خروج محمد بن عبد الله بن حسن ومقتله

56 paragraphs · vol. 4, p. 319

Page 2 of 2

  1. حدثني أبو مسعود الكوفي وغيره قالوا: جعل محمد بن عبد الله بن محمد - ويكنى أبا عبد الله - يقول يوم قتل:

    منخرق الخفّين يشكو الوجا … تنكّته أطراف مرو (٢) حداد

    أفردني الخوف فلا أمن لي … كذاك من يكره حرّ الجلاد

    vol. 4, p. 331قد كان في الموت له راحة … والموت حتم في رقاب العباد

    وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال: قال محمد بن عبد الله للغاضري: ابشر، فقد بويع لي بالشام وخراسان والمصرين.

    فقال: يا بن أم، اجعل الأرض كلها لك، وهذا عيسى بالأعوص (١) ما ينفعك منها، والله ما أصبح قوم يعرفون آجالهم غيرنا.

    قالوا: وكان أبو العباس زوّج محمدا ابنه زينب بنت محمد بن عبد الله، فلما قتل أرسل ابن أبي العباس إلى عمتها زينب بنت عبد الله بن الحسن: إني أريد أن أدخل على أهلي فافرغوا من أمرها. فأرسلت عمتها إلى عيسى بن موسى: سبحان الله أرسل محمد إليّ بكذا وقد قتلتم أباها بالأمس ويعرس بها اليوم، والله ما رقأ دم أبيها بعد.

    vol. 4, p. 330
  2. فأرسل إليها عيسى، يا ابنة عم، ما علمت بهذا، ولكنه غلام حديث السن سيء الأدب، وأرسل إلى محمد بن أبي العباس يسفّهه، ولما لقيه تناوله بسوطه وقال له: يا مائق (٢) ، أما والله ما هي بضغينة، فما كان بؤمنك أن يحضرها عقلها فتطلب بثارها وتشتمل على سكين فإذا أفضيت إليها قتلتك فتكون قد أخذت قود أبيها قبل جفوف دمه.

  3. ثم تزوجها عيسى بعد، ويقال ضمّت إلى محمد بعد ذلك، فلما مات تزوجها عيسى بعده، ثم خلف عليها محمد بن إبراهيم الإمام، ثم ابراهيم بن ابراهيم بن حسن بن زيد بن حسن بن علي، ثم عبد الله بن حسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن فتوفيت عنده.

  4. وكان مقتل محمد لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة.

    vol. 4, p. 332
  5. وأمن عيسى الناس وخرج يريد مكة صبيحة تسع عشرة ليلة من شهر رمضان، فلما كان بملل أتاه كتاب المنصور بخروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة وأمره بالقدوم عليه، ويقال بل أتاه كتاب المنصور بالعرج (١) فرجع إلى المدينة فبات بالأعوص، ثم سار فقدم على أمير المؤمنين المنصور.

  6. وكان الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بمكة فلما قتل محمد خرج من مكة، وظهر السري بن عبد الله، وكان هشام بن عروة، وأيوب بن سلمة المخزومي قد بايعا محمد بن عبد الله فأمّنا حين اعتذرا.

    وقال ابن هرمة الفهري ودعاه محمد فلم يجبه:

    عجبت لأحلام الأولى ضل رأيهم … وكانوا على وجه من الحق لا حب

    دعوني وقد شالت لابليس راية … وأوقد للغاوين نار الحباحب

    فقلت لهم هذا من الشهر نغبة (٢) … تنافي المنايا لست فيها بلاعب

    أنا الليث تغترّون يحمي عرينه … وتلقون جهلا اسده بالثعالب

    فما أحكمتني السن إن لم يبدكم … وما يقضنني ماضيات التجارب (٣)

  7. ولما أتى ابراهيم مقتل أخيه محمد قال:
  8. يابا المبارك يا زين الفوارس من … يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

    الله يعلم أني لو خشيتهم … وأوجس القلب من خوف لهم فزعا

    لم يقتلوه ولم أسلم أخي لهم … حتى نعيش جميعا أو نموت معا

    وكان محمد يقول: إني لم أخرج حتى بايعني أهل الكوفة، وأهل البصرة، وواسط، والجزيرة، والموصل، ووعدوني أن يخرجوا في الليلة التي خرجت فيها.

    vol. 4, p. 333
  9. وخرج عثمان بن إبراهيم التيمي الى اليمامة ليأخذها لمحمد فلم يصل إليها حتى بلغه قتل محمد.

    قالوا: وكان محمد أسمر أرقط مخضوب الرأس بصفرة من أبناء ستين، وكان أخوه ابراهيم شابا قد وخطه الشيب حلو الوجه خفيف اللحية فأفاء، وكان أيدا شديد البطش، وكان يكنى أبا إسحاق، ويقال أبا الحسن.

  10. وحدثني بعض أشياخنا قال: أرسل المنصور قبل خروج محمد بن عبد الله إلى عيسى بن موسى بن محمد بن علي فلما دخل عليه ذكر له أمر محمد وإبراهيم فقال: قد بهضني أمرهما وظننت أني إذا أخذت أباهما وعمومتهما وقرابتهما ظهرا لي سلم أو حرب وقد هدآ في مربضهما وقرّا في مكمنهما يلتمسان لي الغوائل ويتربصان بي الدوائر، وترك إطفاء جمرة الشيطان قبل تأججها من تضييع أسباب الدولة، وفي تضييع أسباب الدولة حلول البلاء، وأنا أريد أن أبعثهما من مربضهما، واستنهضهما من مكمنهما وأنصب الحرب لهما فإني أرجو أن ينصر الله ورثة نبيه ويعزهم بالحق الذي جعله لهم وأكرمهم به، وينتقم لنا أهل البيت من الحاسدين الساخطين لما جرى لنا به قضاؤه،

    vol. 4, p. 334فما الرأي فيما ذكرت لك، وكيف وجه العمل فيما أعلمتك.

    فقال عيسى: إن من سوء التدبير تركك الاستعداد للأمر المخوف قبل وقوعه فأرشد الله أمير المؤمنين وأدام توفيقه، ومن الصواب أن تولي يا أمير المؤمنين المدينة رجلا من أهل بيتك له مكر ونكر، وتأمره بطلبهما، والبحث عنهما، وإذكاء العيون عليهما، حتى يظفرك الله بهما، فقال: يا أبا موسى، إن عداوتهما لنا باطنة لم يظهروها فإن استكفيت أمرهما رجلا من أهل بيتي منعته الرحم من مكروههما وحجزته القرابة عن طلبهما، قال: فولّ المدينة رجلا من أهل خراسان له حدّ وجدّ، ومره يقعد لهما بكل مرصد ولا يفتر عن طلبهما حتى يظفر بهما. فقال: يا أبا موسى إن محبة آل أبي طالب في قلوب أهل خراسان ممتزجة بمحبتنا، وإن ولّيت أمرهما رجلا من أهل خراسان حالت محبته لهما بينه وبين طلبهما والفحص عنهما ولكن أهل الشام قاتلوا عليا على أن لا يتأمّر عليهم لبغضهم إياه، ثم مات علي وهلك الذين قاتلوه فقام بنوه من بعده يطلبون الأمر فقام أبناء أهل الشام الذين قاتلوه فمنعوا بنيه الأمر وسفكوا دماءهم للبغض الذي ورثوه عن آبائهم، فالرأي أن أولي المدينة رجلا من أهل الشام، فولى رياح بن عثمان بن حيان المري المدينة وشحذه على طلب محمد وابراهيم، فلما قدم المدينة صعد المنبر فقال:

    يا أهل يثرب لا مقام لكم فاربعوا (١) ، أنا ابن عم مسلم بن عقبة الشديد الوطأة، كان عليكم الوبيل الوقعة بكم الخبيث السيرة فيكم، ثم أنتم اليوم عقب الذين حصدهم السيف، وايم الله لأحصدنّ منكم عقب الذين حصد، ولألبسنّ الذل عقب من ألبس.

  11. ثم وضع على محمد وإبراهيم الأرصاد حتى خرج محمد في أهل المدينة وقتل رياح، فلما قتل في محبسه خرج صبيان أهل المدينة يكبرون حول جثته ويقولون:

    سلحت أم رياح … فأتتنا برياح

    فأتتنا بأمير … ليس من أهل الصّلاح

    ما سمعنا بأمير … قبل هذا من سفاح

    قالوا: ولما جاء المنصور خبر خروج محمد بن عبد الله قال:

    ألا تعجبون لهذا القاطع المشاقّ، ترك هذا الأمر وهو لبني أمية مستقيم فلما فتقناه عليهم وثلمناه، فوهت عراه، واسترخى طنبه، وضعف عموده فصار لنا شديد العرى محكم العقد والقوى عرض فيه للحين والردى، وبالله استعين عليه وعلى كل باغ.

    vol. 4, p. 335
  12. قال وكان المنصور حين أتاه خبر محمد نازلا بالدير الذي على الصّراة من بغداد، وهو يرتاد له منزلا، فاختار الموضع الذي يعرف بالخلد، فلما قرأ الكتاب الوارد عليه بخبره استوى قاعدا فتلا قول الله عز وجل : ﴿وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١) .

  13. ثم أمر فنودي في الناس بالرحيل وحملت الأثقال.

    وقال: آتي الكوفة فاطأ أصمختهم وأنزل على رقابهم وأكون مكبحة لهم، ثم دعا بثيابه ودابته فلما قرّبت ليركبها تمثّل قول جذل الطعان الكناني:

    سيروا إلى القوم يا خزاع … ولا يأخذنكم من لقائهم وجل

    vol. 4, p. 336فالقوم أمثالكم لهم شع … ر في الرأس لا ينشرون إن قتلوا

    ثم ركب دابته فبات بنهر صرصر، ثم غدا متوجها إلى الكوفة فنزل قصر أبي الخصيب مولاه.

    قال: فلما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة، وابراهيم بالبصرة أقبل إلى بغداد ومعه عبد الله بن الربيع الحارثي يسايره، فقال له عبد الله بن الربيع:

    لقد كان عبد الملك حازما، قال: أجل، كان رجل قومه فما بلغك عنه؟ قال عبد الله: بلغني عنه يا أمير المؤمنين أنه لما أنشد قول الأخطل:

    قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء ولو باتوا باطهار (١)

    قال: لا والله ما أتيت امرأة منذ وقعت حرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى انقضت. فقال المنصور: وأنا والله يا أبا الربيع فما كشفت لامرأة كنفا منذ وقعت حرب محمد وابراهيم حتى انقضت.

    وقال السندي بن شاهك: كنت أيام حرب محمد وابراهيم وصيفا أقوم على رأس المنصور، فلما غلظ أمرهما مكث على مصلى بضعا وخمسين ليلة لا يتنحى عنه ولا يجلس ولا ينام إلا عليه، وعليه جبة ملونة، فتدنست واتسخ جيبها وما تحت لحيته منها فما غيّرها حتى فتح الله عليه، وكان إذا جلس للناس لبس فوقها سوادا وقال لا أغيرها حتى أدري أهي لمحمد وابراهيم أم لي.

    قال السندي: وأتته ريسانة قيّمة جواريه في تلك الأيام وأنا قائم على رأسه، وقد قدم عليه إسحاق الأزرق مولاه بامرأتين من قريش كان بعثه في خطبتهما: إحداهما فاطمة بنت محمد من ولد عيسى بن طلحة بن عبيد الله،

    vol. 4, p. 337وأمة الكريم بنت عبد الله، من ولد خالد بن أسيد، فقالت له: يا أمير المؤمنين إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما وساءت ظنونهما لما ظهر لهما من جفائك إياهما، فانتهرها وزبرها وقال: أهذه الأيام من أيام النساء؟ لا سبيل إليهما حتى أعلم أرأس ابراهيم لي أم رأسي له.

    قالوا: وأتي المنصور برجل معه كتب إلى أهل الكوفة من محمد وابراهيم فأمر بضرب عنقه، فذكر أنه مجبر مقهور محتاج كثير العيال، فأمر بتخلية سبيله، فقال: يا أمير المؤمنين، إني استحلفت أن أوصل الكتب إلى اصحابها إلا أن يحاط بي، وقد منّ أمير المؤمنين علي، فقال: خذها هبلتك أمك. فتناول الكتب ومضى فأوصلها، فلم تزل منازل من كتب إليه بطون الأرض حتى توفي المنصور، فبقي منهم بعد ذلك رجل أو رجلان.

    قالوا: وخرج محمد ثم خرج ابراهيم فقال المنصور:

    تفرقت الظباء على خداش … فما يدري خداش من يصيد

    وقال حين قتلا:

    فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر

    قالوا: ولما قدم ابراهيم بن هرمة على المنصور وقد بلغه أن محمدا دعاه فلم يجبه، وقال في ذلك شعره الذي قاله، قال المنصور: يا إبراهيم، سلني حوائجك. فقال: إن في هذه الأرواح الصننة (١) ، وإنما دواؤها شرب النبيذ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلى عامله ألا يحدّني فيه فعل. قال:

    لا سبيل إلى هذا ولكن اكتبوا له أن يجلد من أخذه مائة ويجلده ثمانين، فقال: قنعت. فكان يقول إذا سكر بالمدينة: من يشتري ثمانين بمائة.

  14. وحدثني الحسن بن علي الحرمازي، وأبو العباس الفضل بن العباس الهاشمي عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله وغيرهما فسقت حديثهم ورددت من بعضه على بعض أن أبا بكر بن أبي سبرة كان عاملا لرياح بن عثمان على مسعاة أسد وطيء، فلما خرج محمد بن عبد الله دفع إليه ما كان معه من المال وقال: استعن به على أمرك فلما قتل محمد قيل لأبي بكر اهرب فقال: ليس مثلي هرب فأخذ أسيرا فطرح في حبس المدينة وكان الحابس له عيسى بن موسى، ويقال خليفته كثير بن الحصين العبدي، وولي المدينة بعد عيسى بن موسى عبد الله بن الربيع الحارثي، ويكنى أبا الربيع فعاث جنده وأفسدوا فوثب بهم أهل المدينة فقتلوا منهم وطردوا باقيهم وأخرجوا عبد الله عن المدينة وانتهبوا متاعه. فنزل بير المطلب يريد العراق، واجتمع سودان ورعاع وقلدوا أمرهم ورئاستهم أسود يقال له اوتيوا - فكان السودان فيما ذكر الحرمازي يدعونه أمير المؤمنين، وجاؤوا فكسروا باب السجن وأخرجوا من فيه، وأخرجوا أبا بكر بن أبي سبرة فأرادوا فك حديده فأبى ذلك، وأقام فخطب ودعا إلى طاعة المنصور وحذر الفتنة، فقيل له:

    تقدم فصلّ، فقال: ان الأسير لا يؤمّ، ورجع إلى السجن فأقام به، واجتمع القرشيون فخرجوا إلى ابن أبي الربيع بما ذهب له أو أكثره، وأرضوا من بقي من جنده.

    vol. 4, p. 338
  15. ورأى ابن أبي ذئب اولئك السودان فقال لبعضهم: ما هذا؟ فقال:

    هذا اوتيوا أميرنا وهو أمير المؤمنين. فقال ابن أبي ذئب وهو يبتسم: يا رب ان كان في سابق علمك ان يلي أمرنا أوتيوا هذا فارزقنا عدله.

  16. وأتى محمد بن عمران بن ابرهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أوتيوا

    vol. 4, p. 339وقد خفّ من معه فلم يزل يخدغه حتى أمكنته الفرصة منه فقبض عليه، وأمر به فأوثق، وتفرق السودان بعد أن أخذ أوتيوا وقبض كل رجل على أسود منهم، ومات أوتيوا في السجن وكان مثقلا بالحديد، ويقال إنه مات جوعا، وقال الحرمازي قتل قتلا.

    وقال هشام ابن الكلبي: ولى المنصور محمد بن عمران بن ابراهيم بن محمد بن طلحة قضاء المدينة، ثم ولى المنصور جعفر بن سليمان المدينة فأمره باطلاق ابن أبي سبرة وقال: إن كان أساء، فقد أحسن بما كان منه.