شهداء أجنادين واليرموك

١٬٩٧٠ فقرة، ج ٣ ص ١٩٢

الصفحة ١٧ من ٥٠

  1. أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق، أنبأنا عبد القوي بن عبد العزيز الأغلبي، أنبأنا عبد الله بن رفاعة، أنبأنا أبو الحسن الخلعي، أنبأنا أبو محمد بن النحاس، أنبأنا أبو محمد بن الورد، أنبأنا أبو سعيد بن عبد الرحيم، أنبأنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق "ح" وأنبأنا أبو محمد بن قدامة وأبو الغنائم بن علان إجازة أن حنبل بن عبد الله أخبرهم، أنبأنا أبو القاسم الشيباني، أنبأنا أبو علي الواعظ، أنبأنا أبو بكر المالكي، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي "ح" ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي ومحمد بن عبد الله بن نمير وغيره، عن يونس بن بكير "ح" وسهل بن عثمان، حدثنا يحيى بن أبي زائدة "ح" وعن يحيى بن آدم، عن عبد الله بن إدريس "ح" وحجاج بن قتيبة، حدثنا زفر بن قرة جميعهم، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها: جي وكان أبي دهقانها وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل بي حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة وكانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يومًا فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم، عن ضيعتي فاذهب فاطلعها وأمرني ببعض ما يريد فخرجت ثم قال: لا تحتبس علي فإنك إن احتبست علي كنت أهم إلي من ضيعتي وشغلتني، عن كل شيء من أمري فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت إليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم ورغبت في أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها فقلت لهم: أين

    ج ٣ ص ٣١١أصل هذا الدين? قالوا: بالشام قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته، عن عمله كله فلما جئته قال: أي بني! أين كنت? ألم أكن عهدت إليك ما عهدت قلت: يا أبة! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا قال: فخافني فجعل في رجلي قيدًا ثم حبسني في بيته قال: وبعثت إلى النصارى فقلت: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم فقدم عليهم ركب من الشام قال: فأخبروني بهم فقلت إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة فأخبروني قال: ففعلوا. فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين? قالوا: الأسقف في الكنيسة فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك قال: فادخل فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها شيئًا اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق فأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع.

    ج ٣ ص ٣١٠
  2. ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم إن هذا رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتم بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين وأريتهم موضع كنزه سبع قلال مملوءة فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا.

  3. فصلبوه ثم رموه بالحجارة ثم جاؤوا برجل جعلوه مكانه فما رأيت رجلًا -يعني لا يصلي الخمس- أرى أنه أفضل منه أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلًا ونهارًا ما أعلمني أحببت شيئًا قط قبله حبه فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة فقلت: يا فلان! قد حضرك ما ترى من أمر الله وإني والله ما أحببت شيئًا قط حبك فماذا تأمرني وإلى من توصيني?

    قال لي: يا بني والله ما أعلمه إلَّا رجلًا بالموصل فائته فإنك ستجده على مثل حالي.

  4. فلما مات وغيب لحقت بالموصل فأتيت صاحبها فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهد فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك.

    قال: فأقم أي بني فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي? وما تأمرني به? قال والله ما أعلم -أي بني- إلَّا رجلًا بنصيبين.

  5. فلما دفناه، لحقت بالآخر، فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضره الموت فأوصى بي إلى رجل من أهل عمورية بالروم فأتيته فوجدته على مثل حالهم واكتسبت حتى كان لي غنيمة وبقيرات.

    ج ٣ ص ٣١٢
  6. ثم احتضر، فكلمته إلى من يوصي بي? قال: أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل وإن فيه علامات لا تخفى بين كتفيه خاتم النبوة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل فإنه قد أظلك زمانه.

  7. فلما واريناه، أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم غنيمتي وبقراتي هذه? قالوا: نعم فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا جاءوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبدًا من رجل يهودي بوادي القرى فوالله لقد رأيت النخل وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي.

  8. وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة وادي القرى فابتاعني من صاحبي فخرج بي حتى قدمنا المدينة فوالله ما هو إلَّا أن رأيتها فعرفت نعتها.

  9. فأقمت في رقي وبعث الله نبيه ﷺ بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق حتى قدم رسول الله ﷺ قباء وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له فوالله إني لفيها إذ جاءه ابن عم له فقال: يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي.

  10. فوالله ما هو إلَّا أن سمعتها فأخذتني العرواء - يقول: الرعدة- حتى ظننت لأسقطن على صاحبي ونزلت أقول ما هذا الخبر?

  11. فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة وقال: مالك ولهذا أقبل على عملك فقلت: لا شيء إنما سمعت خبرًا فأحببت أن أعلمه.

  12. فلما أمسيت وكان عندي شيء من طعام فحملته وذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء فقلت له: بلغني أنك رجل صالح وأن معك أصحابًا لك غرباء وقد كان عندي شيء من الصدقة فرأيتكم أحق من بهذه البلاد فهاك هذا فكل منه.

    قال: فأمسك، وقال لأصحابه: "كلوا" فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي.

  13. ثم رجعت وتحول رسول الله إلى المدينة فجمعت شيئًا كان عندي ثم جئته به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية فأكل رسول الله ﷺ وأكل أصحابه فقلت: هذه خلتان.

    ج ٣ ص ٣١٣
  14. ثم جئت رسول الله ﷺ وهو يتبع جنازة وعليَّ شملتان لي وهو في أصحابه فاستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف.

  15. فلما رآني استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي فألقى رداءه، عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي.

    فقال لي: تحول فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يابن عباس فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه.

  16. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد.

    ثم قال رسول الله ﷺ : "كاتب يا سلمان" فكاتبت صاحبي على ثلاث مائة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أعينوا أخاكم" فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين والرجل بخمس عشرة حتى اجتمعت ثلاث مائة ودية فقال: "اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي" ففقرت لها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته وأخبرته فخرج معي إليها نقرب له الودي ويضعه بيده فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة فأديت النخل وبقي علي المال فأتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة دجاجة من ذهب من بعض المغازي فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب" ؟ فدعيت له فقال: "خذها فأد بها ما عليك" قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي? قال: "خذها فإن الله سيؤدي بها عنك" فأخذتها فوزنت لهم منها أربعين أوقية وأوفيتهم حقهم وعتقت فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرًا ثم لم يفتني معه مشهد.

  17. زاد إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق فقال: عن يزيد بن أبي حبيب، عن رجل من عبد القيس، عن سلمان قال: لما قلت له: وأين تقع هذه من الذي علي? أخذها فقلبها على لسانه ثم قال: "خذها" .

  18. وفي رواية ابن إدريس: عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن رجل من عبد القيس أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: حدثني من حدثه سلمان أنه كان في حديثه حين ساقه

    ج ٣ ص ٣١٤لرسول الله أن صاحب عمورية قال له: إذا رأيت رجلًا كذا وكذا من أرض الشام بين غيضتين يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة في كل سنة مرة يتعرضه الناس ويداوي الأسقام يدعو لهم فيشفون فائته فسله، عن الدين الذي يلتمس فجئت حتى أقمت مع الناس بين تينك الغيضتين.

  19. فلما كان الليلة التي يخرج فيها من الغيضة، خرج وغلبني الناس عليه حتى دخل الغيضة الأخرى وتوارى مني إلَّا منكبيه فتناولته فأخذت بمنكبيه فلم يلتفت إلي وقال: ما لك? قلت: أسأل، عن دين إبراهيم الحنيفية قال: إنك لتسأل، عن شيء ما يسأل الناس عنه اليوم وقد أظلك نبي يخرج من عند هذا البيت الذي بمكة يأتي بهذا الدين الذي تسأل عنه فالحق به ثم انصرف فقال رسول الله ﷺ : "لئن كنت صدقتني لقد لقيت وصي عيسى بن مريم" .

  20. تفرد به: ابن إسحاق.

  21. وقاطن النار: ملازمها. وبنو قيلة: الأنصار. والفقير: الحفرة. والودي: النصبة.

    وقال يونس: عن ابن إسحاق، حدثني عاصم، حدثني من سمع عمر بن عبد العزيز بنحو مما مر وفيه وقد أظلك نبي يخرج عند أهل هذا البيت ويبعث بسفك الدم فلما ذكر ذلك لرسول الله ﷺ قال: "لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد رأيت حواري عيسى" .

  22. عبيد الله بن موسى وعمرو العنقزي قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي قرة الكندي، عن سلمان قال: كان أبي من الأساورة فأسلمني في الكتاب فكنت أختلف وكان معي غلامان فكانا إذا رجعا دخلا على قس أو راهب فأدخل معهما فقال لهما: ألم أنهكما أن تدخلا علي أحدًا أو تعلما بي أحدًا? فكنت أختلف حتى كنت أحب إليه منهما فقال لي: يا سلمان! إني أحب أن أخرج من هذه الأرض قلت: فأنا معك فأتى قرية فنزلها وكانت امرأة تختلف إليه فلما حضر قال: احفر عند رأسي فاستخرجت جرة من دراهم فقال: ضعها على صدري قال: فجعل يضرب بيده على صدره ويقول: ويل للقنائين قال: ومات فاجتمع القسيسون والرهبان وهممت أن أحتمل المال ثم إن الله عصمني فقلت لهم: إنه قد ترك مالًا فوثب شبان من أهل القرية فقالوا: هذا مال أبينا كانت سريته تختلف إليه.

    فقلت: يا معشر القسيسين والرهبان دلوني على عالم أكون معه قالوا: ما نعلم أحدًا أعلم من راهب بحمص فأتيته فقصصت عليه فقال: ما جاء بك إلَّا طلب العلم? قلت:

    ج ٣ ص ٣١٥نعم قال: فإني لا أعلم أحدًا في الأرض أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة في هذا الشهر وإن انطلقت وجدت حمارة واقفًا فانطلقت فوجدت حماره واقفًا على باب بيت المقدس فجلست حتى خرج فقصصت عليه فقال: اجلس حتى أرجع إليك. فذهب فلم يرجع إلى العام المقبل فقلت: ما صنعت? قال: وإنك لها هنا بعد? قلت: نعم، قال: فإني لا أعلم أحد في الأرض أعلم من رجل يخرج بأرض تيماء وهو نبي وهذا زمانه وإن انطلقت الآن وافقته وفيه ثلاث: خاتم النبوة ولا يأكل الصدقة ويأكل الهدية خاتم النبوة عند غرضوف كتفه كأنها بيضة حمامة لونها لون جلده.

  23. فانطلقت فأصابني قوم من الأعراب فاستعبدوني فباعوني حتى وقعت إلى المدينة فسمعتهم يذكرون النبي ﷺ فسألت أهلي أن يهبوا لي يومًا ففعلوا فخرجت فاحتطبت فبعته بشيء يسير ثم جئت بطعام اشتريته فوضعته بين يدي رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا" ؟ فقلت: صدقة فأبى أن يأكل وأمر أصحابه فأكلوا وكان العيش يومئذ عزيزًا فقلت: هذه واحدة ثم أمكث ما شاء الله أن أمكث ثم قلت لأهلي: هبوا لي يومًا فوهبوا لي يومًا فخرجت فاحتطبت فبعته بأفضل مما كنت بعت به يعني الأول فاشتريت به طعامًا ثم جئت فوضعته بين يدي رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا" ؟ قلت: هدية قال: "كلوا" وأكل قلت: هذه أخرى ثم قمت خلفه فوضع رداءه فرأيت عند غرضوف كتفه خاتم النبوة فقلت: أشهد أنك رسول الله فقال: "ما هذا" ؟ فحدثته وقلت: يا رسول الله هذا الراهب أفي الجنة هو وهو يزعم أنك نبي الله؟ قال: "إنه لن يدخل الجنة إلَّا نفس مسلمة" . فقلت: إنه أخبرني أنك نبي فقال: "إنه لن يدخل الجنة إلَّا نفس مسلمة" .

  24. رواه الإمام أحمد في "مسنده" ، عن أبي كامل ورواه أبو قلابة الرقاشي، عن عبد الله بن رجاء كلاهما، عن إسرائيل.

  25. سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، حدثني السلم بن الصلت العبدي، عن أبي الطفيل البكري أن سلمان الخير حدثه قال: كنت رجلًا من أهل جي مدينة أصبهان فأتيت رجلًا يتحرج من كلام الناس فسألته: أي الدين أفضل? قال: ما أعلم أحدًا غير راهب بالموصل.

  26. فذهبت إليه فكنت عنده إلى أن قال: فأتيت حجازيًّا فقلت: تحملني إلى المدينة وأنا لك عبد? فلما قدمت جعلني في نخله فكنت أستقي كما يستقي البعير حتى دبر ظهري ولا أجد من يفقه كلامي حتى جاءت عجوز فارسية

    ج ٣ ص ٣١٦تستقي فكلمتها فقلت: أين هذا الذي خرج? قالت: سيمر عليك بكرة فجمعت تمرًا ثم جئته وقربت إليه التمر فقال: "أصدقة أم هدية" ؟.

  27. أبو إسماعيل الترمذي وإسحاق بن إبراهيم بن جميل وغيرهما قالوا: أنبأنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا موسى بن سعيد الراسبي، حدثنا أبو معاذ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمان الفارسي قال: كنت ممن ولد برًا مهرمز وبها نشأت وأما أبي فمن أصبهان.

  28. وكانت أمي لها غنى فأسلمتني إلى الكتاب وكنت أنطلق مع غلمان من أهل قريتنا إلى أن دنا مني فراغ من الكتابة ولم يكن في الغلمان أكبر مني ولا أطول وكان ثم جبل فيه كهف في طريقنا فمررت ذات يوم وحدي فإذا أنا فيه برجل عليه ثياب شعر ونعلاه شعر فأشار إلي فدنوت منه فقال: يا غلام أتعرف عيسى بن مريم? قلت: لا قال: هو رسول الله آمن بعيسى وبرسول يأتي من بعده اسمه أحمد أخرجه الله من غم الدنيا إلى روح الآخرة ونعيمها قلت ما نعيم الآخرة? قال: نعيم لا يفنى فرأيت الحلاوة والنور يخرج من شفتيه فعلقه فؤادي وفارقت أصحابي وجعلت لا أذهب ولا أجيء إلَّا وحدي وكانت أمي ترسلني إلى الكتاب فأنقطع دونه فعلمني شهادة أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأن عيسى رسول الله ومحمدًا بعده رسول الله والإيمان بالبعث وعلمني القيام في الصلاة وكان يقول لي: إذا قمت في الصلاة فاستقبلت القبلة فاحتوشتك النار فلا تلتفت وإن دعتك أمك وأبوك فلا تلتفت إلَّا أن يدعوك رسول من رسل الله وإن دعاك وأنت في فريضة فاقطعها فإنه لا يدعوك إلَّا بوحي وأمرني بطول القنوت وزعم أن عيسى عليه السلام قال: طول القنوت أمان على الصراط وطول السجود أمان من عذاب القبر وقال: لا تكذبن مازحًا ولا جادًا حتى يسلم عليك ملائكة الله ولا تعصين الله في طمع ولا غضب ولا تحجب، عن الجنة طرفة عين.

    ثم قال لي: إن أدركت محمد بن عبد الله الذي يخرج من جبال تهامة فآمن به واقرأ عليه السلام مني فإنه بلغني أن عيسى بن مريم عليه السلام قال: من سلم على محمد رآه أو لم يره كان له محمد شافعًا ومصافحًا فدخل حلاوة الإنجيل في صدري.

    قال: فأقام في مقامه حولًا ثم قال: أي بني إنك قد أحببتني وأحببتك وإنما قدمت بلادكم هذه إنه كان لي قريب فمات فأحببت أن أكون قريبًا من قبره أصلي عليه وأسلم عليه لما عظم الله علينا في الإنجيل من حق القرابة يقول الله: من وصل قرابته وصلني ومن قطع قرابته فقد قطعني وإنه قد بدا لي الشخوص من هذا المكان فإن كنت تريد

    ج ٣ ص ٣١٧صحبتي فأنا طوع يديك قلت: عظمت حق القرابة وهنا أمي وقرابتي قال: إن كنت تريد أن تهاجر مهاجر إبراهيم عليه السلام فدع الوالدة والقرابة ثم قال: إن الله يصلح بينك وبينهم حتى لا تدعو عليك الوالدة.

  29. فخرجت معه، فأتينا نصيبين فاستقبله اثنا عشر من الرهبان يبتدرونه ويبسطون له أرديتهم وقالوا: مرحبًا بسيدنا وواعي كتاب ربنا فحمد الله ودمعت عيناه وقال: إن كنتم تعظموني لتعظيم جلال الله فأبشروا بالنظر إلى الله ثم قال: إني أريد أن أتعبد في محرابكم هذا شهرًا فاستوصوا بهذا الغلام فإني رأيته رقيقًا سريع الإجابة فمكث شهرًا لا يلتفت إلي ويجتمع الرهبان خلفه يرجون أن ينصرف ولا ينصرف فقالوا: لو تعرضت له فقلت: أنتم أعظم عليه حقًّا مني قالوا: أنت ضعيف غريب بن سبيل وهو نازل علينا فلا نقطع عليه صلاته مخافة أن يرى أنا نستثقله فعرضت له فارتعد ثم جثا على ركبتيه ثم قال: ما لك يا بني? جائع أنت? عطشان أنت? مقرور أنت? اشتقت إلى أهلك? قلت: بل أطعت هؤلاء العلماء قال: أتدري ما يقول الإنجيل? قلت: لا قال: يقول من أطاع العلماء فاسدًا كان أو مصلحًا فمات فهو صديق وقد بدا لي أن أتوجه إلى بيت المقدس فجاء العلماء فقالوا: يا سيدنا امكث يومك تحدثنا وتكلمنا قال: إن الإنجيل، حدثني أنه من هم بخير فلا يؤخره.

  30. فقام فجعل العلماء يقبلون كفيه وثيابه كل ذلك يقول: أوصيكم إلَّا تحتقروا معصية الله ولا تعجبوا بحسنة تعملونها فمشى ما بين نصيبين والأرض المقدسة شهرًا يمشي نهاره ويقوم ليله حتى دخل بيت المقدس فقام شهرًا يصلي الليل والنهار فاجتمع إليه علماء بيت المقدس فطلبوا إلي أن أتعرض له ففعلت فانصرف إلي فقال لي كما قال في المرة الأولى.

  31. فلما تكلم اجتمع حوله علماء بيت المقدس فحالوا بيني وبينه يومهم وليلتهم حتى أصبحوا فملوا وتفرقوا فقال لي: أي بني إني أريد أن أضع رأسي قليلًا فإذا بلغت الشمس قدمي فأيقظني قال: وبينه وبين الشمس ذراعان فبلغته الشمس فرحمته لطول عنائه وتعبه في العبادة فلما بلغت الشمس سرته استيقظ بحرها.

    فقال: ما لك لم توقظني? قلت: رحمتك لطول عنائك قال: إني لا أحب أن تأتي علي ساعة لا أذكر الله فيها ولا أعبده أفلا رحمتني من طول الموقف? أي بني إني أريد الشخوص إلى جبل فيه خمسون ومائة رجل أشرهم خير مني أتصحبني? قلت: نعم فقام فتعلق به أعمى على الباب فقال: يا أبا الفضل تخرج ولم أصب منك خيرًا؟ فمسح

    ج ٣ ص ٣١٨يده على وجهه فصار بصيرًا فوثب مقعد إلى جنب الأعمى فتعلق به فقال: من علي من الله عليك بالجنة فمسح يده عليه فقام فمضى -يعني الراهب- فقمت أنظر يمينًا وشمالًا لا أرى أحدًا فدخلت بيت المقدس فإذا أنا برجل في زاوية عليه المسوح فجلست حتى انصرف فقلت: يا عبد الله ما اسمك? قال: فذكر اسمه فقلت: أتعرف أبا الفضل? قال: نعم وودت أني لا أموت حتى أراه أما إنه هو الذي منَّ علي بهذا الدين فأنا أنتظر نبي الرحمة الذي وصفه لي يخرج من جبال تهامة يقال له: محمد بن عبد الله يركب الجمل والحمار والفرس والبغلة ويكون الحر والمملوك عنده سواء وتكون الرحمة في قلبه وجوارحه لو قسمت بين الدنيا كلها لم يكن لها مكان بين كتفيه كبيضة الحمامة عليها مكتوب باطنها الله وحده لا شريك له محمد رسول الله وظاهرها توجه حيث شئت فإنك المنصور يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ليس بحقود ولا حسود ولا يظلم معاهدًا ولا مسلمًا فقمت من عنده فقلت لعلي أقدر على صاحبي فمشيت غير بعيد فالتفت يمينًا وشمالًا لا أرى شيئًا.

  32. فمر بي أعراب من كلب، فاحتملوني حتى أتوا بي يثرب وسموني ميسرة فجعلت أناشدهم فلا يفقهون كلامي فاشترتني امرأة يقال لها خليسة بثلاث مائة درهم فقالت: ما تحسن? قلت: أصلي لربي وأعبده وأسف الخوص قالت: ومن ربك? قلت: رب محمد قالت: ويحك ذاك بمكة ولكن عليك بهذه النخلة وصل لربك لا أمنعك وسف الخوص واسع على بناتي فإن ربك يعني إن تناصحه في العبادة يعطك سؤلك.

  33. فمكثت عندها ستة عشر شهرًا حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فبلغني ذلك وأنا في أقصى المدينة في زمن الخلال فانتقيت شيئًا من الخلال فجعلته في ثوبي وأقبلت أسأل عنه حتى دخلت عليه وهو في منزل أبي أيوب وقد وقع حب لهم فانكسر وانصب الماء فقام أبو أيوب وامرأته يلتقطان الماء بقطيفة لهما لا يكف على النبي ﷺ .

  34. فخرج رسول الله فقال: "ما تصنع يا أبا أيوب" ؟ فأخبره، فقال: "لك ولزوجتك الجنة" . فقلت: هذا والله محمد رسول الرحمة فسلمت عليه ثم أخذت الخلال فوضعته بين يديه فقال: "ما هذا يا بني" ؟ قلت: صدقة، قال: "إنا لا نأكل الصدقة" فأخذته وتناولت إزاري وفيه شيء آخر فقلت هذه هدية فأكل وأطعم من حوله ثم نظر إلي فقال: "أحر أنت أم مملوك" ؟ قلت: مملوك قال: "ولم وصلتني بهذه الهدية" ؟.

    قلت: كان لي صاحب من أمره كذا وصاحب من أمره كذا فأخبرته بأمرهما. قال:

    ج ٣ ص ٣١٩"أما إن صاحبيك من الذين قال الله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ " [القصص: ٥٢، ٥٣] الآية، ما رأيت في ما خبرك? قلت: نعم إلَّا شيئًا بين كتفيك فألقى ثوبه فإذا الخاتم فقبلته وقلت: أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنك رسول الله.

    فقال: "يا بني أنت سلمان" ودعا عليًّا فقال: "اذهب إلى خليسة فقل لها يقول لك محمد إما أن تعتقي هذا وإما أن أعتقه فإن الحكمة تحرم عليك خدمته" . قلت: يا رسول الله أشهد أنها لم تسلم قال: "يا سلمان أولا تدري ما حدث بعدك? دخل عليها ابن عمها فعرض عليها الإسلام فأسلمت" فانطلق علي واذا هي تذكر رسول الله ﷺ فأخبرها علي فقالت: انطلق إلى أخي تعني النبي ﷺ فقل له: إن شئت فأعتقه وإن شئت فهو لك قال: فكنت أغدو وأروح إلى رسول الله ﷺ وتعولني خليسة.

    فقال لي النبي ﷺ ذات يوم: "انطلق بنا نكافئ خليسة" . فكنت معه خمسة عشرة يومًا في حائطها يعلمني وأعينه حتى غرسنا لها ثلاث مئة فسيلة فكان رسول الله ﷺ إذا اشتد عليه حر الشمس وضع على رأسه مظلة لي من صوف فعرق فيها مرارًا فما وضعتها بعد على رأسي إعظامًا له وإبقاء على ريحه وما زلت أخبأها وينجاب منها حتى بقي منها أربع أصابع فغزوت مرة فسقطت مني.

  35. هذا الحديث شبه موضوع، وأبو معاذ مجهول، وموسى.

  36. إسماعيل بن عيسى العطار: حدثنا إسحاق بن بشر، حدثني أبو عبيد الله التيمي، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل قال: قيل لسلمان: أخبرنا، عن إسلامك قال: كنت مجوسيًّا فرأيت كأن القيامة قد قامت وحشر الناس على صورهم وحشر المجوس على صور الكلاب ففزعت فرأيت من القابلة أيضًا أن الناس حشروا على صورهم وأن المجوس حشروا على صور الخنازير فتركت ديني وهربت وأتيت الشام فوجدت يهودًا فدخلت في دينهم وقرأت كتبهم ورضيت بدينهم وكنت عندهم حججًا فرأيت فيما يرى النائم أن الناس حشروا وأن اليهود أتي بهم فسلخوا ثم ألقوا في النار فشووا ثم أخرجوا فبدلت جلودهم ثم أعيدوا في النار فانتبهت وهربت من اليهودية فأتيت قومًا نصارى فدخلت في دينهم وكنت معهم في شركهم فكنت عندهم حججًا فرأيت كأن ملكًا أخذني فجاء بي على الصراط على النار فقال: اعبر هذا، فقال صاحب الصراط: انظروا فإن كان دينه النصرانية فألقوه في النار فانتبهت وفزعت ثم استعبرت راهبًا كان صديقًا لي فقال إن الذي أنت عليه دين الملك ولكن عليك باليعقوبية فرفضت ذلك ولحقت بالجزيرة فلزمت راهبًا بنصيبين يرى رأي اليعقوبية فكنت عندهم حججًا، فرأيت فيما يرى

    ج ٣ ص ٣٢٠النائم أن إبراهيم خليل الرحمن قائم عند العرش يميز من كان على ملته فيدخله الجنة ومن كان على غير ملته ذهبوا به إلى النار فهربت من ذلك الراهب وأتيت راهبًا له خمسون ومئة سنة وأخبرته بقصتي فقال: إن الذي تطلبه ليس هو اليوم على ظهر الأرض ذاك دين الحنفية وهو دين أهل الجنة وقد اقترب وأظلك زمانه نبي يثرب يدعو إلى هذا الدين قلت: ما اسم هذا الرجل? قال: له خمسة أسماء مكتوب في العرش محمد وفي الإنجيل أحمد ويوم القيامة محمود وعلى الصراط حماد وعلى باب الجنة حامد وهو من ولد إسماعيل وهو قرشي فسرد كثيرًا من صفته ﷺ .

    قال: فسرت في البرية فسبتني العرب واستخدمتني سنين فهربت منهم إلى أن قال: فلما أسلمت قبل علي رأسي وكساني أبو بكر ما كان عليه إلى أن قال: "يا سلمان أنت مولى الله ورسوله" .

  37. وهو منكر في إسناده كذاب وهو إسحاق مع إرساله ووهن ابن لهيعة والتيمي.

  38. سمويه، حدثنا عمرو بن حماد القناد، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] الآية في أصحاب سلمان نزلت وكان من أهل جند سابور وكان من أشرافهم وكان ابن الملك صديقًا له ومواخيًا وكانا يركبان إلى الصيد فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيت من عباء فأتياه فإذا هما برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه ويبكي فسألاه: ما هذا? قال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما فانزلا فنزلا إليه فقال: هذا كتاب جاء من عند الله أمر فيه بطاعته ونهى عن معصيته فيه أن لا تزني ولا تسرق ولا تأخذ أموال الناس بالباطل فقص عليهما ما فيه وهو الإنجيل فتابعاه فأسلما وقال: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام ولم يزل معهما يتعلمان منه حتى كان عيد للملك فجعل طعامًا ثم جمع الناس والأشراف وأرسل إلى ابن الملك فدعاه ليأكل فأبى وقال: إني عنك مشغول فلما أكثر عليه أخبر أنه لا يأكل من طعامهم فقال له الملك: من أخبرك بهذا? فذكر له الراهب فطلب الراهب وسأله فقال: صدق ابنك فقال: لولا أن الدم عظيم لقتلتك اخرج من أرضنا فأجله أجلًا فقمنا نبكي عليه فقال: إن كنتما صادقين فأنا في بيعة في الموصل مع ستين رجلًا نعبد الله فائتونا فخرج وبقي سلمان وابن الملك فجعل سلمان يقول لابن الملك: انطلق بنا وابن الملك يقول: نعم فجعل يبيع متاعه يريد الجهاز وأبطأ فخرج سلمان حتى أتاهم فنزل على صاحبه وهو رب البيعة.

  39. فكان سلمان معه يجتهد في العبادة فقال له الشيخ: إنك غلام حدث وأنا خائف أن تفتر فارفق بنفسك قال: خل عني.

    ج ٣ ص ٣٢١
  40. ثم إن صاحب البيعة دعاه فقال: تعلم أن هذه البيعة لي ولو شئت أن أخرج هؤلاء لفعلت ولكني رجل أضعف، عن عبادة هؤلاء وأنا أريد أن أتحول إلى بيعة أهلها أهون عبادة فإن شئت أن تقيم ها هنا فأقم.