خروج محمد بن عبد الله بن حسن ومقتله
56 paragraphs · vol. 4, p. 319
Page 1 of 2
- vol. 4, p. 319
قالوا: أقبل محمد بن عبد الله بن حسن في ولاية رياح بن عثمان بن حيان بن معبد المرّي المدينة في مائة وخمسين، وهو على حمار ويقال على أتان حتى أتى بني سلمة من الأنصار، فأقام وتوافى إليه أصحابه، ثم أتى السجن فأخرج من فيه فأقبل حتى أتى بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية الذي يقول فيه الأحوص بن محمد الأنصاري:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبه الفؤاد موكّل (١)
-
فجلس على بابه وهو يقول: لا تقتلوا أحدا وادخلوا المقصورة فدخلوها وأحرقوا باب الخوخة، ودخلوا دار مروان وفيها رياح، وكان رياح يقول:
أبدا هذه الدار محلال مظعان وأنا أول ظاعن عنها، فصعد رياح مشربة في الدار وهدم الدرجة، وصعدوا إليه فأنزلوه، وأمر محمد بحبسه وحبس أم ولد (٢) له وأخرج محمد بن خالد القسري من الحبس وكان المري حبسه وابن أخيه نذير بن يزيد بن خالد بن عبد الله.
- vol. 4, p. 320
وأصبح محمد فبايعه الناس وخطبهم فقال: يا أهل المدينة إني والله ما خرجت فيكم للتعزز بكم فلغيركم أعزمنكم، وما أنتم بأهل قوة ولا شوكة، ولكنكم أهلي وأنصار جدي فحبوتكم بنفسي، والله ما من مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذت لي دعاتي فيه بيعة أهله، ولولا ما انتهك مني ووترت به ما خرجت.
-
ووجه حسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى مكة فقدم حسن بن معاوية على مقدمته أبا عدي عبد الله بن عدي بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس الذي يقول للوليد:
إنّ سيري إليك من قن أرض … لمن الحزم والفعال السّديد
عبد شمس أبوك وهو أبونا … لا نناديك من مكان بعيد
والقرابات بيننا واشجات … محكمات القوى بعقد سديد
فاثبني ثواب مثلك مثلي … تلقني للثواب غير جحود
فكان أبو عدي يقدم مولى لبعض أهل المدينة يقال له سلجم أمامه حتى قدموا مكة وعليها السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب فكان سلجم ينادي: ابرز يا بن أبي عضل، وكان الحارث بن العباس يلقب أبا عضل، فكانت فيه لكنة.
-
فتنحى السريّ عن مكة، وكان خروج محمد ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، ويقال لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان في عامه ذلك سنة خمس وأربعين، وسارع أهل المدينة إلى بيعة محمد وقالوا: هذا الذي كنا نسمع به: «العجب كل العجب بين جمادى ورجب» .
-
وأمر محمد بن عبد الله ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن طلحة بن
vol. 4, p. 321عمر بن عبيد الله بن معمر ببيعته فأباها وقال: قد بايعت لأبي جعفر المنصور أمير المؤمنين، فكان المنصور يقول له بعد مقتل محمد بن عبد الله: لو كان بالمدينة آخر مثلك لم يقتل محمد نفسه.
-
وكان الذين خرجوا مع محمد: جهينة ومزينة وأهل المدينة، وقدم الكوفة رجل في تسع ليال فأخبر بخروج محمد، فلما تبين المنصور صدقه أمر له بتسعة آلاف درهم كل ليلة بألف.
-
ولما ورد ذلك الرجل الكوفة كتب إلى المنصور يخبره وهو ببغداد يقدر بناء مدينته بها، فشخص من يومه حتى أتى الكوفة وقال: أطأ أسمختهم، وأقطعهم عن إمداد محمد بن عبد الله بن حسن فإنهم سراع إلى أهل هذا البيت.
-
وغدر محمد بن خالد القسري بمحمد بن عبد الله وقال له: إن لك هذه اليد باخراجك إياي من الحبس فسمّ لي من بايعك من أهل العراق حتى أكتب إلى مواليّ هناك وأهل بيتي ومعاضدتهم ومكاتفتهم في أمرهم. فسمّى له من بايعه، فكتب إلى المنصور بأسمائهم فظفر محمد بالكتاب والرسول.
-
وكان قد قال له أيضا: إني مطاع بالشام فابعث أخاك موسى بن عبد الله مع ابن أخي نذير بن يزيد بن خالد ومولاي رزام ليدعو الناس بالشام إلى طاعتك، ويأخذ لك موسى البيعة عليهم ففعل، فخلفاه بدومة الجندل وقالا له: انتظرنا حتى نحكم لك الأمور ثم نشخص، ثم مضيا إلى المنصور فأخبراه خبره ليوجه إليه من يحمله، فلم يقم موسى، وانصرف إلى المدينة لاسترابته بهما حين فارقاه، وأخذ محمد بن عبد الله محمد بن خالد القسري فحبسه.
- vol. 4, p. 323
[كتاب المنصور إلى محمد بن عبد الله]
-
وكتب المنصور إلى محمد بن عبد الله حين خرج: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فإن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك فلك أن اؤمنك وجميع اخوتك وولدك وأهل بيتك وأتباعك، وأعطيك ألف ألف درهم.
-
فكتب إليه محمد: ﴿طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٢) .
vol. 4, p. 324وقال في كتابه: إن الله اختارنا واختار لنا فولدنا من النبيين محمد أفضلهم مقاما، ومن السلف أولهم إسلاما، ومن الأزواج خيرهنّ خديجة الطاهرة وأول من صلى القبلة، ومن البنات خيرهنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة. وإن هاشما ولد عليا مرتين وأن عبد المطلب ولد حسنا مرتين، فأنا أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا. لم تعرق فيّ العجم، وانا ابن ارفع الناس درجة في الجنة وابن أهونهم عذابا في النار؛ ولك الأمان إن دخلت في طاعتي فأنا أولى بالأمر منك، وأولى بالوفاء بالعهد، فأيّ الأمانات ليت شعري أعطيتني: أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟
-
فكتب إليه المنصور: قد بلغني كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء لتغرّ بذلك الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والعصبة، وقد جعل الله العم أبا وبدأ به قبل الوالد فقال: ﴿نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ﴾ (١) فسمى اسماعيل أبا وهو عم يعقوب.
-
ولقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ وله عمومة أربعة فدعاهم وأنذرهم فأجابه أثنان أحدهما أبي، وأبى الإسلام اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله وراثتهما وولايتهما عنه.
-
وزعمت أنك ابن أخف الناس عذابا يوم القيامة وابن خير الأشرار، وليس من الكفر بالله صغير، وما شيء من عذاب الله بخفيف، وليس في الشرار خير، وليس ينبغي لمسلم يؤمن بالله أن يفخر بأهل النار.
-
وأما ما فخرت به من أن عليا ولده هاشم مرتين، وأن عبد المطلب أبوه
vol. 4, p. 325أبو طالب وأمه فاطمة بنت سيد بني هاشم ولد حسنا مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله ﷺ لم يلده هاشم ولا عبد المطلب إلا مرة واحدة.
-
وفخرت بأنك لم تلدك العجم، ولم تعرق فيك أمهات الأولاد، فقد فخرت على من هو خير منك نسبا وآباء أولا وآخرا ابراهيم بن رسول الله ﷺ ، كانت أمه مارية القبطية.
-
وما ولد فيكم أفضل من علي بن الحسين وهو لأم ولد وهو خير من جدك حسن بن حسن، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي بن الحسين وأمه أم ولد.
-
وأما قولك أنكم بنو رسول الله ﷺ ، فإن الله تبارك وتعالى يقول:
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) ولكنكم بنو بنته وهي رحمها الله لا تحرز الميراث، ولا ترث الولاء، ولا يحل لها أن تؤمّ، فكيف تورث بهذا إمامة.
-
وأما ما ذكرت من أمر علي فقد حضرت النبي ﷺ الوفاة فأمر غيره بالصلاة. في كلام طويل.
قالوا: وكانت أم علي بن الحسين سجستانيه تدعى سلافة تزوجها، فكان عبد الملك بن مروان يقول ان علي بن الحسين ليرتفع من حيث يتضع الناس.
قالوا: وأقام محمد بالمدينة حسن السيرة، وبلغه خروج ابراهيم أخيه بالبصرة (٢) فكان يقول لأصحابه: ادعوا الله لإخوانكم بالبصرة واستنصروه
vol. 4, p. 326على عدوكم.
قالوا: وكتب المنصور في حمل سلم بن قتيبة وكان بالري مع المهدي، فلما قدم عليه قال: كيف تركت أبا عبد الله. قال: أكمل الناس لو بسطت من يده. قال: يا أبا قتيبة إن أبي وأباك رجلان ليس الفساد من شأننا، ثم قال له: قد خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة. قال: ليس بشيء، خرج بأرض ليس بها حلقة (١) ولا كراع، قال: وقد خرج إبراهيم بالبصرة. قال: قد خرج بأرض لو شاء أن يقيم بها سنة يبايعه كل يوم ألف رجل ويضرب له فيها كل يوم ألف سيف لا يعلم به أحد لأمكنه ذلك.
ثم قال: إنو يا أمير المؤمنين العفو تظفر. قال: هو رأيي. قال: فأبشر يا أمير المؤمنين بالظفر والنصر.
قالوا: ووجه المنصور عيسى بن موسى إلى المدينة للقاء محمد بن عبد الله فقال له: يا أبا موسى. انك لتسير إلى حرم الله، وأهله ثلاث طبقات:
طبقة قريش وهم قرابة رسول الله ﷺ وقومه بيضتي التي تفلقت عني، وطبقة «المهاجرون» والأنصار، وطبقة تجار جاوروا قبر النبي ﷺ ، وأقاموا في حرمه.
-
فإذا قتل محمد فارفع السيف ولا تتبعوا مولّيا ولا تجهزوا على جريح ولا تذبحوا فيها طائرا، وان طلب محمد الأمان فاعطوه إياه. أفهمت يا أبا موسى؟ ثلاث مرات يرددها. قال: نعم، فقال المنصور: اللهم اشهد، اللهم اشهد.
-
فتوجه في أربعة آلاف ومعه محمد بن أمير المؤمنين أبي العباس، وفي الجيش محمد بن زيد بن علي بن الحسين وغيره من ولد علي عليهم السلام .
ثم قال أبو جعفر لعيسى بن موسى: إني أعيد عليك الوصية: إن قتلت
vol. 4, p. 327محمدا أو أسرته أسرا فلا تقتل أحدا، وإن قتل محمد بن أبي العباس فضلا عن سواه أحدا بعد قتل محمد أو أسره فأقده به. وإن فاتك محمد واشتمل عليه أهل المدينة فاقتل كل من ظفرت به من أهل المدينة.
-
وكان مع عيسى بن موسى حميد بن قحطبة الطائي، فسار عيسى بذلك الجيش، وبلغ محمدا خبره فخندق على المدينة، وخندق على أفواه السكك.
-
فلما كان عيسى بفيد كتب إلى محمد يعطيه الأمان، وكتب إلى أهل المدينة يعرض عليهم الأمان أيضا، وبعث بالكتاب مع محمد بن زيد بن علي والقاسم بن حسين بن زيد، فلما قدما به قال محمد بن زيد: يا أهل المدينة، تركنا أمير المؤمنين أصلحه الله حيا معافى وهذا عيسى بن موسى قد أتاكم فاقبلوا أمانه. فقالوا: إشهد أنا خلعنا أبا الدوانيق.
-
وأقبل عيسى بن موسى إلى المدينة فكان أول من لقيه ابراهيم بن جعفر الزبيري على ثنيّة واقم (١) ، فعثر بابراهيم فرسه فسقط فقتل.
-
وسلك عيسى بطن قناة (٢) حتى ظهر على الجرف، فنزل قصر سليمان بن عبد الملك صبيحة اليوم الثاني عشر من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وهو يوم السبت وأراد تأخير القتال حتى يفطر فبلغه أن محمدا يقول: أهل خراسان على بيعتي، وحميد بن قحطبة قد بايعني ولو قد رآني انقلب إلي.
-
وكان المنصور أمر القواد أن يكاتبوا محمدا ويطمعوه في أنفسهم لأنه كان على المضي إلى اليمن، فلما فعلوا أقام ولم يبرح المدينة.
-
ويقال ان حميدا خاصّة كان قد بايعه بمصر أو وعده مبايعته، قالوا
vol. 4, p. 328وعاجله عيسى فلم يشعر أهل المدينة يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان إلا بالخيل قد أحاطت بهم حين أسفر الصبح، وقال عيسى لحميد: أراك مداهنا، وأمره بالتجريد لمحمد فالتقوا فقاتلهم عيسى بن زيد ومحمد جالس بالمصلى، واشتد الأمر بينهم، ثم نهض محمد فباشر القتال فكان بازاء حميد بن قحطبة، وكان بازاء كثير بن الحصين العبدري يزيد وصالح ابنا معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان محمد بن أمير المؤمنين أبي العباس وعقبة بن سلم من ناحية جهينة، فطلب صالح ويزيد الأمان من كثير فأمنهما وأعلم عيسى ذلك فلم ينفذ أمانهما، فقال لهما كثير: امضيا إلى حيث شئتما فهربا.
-
وكانت أم يزيد وصالح فاطمة بنت الحسن بن علي، فكان عبد الله بن حسن خالهما، ومحمد ابن خالهما.
-
واقتتلوا إلى قريب من الظهر، ورماهم أهل خراسان بالنشاب فأكثروا فيهم الجراح، فتفرق الناس عن محمد ورجع إلى دار مروان فصلى فيها الظهر واغتسل وتحنط. فقال له عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن المسور بن مخرمة الزهري: إنه لا طاقة لك بمن ترى فالحق بمكة. فقال: إن فقدت من المدينة قتل أهلها كما قتل أهل الحرة، وأنت مني في حل يا أبا جعفر فاذهب حيث شئت.
-
وخرج محمد إلى الثنية فقاتلوه فقال: يا حميد أتقاتلني وتنكث بيعتي فهلم أبارزك. فقال حميد: يا أبا عبد الله لا أبارزك وبين يدي هؤلاء الأغمار فإذا فرغت منهم برزت لك، فحدثني بعض ولد حميد بن قحطبة قال: كانت هذه المقالة من محمد مكيدة لحميد.
قالوا: وجثا محمد على ركبتيه وجعل يذبّ بسيفه ويقول: ويحكم إني
vol. 4, p. 329محرج مظلوم، وجعل الناس يتفرقون فقال له ابراهيم بن خضير (١) -هذا هو مصعب بن مصعب بن الزبير لقب خضيرا وكانت أمه أم ولد - لو شئت لحقت بأخيك ابراهيم بالعراق. فقال: ما كنت لأخيف أهل المدينة مرتين، مرة في خروجي وبعده.
-
ومضى ابراهيم بن خضير إلى السجن فذبح رياح بن عثمان المري، ولم يجهز عليه فلم يزل يضطرب حتى مات، وكان إبراهيم بن خضير على شرطة محمد بن عبد الله، ومضى ابراهيم بن خضير إلى محمد بن خالد بن عبد الله القسري ليقتله في محبسه فنذر به، فردم باب البيت دونه فعالجه ابن خضير فأعياه فتركه ونجا محمد، وقدم الكوفة.
-
ورجع ابن خضير إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل ابن خضير وقتل معه علي بن مالك بن خثيم بن عراك الغفاري، وسعيد بن أبي سفيان الصيرفي، في آخرين.
-
وصابرهم محمد إلى العصر ثم جعل الناس يتفرقون عنه وهو يقول: يا بني الأحرار إلى أين؟. وقتل بيده اثنى عشر رجلا، وولي حميد بن قحطبة قتاله عند المساء فقال له: اتق الله واذكر بيعتك، فيقال إن حميدا قال له: وأنت أيضا فافش سرك إلى الصبيان، وولده يقولون أنه قال له: أبهذا يكاد مثلي. وقال غيرهم: قال له: إنما خدعناك.
-
وعرض لمحمد رجل فضرب ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وقال: ناولوني شيئا أشدها به، فرمي إليه من سطح هناك بشقة
vol. 4, p. 330شطوية (١) فشد بها لحيته، ورمي بنشابة في صدره وطعنه رجل من خلفه فأرداه عن دابته فسقط على يديه ثم استقل قائما، ورماه رجل بصخرة فأصابت منكبه فأثخنته. وطعنه حميد في صدره فصرعه مثبتا ونزل إليه فاحتز رأسه وأتى به عيسى بن موسى وعنده القاسم بن حسن بن زيد وغيره، فقالوا: هذا رأس محمد بعينه. وانهزم الناس، وانتهى عيسى إلى ما أمره به المنصور.
-
وبعث عيسى بعدة ألوية فنصبت في مواقع متعددة، ونادى مناديه: من أتى لواء من الألوية المنصوبة فهو آمن.
-
وبقي محمد بن عبد الله في مصرعه بقية يومه وليلته، وأصبح وقد سلب وهو ملقى على وجهه، ومطرت السماء تلك الليلة مطرا جوادا.
-
وأرسلت أخته زينب بنت عبد الله إلى عيسى: قد قضيتم أربكم منه فأذنوا لنا في دفنه، فأذن لهم فدفنوه في البقيع.
-
وبعث عيسى بن موسى برأس محمد بن عبد الله مع ابن أبي الكرام محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فدخل به على المنصور وهو عاض على أنفه.