ومنهم الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف.

220 paragraphs · vol. 14, p. 352

Page 3 of 6

  1. ومات الحجاج واستخلف على صلاة العراق وحربها يزيد بن أبي كبشة، وعلى الخراج يزيد بن أبي مسلم مولاه.

    vol. 14, p. 375
  2. المدائني قال: قال سلم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج وأنا غلام مع ولده، فقالوا: قد جاء الأمير فدخل الحجاج فأمر بتنور فنصب، وقعد في الدار وأمر رجلا أن يخبز خبز الماء، ودعا بسمك فجعلوا يأتونه به في جام وقد نقّي من شوكه، فيأخذ الرغيف حارا فيضع عليه السمك، فيأكله حتى أكل ثمانين جاما.

    قال: ونظر الحجاج يوما إلى عبيد الله بن شعبة بن القلعم، وهو يأكل، وكان مفرطا في الأكل، فقال الحجاج لشهر بن حوشب: الحديث عن رسول الله ﷺ أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء. قال شهر فقلت: أصلح الله الأمير ثبت صحيح؟ فقال الحجاج: ما أظن من قتل ابن شعبة إلاّ سيقتل كافرا.

  3. المدائني عن موسى بن سيّار الهذلي قال: كان الحجاج يطعم في شهر رمضان ألف خوان، لكل خوان قفيز دقيق وسبعة أرطال قدير (١) ، وجنب

    vol. 14, p. 376شواء، وسمكة، وجرة فيها لبن، وجرة فيها عسل، وكان له طعام بعد ذلك في كل يوم يعشي ولا يغدي ولا يطعم إلاّ شاميا.

  4. ويقال إن الحجاج كان يطعم في شهر رمضان وغيره كل يوم ألف خوان، على كل خوان أربعون رغيفا، وجفنة ثريد، وجنب شواء، وأرزة، وسمكة وخلّ وبقل. وكان يحمل في كرسيّ فيدور على الأخاوين، فينظر إلى الطعام فيقول: هل تفقدون شيئا أو ترون تقصيرا؟ فيقولون:

    لا. فقال رجل يوما: ما نفقد أيها الأمير شيئا إلاّ المرق فإنه قليل، فضرب صاحب طعامه وقال: ويلك يشكو قلة المرق، وأنت بين دجلة والزابي.

  5. فأهل بيت هذا الرجل بالشام يقال لهم بنو المرق.

    وقال المدائني: أرسل الحجاج أبا بردة بن أبي موسى إلى أسماء بن خارجة: إن عبد الملك بن بشر بن مروان من أبناء الملوك، وقد شبّ واحتاج إلى التأديب، وقد أعددت له مؤدبا ومنزلا ولا بدّ من التفرقة بينه وبين أمه، يعني هند بنت أسماء. قال أبو بردة: فدخلت على أسماء وهو يتغدى وهند وعبد الملك يأكلان معه، فدعاني إلى غدائه فلم أفعل، وجعلت هند تعابثني وتضحك، فقلت: أما والله لو تعلمين في أي شيء جئت كان مكان ضحكك بكاء. قال: فأبلغت الرسالة، فبكت وقال أسماء: إنما عبد الملك ثمرة قلوبنا وأنسنا، وأمر الأمير طاعة. فأبلغت الحجاج ذلك، فأرسل إلى هند بثلاثين غلاما، مع كل غلام عشرة آلاف درهم وبثلاثين جارية مع كل جارية طخت من ثياب، فأمر لي أسماء بثلاثين ألفا وبثياب، فلم أقبل ذلك وقلت: ليس الحجاج ممن يتعرض له وأتيت الحجاج فأعلمته، فقال: قد أحسنت ولك ضعف ذلك فأعطاني ستين ألفا وضعف الثياب.

  6. وقال عمران بن حطان في الحجاج حين دخلت غزالة الخارجية مسجد الكوفة:

    هلا برزت إلى غزالة في الوغى … بل كان قلبك في جوانح طائر

    أسد علي وفي الحروب نعامة … فتخاء يذعرها صفير الصافر

    صدعت غزالة قلبه بفوارس … صدع الزجاجة ماله من جابر (١)

    قالوا: ومر مؤذن الحجاج بمؤذن سويد بن غفلة وهو يؤذن بالهاجرة فأخبر الحجاج بذلك، فبعث إليه: ما هذا الأذان وما هذه الصلاة؟ فقال: صليتها مع أبي بكر وعمر وعثمان. فقال: صليتها مع عثمان؟ قال: نعم. فقال:

    رعبنا الشيخ. ودعا بغالية فجعلها في لحيته بيده، وأمر له بعطائه. ويقال انه قال له: لا تؤمّ قومك، وإذا خرجت فسبّ عليا، فقال: سمعا وطاعة.

    vol. 14, p. 377
  7. وكان الحجاج يقول في دجلة والفرات: أولهما للمشركين وآخرهما للمنافقين.

    قال المدائني: وسأل الحجاج حوشب بن يزيد عن المختار فقال:

    كانت معه خرقة يقول جاءني بها جبريل، وقال: سأتزوج امرأة من آل رسول الله، وأهدم قصر الملك وأبني ببعضه قصرا، فقال الحجاج: كذب ابن دومة وإن كانت لكريمة، لقد رأيته بالطائف نذل الأصحاب، أخطأت استه الحفرة، أنا ذاك. فتزوج ابنة عبد الله بن جعفر، وهدم قصر النعمان بالحيرة، وبنى قصره بجبانة الكوفة، وبنى مدينة واسط.

  8. وحدثني الأثرم عن الأصمعي قال: أتت الحجاج امرأة فمثلت بين يديه كأنها عجول أخطأت بوّها فقالت: والله ما لنا ثاغية، ولا راغية، ولا أنّة، ولا حانّة، ولا هبع ولا ربع، ولي ابن في بعث كذا، فإن رأى الأمير أن يقفله فعل. فقال: نعم أقفلوا ابنها، وقولوا له: لعنة الله عليك إن لم تبرّها، فأقفل فاستبطأته في بعض الأمر فقالت:

    فوالله لولا الله والرحم بيننا … لا نبأت حجاجا بأنك كاذب

    وحدثني عبد الله بن صالح عن أبي زيد قال: نادى الحجاج بالكوفة ألاّ يؤمّ مولى، فأتى عنبسة بن سعيد مسجد بني كاهل، ويحيى بن وثاب إمامهم، وهو مولى لهم، فأراد أن يتقدم في صلاة العشاء الآخرة فقال رجل من العرب: والله لا تؤمّنا. فقال: والله لأفعلنّ، وتقدم. قال عنبسة:

    فوالله ما سمعت قارئا قط عربيا ولا مولى أقوى (١) منه، فلما كانت صلاة الغداة حضرت لأنظر ما يكون من أمرهم، فأخذ كف حصى ثم قال: والله لا يلج أحد منكم إلاّ ضربت بهذا الحصى رأسه، فأحجموا وقدموه فصلى، فأتيت الحجاج فأخبرته فأعاد مناديه: إنا لم نرد القراءة، إنما أردنا كل مولى لا يحسن القراءة.

    وقال الفضل بن دكين أبو نعيم: كان يوم الجماجم في سنة ثلاث وثمانين، ففقد يومئذ أبو البختري، وابن أبي ليلى، ونظر الحجاج إلى رأس بسطام بن مصقلة بن هبيرة فجعل يقول:

    إذا مررت بوادي حية ذكر … فاذهب ودعني أمارس حيّة الوادي

    vol. 14, p. 379فبكى مسمع بن مالك، فقال له الحجاج: أجزعا عليهم؟ فقال:

    لا ولكن جزعا لهم من النار.

    وقال الأخطل في عبد الملك والحجاج:

    فعليك بالحجاج لا تعدل به … أحدا إذا نزلت عليك أمور

    فلقد علمت وأنت أعلمنا به … أنّ ابن يوسف حازم منصور (١)

    vol. 14, p. 378
  9. حدثني عبد الله بن صالح عن حمزة الزيات أنه سمعه يقول، وذكر الحجاج أنه أرسل إلى مطرّف بن المغيرة بن شعبة، وكان يتألّه، فقال له:

    يا مطرف أرسولك أكرم عليك أم خليفتك في أهلك؟ فقال: بل خليفتي أكرم. قال الحجاج: فإن عبد الملك خليفة الله في عباده فهو أكرم عليه من محمد وغيره من الرسل. فوقرت في نفس مطرّف واختبأها، وقال: جهادك والله أولى من جهاد الروم، فخرج عليه.

    وقال أبو نميلة: صلى جابر بن طلحة اليامي مع المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل، وهو خليفة الحجاج على الكوفة، فكان يرفع يديه في كل تكبيرة، فأتى جابر ابراهيم فأخبره بذلك، فقال: أصاب وأحسن.

  10. وروى أبو عوانة عن المغيرة أن إبراهيم خرج مع المغيرة بن عبد الله للاستسقاء فصلى المغيرة ورجع ابراهيم ولم يصلّ.

    وقالوا: كان المغيرة إذا كنّي أبا صفية غضب، وكان بخيلا فقال ابن همّام السلولي فيه:

    vol. 14, p. 380رماك الله يا بن أبي عقيل … بداء لا يقوم له جليل

    إذا حضر الخوان فأنت ليث … بصير بالثريد وبالنشيل

    وعند البأس بهكنة رداح … لها حجلان كالرشأ الكحيل

    فليتك يا مغيرة من تنوخ … أو الشعر السواعد من نكيل

    وليت الله صير بين داري … ودارك يا مغيرة ألف ميل

    حدثنا شيبان عن سلام بن مسكين عن سليمان الربعي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قاتلوا الحجاج فوالله ما تحل طاعته لمسلم.

  11. حدثنا أبو بكر الأعين عن أبي نعيم قال، خرج مع ابن الأشعث على الحجاج عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن عوسجة والشعبي، وذرّ، ومالك بن دينار، وسيار بن سلامة. وأبو البختري الطائي والحكم بن عتيبة وقد قيل ان ابن عون فيمن خرج، وخرج مسلم بن يسار وجابر بن زيد أبو الشعثاء، وعقبة بن عبد الغافر العوذي، وأبو الجوزاء (١) قتل معه، وهو أوس بن خالد الربعي وعبد الله بن غالب قتل معه، وعقبة بن وساج، وطلق بن حبيب، وأبو شيخ الهنائي، وعقبة بن صهبان، وأبو نجيد الأزدي.

  12. حدثني عمر بن شبة عن هارون بن معروف عن ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال: كتب عمال الحجاج إليه: «إن الخراج انكسر، وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار» . فكتب إلى البصرة وغيرها: «إن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها» فخرج الناس فعسكروا وجعلوا يبكون

    vol. 14, p. 381وينادون: يا محمداه، وجعلوا لا يدرون أين يذهبون، وجعل أهل البصرة يخرجون إليهم متقنعين يبكون معهم، وقدم ابن الأشعث على بقية ذاك فنفروا مع ابن الأشعث.

  13. حدثنا شيبان بن فروخ، ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: كنا مع الحسن على سطحه حيث أخرج الحجاج الذين أسلموا، فجاء سعيد بن أبي الحسن فقال: أنحن نقر على هذا؟ فردّ عليه الحسن ما قال.

  14. حدثني يوسف بن موسى القطان عن جرير بن عبد الحميد الضبي عن المغيرة عن البزيغ بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يقول على المنبر:

    أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله في حاجته فقلت: لله عليّ ألا أصلي خلفك أبدا، وإن رأيت قوما يجاهدونك لأجاهدنك، فخرج في الجماجم فقتل.

  15. وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن بزيغ بن خالد بمثله.

  16. حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو نعيم، ثنا ابن أبي بكير عن أبي حيان التيمي قال: سمعت الحجاج يقول: يدعى حيّ على الصلاة فلا يجيبون أما والله لو دعي حيّ على أربعة دراهم لغصّ المسجد بأهله.

    وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: ذكروا أنه عدّ في المسجد يوم الجمعة أيام الحجاج تسعون رجلا.

  17. حدثنا أبو خيثمة، ثنا جرير عن الأعمش قال: قلت لأبي وائل يوم الجمعة في إمارة الحج: أصلّيت قبل أن تروح؟ قال: ومن أنت؟ قلت:

    رجل من المسلمين. قال: مرحبا بالمسلمين.

  18. حدثنا عبد الله بن صالح عن إسرائيل عن عامر بن شقيق قال: كان شقيق يأمرنا أن نصلي الجمعة في بيوتنا زمن الحجاج، ثم نأتي المسجد، وذلك لأن الحجاج كان يؤخر الصلاة.

    قالوا ورأى: راذان ستور الحجاج تضربها الريح فقال: هذا والله المفلس. فقيل له: المفلس من ذهبت دراهمه فقال: لا إنما المفلس من أفلس من دينه.

    vol. 14, p. 382
  19. حدثنا عمرو بن محمد الناقد عن ابن علية عن ابن عون أن أبا وائل سئل عن الحجاج فقيل له: أتشهد أنه في النار، فقال سبحان الله، أنحن نحكم على الله.

  20. وروي عن جرير عن عثمان بن شبرمة قال: دخل أبو وائل على الحجاج فقال له: متى هبطت إلى هذا البلد؟ فقال: حين هبط أهله. قال:

    ما تحسن من القرآن؟ قال: ما إن عملت به كفاني. قال: استعملك؟ قال: إن تعفيني أحب إلي. فلما خرج جعل يحيد عن الطريق فقال الحجاج: سدّدوا الشيخ.

  21. وروي عن الشعبي أنه قال: صعد الحجاج المنبر فتكلم بكلام لم أسمع مثله قبله ولا بعده قال: أيها الناس إن الله كتب على الدنيا الفناء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، وكتب على الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، فلا يغرّنكم حاضر الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل.

  22. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: أتي الحجاج برجلين من الخوارج فسألهما عن قولهما في أبي بكر وعمر

    vol. 14, p. 383وعثمان، فأثنيا على أبي بكر وعمر، وقالا في عثمان: أحسن أولا ثم أفسد إحسانه. قال: فما تقولان في معاوية؟ فقالا: كان طاغيا باغيا. قال:

    فيزيد؟ قالا: كان حمارا نهاقا. قال: فما تقولان فيّ؟ قالا: جعلت مع الله إلها آخر فأطعته وعصيت الله - يعنيان عبد الملك - فتكلم أهل الشام وقالوا:

    اسقنا دماءهما، فقالا: كان جلساء أخيك خير من جلسائك. قال: وأين أخي رحمه الله محمد بن يوسف. فقالا: يا فاسق، إنما عنينا فرعون حيث يقول جلساؤه: ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (١) وهؤلاء يأمرونك بقتلنا، فأمر بهما فقتلا.

  23. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: كان الحجاج قصيرا صغير العينين، تدمعان دمعا كثيرا.

  24. حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: دخل أزاذمرد بن الهربذ على الحجاج، وكان ذا حال عنده فسأله في خراجه فأمر بتأخيره فيه، فانحطّ ساجدا فضرط فتبسم الحجاج، وكان لا يكاد يضحك، فأراد بسطه، فقال له الحجاج: هل لك من حاجة؟ فقال:

    نعم هذا الاعرابي تهبه لي أمنّ به على قومه، وكان الاعرابي قد أحضر ليقتل، فوهبه له فخرج ازاذمرد والاعرابي خلفه يقبل استه ويقول: بأبي استك أستا تضع الخراج، وتفك الأسرى، وتحيي الموتى.

  25. أبو الحسن المدائني عن أبي إسحاق المالكي قال: قال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص، وهو يمازحه: أخبرني عبد الله بن هلال

    vol. 14, p. 384صديق ابليس أنك تشبه ابليس. قال: أصلح الله الأمير وما تنكر أن يشبه سيد الإنس بسيد الجن.

  26. وحدثني اسماعيل بن يحيى اليزيدي، أخبرني إسحاق بن أبي إسرائيل، أنبأ جعفر بن سليمان الضبعي عن المعلى بن زياد قال: خشيت أن أوجد في ليالي يزيد بن المهلب فأجعل عريفا فأتيت الحسن وخادم له يقال لها برزة تناوله ثيابه، فقلت: يا أبا سعيد كيف بهذه الآية في كتاب الله قوله: ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١) يا أبا سعيد فسخط الله على هؤلاء لقولهم الإثم وأكلهم السحت وذم هؤلاء حيث لم ينهوا؟ فقال لي الحسن:

    يا أبا عبد الله إن القوم عرضوا، فحال السيف دون الكلام، قلت: يا أبا سعيد هل تعرف لمتكلم فضلا؟ قال: ما أعرفه. ثم حدّث الحسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس لمؤمن أن يذل نفسه أقيل: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق» . قلت: يا أبا سعيد فيزيد الضبّي حين قام فتكلم؟ فقال الحسن: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته. قال المعلى:

    فأقوم من عند الحسن فآتي يزيد الضبي - قال غيره: هو يزيد بن شقيق الضبي - فدخلت عليه فقلت: يا أبا مودود كنت عند الحسن آنفا فذكرتك له. قال: فما قال لك؟ قلت: قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم

    vol. 14, p. 385على مقالته، فقال: وأيم الله لقد قمت مقاما أخطرت فيه بنفسي ثم قال يزيد: أتيت الحسن ثلاث مرات فقلت: يا أبا سعيد غلبنا على كل شيء، أو على صلاتنا نغلب؟ قال: فقال لي الحسن: يا عبد الله إنك لم تصنع شيئا إنما تعرّض نفسك لهم، قال: فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب فقلت: الصلاة رحمك الله، قال: فجاءتني الزبانية من كل جانب فأخذوا بتلبيبي ويدي ولحيتي فجعلوا يضربونني بنعال سيوفهم، قال:

    وسكت الحكم بن أيوب وكدت أقتل دونه فمشوا بي إليه حتى إذا بلغت باب المقصورة أدخلت إليه فقال: إمجنون أنت؟ قلت: أصلحك الله ما بي من جنون، قال: أو ما كنا في صلاة؟ قلت: هل كلام أفضل من كتاب الله؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن رجلا نشر مصحفه فقرأه غدوة وعشية حتى يمسي ولا يصلي فيما بين ذلك أكان ذلك يجزيه ويقضي عنه صلاته؟ قال الحكم: والله إني لأظنك مجنونا، قال: وأنس بن مالك قريب من المنبر على وجهه خرقة خضراء فقلت: أيا أنس، أيا أبا حمزة أذكّرك الله إنك قد صحبت رسول الله ﷺ وخدمته أبحق قلت أم بباطل؟ فوالله ما أجابني بكلمة. فقال الحكم: يا أنس. قال: لبيك أصلحك الله، قال: أوقد كان فات ميقات الصلاة؟ قال: قد كان بقي من الشمس بقية. قال:

    احبسوه. فذهب بي إلى السجن، فشهد قوم أني مجنون، قال جعفر بن سليمان: فبذلك نجا من القتل.

    قال: وكتب الحكم إلى الحجاج أنّ رجلا من بني ضبة قام فتكلم في الصلاة، وقد قامت البينة عندي أنه مجنون، فكتب إليه: إن شئت فخلّ سبيله وإلا فاقطع يديه ورجليه ولسانه، قال أبو سليمان جعفر: واحبسه،

    vol. 14, p. 386قال: واسمل عينيه. فخلى سبيله، قال يزيد: ومات أخ لي فتبعنا جنازته وصلينا عليه، ثم دفن فكنت أنا في ناحية مع إخواني نذكر الله إذ طلع الحكم بن أيوب في خيله فقصد قصدنا فلما رآه الناس هرب جلسائي وبقيت وحدي فجاء قاصدا فوقف علي وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلت: أصلح الله الأمير أخ لنا مات فدفن فقعدنا نذكر الله والمعاد إليه، وما صار صاحبنا إليه. قال: فهلا فررت كما فرّوا؟ قلت: أصلح الله الأمير ما يضرني منك، أنا ابرأ ساحة من ذاك وآمن للأمير، فقال عبد الملك بن المهلب وهو صاحب شرطه وحربته بيده وهو واقف بين يديه: أصلح الله الأمير أو ما تعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا الذي قام إليك وتكلم. قال الحكم: وإني لأراك ههنا تجترئ عليّ مرة بعد أخرى، مدّوه. فمددت وهو واقف حتى ضربت أربعمائة سوط، فما عقلت كيف رفعت، ثم أدخلت الحبس، فلم أزل في الديماس حتى مات الحجاج.

  27. حدثني أبو موسى إسحاق الفروي، أنبأ محمد بن الفضيل عن سالم بن أبي حفصة قال: سمعت الحجاج يخطب على المنبر فذكر قراءة ابن مسعود فقال: زجر كزجر الأعراب. والله لا أحدّث رجلا يقرؤها إلا ضربت عنقه، والله لأحكنّها ولو بعظم خنزير.

  28. وحدثني بكر بن الهيثم والحسين بن ابراهيم الصفّار، قالا: ثنا مسلم بن ابراهيم عن الصلت بن دينار قال: سمعت الحجاج على منبر واسط يقول: قاتل الله عبد هذيل والله ما قرأ مما أنزل الله على محمد حرفا، وما هو إلا زجر العرب، والله لو أدركته لسقيت الأرض من دمه.

  29. حدثنا شيبان بن أبي شيبة الأبلّي، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا قتادة قال: قال الحجاج لأبي عبيدة بن عبد الله: أتؤمن بما في مصحف أبيك؟ قال أبو عبيدة: آمنت بما أنزل الله من كتاب. فقال الحجاج: أولى لك.

    vol. 14, p. 387
  30. حدثني عبد المؤمن، حدثني يعقوب بن الحضرمي عن شهاب بن شريفة المجاشعي عن أبي محمد الحماني قال: عددنا حروف القرآن بالشعير للحجاج فوجدنا السبع الأول صدودا وذكر سائر الأسباع على ما يجزأ في مصاحفنا.

  31. حدثنا خلف البزار، ثنا شهاب عن الحسن بن عمرو قال: توارى ابراهيم النخعي أيام الحجاج، وكان المسجد على الباب، فكان لا يخرج يصلي في المسجد.

  32. حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل عن اسماعيل بن إبراهيم - يعني ابن علية - عن ابن عون، أن أبا وائل سئل عن الحجاج فقيل له: أتشهد أن الحجاج في النار فقال: سبحان الله أنحن نحكم على الله.

  33. وروي عن ابن عمر أنه قال: لا تسبوا الحجاج فإني سمعته قرأ سورة الملك فأعربها.

  34. حدثني أبو علي الحرمازي، حدثني يوسف بن سليمان قال: خطب الحجاج فقال: إن خيركم من صبر على مكروه الطاعة فذلك الذي يستوجب الثواب ويكافأ بالإحسان. فأما من جرى مع الطاعة ما جرت الطاعة مع هواه فليس بمستوجب خيرا ولا معدود مطيعا.

  35. حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا عبد الله بن عمرو المنقري، ثنا عبد الوارث أبو عبيدة، ثنا محمد بن ذكوان عن مجالد عن الشعبي قال:

    vol. 14, p. 388قدمنا على الحجاج البصرة، وقدم عليه قرّاء من المدينة من أبناء المهاجرين والأنصار، فيهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه . وقراء من قراء أهل الشام وأهل الكوفة، فدخلنا عليه في يوم صائف شديد الحر وهو في آخر أبيات فدخلنا البيت الأول فإذا الماء قد أرسل فيه الثلج والخلاف، ثم دخلنا البيت الثاني فإذا فيه من الثلج والخلاف أكثر مما في البيت الأول ثم دخلنا البيت الثالث فإذا فيه من الماء والثلج والخلاف أكثر مما في البيت الثاني، قال: وإذا الحجاج قاعد على سريره، وعنبسة بن سعيد إلى جنبه فدخلنا فجلسنا على الكراسي فما خرجنا يومئذ حتى قررنا، ودخل الحسن آخر من دخل فقال الحجاج: مرحبا بأبي سعيد، إليّ. ثم دعا بكرسي فوضع إلى جانب سريره فقعد عليه الحسن، فقال: اخلع قميصك فجعل الحسن يعالج زرقميصه وأبطأ بنزعه فطأطأ الحجاج رأسه إليه حتى قلنا إنه يتعاطاه بيده من لطفه به وإقباله عليه ثم جاءت جارية بدهن حتى وضعته على رأسه، وما صنع ذلك بأحد غيره، فقال له الحجاج: ما لي أراك منهوك الجسم لعل ذلك من سوء ولاية وقلة نفقة ألا نأمر لك بخادم لطيف ونفقة توسع بها على نفسك؟ فقال: إني من الله في سعة، وإنّ عليّ لنعمة، إني منه في عافية ولكن الكبر والحر. وأقبل الحجاج على عنبسة فقال: لا والله ولكن العلم بالله، والخوف له، والزهد فيما نحن فيه.

    قال: ولم يسمعها الحسن وقد سمعتها أنا وكنت أقرب إلى عنبسة من الحسن، وجعل الحجاج يذاكرهم ويسألهم إذ ذكر علي بن أبي طالب فنال منه ونلنا مقاربة له وفرقا منه ومن شره، والحسن، ساكت عاضّ على إبهامه، فقال: يا أبا سعيد مالي أراك ساكتا؟ فقال: ما عسيت أن أقول؟ قال:

    vol. 14, p. 389أخبرني برأيك في أبي تراب علي؟ فقال الحسن: سمعت الله يقول:

    ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لرؤوف رَحِيمٌ﴾ (١) . فعليّ ممن هدى الله، ومن أهل الإيمان وأقول: إنه ابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه على ابنته، وأحب الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس حظرها عليه، والحول بينه وبينها، وأقول: قد كانت لعلي ذنوب، والله وحده حسيبه، والله ما أجد قولا هو أعدل فيه من هذا. فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير مغضبا، فدخل بيتا خلفه، وخرجت فأخذت بيد الحسن وقلت: يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره، فقال: إليك عني يا عامر، يقول عامر الشعبي، وعامر من أهل الكوفة:

    أتيت شيطانا من شياطين الإنس تكلم في هواه فقاربته في رأيه، ويحك يا عامر هلا اتقيت الله إذ سئلت فصدقت أو سكتّ فسلمت. فقلت: يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها، وذكر بعد ذلك كلاما في دخولهم على ابن هبيرة.

  36. وحدثنا أحمد بن ابراهيم عن أبي معمر عن عبد الوارث عن محمد بن ذكوان، ثنا أبو نعامة قال: إنّا لجلوس عند الحسن في المسجد الجامع إذ طلع الحجاج على برذون أبيض، وحوله شرط يسعون، حتى انتهى إلى الحلقة فسلم، ثم ثنى رجله فنزل فجلس بيني وبين الحسن، ومضى الحسن في

    vol. 14, p. 390حديثه، فلما فرغ أقبل على الحجاج فسأله، فقال الحجاج: إن هذا الشيخ شيخ مبارك معظم لحقّ أهل القبلة، ناصح لأهل الملة، صاحب سنّة واستقامة ونصيحة للعامّة، فعليكم به، فاحضروه واشهدوا مجلسه، فإن مجلسه مجلس يعرف فضله وترجى عاقبته، فلولا الذي ابتلينا به من الشغل وبالقيام بحق الرعية وسياستهم لأحببنا مشاهدتكم وحضوركم، ثم ما لبث أن جاءت سفرة وأطعمة وأشربة. فطعمنا، ثم قام شيخ كبير فاستقبل الحسن ثم قال: يا أبا سعيد شيخ كبير من أهل الديوان وعطائي زهيد قليل، وما فيه فضل عن قوت عيالي، وقد أخذت بفرس وسلاح ثم بكى وبكى الحسن، ثم قال: إن هذا السلطان ناصر لله ودينه وعباده، وسلطاننا قد أخفر ذمة الله واستخول عباد الله، وقتلهم على الدينار والدرهم أخذهما من خبيث، وأنفقهما في سرف، مضغة قليلة، وندامة طويلة، إذا خرج عدو الله فبغال رفّافة، وسرادقات هفّافة، وإذا خرج غيره سعى على رجله في غير كنّ. فسعي بهما إلى الحجاج فبعث حرسيا فدعا الحسن.

  37. قال أبو نعامة فانطلقت معه فدخل على الحجاج. ومع الحجاج قضيب يخطر به، فسلم الحسن ثم قام بين يديه فقال: يا حسن أنت صاحب الكلام؟ فقال: أي الكلام أصلح الله الأمير؟ فأخبره، فقال: نعم.

    قال: فما دعاك إلى هذا؟ قال: ما أخذ الله علينا في الكتاب حين قال:

    ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) وكان الحسن يفسرها لتكلمنّ بالحق ولتصدقن العمل. فقال الحجاج: إذهب أيها

    vol. 14, p. 391الرجل فقل ما بدا لك فإنما أنت والد غير ظنين علينا، ناصح لخاصتنا وعامتنا، فما مثلك يؤاخذ بقول، قال: فانصرف الحسن.

  38. حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر قال: قال الحجاج:

    إن بين أخصاص البصرة علجا له لخطابة وبيان وما يبالي ما قال مما جرى على لسانه، والله لهممت أن أسقي الأرض من دمه.

  39. حدثني هدبة بن خالد عن مبارك بن فضالة قال: جاء عبد الله بن غالب، أبو قريش الجهضمي وعقبة بن عبد الغافر الأزدي إلى الحسن فقالا: إن الحجاج قد أمات السنّة، وانتهك المحارم، وقتل على الظنة وأخاف المسلمين، فقال: إن الحجاج عقوبة من الله، فلا تلقوها بالسيف، ولكن بالتوبة والتضرع.

  40. وحدثني الحرمازي عن أبي اسماعيل الثقفي قال: خرج الحجاج إلى ظهر الكوفة في غبّ مطر، فرأى رجلا واقفا في طرف الحيرة فقال له:

    ما تقول في أميركم؟ قال: الحجاج؟ قال: نعم. قال: زعموا أنه من ثمود، وكفى بسوء سيرته شرا، فعليه لعنة الله، فقال الحجاج: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا الحجاج. قال: أفتعرفني أنت، أصلح الله الأمير أنا مولى بني فلان أجنّ في كل شهر ثلاثة أيام فاليوم آخرهنّ وهو أشدهنّ، فضحك ولم يعرض له.