التاسعة والعشرون:

٧ فقرات، ج ١١ ص ٤٣٤

  1. وبأن له تعزير من شاء بغير سبب يقتضيه، ويكون له رحمة، ذكره ابن القاص، وتبعه الإمام والبيهقي، ولا يلتفت إلى قول من أنكره.

    ج ١١ ص ٤٣٤
  2. روى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم، إني أتخذ عندك عهدا لا تخلفنيه فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له زكاة وصلاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» .

  3. وروى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلان يكلمانه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله، من أصاب من الخير شيئا مما أصابه هذان قال: «وما ذاك» ؟ قلت: لعنتهما وسببتهما قال:

    «أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم، إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها لها طهورا وزكاة، وقربة تقربه بها يوم القيامة» .

    قال النووي- رحمه الله تعالى-: هذه الأحاديث منبهة على ما كان عليه- عليه الصلاة والسلام- من الشفقة على أمته، ومن الاعتناء بمصالحهم، والاحتياط لهم، والرغبة في كل ما ينفعهم، وهذه الرّواية الأخيرة تبين المراد من الرّوايات المطلقة، وأنّه يكون دعاؤه عليهم وسبه ولعنه ونحو ذلك، رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك، إذا لم يكن أهلا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلما وإلا فقد دعا صلى الله عليه وسلم على الكفار والمنافقين، ولم يكن رحمة لهم.

  4. فإن قيل: فكيف يدعو على من ليس بأهل للدعاء عليه، أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب من وجهين:

    أحدهما: أن المراد ليس بأهل، لذلك عند الله تعالى في باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له صلى الله عليه وسلم استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك، وهو صلى الله عليه وسلم مأمور بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. انتهى.

  5. وهذا الجواب ذكره المازري، وهو مبني على قول من قال: إنه كان يجتهد في الأحكام، ويحكم بما أدى إليه اجتهاده، وأما من قال: لا يحكم إلا بالوحي، فلا يتأتى فيه هذا الجواب.

  6. الثاني: أن ما وقع من سبه ودعائه ونحو ذلك ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية، كقوله لغير واحد «تربت يمينك» «وعقرى حلقي» ومثل «لا كبرت سنك» وفي حديث معاوية «ولا أشبع الله بطنك» ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل الله- سبحانه وتعالى- ورغب إليه أن يجعل ذلك رحمة، وكفارة، وقربة، وطهورا، وأجرا، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه، وقد قيل: ادع على دوس

    فقال: «اللهم، اهد دوسا» ، وقال: «اللهم، اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» .

    ج ١١ ص ٤٣٥
  7. وهذا ذكره أيضاً المازري، وأشار القاضي إلى ترجيحه، وقال الحافظ: وهو حسن، إلا أنه يرد عليه قوله في إحدى الروايات أو جلدته إذ يقع الجلد عن غير قصد، وقد ساق الجميع مساقا واحدا، إلا أن يحمل على الجلدة الواحدة فيتجه.