أمر هشام بن عبد الملك بن مروان
822 paragraphs · vol. 9, p. 367
Page 10 of 21
- vol. 10, p. 123
فأصلح سلم بينهم وانصرفوا وضبيعة بن ربيعة بن نزار، فيقال إن بهثة سليم هو بهثة ضبيعة، والله أعلم.
قالوا: وكان أبو العاج يغضب من «أبي العاج» فتقدم إليه رجل فقال: أصلحك الله يا أبا العاج فقال أبو محمد: يا بن البظراء، فقال:
لا تقل هذا فإنها كانت مسلمة قد حجّت، فقال: إن ذاك لا يمنعها من الحج.
-
وقيل لأبي العاج وأتي برجل مأبون: إن هذا يمكّن من نفسه. قال:
أفتريدون ماذا؟ أوكّل به رجالا يحفظون دبره، لقد وقعت إذا في عناء.
-
أطلقوه فالاست استه يصنع بها ما شاء.
-
تولى أبو العاج البصرة نحوا من سنة، ثم عزله يوسف، وولى:
vol. 10, p. 124[القاسم بن محمد بن القاسم البصرة]
-
فانحدر إليها من واسط وكان واليا عليها، وأقام على البصرة خمس سنين وأشهرا فاتخذ في مصلى البصرة بستانا، واتخذ حوضين وبنى عليهما صومعة فكان يأمر بالحوضين في يومي العيدين فيملآن ماء يصب فيهما ألفا رواية، فإذا صلى وجلس في الجنيدة وضعت الآنية فيشرب الناس، وأقام مكانه حتى يخف الزحام، ثم يأتي دار الإمارة.
قالوا: وكتب يوسف إلى القاسم يأمره أن ينتخب له رجالا يجعلهم أمناء على عماله، فانتخب رجالا كانوا يدعون القصّاص لأنهم يقصّون أثر العمال، منهم: مطر بن فيل، والحارث الأحول فوجههم في أعماله فأما مطر بن فيل فامتنع من العمل فقال له يوسف: ما بالك لا تعمل؟ قال:
لا أصلح للعمل. قال: ولم؟ أما تعلمت من جباية أبيك؟ قال: مات وأنا صغير. فقال: والله لأضربنّك ثم لأحبسنّك ثم لأولينّك. فضربه وحبسه فعمل له بالشام حتى كتب إلى يوسف فأطلقه. وقال القاسم بن محمد بعد ذلك بيتا لم يقل قط غيره:
نقمت الجور مني في زماني … فكيف تراه يا مطر بن فيل
وقال الشاعر:
عذ بالأمير إذا خشيت ظلامة … بالقاسم بن محمد بن القاسم
وقال حمزة بن بيض:
وأمتعنا بالقاسم بن محمد … أميرا وزاد الله في عمره عمرا
فلا خير في الدنيا إذا لم يكن بها … أمير عقيلي يشبّهه البدرا
vol. 10, p. 125المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: خطبنا يوسف في مسجد الكوفة فتكلم إنسان مجنون فقال يوسف: يا أهل الكوفة ألم أنهكم أن يدخل مجانينكم المسجد، اضربوا عنقه، فضربت عنق المجنون فقلت: لا أصلي والله خلفك أبدا، وكان مع هذا طويل الصلاة كثير القراءة للقرآن.
-
المدائني قال: خلع رجل ثيابه ليغتسل وألقى هميانه (١) فجاءت عقاب فحملت الهميان تحسبه لحما فخرج الرجل يصرخ ويبكي فأخبر يوسف فقال: كم أكثر ما تطير العقاب؟ قيل: كذا. قال: انظروا أقرب القرى من هذه الغاية فضمنوا أهلها هميان الرجل.
-
المدائني قال: لما قدم يوسف العراق قال لعامر بن يحيى بن عامر بن مسمع: إيه يا فاسق، أخربت مهرجانقذق. قال: إني لم أكن عليها إنما كنت على ماه، وقد عمرت البلاد ووفرت الخراج. فأعاد عليه: أخربت مهرجانقذق، فأعاد عليه مثل قوله. فقال عامر: أشهد أنك مجنون.
-
فعذبه حتى قتله.
وقال يوسف يوما لكاتب له: ما حبسك؟ قال: اشتكيت بضرسي.
-
فدعا بحجام فقلعه وضرسا آخر معه.
-
وخطب يوسف فقال - ولم يذكر الله في أول خطبته-: يا أهل المدرة الخبيثة أترجفون فيّ فهلا أرجفتم بابن النصرانية الذي قال لأجعلنّ (٢) ملئها قمحا بدرهم، هل نقمتم عليّ إلا أني لم أدع جندي يزدرعون فيكم.
vol. 10, p. 126وقال الواقدي: قدم المطلب بن عبد الله بن حنطب وأمه أم سلمة بنت الحكم بن أبي العاص بن أمية على هشام بسبب هذه الخؤولة، فقضى عنه سبعة عشرة ألف دينار، والبئر التي على طريق العراق تنسب إلى بئر المطلب وهي بئره (١) .
- vol. 10, p. 127
بسم الله الرحمن الرحيم
[خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان]
-
يكنى أبا العباس، ولي الخلافة بعد هشام وقد ذكرنا كيف كانت بيعته، وكانت أيامه سنة وثلاثة أشهر، وقتل لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة: وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم، والحجاج عمها، ولقّب الوليد البيطار وذلك انه كان يصيد حمير الوحش فيسمها بالوليد ثم يخليها.
-
حدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن أبيه وابن عياش أن الوليد نشأ في قصر أبيه على الترفّ فمجن وتهتك، وكان العهد له بعد هشام، فكان مسرفا على نفسه معلنا للفسوق والشرب واللذات، وكان هشام ينهاه عن ذلك فلا يزعه نهيه ولا يردعه حتى هم بخلعه، وكان شاعرا وكانت عنده ابنة سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فزارتها أختها سلمى بنت سعيد، وكانت من أحسن الناس وجها، فبصر بها الوليد فأعجبته وذلك قبل الخلافة فطلق أختها ثم خطبها إلى أبيها فامتنع عليه وقال: إنما تريد مني أن أتخذك فحلا لبناتي، فكان يهجوه، وفيه يقول:
vol. 10, p. 128من يك مفتاحا لخير يريده … فإنك قفل يا سعيد بن خالد (١)
-
وكان يقول في سلمى الأشعار فيغني بها المغنون وينشدها جلساءه ويشكو إليهم حبها حتى افتضح وسقط عند الناس. وفيها يقول:
تذكّر شجوة القلب القريح … فدمع العين منهلّ سفوح
ألا طرقتك بالبلقاء سلمى … هدوا والمطيّ بنا جنوح
فبتّ بها قرير العين حتى … تكلم ناطق الصبح الفصيح (٢)
-
وكان مستهترا بشرب الخمر لا يكاد يصلي، وقال وبلغه أن هشاما همّ بخلعه:
خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم … ثباتا يساوي ما حييت قبالا
ذروا لي سلمى والطلاء وقينة … وكأسا ألا حسبي بذلك مالا
أبا لملك أرجو أن أعمّر فيكم … ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا
ألا ربّ دار قد تحمّل أهلها … فأضحت قفارا والبقاع تلالا
إذا ما صفا عيشي برملة عالج … وعانقت سلمى لا أريد بدالا (٣)
-
المدائني والهيثم قالا: كان الوليد يلعب بالصوالجة في ملعب له، وهو يرتجز ويقول:
يا ربّ أمر ذي شؤون جحفل … قاسيت فيه جالبات الأحول
(٤)
vol. 10, p. 129قال: ولما ولي الخلافة بعث إلى سعيد بن خالد فقسره على أن يزوجه سلمى ابنته، فلما حملت إليه من المدينة اعتلّت في الطريق وماتت ليلة أدخلت عليه، ولم يزل على مجونه حتى وثبت اليمانية فقتلوه وبايعوا ليزيد بن الوليد بن عبد الملك.
وقال أبو نخيلة السعدي في الوليد:
بين أبي العاص وبين الحجاج … يا لهما يورى سراج وهّاج
عليه بعد عمه عقد التاج
قالوا: وكان ولد الوليد: عثمان وأمه عاتكة من ولد محمد بن أبي سفيان بن حرب.
-
وسعيدا وأمه أم عبد الملك بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان.
-
والعباس، ويزيد، والحكم وفهر، ولؤي، وقصي والعاص، ومؤمن، وواسط، ودوالة لأمهات أولاد شتى. والوليد، ومفتح لأم ولد.
-
درجوا كلهم.
-
المدائني قال: كان الوليد حين بايع له أبوه بعد هشام ابن احدى عشرة سنة، قالوا: لما بلغ الوليد الحنث (١) ، ندم أبوه على تولية هشام عهده وقال: لو انتظرت بلوغه ولكن مسلمة لم يدعني وكان إذا رآه قال: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك.
-
وتوفي يزيد سنة خمس ومائة، وولي هشام فكان في بدء أمره مكرما للوليد فمكث بذلك أعواما، وكان مؤدب الوليد عبد الصمد بن عبد الأعلى
vol. 10, p. 130الشاعر، وكان فيما يزعمون زنديقا فحمله على شرب الخمر والاستخفاف فاتخذ ندماء، وولاه هشام الموسم سنة عشرة ومائة فرأى الناس منه تهاونا واستخفافا، فأمر مولى له يقال له عيسى بن مقسم فصلى بالناس، وبلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه، فأراده على أن يخلعها ويبايع لابنه أبي شاكر مسلمة بن هشام فأبى، فتنكر له هشام وأضرّ به وجعل يشتمه ويتنقصه، وتمادى الوليد في الشرب واللذات فأفرط فقال هشام: ويحك ما أظنك على الإسلام، فكتب إليه الوليد:
يا أيها الباحث عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا وممزوجة … بالسّخن أحيانا وبالفاتر (١)
-
ويقال إن هذين البيتين لعبد الصمد بن عبد الأعلى قالهما فكتب بهما الوليد إلى هشام.
-
وكان في أبي شاكر بن هشام أيضا مجون، وكان يكثر الشرب ويدمنه، فغضب هشام على مسلمة وقال: يعيرني الوليد بك، وأنا أرشحك للخلافة؟. فألزمه الأدب وحضور الصلوات والجمعات، وولاه في سنة سبع عشرة ومائة الموسم فأظهر النسك ولين الجانب، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لبعض أهل المدينة يعرض بالوليد بن يزيد:
يا أيها السائل عن ديننا … نحن على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها … ليس بزنديق ولا فاجر
وقال الكميت بن زيد:
vol. 10, p. 131إن الخلافة كائن أسبابها … بعد الوليد إلى ابن أم حكيم
فكان خالد بن عبد الله القسري يقول: أنا بريء من خليفة يكنى أبا شاكر. فبلغ مسلمة قول خالد، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد كتب اليه مسلمة:
أراح من خالد وأهلكه … ربّ أراح العباد من أسد
أما أبوه فكان مؤتشبا … عبدا لئيما لأعبد فقد
والبيتان لابن نوفل قالهما حين مات أسد، فلما قرأ خالد البيتين قال:
ما رأيت كاليوم تعزية أعجب.
-
المدائني عن أبي محمد القرشي قال: كان هشام يعيب الوليد ويتنقصه فدخل عليه يوما وعنده جماعة من بني مروان، وكانوا يعيبون الوليد قبل دخوله فيقولون: هو أحمق، فقال له العباس بن الوليد بن عبد الملك: يا أبا العباس كيف حبك للروميات فإن أباك كان معجبا بهن، قال: إني لأحبهن، وكيف لا أحب من لا يزال يأتي بمثلك - وأم العباس رومية - فقال: لست بالفحل يجيء عسبه بمثلي. فقال له الوليد: يا بن البظراء.
فقال العباس: يا وليد أتفخر عليّ بما قطع من بظر أمك؟.
وقال هشام للوليد يوما: ما شرابك؟. قال: شرابك يا أمير المؤمنين، وقام مغضبا فقال هشام: هذا الذي يزعمون أنه أحمق، ما هو بأحمق ولكني أظنه على غير الملة.
-
المدائني عن أبي محمد القرشي قال: دخل الوليد يوما مجلس هشام وفيه: سعيد بن هشام بن عبد الملك، وإبراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومي، خال هشام بن عبد الملك، وأبو الزبير مولى بني مروان، ولم
vol. 10, p. 132يكن هشام بن عبد الملك حاضرا في المجلس فأقبل على سعيد بن هشام فقال: من أنت؟ - وهو يعرفه-، فقال: سعيد ابن أمير المؤمنين. فقال:
مرحبا بك، ثم قال لأبي الزبير: من أنت؟. قال: أبو الزبير. قال:
نسطاس، مرحبا بك. ثم قال لإبراهيم بن هشام: من أنت؟. قال:
ابراهيم بن هشام. قال: من ابراهيم بن هشام؟ - وهو يعرفه-. قال:
ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومي. قال: ومن اسماعيل المخزومي؟. قال: أنا الذي لم يكن أبوك يرى أنه في شيء حتى زوجّه أبي.
قال: يا بن اللخناء. وائتخذا (١) وأقبل هشام فقيل: أمير المؤمنين، فكفا وجلسا ودخل، فما كاد الوليد يتزحزح عن صدر المجلس، فزحل قليلا وجلس هشام فقال: كيف أنت يا وليد؟ قال: صالح. قال: ما فعلت برابطك؟ قال: معلمة. قال: فكيف ندماؤك؟ قال: لعنهم الله إن كانوا شرا من جلسائك. وقام فقال هشام، يا بن اللخناء جؤوا في عنقه. فلم يفعلوا ودفعوه دفعا رفيقا، فقال الوليد:
أنا ابن أبي العاصي وعثمان والدي … ومروان جدي ذو الفعال وعامر
أنا ابن عظيم القريتين وعزّها … ثقيف وفهر والرجال الأكابر
نبيّ الهدى خالي ومن يك خاله … نبي الهدى يعلو الورى في المفاخر (٢)
وقال أيضا:
أنا الوليد أبو العباس قد علمت … علياء معد مدى ذكري وأقدامي (٣)
vol. 10, p. 133إني لدى الذروة العلياء إن نسبوا … مقابل بين أخوالي وأعمامي
بنى لي المجد بان غير مدرك … على منار مضيئات وأعلام
خلقت من جوهر الأعياص قد علموا … في باذخ مشمخرّ العزّ قمقام
صعب المرام يناغي النجم مطلعه … يسمو إلى فرع مجد شامخ سام
قالوا: فلما كثر عيب هشام للوليد وتعبّثه به وبأصحابه وخاصته، خرج في جماعة منهم فنزل بالأزرق بين أرض بلقين وفزارة، وخلّف بالرصافة كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك، وأمره أن يكتب إليه بما يحدث قبله.
قالوا: وكان سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري وفد على هشام، وكان غلاما وضيء الوجه فجعل يختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى الشيباني مؤدب الوليد بن يزيد (١) بسبب الأدب، فراوده عبد الصمد بن علي عن نفسه فأتى باب هشام فأذن له فدخل مغضبا فقال:
إنه والله لولا أنت لم … ينج مني سالما عبد الصمد
قال هشام: ولم ذاك؟. قال:
إنه قد رام مني خطة … لم يرمها قبله مني أحد
فهو فيما كان منه كالذي … يتبغّى الصيد في خيس الأسد
فأساء هشام القول في عبد الصمد وهمّ به ثم أمسك.
قالوا: وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى عند الوليد وهم يشربون، فقال عبد الصمد:
vol. 10, p. 134أظنّ الوليد دنا ملكه … فأمسى إليه قد استجمعا
وإنا نؤمل في ملكه … كتأميل ذي الجدب أن يمرعا
عقدنا له محكمات العهـ … ـود طوعا وكان لها موضعا
فبلغ الشعر هشاما فأغضبه، وكتب إلى الوليد: إنك اتخذت عبد الصمد خدنا وأليفا ومحدثا ونديما، وقد صح عندي أنه على غير الإسلام، فحقق ذلك ما يقال فيك، ولم أر بك من سوء فاحمل إلي عبد الصمد مع رسولي مذموما مدحورا. فلم يجد بدا من إشخاصه إليه وأنشأ يقول:
لقد قرفوا أبا وهب بأمر … كبير أو يزيد على الكبير
وأشهد أنهم كذبوا عليه … شهادة عالم بهم خبير (١)
قال: فلما صار عبد الصمد إلى هشام أمر بإنفاذه إلى يوسف بن عمر، ومعه أخ له يقال له عبد الرحمن، فبنى لهما يوسف بيتا وجعلهما فيه وطيّن بابه وصير فيه كوة يرمي منها إليهما بالطعام، ووكل بهما محمد بن نباتة بن حنظلة، ثم أعطشهما حتى برصا أو برص أحدهما، وماتا عطشا.
-
وقال هشام لعبد الله بن عبد الأعلى أخيهما وقد كلمه فيهما: أأنت على دينهما؟ قال: أنا عليه، والله ما يدينان إلا بالإسلام. فأمر به فأخرج عنه، وقال: لا يساكنني ولا يكلمنه أحد، فأتى الوليد بن يزيد فلم يأذن له عليه.
-
وكان يجلس في المسجد وقد اجتنبه الناس.
-
المدائني عن مسلمة بن محارب عن رجل من قريش قال: قدمت الشام فرأيت عبد الله بن عبد الأعلى فتمنيت أن يكون حالي مثل حاله، ثم غبت
vol. 10, p. 135أعواما وقدمت الشام فإذا هو مفرد لا يجالسه أحد ولا يكلمه، فقلت له:
إني قدمت الشام مذ أعوام فرأيتك في حال تمنيت أن أكون في مثلها، وأنت اليوم على ما أرى، فقال: إنه بلغ قومنا عن شيء فأخذوا بظاهر البلاغ، ولم يطلعوا على باطن الضمير، ومن ورائنا وورائهم الحساب.
-
المدائني عن أبي اليقظان قال: كان بالشام رجل من أهل اليمن يقال له عبد الله بن سهيل، وقد ولي دمشق أو شرطتها مرارا، فكتب الوليد إلى هشام يعلمه أنه قد فارق عبد الصمد ويسأله أن يأذن لابن سهيل في القدوم عليه، فضرب هشام ابن سهيل ونفاه، وأخذ عياض بن مسلم وبلغه أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد فضربه وألبسه المسوح وقيده وحبسه، فغم ذلك الوليد فقال: من يثق بالناس أو يصطنع المعروف هذا الأحول المشؤوم قدّمه أبي وولاه الخلافة وهو يصنع ما ترون.
وقال الوليد:
أنا النذير لمسدي نعمة أبدا … إلى المقاريف ما لم يخبر الدخلا
إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطرا … وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا
أتشمخون ومنّا أصل نعمتكم … ستعلمون إذا صرتم لنا خولا
أنظر فإن أنت لم تقدر على مثل … لهم سوى الكلب فاضربه لهم مثلا
بينا يسمّنه للصيد صاحبه … عدا عليه فلو يسطيعه أكلا (١)
قالوا: وبلغ الوليد أن العباس بن الوليد بن عبد الملك وعمر بن الوليد وغيرهما من بني مروان يعيبونه بشرب الشراب فقال:
vol. 10, p. 136ولقد قضيت - وإن تجلّل لّمتي … شيب - على رغم العدى لذّاتي
من كاعبات كالدمى ومناصف … ومراكب للصيد والنشوات
إن يطلبوا بتراتهم يعطونها … أو يطلبوا لا يدركوا بترات (١)
قالوا: وقطع هشام عن الوليد ما كان يجري عليه، وأسقط أسماء أصحابه وحرسه، وقطع ما كان يجريه عليهم، فكتب إليه الوليد: «قد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين أصلحه الله في قطع ما قطع عني وعن أصحابي وحرسي وأهلي، ولم أكن خائفا لأن يبتلي الله أمير المؤمنين بذلك، ولا يبتليني به منه، فإن يكن طلبي ابن سهيل علة ذلك فلم يبلغ أمر ابن سهيل وكتابي فيه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي، وإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين عليّ فقد سبب الله لي من العهد، وكتب لي من العمر، وقسم لي من الرزق ما لا يقدر أحد على قطع شيء منه بدون مدته، ولا صرف شيء منه عن مواقعه، فأقدار الله تجري بما أحب الناس أو كرهوا، فلا تأخير لعاجلها ولا تعجيل لآجلها، والناس بين ذلك مقترفون للآثام على أنفسهم» .
-
فكتب إليه هشام: «قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وأمير المؤمنين يستغفر الله من اجرائه ما كان يجري عليك، فإنه للمأثم في ذلك أخوف منه على نفسه في قطعه ما قطع لأمرين: أما أحدهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجريه عليك وهو يعلم المواضع التي تضعه فيها، وإنفاقك إياه في سبل المعصية، وأما الآخر فلأن أمير المؤمنين أثبت صحابتك وإدرار أرزاقهم وليس ينالهم ما
vol. 10, p. 137ينال المسلمين في كل عام من المكروه عند قطع البعوث وجهاد العدو، وإنماهم معك تجول بهم في سفهك وبطلانك وفسوقك، ولأمير المؤمنين إلى التقصير في التغيير عليك أقرب منه إلى الاعتداء، ولقد بصر الله أمير المؤمنين من قطع ما قطع عنك وعن أصحابك المجّان ما يرجو أن يكون كفارة لما سلف من إدرار ذلك عليكم وبالله الثقة. وأما ابن سهيل فهل زاد - لله أبوك - على أن كان زفّانا مغنيا، قد بلغ في السفه غايته، وليس هو في ذلك بشر ممن تستصحبه مع الأمور التي يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما أنت لعمر الله أهل للتوبيخ بها، فأما ما ذكرت مما سبب الله لك فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك وأصفاه به، والله بالغ أمره، ولقد أصبح أمير المؤمنين على اليقين من ربه أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه الله من كرامته ضرا ولا نفعا، وإن الله ولّى ذلك منه، وإنه أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير الرضا منهم، وإن أمير المؤمنين لحسن ظنه بربه على أعظم الرجاء أن ييسر له تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا به، فإن بلاء الله عنده أعظم من أن يبلغه ذكره، ويؤدي حقه فيه شكره إلا بعون منه له، ولئن كان قد قدر لأمير المؤمنين تعجيل وفاة إن في الذي هو مفض إليه من كرامة ربه إن شاء الله لخلفا من الدنيا، ولعمر أمير المؤمنين إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك وسقوطك، فاربع على نفسك وغلوائها، فإن لله سطوات وغيرا يصيب بها من يشاء، وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحب الأمور إليه، وأرضاها له. والسلام».
- فكتب إليه الوليد:
- vol. 10, p. 138
رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي … فلو كنت ذا عقل لهدّمت ما تبني
ستترك للباقين مجنى ضغينة … وويل لهم إن متّ من شر ما تجني (١)
وقال الوليد:
أليس عظيما أن أرى كل وارد … حياضك يوما صادرا بالنوافل
وأرجع مجذوذ الرجاء مصرّدا … بتخلية عن ورد تلك المناهل
فأويست مما كنت آمل فيكم … وليس يلاقي ما رجا كل آمل
كذي قبضة يوما على عرض هبوة … يشد عليها كفه بالأنامل (٢)
وقال المدائني: ذكر الوليد عند لمهدي أمير المؤمنين فقيل: كان زنديقا، فقال: خلافة الله أجلّ وأكرم عليه من أن يوليها زنديقا.
قال المدائني: وكانت عند الوليد أم عبد الملك بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فمرض سعيد وهو متبدّ، فعاده الوليد بن يزيد، فدخل عليه ولم يعلموا به، فرأى أختها سلمى بنت سعيد لمحة، فوقعت في قلبه، فطلق أختها وخطبها فلم يزوجه إياها أبوها، وكانت أختها أم عثمان بنت سعيد عند هشام، فأرسل هشام إلى سعيد: إياك أن تزوجه، فقال: أيريد الوليد أن يكون فحلا لبناتك، يطلّق واحدة ويتزوج واحدة، فلم يزوّجه، فكتب إلى أبيها:
أبا عثمان هل لك في صنيع … تصيب الرشد في صلبي هديتا
فأشكر منك ذا المسدى وتحيي … أبا عثمان ميّتة وميتا (٣)
- vol. 10, p. 139
فقال له عبد الصمد بن عبد الأعلى وهو بعد عنده، وليث وغيرهما من أصحابه: ما ترجو بها وقد ردك أبوها عنها، وسيزوجك إذا مات هشام فقال:
يعزيني أبو وهب وليث … ويعذل مالك وأبو ركين
فقلت لهم كلامكم محال … دعوني من كلامكم دعوني (١)
وقال ابو اليقظان: خرج الوليد إلى فدين (٢) ومنزل سعيد بن خالد بفدين، فرأى رجلا يبيع الزيت قريبا من منزل سعيد فأخذ ثيابه ولبسها، وساق حمار الزيت حتى أدخله قصر سعيد، وهو ينادي: من يشتري الزيت. فخرج الجواري فنظرن فقالت جارية منهنّ لسلمى: يا سيدتي ما رأيت إنسانا أشبه بالوليد من هذا الزيات ابن الخبيثة، انظري إليه، فاطلعت سلمى فقالت للجارية: ويحك هو والله الوليد، قد والله رآني فقولي له يا زيات أخرج لا نريد زيتك. فخرج وقد لمحها وقال:
إنني أبصرت شخصا … حسن الوجه مليح
لابسا أثواب سوء … من عباء ومسوح
وأبيع الزيت بيعا … خاسرا غير ربيح (٣)
-
وبلغه أنها خرجت في يوم عيد فقال:
vol. 10, p. 140خبّروني أنّ سلمى … خرجت يوم المصلّى
وإذا ثمّ غراب … فوق غصن يتفلّى
قلت بالله ادن مني … قال: ها ثم تدلى
قلت هل أبصرت سلمى … قال: لا ثم تولّى (١)
وقال الوليد أيضا:
ألا ليت الإله يحين سلمى … فإن الله يفعل ما يشاء
فيخرجها فيطرحها بأرض … ويرقدها وقد سقط الرداء
ويأتي بي فيطرحني عليها … فأوقظها وقد قضي القضاء
ويرسل ديمة سحّا علينا … فيغسلنا فلا يبقى العناء (٢)
وقال أيضا:
يا من لقلب في الهوى متشعب … أم من لقلب في الحبال عميد
سلمى هواه فليس يذكر غيرها … دون الطريف ودون كل تليد
إن القرابة والمودة ألّفا … بين الوليد وبين بنت سعيد (٣)
وقال أيضا:
شاع شعري في سليمى وظهر … ورواه كل باد وحضر
وتهادته العذارى بينها … وتغنين به حتى انتشر
قلت قولا لسليمى معجبا … مثل ما قال جميل وعمر
لو رأينا لسليمى أثرا … لسجدنا ألف ألف للأثر
vol. 10, p. 141واتخذناها إماما مرتضى … ولكانت حجنا والمعتمر
إنما بنت سعيد قمر … هل حرجنا إن سجدنا للقمر (١)
وقال أيضا:
رآني الله يا سلمى حياتي … وفي يوم الحساب كما أراك
ألا تجزين من تيّمت عمرا … ومن لو تطلبين لقد أتاك
ومن إن متّ مات ولا تموتي … وإن ينسأ له أجل بكاك
ومن لو قلت مت وأطاق موتا … إذا ذاق الممات وما عصاك
ومن حقا لو اعطي ما تمنى … من الأرض العريضة ما عداك
أثيبي هائما كلفا معنى … إذا خدرت له رجل دعاك (٢)
وقال أيضا:
أنا في يمنى يديها … وهي في يسرى يديّه
إن هذا لقضاء … غير عدل يا أخيّه
ليت من لام محبا … في الهوى لاقى المنيّة
فاستراح الناس منه … ميتة غير سويّه (٣)
وقال أيضا:
ويح سلمى لوتراني … لعناها ما عناني
متلفا في اللهو مالي … عاشقا حور الغواني
ولقد كنت زمانا … خالي الذرع لشاني (٤)
vol. 10, p. 142وقال أيضا:
أنا ابن يزيد بن عبد الملك … وجدي مروان لا أم لك
فكيف إذا ما ملكت البلاد … وقمت خطيبا على منبرك
فبخّ بخ بخ ما أكرمك … وبخّ بخ بخ ما أفخرك (١)
وقال أيضا:
من لقلب أمسى كئيبا حزينا … مستهاما بين اللهى والتراقي
أمّ سلاّم ما ذكرتك إلا … شرقت بالدموع مني المآقي
حذرا أن تبين لي دار سلمى … وتجيء الدنيا لها بفراق (٢)
وقال أيضا:
نام من كان خليا من ألم … ولقد بتّ شجيا لم أنم
احكمي في الوصل إذ وليته … ليس قتل النفس من عدل الحكم
أرقب النجم كأني مسند … بأكفّ القوم تغشاني الظّلم (٣)
قالوا: ولم يزل الوليد مقيما بالأزرق في البرية حتى مات هشام، فلما كان غداة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة أرسل إلى المنذر بن أبي عمرو فأتاه فقال له: يا أبا الزبير ما أتت على ليلة مذ عقلت أطول من ليلتي هذه، ما زلت في هموم وحديث نفس واغتمام بأمر هذا الرجل الذي قد أولع بي - يعني هشاما -
vol. 10, p. 143فاركب بنا نتنفس، فركبنا فبينا هو كذلك إذ نظر إلى رهج فقال: هؤلاء رسل هشام نسأل الله خيرهم.
-
وبدا له رجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمد السفياني، فلما بصرا بالوليد بن يزيد نزلا ثم دنوا منه فسلما عليه بالخلافة، فوجم ثم قال: أمات هشام؟. قالا: نعم. قال: فممن الكتاب؟ قالا: من مولاك سالم بن عبد الله صاحب ديوان الرسائل، فقرأ الكتاب وانصرفا، ثم دعا مولى السفياني فسأله عن عياض فحدثه حديثه وإحرازه ما أحرز من الخزائن وغير ذلك من أمره.
-
وكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك يأمره أن يأتي الرصافة فيحصي ما فيها من أموال هشام، وأموال ولده، ويأخذ عماله وحشمه إلا مسلمة بن هشام لأنه كان يكثر ان يكلم أباه فيه، ويكف عنه شرّه ويسأله الرفق به.
-
فقدم العباس الرصافة فأحكم للوليد ما كتب به إليه، وأتته أم سلمة بنت يعقوب المخزومية وهي امرأة مسلمة بن هشام فقالت: إن مسلمة لا يفيق من الشراب ولا يكترث لموت أبيه وأمر إخوته. فأخبر العباس مسلمة بما قالت ووبّخه، فطلقها مسلمة في ذلك المجلس، فشخصت تريد فلسطين، فتزوجها أبو العباس أمير المؤمنين.
-
وكتب العباس بن الوليد إلى الوليد بثبت ما أحصى من أموال هشام وما في خزائنه فقال الوليد:
ليت هشاما عاش حتى يرى … محلبه الأوفر قد أترعا
كلنا له بالصاع إذا كالها … وما ظلمناه بها أصوعا
vol. 10, p. 144وما أتينا ذاك عن بدعة … أحلّه القرآن لي أجمعا (١)
-
المدائني قال: كان هشام بن عبد الملك خطب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة اخته أو ابنته على معاوية بن هشام، فأبى أن يزوجه إياها فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر وبين الوليد بن القعقاع كلام بلغ هشاما فبعث به هشام إلى الوليد بن القعقاع فضربه مائة سوط، وحبسه فقال ابن طيسلة:
ما فل خيس رجال لا عقول لهم … من يعدلون إلى المحبوس في حلب
إلى امرئ لم تصبه الدهر معضلة … إلا استقل بها مسترخي اللّبب (٢)
-
فلما مات هشام كان البشير بموته إلى الوليد بن يزيد فقال له الوليد:
احتكم، فقال: ولاية قنسرين والتخلية بيني وبين الوليد بن القعقاع وأخيه عبد الملك بن القعقاع، فأجابه إلى ذلك، ويقال إنه ولاه جند قنسرين، فهرب الوليد وعبد الملك ابنا القعقاع فاستجارا بقبر مروان، فلم يجرهما الوليد وبعث بهما إلى يزيد بن عمر، وكان على حبسه رجل من فزارة يقال له نوفل بن سكين، فدفعهما إليه فحبسهما، فمات أحدهما في الحبس في العذاب، ويقال ماتا جميعا، فقال عبد العزيز بن القعقاع:
أنوفل من يضمن دما من دمائنا … وشيخا يشقّقن الجيوب أقاربه
وقال أبو الشّغب العبسي واسمه عكرشة بن أربد بن عروة بن مسحل بن شيطان بن جذيم بن جذيمة:
vol. 10, p. 145أمست قبور بني مروان مخفرة … لا يستجار ولا يرعى لها الراعي
قبر التميمي (١) … أوفى من قبورهم
يسعى بذمته في قومه الساعي
إنّ البرية قالت عند غدرته … أف لقبر به عاذ ابن قعقاع
وكان الكلام الذي وقع بينهما أن الوليد قال ليزيد: يا بن الفرّار - يعني أباه حين هرب من سجن خالد - فقال له يزيد: يا بن الضرّاط، فقال الوليد: يا بن اللخناء. فقال يزيد:
بل أنت نزوة خوّار على أمة … لا يسبق الحلبات اللؤم والخور
فقال: يا بن الفجواء (٢) . قال يزيد: إنما قدمتكم أعجاز النساء وقدّمتنا صدور العوالي - يعني أن ولاّدة أم الوليد وسليمان كانت منهم، وكان القعقاع بن خليد ضرط عند الوليد، وذلك أن الوليد قال لابن رأس الجالوت: تزعمون أن في ولد داود علامة يعرفون بها وهي أن يمد أحدهم يده فتنال ركبته، فقال القعقاع: فيدي تنال ركبتي، وقام لينال ركبته فضرط، فقال الشاعر لشيبة بن الوليد بن القعقاع:
يا شيب هل لك في ألف مدرهمة … بضرطة ليس في إرسالها لها حرج
كدأب شيخك إذ أهوى لركبته … فخان فقحته من ضعفها الشّرج
المدائني عن الهيثم ومسلمة قالا: استعمل الوليد بن يزيد العمال.