تفسير الغريب
٢٤٨ فقرة، ج ٢ ص ٢٦٥
الصفحة ٣ من ٧
- ج ٢ ص ٢٧٩
وكان يجمع قومه في هذا اليوم ويخطبهم. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف [ (١) ] رحمه الله تعالى: فيقول أمّا بعد فاسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليلٌ ساجٍ، ونهارٌ ضاحٍ والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثاً فتضربوا عنا صفحاً، الآخرون كالأولين، والذكر كالأنثى، والزوج والفرد إلى بِلى. فصلوا أرحامكم، وأوفوا بعهودكم، واحفظوا أصهاركم، وثمّروا أموالكم، فإنها قوام مروءتكم فهل رأيتم من هالك رجع، أو ميت نشر، الدار أمامكم واليقين غير ما تظنون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، بذلك جاء موسى وعيسى صلّى الله عليه وسلم، ثم يقول:
نهارٌ وليل كلّ أوب بحاث [ (٢) ] ... سواءٌ علينا ليلها ونهارها
على غفلةٍ يأتي النبيّ محمّدٌ ... يخبّر أخباراً صدوقاً خبيرها
والله لو كنت ذا سمع وذا بصر، ويدٍ ورجل، لتنصّبت فيها تنصّب الجمل، ولأرقلت فيها إرقال الفحل. ثم يقول:
يا ليتني شاهدٌ فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغي الحقّ خذلانا
وكان بين موته ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وستون سنة. رواه أبو نعيم وغيره.
-
وهو أول من قال: «أما بعد» في أحد الأقوال. وله من الذكور ثلاثة: مرّة، وهصيص المكنّى به، وعدي.
-
ابن لؤي لؤيّ: بضم اللام ويهمز ويسهّل: واختلف في المنقول منه على أقوال: أحدها: أنه تصغير لأي واختلف في اللأي ما هو؟ فقال: ابن الأنباري في جماعة منهم أبو ذر الخشني:
اللأي الثور الوحشي. وقال أبو حنيفة: اللأي: البقرة قال: وسمعت أعرابياً يقول: بكم لأيك هذه؟ وقال السهيلي: اللأي: البطء بضم الباء مهموزاً ضد الأناة وترك العجلة.
-
الثاني: أنه منقول من لواء الجيش.
-
الثالث: أنه منقول من لوي الرمل المقصور: قالهما ابن دريد.
- ج ٢ ص ٢٨٠
وكنيته أبو كعب.
-
وكان له من الذكور سبعة: كعب المكنّى به وعامر رهط سهيل بن عمرو وهما صريحا لؤيّ. وسامة بسين مهملة بلا ألف قبلها وأمهم ماويّة. وهم بنو ناجية في عمان وخزيمة بن لؤيّ بطن هم عائذة قريش، وسعد بن لؤيّ بطن وهم بنانة بموحدة مضمومة ونونين، والحارث وهم جشم، كان جشم عبداً للؤيّ حضنه فغلب عليه. وعوف وهم من غطفان.
-
وأمه عاتكة بنت يخلد- بمثناة تحتية فخاء معجمة ساكنة فلام مضمومة فدال مهملة- ابن النضر بن كنانة. ويقال: بل سلمى بنت الحارث بن تميم بن هذيل بن مدركة.
-
وكان لؤي حليماً حكيماً نطق بالحكمة صغيراً. قال البلاذريّ: روي أن لؤياً قال: من رب معروفه لم يخلق ولم يخمل، فإذا خمل الشيء لم يذكر، وعلى من أولي معروفاً نشره، وعلى المولي تصغيره وطيّه.
-
ابن غالب غالب: منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب، يقال: غلبته غلباً بفتحات فأنا غالب.
-
وكنيته أبو تميم. وله ولدان لا غير: لؤي وتيم المكنى به. وهو المعروف بتيم الأدرم لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر. وفي قريش تيمان: تيم بن مرة. وتيم الأدرم، وكان كاهناً وأمه ليلى بنت الحارث بن تميم بن هذيل بن مدركه.
-
ابن فهر فهر بكسر الفاء وسكون الهاء فراء منقول من الفهر، وهو من الحجارة الطويل. قاله السهيلي. قال الخشني: الفهر حجر ملء الكف يذكر ويؤنث وفي «تقويم المفسد» عن الأصمعي: من أنث الفهر أخطأ.
-
وكنيته أبو غالب. وأمه جندلة، بجيم فنون ساكنة فدال مهملة، بنت عامر بن الحارث ابن مضاض الجرهميّ، وكان رئيس أهل مكة وكان له من الولد: غالب، وأسد، وعوف.
-
وجون، وريص والحارث، بطن، ومحارب، بطن، وهما من قريش الظواهر. وقيس. وهو قريش في قول أبي بكر محمد بن شهاب الزّهري ونسبه البيهقيّ والحافظ لأكثر أهل العلم.
قال ابن شهاب: وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نسّاب العرب: أن من جاوز فهراً فليس من قريش. وبه قال الشّعبي وهشام بن محمد الكلبي، ومصعب بن عبد الله الزبيريّ وخلق، وصحّحه الحافظ شرف الدين الدمياطي والحافظ أبو الفضل العراقي وغيرهما.
ج ٢ ص ٢٨١قال الحافظ صلاح الدين بن العلائيّ [ (١) ] : وعليه جمهور أهل النسب.
-
وقيل: إن قريشاً هم بنو النضر بن كنانة. وإليه ذهب محمد بن إسحاق، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبيد القاسم بن سلام. وبه قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وعنهم وغيره.
قال الحافظ صلاح الدين العلائي: وهو الصحيح الذي عليه المحققون والحجة له حديث
الأشعث بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقلت: ألستم منا يا رسول الله؟ قال: «لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا» .
-
رواه ابن ماجة. قال العلائي رجاله ثقات
[ (٢) ] .
-
ووجه الدلالة منه ظاهر. أي لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب إلى الأمّهات.
-
وقيل: إن قريشاً بنو إلياس بن مضر. نقله الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر [ (٣) ] عن التميمية وصححه قال: وهو اختيار أبي عمرو بن العلاء وأبي الحسن الأخفش [ (٤) ] وحمّاد ابن سلمة وعبيد الله بن الحسن بن سوار. وروى مثله عن أبي الأسود الدؤلي [ (٥) ] .
- ج ٢ ص ٢٨٢
وقيل إنهم جميع بني مضر بن نزار. ونقله الأستاذ عن القيسية وبه قال مسعر بن كدام [ (١) ] . وروى مثله عن حذيفة بن اليماني رضي الله تعالى عنهما.
-
وقيل إنهم بنو قصي بن كلاب. حكاه الماوردي وأبو عمرو بن الأثير في الجامع وغيرهما وهو قول المبرّد. قال في النور: وهو قول باطل. وكأنه قول رافضيّ، لأنه يقتضي أن يكون أبو بكر وعمر ليسا من قريش، وإذا لم يكونا من قريش فإمامتهما باطلة، وهذا خلاف إجماع المسلمين. انتهى.
-
واختلفوا لم سمي بقريش على أقوال: أحدها بدابّة عظيمة في البحر من أقوى دوابه سميت به قريش لقوتها لأنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى. قاله ابن عباس حين سأله معاوية، واستشهد له بقول الشاعر الجمحيّ [ (٢) ] :
وقريشٌ هي التي تسكن البحر ... بها سمّيت قريشٌ قريشا
سلّطت بالعلوّ في لجّة البحر ... على ساكني البحور جيوشا
تأكل الغثّ والسّمين ولا تت ... رك يوماً لذي الجناحين ريشا
هكذا في العباد حيّ قريشٍ ... يأكلون البلاد أكلا كشيشا
ولهم في آخر الزمان نبيّ ... يكثر القتل فيهم والخموشا
تملأ الأرض خيله ورجالٌ ... يحشرون المطيّ حشراً كميشا
- رواه ابن عساكر:
-
وروى ابن أبي شيبة إن ابن عباس سأله عمرو بن العاص: لم سميت قريشٌ قريشاً؟ قال:
بالقرش دابّة تأكل الدوابّ لشدتها. وإلى هذا القول ذهب محمد بن سلام، ورجحه أبو بكر بن الأنباري. وقال المطرزيّ رحمه الله تعالى عن هذه الدابة: إنها ملكة دواب البحر وأشدها، فكذلك قريش سادات الناس.
- ج ٢ ص ٢٨٣
وقيل سموا قريشاً لأنهم كانوا يتّجرون ويأخذون ويعطون، من قولهم قرش الرجل يقرش إذا اتّجر وأخذ وأعطى وقيل إنما سميت قريشاً من الإقراش وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على بعض. وقيل إنها سميت قريشاً من التقريش وهو التحريش. حكاه ابن الأنباري.
-
[وقيل: من تزيين الكلام وتحسينه] .
قال الزجاجي [ (١) ] : وهو بعيد لأن المعروف في اللغة أن التقريش هو التحريش لا أن التقريش هو تزيين الكلام وتحسينه. وقيل إنما سميت قريشاً، من التقريش وهو التفتيش، لأنهم كانوا يفتشون عن ذي الخلّة ويسدّون خلته. ذكره بعض العلماء.
-
وقيل إنما سميت قريشاً بقريش ابن بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، فكان دليل بني النضر وصاحب مبرتهم [ (٢) ] ، وكانت العرب تقول: قد جاءت عير قريش، وخرجت عير قريش.
-
نقله أبو عمرو وغيره. وهو ما يعضّد قول ابن إسحاق.
-
وقيل إنما سميت قريشاً لما جمعهم قصي بن كلاب حين قدم مكة كما تقدم، والتقرش: التجمع. نقله أبو عمرو وغيره.
-
إذا علم ذلك: فقريش فرقتان: بطاح. وظواهر. فقريش البطاح: من دخل مكة مع قصيّ الأبطح. والظواهر: من أقام. بظواهر مكة ولم يدخل الأبطح ولهذا مزيد بيان في اسمه الأبطحي صلى الله عليه وسلّم.
-
والنسبة إلى قريش: قرشي وقريشي والثاني هو القياس.
-
واختلف القائلون أن فهراً هو قريش. هل الأول اسم، والثاني لقب؟ أو بالعكس. قولان رجّح الزبير وغيره أن فهراً لقب وأن الاسم الذي سمّته به أمه: قريش. والله تعالى أعلم.
-
وله من الذكور سبعة: غالب، والحارث، وأسد، وعوف، وريث، وجون ومحارث. ومن الإناث واحدة وهي جندلة.
-
ابن مالك مالك: اسم فاعل من ملك يملك فهو مالك. وجمعه ملاّك وملّك.
- ج ٢ ص ٢٨٤
ويكنى أبا الحارث وأمه عاتكة. ولقبها عكرشة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بعين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة. وقيل: عرابة بنت سعد القيسية. وقيل غير ذلك.
-
ولم يكن له من الولد غير فهر.
-
ومن حكمه: ربّ صورة تخالف المخبرة، قد غرّت بجمالها، واختبر قبيح أفعالها فاحذر الصّور، واطلب الخبر.
-
ابن النضر النّضر: بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة ثم راء واسمه قيس، ولقّب النّضر لنضارة وجهه وجماله، منقول من النضر اسم للذهب الأحمر، ويكنى أبا يخلد بمثناة تحتية مفتوحة فخاء معجمة فلام مضمومة فدال مهملة.
-
وله من الذكور: مالك ويخلد. وبه كان يكنى، والصّلت وأمّه برة بنت مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. قال السهيلي: خلف عليها كنانة بعد أبيه فولدت له النضر بن كنانة وكان ذلك مباحاً في الجاهلية بشرع متقدّم ولم يكن من المحرّمات التي انتهكوها ولا من العظائم التي ابتدعوها، لأنه أمر كان في عمود النسب. وقد
قال صلى الله عليه وسلم: «أنا من نكاح لا من سفاح» .
-
وكذلك قال تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام وفائدة الاستثناء أنه لا يعاب نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وليعلمه إنه لم يكن في أجداده من كان لغيّة ولا من سفاح، ألا ترى أنه لم يقل لشيء نهى عنه في القرآن إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ نحو قوله وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ولم يقل إلا ما قد سلف. ولا في شيء من المعاصي التي نهي عنها إلا في هذه الآية. وفي الجمع بن الأختين، لأن الجمع بين الأختين قد كان مباحاً أيضاً في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب صلى الله عليه وسلم بين راجيل أي بالجيم وأختها ليّا. فبقوله إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ التفات في هذه المعنى وتنبيه على هذا المغزى وهذه النكتة تلقّيتها من شيخنا الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن العربي رحمه الله تعالى. انتهى.
-
وتبعه على ذلك أبو الرّبيع وزاد أن عادة أهل الجاهلية إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها إلى آخره.
قال في المورد: ولما وقفت على هذا القول أقمت مفكراً مدة، لكون برّة المذكورة كانت زوجاً لخزيمة بن مدركة. فتزوجها بعده ولده كنانة بن خزيمة فجاء له منها النضر ابن كنانة، وأن هذا وقع في نسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.