أمر الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام
57 paragraphs · vol. 4, p. 267
Page 2 of 2
- vol. 4, p. 281
ثم إنه دعا بعبيد الله بن عباس وهو بمعسكره فقال له: يا بن عم.
-
إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب ووجوه أهل المصر فسربهم وألن كنفك وابسط لهم وجهك، وأدنهم من مجلسك، وسر على شاطئ الفرات حتى تقطع الفرات إلى أرض الأنبار ومسكن ثم تمضى فتستقبل معاوية وتحبسه حتى آتيك، وليكن خبرك عندي كل يوم، واستشر قيس بن سعد، وسعيد بن قيس الهمداني واسمع منهما ولا تقطع أمرا دونهما، وإن قاتلك معاوية قبل قدومي فقاتله فإن أصبت فالأمير قيس بن سعد فإن أصيب فسعيد بن قيس. فأخذ عبيد الله على قرية شاهى (١) ثم لزم الفرات حتى قطع الفلوجة، وجاز الفرات إلى دممّا ثم أتى الأخنونية (٢) .
-
وروى بعضهم أن قيس بن سعد كان على الجيش، وأن عبيد الله كان معه، والأول أثبت.
-
فلما شخص عبيد الله بن العباس، سار الحسن بعده، واستخلف
vol. 4, p. 282على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وذلك بعد شهرين ويقال ثلاثة أشهر من بيعته.
-
ثم سار الحسن فأتى دير كعب فبات به، ثم سار حتى أتى ساباط المدائن فنزل دون جسرها مما يلي ناحية الكوفة، فخطب الناس فقال: إني أرجو أن أكون أنصح خلف لخلقه، وما أنا محتمل على أحد ضغينة ولا حقدا ولا مريد به غائلة ولا سوءا، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا عليّ، غفر الله لي ولكم.
-
فنظر بعض الناس إلى بعض وقالوا: عزم والله على صلح معاوية وضعف وخار، وشدوا على فسطاطه فدخلوه وانتزعوا مصلاة من تحته وانتهبوا ثيابه، ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقى متقلدا سيفه فدهش، ثم رجع ذهنه، فركب فرسه وأطاف به الناس فبعضهم يعجّزه ويضعّفه، وبعضهم ينحّي أولئك عنه ويمنعهم منه.
-
وانطلق رجل من بني أسد بن خزيمة من بني نصر بن الهون بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، ويقال له الجراح بن سنان وكان يرى رأي الخوارج إلى مظلم ساباط فقعد فيه ينتظره، فلما مر الحسن به دنا من دابته فأخذ بلجامها ثم أخرج مغولا (١) كان معه وقال: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، وطعنه بالمغول في أصل فخذه فشقّ في فخذه شقا كاد يصل إلى العظم، وضرب الحسن وجهه ثم اعتنقا وخرّا إلى الأرض، ووثب
vol. 4, p. 283عبدك لام بن الحمل الطائي، وبعضهم يقول عبد الله بن الحصل فنزع المغول من يد الجراح وأخذ ظبيان بن عمارة التميمي بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة آجرة فشدخ بها وجهه ورأسه حتى مات.
-
وحمل الحسن إلى المدائن وعليها سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان عليّ ولاه إياها فأدخلوه منزله فأشار عليه المختار أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخى سنة، فأبى ذلك وقال للمختار: قبّح الله رأيك، أنا عامل أبيه وقد ائتمنني وشرفني، وهبني نسيت بلاء أبيه، أأنسى رسول الله ﷺ ولا أحفظه في ابن ابنته وحبيبه.
-
ثم إن سعد بن مسعود أتى الحسن بطبيب وقام عليه حتى برئ، وحوله إلى أبيض المدائن.
-
وتوجه معاوية إلى العراق واستخلف الضحاك بن قيس الفهري، وجدّ في المسير وقال: قد أتتني كتب أهل العراق يدعونني إلى القدوم عليهم فأومن بريئهم ويدفعون إليّ بغيتي، وأتتني رسلهم في ذلك فسيروا إليها أيها الناس فإن كدر الجماعة خير من صفو الفرقة، وكانوا يدعونه أمير المؤمنين.
-
ولما رأى عمرو جدّ معاوية في المسير واخذامه (١) إياه قال: قد علم معاوية والله أن الليث عليا قد هلك وغالته شعوب.
قالوا: ومر معاوية بالرقة ثم بنصيبين وهو يسكنّ الناس ويؤمّن من مر به، ثم أتى الموصل، ثم صار إلى الأخنونية فنزل بإزاء عبيد الله بن العباس، وأرسل عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى عبيد الله وأصحابه أنّ كتب الحسن قد أتتني مع رسله يسألني فيها الصلح، وإنما
vol. 4, p. 284جئت لذلك، وقد أمرت أصحابي بالكف عنكم فلا تعرضوا لهم حتى أفرغ مما بيني وبين الحسن، فكذبوه وشتموه.
-
ثم بعث معاوية بعد ذلك عبد الرحمن بن سمرة إلى عبيد الله فخلا به، وحلف له أن الحسن قد سأل معاوية الصلح، وجعل لعبيد الله ألف ألف درهم إن صار إليه.
-
فلما علم عبيد الله رأي الحسن وأنه إنما يقصد قصد الصلح، وحقن الدماء، صار إلى معاوية فأكرمه وبرّه، وحفظ له مسارعته إليه.
-
وقام بأمر الناس بعد عبيد الله، قيس بن سعد، وقال في عبيد الله قولا قبيحا، وذكر أخاه وما كان بينه وبين عليّ، ونسب عبيد الله إلى الخيانة والغدر والضعف والجبن، فبايع قيسا أربعة آلاف على الموت.
-
وظن معاوية أن مصير عبيد الله قد كسر الحسن فأمر بسر بن أبي أرطاة، وكان على مقدمته وناسا معه فصاحوا بالناس من جوانب العسكر فوافوهم وهم على تعبئة فخرجوا إليهم فضاربوهم، واجتمع إلى بسر خلق فهزمهم قيس وأصحابه.
-
وجاءهم بسر من الغد في الدهم فاقتتلوا فكشف بسر وأصحابه وقتل بين الفريقين قتلى، وعرض معاوية على قيس مثل الذي عرضه على عبيد الله فأبى، ثم بعث إليه ثانية فقال له: على ماذا تقتل نفسك وأصحاب الحسن قد اختلفوا عليه، وقد جرح في مظلم ساباط فهو لما به (١) . فتوقف عن القتال ينظر ما يكون من أمر الحسن ففعل، وجعل وجوه أهل العراق يأتون معاوية فيبايعونه، فكان أول من أتاه خالد بن معمر فقال: أبايعك عن ربيعة كلها
vol. 4, p. 285ففعل، وبايعه عفاق بن شرحبيل بن رهم التيمي فلذلك يقول الشاعر:
معاوي أكرم خالد بن المعمر … فإنك لولا خالد لم تؤمّر
وبلغ ذلك الحسن فقال: يا أهل العراق، أنتم الذين أكرهتم أبي على القتال والحكومة ثم اختلفتم عليه، وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه، فحسبي منكم لا تغرّوني في ديني ونفسي.
قال المدائني: وكتب معاوية إلى قيس يدعوه إلى نفسه وهو بمسكن في عشرة آلاف فأبي أن يجيبه، ثم كتب إليه: إنما أنت يهودي بن يهودي، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك واستبدل بك وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك ونكّل بك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل فخذله قومه، وأدركه يومه فهلك بحوران طريدا والسّلام.
-
فكتب إليه قيس بن سعد بن عبادة: أما بعد يا معاوية، فإنما أنت وثن بن وثن من أوثان مكة، دخلت في الإسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك. وقد كان أبي وتر قوسه ورمى غرضه فاعترض عليه من لم يبلغ كعبه ولم يشقّ غباره، وكان أمرا مرغوبا عنه مزهودا فيه، ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي صرت إليه. فقال له عمرو: أجبه. فقال: أخاف أن يجيبني بما هو شر من هذا.
قالوا: ووجّه معاوية إلى الحسن عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فقال ابن عامر: اتّق الله في دماء أمة محمد أن تسفكها لدنيا تصيبها وسلطانا تناله لعل أن يكون متاعك به قليلا، إن معاوية قد لجّ، فنشدتك الله أن تلجّ فيهلك الناس بينكما، وهو يوليك الأمر من بعده، ويعطيك كذا.