الردافة
١١٥ فقرة، ج ٢ ص ٦٥١
الصفحة ٢ من ٣
- نرسى بن بهرام:
-
ثم ملك بعده «نرسى بن بهرام» ، فسار فأحسن السيرة، وكان من أحب ملوكهم إليهم.
-
وكانت مدة ملكه تسع سنين.
- هرمزين نرسى:
-
ثم ملك بعده ابنه «هرمزين نرسى» ، وكانت فيه غلظة وفظاظة قبل أن يملك، فلما ملك نزع عن ذلك.
-
فلبث في ملكه سبع سنين وخمسة أشهر.
- سابور بن هرمز ذو الأكتاف:
-
ولما هلك «هرمز» ، ولم يكن له ولد يجعلونه مكانه، شق ذلك على الناس، ثم سألوا عن نسائه، فذكر لهم أن ببعضهن حملا، فأرسلوا إليها: أيتها المرأة، إن المرأة التي قد قاست الحمل، وتدبرت أمور النساء، قد تعرف علامات الذكران، وعلامات الإناث، فأعلمينا الّذي يقع عليه ظنك فيما في بطنك. فأرسلت إليهم:
إني أرى من نضارة لوني، وتحرك الجنين في شقي الأيمن، مع يسير الحمل، وخفّته على، ما أرجو أن يكون الجنين مع ذلك ذكرا. فاستبشروا بذلك، وعقدوا التاج على بطن تلك المرأة، ولم يزالوا يتلوّمون، حتى ولدت غلاما، فسمى:
سابور. وهو الملقب ب «ذي الأكتاف» ، ولم يزل الوزراء يدبرون أمور المملكة، وينفذون الكتب إلى العمال، ويجبون الخراج، ويمضون الأعمال، على ما كانت تجرى عليه، و «سابور» طفل.
-
وذاع الخبر في أطراف الأرض بذلك، وطمع فيهم، وأقبل من كان يليهم من «العرب» من نواحي «عبد القيس» ، و «كاظمة» ، و «البحرين» ، فتغلبوا على أرض أسياف «فارس» ، و «نخلها» وشجرها، وأكثروا الفساد، وتواكل «الفرس» فيما بينهم، فلم يوجّهوا إليهم أحدا، ولم يزل ملكهم يزداد ضياعا، حتى طمع فيهم جميع أعدائهم.
-
فبينما «سابور» ذات ليلة نائم، وقد أثغر وأيفع، انتبه بأصوات الناس وضجتهم، فسأل خدمه عن ذلك، فأعلموه أن تلك أصوات من على الجسر من الناس، وما يصرخ به المقبل منهم إلى المدبر، ليتنحّى له عن الطريق. فقال:
وما دعاهم على احتمال هذه المشقة، وهم يقدرون على حسم ذلك بأيسر المئونة؟
- ج ٢ ص ٦٥٧
ألا يجعلون لهم جسرين، فيكون أحدهما للمقبلين والآخر للمدبرين- يعنى الراجعين- فلا يزحم الناس بعضهم بعضا. فسر من حضر بمقالته، ولطف فطنته على صغر سنّه، وعقدوا جسرا آخر.
-
فلما أتت له ست عشرة/ ٣٢٤/ سنة، أمرهم أن يختاروا له ألف رجل، من أهل النجدة. ففعلوا: فأعطاهم الأرزاق، ثم سار بهم إلى نواحي «العرب» الذين كانوا يعيثون في أرضهم، فقتل من قدر عليهم، ونزع أكتافهم، وغوّر مياههم، ولم يأخذ منهم مالا ولا سلبا، فلما فرغ من ذلك، قال لمن معه من الجنود: إني أريد الدخول إلى أرض: «الروم» سرّا لأعرفها، ولأعرف قدر قوّتهم وعدتهم، ومسالك بلادهم، فإذا بلغت من ذلك حاجتي، انصرفت إلى بلدي، فسرت إليهم بالجنود. فحذّروه التغرير بنفسه. فلم يقبل قولهم وردهم، وانطلق متنكرا حتى دخل أرضهم، فلبث فيهم حينا، فبينما هو كذلك. إذ بلغه أن ابن «قيصر» أولم وليمة، وأمر بالمساكين أن يجمعوا ليطعموا، فانطلق «سابور» ، فتزيّا بزي السؤال، ثم شهد المجمع، وحضر الطعام، فأتى «قيصر» بإناء من آنية «سابور» ، منقوش فيها تمثال «سابور» ، فجعل خدمه يسقون به، فلما انتهى الإناء إلى رجل من عظمائهم، كان يعرف الفراسة، نظر التمثال الّذي فيه، وقد كان قبل ذلك نظر إلى وجه «سابور» ، فأمسك الإناء، وقال: إني لأرى أمرا معجبا. فقال قيصر: وما ذاك؟
فقال: إني أرى في الجلساء صاحب هذه الصورة! وأومأ إلى «سابور» ، فأمر «قيصر» بإدناء «سابور» منه، فسأله عن أمره، فاعتل عليه بضروب من العلل. فقال لهم المتفرّس: لا تقبلوا منه، فلم يزالوا به حتى أقرّ بأنه «سابور» ، فأمر به «قيصر» ، فجعل في تمثال بقرة أجوف من جلود البقر، ثم أطبق عليه
ج ٢ ص ٦٥٨وسار بجنوده إلى أرض «فارس» ، وهو معهم، فأكثر القتل فيهم والخراب، حتى انتهى إلى «جنديسابور» ، فوضع المجانيق عليها، وثلم سورها، وغفل المتوكلون بحراسة «سابور» عنه ليلة، فلم يغلقوا الباب الّذي كان يلقى فيه طعامه، فخرج في جوف الليل، واحتال في حل وثاقه، والخروج إلى باب المدينة. فلما رآه الحرس صرخوا، فأشار إليهم أن يصمتوا، وأخبرهم باسمه، ففتحوا له باب المدينة، ودخلها، فآشتدّ سرورهم، وقويت ظهورهم، وقال لهم «سابور» : استعدّوا، فإذا سمعتم صوت ناقوس «الروم» فاركبوا خيولكم، فإذا سمعتم [١] الثانية فاحملوا عليهم.
-
ففعلوا ذلك، فقتلوا «الروم» أبرح قتل، وأخذوا «قيصر» أسيرا، واستباحوا عسكره وأمواله. فقال له «سابور» : إني مكافئك بما/ ٣٢٥/ أوليتني، ومستحييك كما استحييتني، وآخذك بصلاح ما أفسدت، فلم يفارقه حتى حمل التراب من أرض «الشام» ، فبنى به ما هدم.
-
فكان مما بنى: ما ثلم من سور «جنديسابور» ، فصار بعض السور بلبن وبعضه بآجر وجصّ، وغرس مكان كل نخلة عقرها زيتونة، ولم يكن في أرض «فارس» زيتون، ثم أطلقه. وسار «سابور» إلى أرض «الروم» ، فقتل وسبى.
-
ثم بنى ب «السّوس» مدينة سماها: فيروز سابور، وبنى «نيسابور» ، وبنى مدينة ب «السند» ، وأخرى ب «سجستان» ، سوى أنهار احتفرها، وعقد قناطر وأنشأ قرى، وعجل عليه الهرم، وكثرت به العلل، فبعث إلى ملك «الهند» يسأله أن يبعث إليه طبيبا، فعالجه حتى اشتدّ عصبه وجلده، وقوى بصره، وهش للنساء، وأطاق الركوب، فأحسن إلى ذلك الطبيب، وأمره أن يتخير من بلاده بلدا
ج ٢ ص ٦٥٩ينزله، فاختار مدينة «السوس» حتى هلك، فورث طبه أهل «السوس» ، فصاروا أطباء أهل «فارس» لذلك، ولما ورثوا عمّن سكنها من سبى «الروم» .
-
وكان جميع ما ملك «سابور» اثنتين وسبعين سنة. وهو باني «الإيوان» ب «المدائن» .
- أردشير بن هرمز:
-
ثم ملك بعده: «أردشير بن هرمز» أخوه، وكان ابنه «سابور بن سابور» يومئذ صغيرا، فلم يزل حسن السيرة، مرضىّ الولاية.
-
وكان ملكه أربع سنين.
- سابور بن سابور:
-
ثم ملك بعده «سابور بن سابور بن هرمز» ، وكان حسن السيرة، عادلا على رعيته.
-
وكان ملكه خمس سنين، وأربعة أشهر.
- بهرام بن سابور:
-
ثم ملك بعده، «بهرام بن سابور» ، الّذي يدعى: كرمان شاه. فقام في ملكه بسيرة قاصدة، ونية حسنة، وبنى مدينة «كرمان» .
-
وكان ملكه إحدى عشرة سنة.
-
يزدجرد بن بهرام:
ثم ملك بعده «يزدجرد بن بهرام» .
-
وكان فظّا خشن الجانب شديد الكبر، فعسف وخبط، ولم يشاور في أموره، فاجتمعوا ودعوا الله عليه، وشكوا إليه ما هم فيه من الجور والظلم، وسألوه تعجيل
ج ٢ ص ٦٦٠الفرج لهم منه. فذكروا أنهم رأوا فرسا أقبل حتى وقف على بابه، فأطاف الناس به متعجبين من حسن صورته، وأخبره صاحبه بذلك فقام ينظر إليه، فأعجب به، وأمر بإسراجه، فلما أسرج، مسح وجهه/ ٣٢٦/ وناصيته واستدار حوله، فرمحه رمحة أصاب به فؤاده فقتله، ثم ملأ الفرس فروجه فلم يدرك.
-
وكان ملكه إحدى وعشرين سنة، وخمسة أشهر، وثمانية عشر يوما.
- بهرام جور بن يزدجرد:
-
ثم ملكوا بعده، ابنه بهرام جور، بعد كراهة له ومحن كثيرة امتحنوه بها، فأثر آثارا حسنة نعش بها الضعيف، وعم نفعها، ودخل أرض «الهند» متنكرا، فمكث حينا لا يعرف، حتى بلغه أن فيلا هائجا قد ظهر بها، قد قطع السبيل، وأهلك الناس، فسألهم أن يدلوه عليه ليريحهم منه، فرفع أمره إلى الملك، وأرسل معه رسولا يدله عليه، فلما انتهى إلى الفيل، رقى [١] الرسول على شجرة لينظر إلى ما يصنع «بهرام» ، فصرخ بالفيل، فخرج إليه، فرماه رمية ثبتت بين عينيه، وتابع عليه بالسهام حتى أثبته، ثم دنا منه، فاجتذبه [٢] حتى خرّ، واحتز رأسه، وأقبل به إلى الملك، فحباه الملك وسأله عن خبره، فأعلمه أنه من أهل «فارس» ، لجأ إليه لأمر أحدثه، فسخط عليه الملك، وكان لذلك الملك عدوّ ممن حوله سار إليه، فاشتدّ منه وجله. فقال له «بهرام» : لا يهولنك أمره، فإنّي سأكفيكه [٣] بإذن الله، فركب «بهرام» في سلاحه وقال لأساورة «الهند» : أحرسوا ظهري، ثم انظروا إلى عملي فيما أمامى. وكانوا قوما لا يحسنون الرمي، وأكثرهم رجالة- فحمل عليهم حملة هدهم، ثم جعل يأتى الرجل فيضربه على رأسه فيقطعه بنصفين، ويأتى الفيل يضرب مشفره فيكبه، ويتناول من عليه فيقتلهم، ويحمل الفارس
ج ٢ ص ٦٦١عن فرسه ثم يذبحه على قربوس سرجه، ويتناول الاثنين فيضرب أحدهما بالآخر حتى يقتلهما، ويرمى فلا تسقط نشابة. فولوا منهزمين مرعوبين.
-
وحمل أصحاب «بهرام» عليهم فأكثروا القتل فيهم، وغنموا أموالهم.
-
فانصرف ملك «الهند» فأنكحه ابنته، ونحلة «الدّيبل» ، و «مكران» وملكها، وما يليها من أرض «السند» ، وأشهد له بذلك.
-
ثم انصرف «بهرام» إلى مملكته، ولم يزل تحمل إليه أموال تلك البلاد إلى «فارس» . ثم لقي ملك «الترك» وفي عدد كثير، فاستباح «بهرام» عسكره، على قلة من جنوده، وولى أخاه «نرسى» خراسان.
-
وملك ثلاثا وعشرين سنة.
- يزدجرد بن بهرام:
-
ثم ملّكوا بعده «يزدجرد بن بهرام» ، وكان محمودا. وملك ثمان/ ٣٢٧/ عشرة سنة وخمسة أشهر، غير أيام.
-
فلما هلك «يزدجرد» تنازع الملك بعده ابناه: «فيروز» ، و «هرمز» ، ونشبت الحرب بينهما، حتى قتل «هرمز» وثلاثة نفر من أهل بيته، وغلب «فيروز» على الملك.
- فيروز بن يزدجرد:
-
وولى «فيروز» الأمر، فأسنت الناس في أوّل ولايته سبع سنين، وقحطوا حتى أشرفوا [١] على الهلاك، ثم أغاثهم الله برحمته، ولما استوثق له الأمر بنى ب «كسكر» مدينتين منسوبتين إليه، ثم سار بجنوده نحو «خراسان» لغزو «أخنشوار» ملك «الهياطلة» ، ب «بلخ» فاحتال له ملك «الهياطلة» بمكيدة،
ج ٢ ص ٦٦٢حتى ظفر به على حال غرة وضعف منه ومن جنوده، فسأله أن يطلقه على أن يعطيه موثقا، على ألا يغزوه أبدا، ففعل ذلك ملك «الهياطلة» ، فلما عاد إلى «فارس» أخذته الحميّة، فجمع له وغزاه غادرا به، فظفر ملك «الهياطلة» بعسكره، فاستباحه وقتل رجاله، وأسر من أولاده وقرابته. وهلك «فيروز» فيمن هلك.
-
وكان على «سجستان» رجل من «أردشير» [١] يقال له: «سوخرا» [٢] فشخص فيمن معه من أسورته، نحو «الهياطلة» ، وجمع إليه جنود «فيروز» ، ثم بعث إلى ملك «الهياطلة» ، يخيره بين الحرب، وبين التخلية عمن في يده من أسارى «فارس» ، فخلاهم ملك «الهياطلة» ، فشرفت منزلة «شوخرا» ، وانصرف إلى «المدائن» .