ومنهم الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف.

220 paragraphs · vol. 14, p. 352

Page 5 of 6

  1. المدائني عن بكر بن حبيب السهمي من باهلة عن أبيه قال: سمعت الحجاج يخطب فقال: يا أهل العراق إنه والله ما بيني وبينكم من هوادة ولا بلهنية ولا رفاهية ولا دبغ على التحلية، ولا أقول لمن عثر: لعا (١) ، ولكن لليدين والفم، وما مثلي ومثلكم إلا كمثل رجل كانت في بيته حية تخرج له كل يوم دينارا تضعه على باب جحرها، فقيل له: لو قتلتها واستخرجت الدنانير التي في جوفها. فرصدها بفأس فلما خرجت أهوى إليها ليضربها فولّت فقطع ذنبها، فلما كان الليل لدغت ابنا له فمات فندم وسألها الصلح

    vol. 14, p. 405فقالت: لا صلح بيني وبينك، إذا ذكرت قطع ذنبي وذكرت قتلي ابنك لم تطب نفسك لي، ولا نفسي لك.

    vol. 14, p. 404
  2. المدائني عن أحمد بن خالد قال: لما قتل ابن الأشعث فندشا، نذرت أخته إن ظفر الحجاج أن تقبل رأسه فلما ظفر ونزل واسطا دخلت عليه وهو عند النساء فأخبرته بنذرها، فقال: إذا جلست للناس فادخلي عليّ، فلما جلس للناس دخلت عليه فدعاها وقال: قصيّ قصّتك ففعلت فنكس رأسه وقال: في بنذرك فأقبلت تمشي بين السماطين حتى قبّلت رأسه وانصرفت.

  3. المدائني قال: جهد الحجاج على وضع آل المهلب فلم يقدر، ووضع آل الفضيل بن عمران، وقتل الهذيل بن عمران البرجمي، وآل شقيق بن ثور، وقتل أشيم، وهدم دار سفيان بن عمرو العبدي، وأقطع دار عبد الرحمن بن زياد لخروجه مع ابن الأشعث فردّها عمر بن عبد العزيز، وأقطع دار عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بالجزيرة فهي اليوم لآل نهيك، وأقطع عبيد الله بن زياد دار سعد الرابية من بني عمرو بن يربوع كانت ماخورا، وكان سعد معلما وله يقول الفرزدق:

    إني لأبغض سعدا أن أجاوره … وما أحبّ بني عمرو بن يربوع

    قوم إذا غضبوا لم يخشهم أحد … والجار فيهم ذليل غير ممنوع (١)

  4. فلما قدم مصعب بن الزبير أخذ الدار من سعد لانقطاعه إلى زياد وآل زياد، فخرج سعد إلى عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين ﴿الْخَبِيثاتُ﴾

  5. ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ (١) كانت داري ماخورا أقطعنيها ابن زياد، فأخذها مني مصعب، فردها عليه، فلما قدم الحجاج أخذها لأن ابن الزبير ردها على سعد فأقطعها عبد الرحمن بن طارق التميمي ثم العبشمي، وأصله من الجزيرة، فخرج مع ابن الأشعث وكان على شرطة الحجاج، فهرب إلى الشام، فقبض الحجاج الدار فكانت مقبوضة، فأقطعها يزيد بن عبد الملك محمد بن عمر بن عبد الرحمن المخزومي حين قدم عليه برأس يزيد بن المهلب فخاصمه فيها إلى سعد، ثم اشتراها عيسى بن سليمان بن علي.

    vol. 14, p. 406
  6. المدائني قال: أخذ الحجاج فضيل بن بزوان مولى بني البكاء، ويقال عبد الرحمن بن بزوان العدواني فقال له: ألم أكرمك؟ ألم أستعملك؟ قال:

    بلى فاستعبدتني وأهنتني. قال: لأقتلنّك. قال: إذا أخاصمك في دمي، قال: إذا أخصمك، وقتله.

  7. المدائني قال: ركب الحجاج فعرض له خارجي فحمل عليه بخيت فقتله، فلما كان رأس السنة ولى بخيت فارس ووصله بمائة ألف درهم.

  8. وولى ثولاء بن نعيم على الجزيرة وأمره بقتل عدي بن خصفة العبدي، وكان فاضلا، فأخبر ثولاء بفضله واجتهاده، فكتب إلى الحجاج فيه، فكتب إليه: اقتله لا أم لك، وابعث إلي برأسه فقال عديّ: اللهم لا تري الحجاج وجهي فذبح على حرف سفينة فسقط رأسه في البحر، فاتهم الحجاج ثولاء، ولقي منه شرا.

  9. وقتل الحجاج مساور بن رئاب التميمي وقال: ادفعوه إلى أهله فأهل

    vol. 14, p. 407القتيل يلون القتيل، ويقال قتل في المعركة بالزاوية، وكانت الفارعة بنت همام أم الحجاج عند المغيرة، فولدت له ابنة فماتت فخاصم عروة بن المغيرة الحجاج في ميراثها، فكان ذلك مما حقده الحجاج على عروة.

    قالوا: وسار الحجاج من مكة إلى البصرة تسعا، ومن إيلياء إلى الكوفة سبعا، فقال الراجز:

    كسيره من إيلياء فاعلمي … سبعا إلى واسط في تجشّم

    وقال الفرزدق:

    فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها … بميسان قد حلّت عراها وكلّت

    قالوا: وكان دليل الحجاج في طريق مكة قنبر مولى بني عدي فضلّ به، فضربه الحجاج، ثم كساه ووصله وقال له: إن الحوار لا يضيره وطاء أمه.

  10. وبعث الحجاج إلى أبي عيينة بن المهلب، وكان معه في الطريق فقال:

    انظروا ما يصنع فأخبر أنه كان يمصّ قصب السكر، فقال: أراد أن يلينّ أمعاءه.

    قالوا: وكان قنبر مولى بني عدي والشمّاخ أحد قيس بن ثعلبة يستبقان، فسبق الشمّاخ عديا والحجاج بواسط، فركب سفينة إلى واسط، وقدم قنبر بعده فركب زورقا فسبق فحسده الفرزدق فقال:

    وما سبق القيسيّ من سوء سيره … ولكن طفت في الماء غُرلة قنبر (١)

  11. وأنشدنا ابن الاعرابي للفرزدق في مسير الحجاج من الشام إلى واسط في سبع:

    سما بالمهاري من فلسطين بعد ما … دنا الفيء من شمس النهار فولّت

    فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها … بميسان قد حلّت عراها وكلّت

    فلو أن طيرا كلّفت مثل سيره … إلى واسط من إيلياء لملّت

    كأنّ قطاميا على الرّحل طاويا … رأى غمرة الظلماء حين تجلّت

    المدائني قال: دخل بسطام بن مصقلة بن هبيرة على الحجاج قبل خروج ابن الأشعث، وكان بسطام جلدا شديد العارضة، فقال له الحجاج: يا بسطام ما أنت بالذي قال الغنوي:

    أخي ما أخي لافاحش عند بيته … ولا ورغ عند اللقاء هيوب

    فقال: أنا كما قال الأخطل:

    عن المغمّر لا تسأل بمصرعه … واسأل بمصقلة البكريّ ما فعلا

    ضخم تعلّق أشناق (١) … الديات به

    إذا المئون أمرّت فوقه حملا (٢)

    vol. 14, p. 408
  12. يعني بالمغمر القعقاع بن ثور.

    وقال الحجاج: لما تبوأت الأشياء منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام.

    قال الطاعون: وأنا معك، وقال النفاق: أنزل العراق، قالت النعمة وأنا معك، قالت الصحة: أنا أنزل البادية، قال الجوع: وأنا معك.

    قالوا: وذكر الحجاج روح بن زنباع الجذامي فقال: أخذ من فقه أهل

    vol. 14, p. 409الحجاز، وأخطار أهل العراق، وطاعة أهل الشام، وروي ذلك عن عبد الملك بن مروان.

  13. وولى الحجاج صالح بن كريز بيت المال، وكان قد وفى له وسماه قفل الأمانة.

    قالوا: وقال الحجاج يوما: إني كافر فلم يجبه أحد فقال: أيتها المعزى، كافر باللات والعزى.

    وقال أيضا يوما: إني لا أخاف الله، فلم يكلمه أحد، فقال:

    لا أخاف أن يظلمني.

  14. المدائني قال: أخذ الحجاج أمام بن أقرم النميري في أمر فحبسه، والحجاج على شرطة أبان بن مروان فهرب من السجن وقال:

    ولما أن فرغت إلى سلاحي … وبشرى قلت ما أنا بالفقير

    طليق الله لم يمنن عليه … أبو داود وابن أبي كثير

    ولا الحجاج عينا بنت ماء … تقلب عينها حذر الصقور

    أبو داود يزيد بن هبيرة المحاربي، وبشرى فرسه.

  15. فلما قدم الحجاج العراق رأى أمام بن أقرم فقال له: ويلك أعيناي أشبه بعيني بنت أم الماء أم عينيك؟ فقال: عيني. وكان أخزر.

  16. ولما أراد الحجاج بناء واسط قال بعض الدهاقين: إن الطواعين بها كثيرة، وقد أراد كسرى بناءها ونزولها فكرهها. فقال الحجاج: أراد العلج أن يصرفنا عنها.

    قالوا: وكان من عمال الحجاج على البصرة قطن بن مدرك الكلابي، وعلى شرطته يزيد بن عمير الأسيدي، فقال له الحجاج: إن الناس قد ولدوا

    vol. 14, p. 410أبناء وإنك ولدت أبا، فاستخلفه على عملك، واستعمل يزيد: عمر بن يزيد، وهو ابن سبع عشرة سنة، وقتل سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن ثمان وثلاثين، وصار يزيد إلى الحجاج فولاه دستميسان، وتلقى عمر بن يزيد الحجاج حين قدم من مكة بأسوقة وأشربة، فجعل إذا ناوله قدحا جرع منه جرعة ليأمن أن يكون مسموما فأعجبه ذلك، وطلب الحجاج فسطاطا، فقال له: هو عندي، فابتاعه له وحمله إليه.

  17. المدائني عن محمد بن الحجاج قال: قال عبد الملك وهو بالنخيلة: من سيد ثقيف؟ فقال الهيثم بن الأسود: أشرفها نفسا وأبا وجدّا وفضيلة عروة بن المغيرة، فقال الحجاج: أسكت فنحن أعلم بقومنا منك. فقال العريان بن الهيثم: أنا أعلم بقومك منك، فلما ولي الحجاج العراق أضرّ بالعريان، ووضع منه فبعثه إلى عامل الفرات في درهم ونصف بقي عليه، ثم ولى الهيثم بريد دجلة، وولى العريان بريد الفرات، فكانا يتزاوران فكتب: إنه بلغني اجتماعكما لمناشدة الأشعار وتشاغلكما عن العمل، مع كلامك يوم النخيلة يا عريان.

  18. المدائني عن الأسود بن سنان عن الجارود بن أبي سبرة قال: دخلنا على الحجاج فقال: ما تقولون في عبد الله بن عامر بن مسمع؟ فلغطوا فقال:

    ما هذا الصوت بل ما هذا الصّويت إن بكرانا وتميمانا أهون عليّ من بردين متوثيين (١) قصيري الطول وصغيري العرض.

  19. المدائني قال: قال الحجاج لآذنه: أدخل عليّ رجلا يحدثني، فرأى رجلا من الأزد طويل اللحية، فأدخله فقال الحجاج: هيه. قال: هيه.

    قال: هيه ويلك. قال: هيه ويلك. قال: هيه ثكلتك أمك. قال: هيه ثكلتك أمك. فقال: أخرج هذا عني وأدخل غيره، فأدخل عليه رجلا فقال له الحجاج: هيه. قال: يسأل الأمير عما أحبّ. قال: أتقرأ القرآن؟ قال: قد علمنيه الله فإن حفظته حفظني، وإن تركته تركني.

    قال: أفتفرض؟ قال: أفرض الصّلب، وأعرف اختلافهم في الجدّ.

    قال: فما تعرف من السنة؟ قال: ما أقيم به ديني وأعلّم الجاهل. قال:

    أتروي الشعر؟ قال: أروي الشاهد والمثل. قال: قد عرفت المثل فما الشاهد؟ قال: النائرة (١) تكون بين القوم، فيقول الرجل فيها، فيكون قوله شاهدا قال: فما تعرف من النسب؟ قال: الجماهير، وأعرف موقعي من العرب. قال: أتحب المال؟ قال: له طلبت العلم قبل طلب المال. فأمر له بأربعة آلاف درهم.

    vol. 14, p. 411
  20. المدائني قال: لما قدم الحجاج البصرة حضر العيد فرأى كثرة من حضر من النساء، فقال: إن ترك أهل الشام وهؤلاء أفسدوهن فابتنى قصره واتخذ فيه حائرا طويلا أكثر من ميل، وأنزله أهل الشام لا يخالطهم عراقي فتغوط أهل الشام فيه فقال: إنما أردت أن أتخذه لهم فإذا أفسدوه فأبعدهم الله، وكان في قصره إيوان وأربع مقاصير واتخذ صهريجا، وكان قصره على فرسخ من البصرة أو أكثر فكان يأتي الجمعة حتى نزل واسطا.

    vol. 14, p. 412قالوا: وكان على شرطة الحجاج عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي فقال: لأولينّ شرطتي رجلا شديد العبوس، طويل الجلوس، شديدا على أهل الريب والدعارة.

    قالوا: وعزل الحجاج الحكم بن أيوب، وولى عثمان بن سعد العذري ففرض اللبن على التياسين فعزله، وأعاد الحكم، وصيّر على شرطته عبد الملك بن المهلب. وكان طاعون القينات سنة سبع وثمانين، فخرج الحكم عن البصرة وولاها عبد الملك فقال الحارث بن ضب العتكي:

    فلو كنت من أولاد حمّة لم تكن … لتكتب بالعصيان والناس عزّل

    ولكن عرقا من بهلّة يعتزي … فقال فما عنه لكم من محوّل

    وقال فيه واثلة بن خليفة:

    بكى المنبر الشرقي لما وليته … وكادت مسامير الحديد تذوب

    وقد أقفرت منكم رساتيق فارس … وبالمصر دور جمّة ودروب

    رأيتك لما شبت أدركك الذي … ينال شيوخ الأزد حين تشيب

    سفاهة أحلام وضنّ بنائل … ففيك لمن عاب المزون معيب

    قالوا: وكان الحجاج إذا قتل رجلا فتزوجت امرأته كف عنها، وإن لم تتزوج حبسها في قصر المسيرين.

  21. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال الحجاج لمساور بن هند العبسي: ما ترجو من الشعر؟ قال: أسقى به الماء، وأرعى به الكلاء، ويقضى لي به الحاجة.

    قال المدائني: ولحن الحجاج يوما، فقال الناس: لحن الأمير، فأخبره أبو كعب فخطب وتمثل بشعر قعنب ابن أم صاحب:

    vol. 14, p. 413صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به … وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

    إن يسمعوا سيئا طاروا به فرحا … مني وما سمعوا من صالح دفنوا

    قالوا: وقرأ الحجاج يوما: ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ منتقمين ثم قال:

    ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ (١) .

  22. المدائني قال: عصى ثلاثة بنون لموسى بن حكيم بن حنيفة فقال له الحجاج جئني بهم فقال:

    إذا ذكرت نفسي خفافا وخالدا … وراجعت ذكرا من أمية أيجع

    إذا قال حجاج ألا فأتني بهم … أزاول عن أفلاذ كبدي فتنزع

    وكان حكيم مع عثمان يوم الدار، فقال له: يا أمير المؤمنين أكفر الناس؟ قال: لا بل قسطوا.

  23. وعصى ابن لهارون بن حكيم فجاء به عمه موسى بن حكيم إلى الحجاج فقال: هذا ابن أخي عاص قال: قد غفرتها له، لما كان من حكيم يوم الدار.

  24. المدائني قال: وفد الحجاج إلى الوليد، وكان أخصّ الناس بالوليد عباد بن زياد بن أبي سفيان. والغازي بن ربيعة الجرشي فقال عباد للغازي، وكره أن يكون هو الذي يقول للوليد، فيبلغ الحجاج: إن الحجاج سيذكر لأمير المؤمنين أمر العراق ويعظم شأنه وبلاءه فيه ويقول:

    لولا مكاني بالعراق ما قام لكم سلطان فقل لأمير المؤمنين إن قال ذلك يقول له: اسكت فنحن أعظم عليك منّة ويدا، قد ولّيناك وشرفناك ولولا ما كان

    vol. 14, p. 414منا إليك لكنت كرجل من قومك، ولولا ما صنع الله لنا ولك بنا ما كنت بالعراق شيئا.

  25. فقال الغازي ذلك للوليد، ودخل الحجاج ذات يوم على الوليد، فعظّم أمره وبلاءه، وما كان منه في أمر أهل العراق حين عصوه، فردّ عليه الوليد ما ألقى إليه الغازي فانقطع الحجاج، وقال في نفسه: ما هذا كلام الوليد فمن أخصّ الناس به؟ قالوا: الغازي. قال: وما هو بكلام يمان، قالوا: فعباد بن زياد، قال: هو كلامه وهو صاحبي، فجفا عبادا وحجبه حين أتاه، فشكا ذلك إلى الوليد فقال له: يا حجاج أتستخف بمشايخ بني عبد شمس؟ فأذن لعباد وقال له: أصالحك صلحا دملجا (١) ، وقال الراجز:

    قد أمر الأمير بالإدلاج … قلت لأصحابي ولم أداجي

    هلمّ هاتوا صفة الحجاج … كأن عينيه من الزجاج

    كأن ساقيه عمود ساج

    قالوا: ودخل ما عز بن ضمرة الحارثي على الحجاج فكلمه فقنعه الحجاج، فقال: مه، بانتهار.

    قالوا: واستسقى قبيصة بن برمة يوما عند الحجاج فأتي بإناء صغير فشرب، ثم قال: قبح الله الإناء إذا لم يكن عظيما يروي صاحبه، ويفضل عن ريّه.

    vol. 14, p. 415وقال الحسن: الحجاج يتلو القرآن تلاوة أزرقيّ، ويحكم حكم جبار.

    وقال المدائني: كانت دار محمد بن يوسف بمكة لعبد المطلب، وفيها ولد النبي ﷺ ، فاشتراها الحجاج بمائة ألف دينار (١) ، فقال عبد الله بن حسن بن حسن للحجاج بن عبد الملك بن الحجاج: إني أريد أن أطلب دار ابن يوسف فأقرّ أن أباك غصبها، فقال له الحجاج: إني لأرى فيك ما يرى هؤلاء النوكى، أفتأمرني أن أزعم أني ظلمتك فتصير لك بحق لزمني، وهي اليوم قد أخذت منا، وأنا لا أيأس من أن تردّ علينا.

    وقالوا: حبس الحجاج أبا الطفيل عامر بن واثلة الليثي، فكلمه فيه عبد الرحمن بن سهل بن عمرو، وأم عبد الرحمن بنت أبي الضريس من بني ليث. فقال للحجاج: هب لي خالي، وكان عبد الرحمن صهر الحجاج، كانت ابنته أم سلمة عند الحجاج، فأخرجه الحجاج، فقال له عبد الرحمن: يا أبا الطفيل أنا أحبّ إليك أم حسين؟ قال: اعفني. قال:

    لا أعفيك. قال: أما إذا أبيت فما ولدت ابنة رسول الله ﷺ أحبّ إلي مما ولدت ابنة أبي الضريس.

  26. وقيل للحسن: إن الحجاج قال عند الموت: أللهم إن هؤلاء يزعمون أنك لا تغفر لي فاغفر لي. قال: أو قالها؟ قالوا: نعم، قال: عسى.

  27. حدثنا عفان، ثنا المبارك بن فضالة قال: كان الحجاج يأخذ الناس بالجمعة ثم يقيم على رؤوس الفقهاء والقراء قوما يمنعونهم من الصلاة حتى

    vol. 14, p. 416يصلي، فكانوا يومئون إيماء، فقال الحسن: هي والله لهم تامة.

  28. حدثنا شيبان بن فروخ الأبلّي، ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني قال: رأيت سيف مولى عبد الرحمن بن سمرة والحجاج يخطب يومئ برأسه إيماء، فأخذت ذلك عنه، وكنت أومئ برأسي.

  29. المدائني عن جرير عن الأجلح قال: قلت للشعبي: أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: مؤمنا بالطاغوت، كافرا بالله.

  30. المدائني عن عامر بن حفص قال: قال ابن سيرين: ما ذكرت من قتل مع ابن الأشعث إلا قلت ليتهم لم يخرجوا، فإذا ذكرت قول الحجاج قلت: ما حل لهم إلا ما صنعوا. قال: يقول المنافقون إن خبر السماء قد انقطع وكذبوا، إن خبر السماء عند خليفة الله وقد أنبأه الله أنه قاتلهم ومشردهم، يقول هذا لأهل الشام.

  31. المدائني عن بشر بن عيسى عن أبي المضرحي قال: أمر الحجاج محمد بن المنتشر وهو ابن أخي مسروق بن الأجدع أن يعذب أزاذمرد بن الهربذ ويستأديه فقال له ازاذمرد: يا محمد إنك شريف ولك دين، ومثلي لا يعطي على الذل فارفق بي فأستأداه في جمعة ثلاثمائة ألف درهم، فغضب الحجاج وأمر معدا صاحب عذابه فحوّله إليه فكسر يديه ورجليه فلم يعطه شيئا، قال محمد: فمررت بأزاذمرد وهو على بغل فقال: يا محمد. فكرهت الدنو منه فيبلغ الحجاج وتذممت منه فدنوت، فقال: انك وليتني فأحسنت ولي عند فلان مائة ألف درهم فخذها. فقلت: لا آخذ منك شيئا، فقال: مثلي ومثل الحجاج مثل رجل كان يسقط طائر على سطحه في كل يوم فيبيض لؤلؤتين، فقال: لو أخذت هذا الطائر فذبحته وأخذت ما في جوفه،

    vol. 14, p. 417فصاده وذبحه فلم يجد في جوفه غير بيضتين. وقد رفقت بي وأخذت مني ثلاثمائة ألف درهم في جمعة وقد اشتد عليّ هذا طمعا في أن يأخذ أكثر من ذلك ولا أعطيه والله درهما، يا محمد إني أحدثك حديثا سمعته من أهل دينك، إن الله إذا أراد بالعباد خيرا أمطر المطر في إبّانه، واستعمل عليهم خيارهم، وجعل المال عند سمحائهم، وإذا أراد بهم شرا أمطر المطر في غير إبانه، واستعمل عليهم شرارهم وجعل المال في بخلائهم. قال: ومضيت إلى منزلي فلم أضع ثيابي حتى أتاني رسول الحجاج، فدخلت عليه وبين يديه سيف قد اخترطه فقال: ادن فدنوت وأضحكه الله لي، فقال: ما قال لك الخبيث؟ فحدثته فلما أردت تسمية الرجل صاحب المائة الألف صرف وجهه وقال: لا تسمّه، وأتممت الحديث فقال: لقد سمع الكافر الحديث، انصرف.

    وقال الحجاج ليحيى بن يعمر العدواني: أين نشأت؟ قال:

    بالأهواز. قال: فما هذه الفصاحة؟ قال: لسان أبي.

  32. المدائني عن محمد بن عبد الله الشيباني قال: قالت جارية للحجاج حين مات:

    اليوم يرحمنا من كان يغبطنا … واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا

    قال المدائني: أتي الحجاج بخمر فأمر بهراقتها، فأمسك غير واحد من جلسائه على أنفهم، فقال اسماعيل بن الأشعث وكان يضعّف: ما تمسكون بأنفكم، إنها لطيبة الريح، وإنا لنشتهيها غير أن الله حرّمها، فإذا الذين أمسكوا بأنفهم يشربونها كلهم.

    وقال الحجاج لإسماعيل، وهو في قصره بواسط: كيف ترى قصري؟

    vol. 14, p. 418قال: أرى قصرا ستعظم المؤنة لمن أراد هدمه، قال: ويحك ما خالف بك إلى ذكر الهدم؟ وخطب الحجاج فذم الدنيا وصغّرها فقال: والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء.

  33. وكان أبو عون يقول: إذا سمعت قراءة الحجاج علمت أنه طالما قرأ كتاب الله.

    قال وخطب الحجاج في يوم جمعة فأطال فقال رجل: الصلاة أيها الأمير فإن النهار لا ينتظرك، والله لا يعذرك، فأمر بحبسه فكلم فيه وقيل إنه مجنون فقال: إن زعم أنه مجنون خليت سبيله، فقيل للرجل قل: إني مجنون فقال: ما كنت لأنسب إلى ربي ما لم يفعله بي فعرض الحجاج الناس يوما فغلط وخلى سبيله.

    قالوا: وقدم نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل على الحجاج فأمره بقتل رجل، فاعتلّ فاغفل الحجاج برّه، فمضي إلى المدينة فبعث إليه الحجاج بثلاثمائة دينار صلة لحقه بها الرسول وقال: استعن بها في سفرك.

  34. المدائني عن شهاب السلمي قال: حدثني ابن صاحب نهر المرأة قال:

    كسر دهقان من دهاقين فارس خراجه، وأفسد أهل الخراج فكتب الحجاج إلى عامله أن اصلبه فصلبه، وطعنه في أحد شقّيه طعنة، وصلب إلى الجذع، وتفرق الناس، وإلى جانب المصلوب حانوت، فأومأ فاستسقى، فأعلم العامل بذلك فرجع إليه فطعنه في الجانب الآخر، ثم انصرف واستسقى فقيل للعامل فرجع فطعنه بين الطعنتين، ثم مضى عنه فاستسقى فأنزله العامل وكتب بخبره إلى الحجاج فكتب الحجاج أن احمله إليّ فحمله

    vol. 14, p. 419إليه، فقال الحجاج: يا أهل الشام، تهابون الإقدام وقد طعن هذا ثلاث طعنات كلها تصل إلى الجذع فلم يمت. وخلى عنه، قالوا: فكان بعد ذلك يمشي في السوق.

    قالوا: وكتب قتيبة إلى الحجاج يشكو ترك أهل الشام طاعته بخراسان، فكتب إليه أن احرمهم أطماعهم، فقد أشروا بدرورها عليهم، وأفقرهم فإن الفقر جند الله الأعظم الذي يذل به كل جبار عنيد.

    وقال الحجاج لصاحب حرسه: إني استعملتك على نفسي، ولصاحب شرطه: إني استعملتك على سلطاني، ولحاجبه: إني استعملتك على وجهي، ولصاحب طعامه: إني استعملتك على مروءتي.

  35. وخطب الحجاج فقال: ﴿إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١) وكان لا يدع ذلك حتى مات.

    قالوا: وبعث الحجاج بهدايا مع رجل من همدان إلى عبد الملك فأنشد عبد الملك:

    لقد أوعدتني شاكر فحسبتها … وفي النفس من همدان والقلب هاجس

    قبيلة لا كثّر الله خيرها … لها حجف فوق المناكب يابس

    وقال: يا أخا همدان، لئن أسأنا المقال لا نسيء الفعال، وأمر له بأربعة آلاف درهم.

  36. وقال الحجاج للعجاج وبين يديه لقحة تحلب، انعمت هذه فقال:

    تصرف للحالب وجها حرّا … إلى سنام طال ما اكفهرا

    كأنّ خلفيها إذا ما درّا … جروا هراش حرّكا فهرّا (١)

    قال: خذها يا عجاج فهي لك.

    وقال الحجاج: إن الرجال ذوي الظنون يظنون فيدخلون ويظنون فيخرجون، والمرأة إذا رأت عقلت، وإذا سمعت انتفعت.

    وقال الحجاج: إني أعطي على البلاء والظرف وأحرم على العجز والضعف.

    وقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أو كان متفرقا فأجمعه؟ قال: أتقرأه ظاهرا؟ قال: بل أقرأه وأنا أعرفه، وأعلم أنه نور مبين. قال: أفتحفظه؟ قال: إن أحسنت قراءته فأنا أحفظه. قال:

    ما تقول في عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه. قال: ويلك كيف تلقى ربك؟ قال: ألقاه بعملي، وأرجو أن تلقاه بدمي.

    وقال الحجاج في خطبته: إن امرأ مضت له ساعة في غير ما خلق له لخليق أن تعظم حسرته.

    vol. 14, p. 420
  37. وخطب الحجاج يوما فقال: اللهم أرني الهدى هدى فاتبعه، وأرني الغيّ غيا فاجتنبه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ﴿ضَلالاً بَعِيداً﴾ (٢) .

    vol. 14, p. 421قال الهيثم بن عدي عن عوانة: خطب الحجاج فقال: رحم الله امرأ عمل بعلمه، رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب من غيره، رحم الله امرأ فكر فيما يقرأ في كتابه ويراه في ميزانه، رحم الله امرأ كان له من نفسه مذكّر لمعاده وزاجر عن معصية ربه، رحم الله امرأ أخذ بعنان عمله فإن قاده إلى طاعة الله اتبعه، وإن قاده إلى معصيته كفه.

    قال: وقدم نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف على الحجاج، فأمره الحجاج أن يقتل رجلا فأبى وارتحل إلى المدينة فبعث إليه الحجاج بثلاثمائة دينار صلة له وقال استعن بها على سفرك، فلما لحقه الرسول ظن أنه يريد رده فقال: أغدرا؟ قال: لا بل صلة الأمير.

  38. وخطب الحجاج فذم الدنيا قال: والله ما مضى من الدنيا لأشبه بما بقي من الماء بالماء.

  39. وأمر الحجاج جلساءه أن يرسلوا إلى منازلهم فيحضر كل امرئ ما عنده مما يؤكل فأتوا جميعا بتمر وزبد.

  40. وعرض الحجاج الجند يوما فمر به رجل لا سلاح عليه فقال له: أين سلاحك يا بن نوح؟ فقال: تغافل أيها الأمير، فكف عنه، ومر به رجل من أهل حمص لا سلاح عليه، فقال له: أين سلاحك؟ قال: تغافل أيها الأمير فأمر به فضرب مائة سوط.