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه، وينادم الفرقدين، فإذا شرب قدحا، صب لهذا قدحا ولهذا قدحا.
-
وهو أوّل من عمل المنجنيق، وأوّل من حذيت له النعال، وأوّل من رفع له الشّمع.
-
وكانت له أخت يقال لها: أم عمرو.
-
وكان أخص خدمه به وأقربهم منه، فتى من «لخم» ، يقال له: «عدىّ بن نصر ابن ربيعة اللخمي» . ويقال: إن أباه نصرا، هو: نصر بن الساطرون،/ ٣١٧/ ملك السريانيين، صاحب الحصن، وهو جرمقاني من أهل «الموصل» من رستاق يدعى: باجرمى. المعارف لابن قتيبة
ج ٢ ص ٦٤٦وكان «جبير بن مطعم» يذكر:
أنه من «بنى قنص بن معد بن عدنان» ، وأنه زوّج «عدي بن نصر» أخته «أم عمرو» ، وهو سكران، وأدخله عليها فوطئها، فلما صحا ندم على ذلك، وأمر ب «عدي» فضربت عنقه. وحملت أخته ب «عمرو بن عدي» ، فأحبه وعطف عليه، وإن الجن قد استهوته، فعظم فقده عليه، وجعل لمن أتاه به حكمه. فردّه إليه بعد زمان، «مالك» و «عقيل» ، واحتكما منادمته. فيقال: إنهما نادماه أربعين سنة، وحدّثاه، فما أعادا عليه. فلما ردّاه طوّقته أمه بطوق، فلما رأى خاله الطوق واللحية، قال: شب عمرو عن الطوق. فذهبت مثلا.
-
وخطب «جذيمة» «الزباء» ، وكانت ابنة ملك «الجزيرة» ، وملكت بعد زوجها، فأجابته، فأقبل إليها، فلما دخل عليها قتلته، فطلب «عمرو» ابن أخته، و «قصير» غلامه بثأره، فقتلاها، وخلّفا في بلدها رجلا، ورجعا بالغنائم. فذلك أوّل سبى قسم في «العرب» من غنائم «الروم» . وكان ملك «جذيمة» ستين سنة.
- عمرو بن عدي:
-
وملك بعده «عمرو بن عدي» ، ابن أخته، فعظّمته الملوك وهابته، لما كان من حيلته في الطلب بثأر خاله، حتى أدركه.
-
وكان ملكه نيفا وستين سنة.
- امرؤ القيس:
-
وملك «امرؤ القيس بن عمرو بن عدي» - ويقال: بل ملك «الحارث ابن عمرو بن عدي» - ويقال: إنه هو الّذي يدعى: محرقا. وفيهم يقول الأسود بن يعفر:
ج ٢ ص ٦٤٧[كامل]
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أرض الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشّرفات من سنداد
- النّعمان بن امرئ القيس:
-
ثم ملك بعده: النعمان بن امرؤ القيس. وكان أعور، وهو الّذي بنى «الخورنق» ، وهو «النعمان الأكبر» - ويقال: إن «أنوشروان بن قباذ» ، هو الّذي ملكه- وأشرف يوما على «الخورنق» ، فنظر إلى ما حوله فقال: أكل ما أرى إلى فناء وزوال؟ قالوا: نعم. قال: فأى خير فيما يفنى؟ لأطلبن عيشا لا يزول. فانخلع من ملكه، ولبس المسوح، وساح في الأرض. وهو الّذي ذكره «عدي بن زيد» ، فقال: [خفيف]
/ ٣١٨/ وتبيّن [١] ربّ الخورنق إذ ... أشرف يوما وللهدى تفكير
سره حاله [٢] وكثرة ما يملك ... والبحر معرضا والسّدير «١»
فارعوى قلبه وقال فما غبطة ... حىّ إلى الممات يصير
- المنذر بن امرئ القيس: