أمر هشام بن عبد الملك بن مروان
822 paragraphs · vol. 9, p. 367
Page 13 of 21
- vol. 10, p. 194
ويقال إن يوسف أتى يزيد حتى وضع يده في يده، فقال له يزيد:
لست أطالبك بحقد ولا إحنة ولكني أريد أخذك بمال المسلمين حتى أستخرج لهم حقهم الواجب لهم، وأمر بحبسه ومحاسبته.
-
وكانت اليمانية ويزيد بن خالد بن عبد الله حقدوا على يوسف عذابه خالدا حتى قتله فدعا اليمانية يزيد (١) إلى الطلب بدم أبيه فوثبوا بيوسف فقتلوه ونصبوا رأسه بدمشق، وذلك في أيام يزيد بن الوليد.
-
وكانت ولاية يزيد الناقص ستة أشهر، ويقال كانت خمسة أشهر وأياما.
وقال الهيثم بن عدي: خرج سليمان بن هشام من مجلسه حين قتل الوليد، ونفذ منصور بن جمهور على حاميته في خمسة آلاف إلى العراق، فهرب يوسف بن عمر إلى منزله بالبلقاء، فوجّه إليه يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وهو على شرطة يزيد بن الوليد: محمد بن سعيد الكلبي من أهل المزّة فوجده في قرية له بأرض البلقاء، ففتش داره فاستخفى بين إمائه وبين الحائط، فأخذ ابنا له فضربه فقال له: ذاك أبي، فأخذه وقدم به على يزيد بن الوليد فلم يزل محبوسا في خلافته، وفي أيام إبراهيم بن الوليد أخيه حتى بلغ يزيد بن خالد قدوم مروان بن محمد الجعدي للطلب بدم الوليد، فأخرجه يزيد بن خالد فقتله.
قالوا: ولما قدم منصور بن جمهور العراق قال الناس: منصور بن جمهور أمير غير مأمور، أتى بالعهد منشور، وفيه الكذب والزور، وكان
vol. 10, p. 195الصبيان والخدام يقولون هذا في الطرق، ثم ولى يزيد بن (الوليد) عبد الله بن عمر بن عبد العزيز العراق وقد كتبنا خبره مع نسبه.
قالوا: وكتب يزيد بن الوليد إلى أهل العراق وكان كاتبه ثابت بن سليمان بن سعيد: «أما بعد فإن الله اختار الإسلام وارتضاه وأظهره وطهّره، وافترض فيه حقوقا أمر بها، ونهى فيه عن أمور حرّمها ابتلاء لعباده فأكمل فيه كل عدل، ختم كل فصل ثم تولاه الله فكان له حافظا ولأهله المقيمين حدوده وليّا وناصرا، فلم يكرم الله بالخلافة أحدا فيأخذ بأمر الله وحقه فيناوئه مشاقّ أو يحاول صرف ما حباه الله به باغ إلا كان كيده الأضعف، ومكره الأهون، حتي يتم الله له ما أعطاه ويتولاّه فيما ولاّه، ويجعل عدوه الأضلّ سبيلا، والأخسر عملا، فتناسخت خلفاء الله وولاة دينه قاضين بحكمه متّبعين لكتابه حتى أفضى الأمر إلى عدو الله الوليد المنتهك للمحارم، والراكب للعظائم التي لا يأتي مثلها مسلم، ولا يقدم عليها كافر تكرّما عن غشيان مثلها، فلما استفاض ذلك وعلن، واشتد فيه البلاء، وسفكت الدماء، وأخذت الأموال بغير حقها مع أمور فاحشة لم يكن الله ليملي لمن عمل بها، سرت إليه بعد انتظار مراجعته منكرا لعمله، وما اجترأ عليه من معاصي الله، راجيا من الله إتمام ما نويت في ذلك من اعتدال عمود الدين، والأخذ في أهله بما هو لله رضى حتى وافقت جندا قد وغرت صدورهم على عدو الله بما رأوا منه مما لا مريّة فيه ولا شك، ولا عليه غطاء، ولا به خفاء، فدعوتهم إلى تغيير ما أحدث من الأحداث التي بدّل بها أمر الله وسنن نبيه ﷺ ، فأسرعوا إلى الإجابة وأحسنوا على الحق المعاونة، فبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فلاقى عدو الله ومن معه وهو بجانب
vol. 10, p. 196قرية من قرى حمص تدعى البخراء، فدعاه إلى أن يجعل الأمر شورى ينظر فقهاء المسلمين وصلحاؤهم فيه لأنفسهم، فأبى ذلك متتابعا في ضلالته، فقتله الله على شر عمله وأسوأ أثره بين عصبة من بطانته الخبيثة، فأطفأ الله جمرته، وأراح العباد منه فبعدا له ولمن كان على طريقته، أحببت أن أعلمكم ذلك لتحمدوا الله عليه وتشكروه، فبايعوا منصور بن جمهور لأمير المؤمنين فقد ارتضيته لكم ووليته أمركم، فإن العدل مبسوط لكم لا يسار فيكم بخلافه إن شاء الله، نسأل الله ربنا وولينا حسن توفيقه وتسديده، وكتب لليلتين خلتا - أو بقيتا - من رجب سنة ست وعشرين ومائة».
-
المدائني قال: عامل الناقص على العراق: عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى مكة والمدينة: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وعلى مصر: إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز. ويقال إنه ولاه إياها فلم يقبل عهده على مصر.
قالوا: ولما مات يزيد الناقص بن الوليد وثب الحكم بن ضبعان بن روح بن زنباع الجذامي بأرض فلسطين، فخلع واستمال لخما وجذاما ودعا لسليمان بن هشام بن عبد الملك.
-
وأقام منصور بن جمهور بالعراق، وكان قد انضم إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حين ولاه يزيد العراق فأكرمه وقدمه وصفح عما صار إليه من المال.
وقال الهيثم بن عدي: لم يصف ليزيد بن الوليد إلاّ دمشق ومات بعد أشهر.
vol. 10, p. 197وقال ابن الكلبي: أقام منصور مع ابن عمر، ثم وجه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق فقدم واسطا وبها ابن عمر، فحصر ابن هبيرة ابن عمر، ثم أخذه وبعث به إلى مروان فحبسه بحران.
-
وخالف منصور بن (جمهور) مروان وجعل يجبي مال الجبل ويحمله إلى شيبان الخارجي وهو بكرمان، ومضى إلى السند فغلب عليها حتى كانت دولة بني العباس.
-
وبعث أبو مسلم عامله فركب منصور المفازة حتى مات عطشا، وقد كتبنا قصصهم على التمام فيما تقدم من الجزء الذي قبل هذا.
-
وكان موت يزيد بدمشق وهو ابن ست وأربعين سنة، ويقال ابن نيف وثلاثين سنة، ويقال ابن ثلاثين سنة، وصلى عليه إبراهيم أخوه، وولي عهده، وكان أخوه العباس قد مات من جراحة أصابته يوم حروب الوليد، وقيل إنه بقي بعد ذلك معتزلا منفردا حتى توفي.
- vol. 10, p. 199
بسم الله الرحمن الرحيم
[أمر ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك]
قالوا: بويع ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ويكنى أبا إسحاق، وأمه أم ولد - وهو المخلوع .. بالخلافة في أول سنة سبع وعشرين ومائة بعد موت أخيه يزيد الناقص، وكان مروان بن محمد بن مروان بن الحكم حين قتل الوليد قدم الجزيرة فدعا إلى نفسه سرا، وسمّى الوليد الخليفة المظلوم، وأظهر أنه يطلب بدمه وقال: إنما قتله قدرية غيلانية. فبايعه خلق من أهل الجزيرة، ثم أظهروا أمره بعد بيعة ابراهيم بن الوليد بشهر أو بأكثر منه بأيام بحرّان، وقال: أمري شبيه بأمر معاوية حين طلب بدم الخليفة المظلوم عثمان، ثم إنه سار بأهل الجزيرة وقنّسرين وحمص يريد ابراهيم وبعث إلى الناس: «انهضوا لمحاربة هذا القدري أخي القدري الغيلاني المبتزّ لأمور الناس، الآمر بالبدعة والضلالة، فإن جهاده واجب على كل مسلم، فقد كنت على مجاهدة أخيه فسبقني به أجله، وصار إلى نار الله وحرّ سعيره، مبتدعا ضالا.
-
فوجّه إليه ابراهيم بن الوليد أخويه بشر بن الوليد ومسرور بن الوليد فأسرهما، وفض عسكرهما، فوجّه إليه ابراهيم: سليمان بن هشام بن عبد
vol. 10, p. 200الملك في خيول أهل دمشق فالتقيا بعين الجر من البقاع من عمل بعلبك، وذلك في صفر سنة سبع وعشرين ومائة فتناوشوا يومهم، ثم بكروا على الحرب فاقتتلوا أشد قتال وأبرحه، فانهزم سليمان ومن معه، وكان محدودا (١) ، فلحقوا بابراهيم.
-
وكتب مروان إلى وجوه أهل دمشق كتبا يعلمهم فيها أن الذين بايعوا يزيد الناقص شرارهم ورعاعهم وغواتهم ويدعوهم إلى طاعته ويعدهم ويمينهم، ويحلف لهم على الوفاء والإحسان فانتقضوا على ابراهيم.
-
ونزل مروان بن محمد الغوطة، فخرج إليه خلق من الناس فبايعوه، فلما رأى ذلك عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ويزيد بن خالد بن عبد الله القسري أخذ عثمان والحكم، ابني الوليد بن يزيد فقتلاهما في محبسهما، وخافا أن يتخلصا، فكان الناس يقولون: يا معشر الفتيان أين الحكم وعثمان.
-
وقال بعض الرواة إنهما قتلا يومئذ يوسف بن عمر، وقال بعضهم قتل في أيام يزيد بن الوليد، قتله يزيد بن خالد واليمانية.
قال أبو الوليد هشام بن عمار: قتله في ولاية يزيد أثبت، لأنه بلغنا أن الناقص قال: عجلتم بقتله قبل أخذ ما عليه للمسلمين من الأموال.
قال هشام بن عمار: وسمعت من يقول أن الحكم وعثمان قتلا حين تحرك مروان من حران، وقبل نزوله الغوطة والله أعلم.
وقال الشاعر حين أقبل مروان:
vol. 10, p. 201أتاك مروان شبيه مروان … يجرّ جيشا غضبا للرحمن
بتغلب الغلباء وقيس عيلان
فقال بعض أصحاب ابراهيم:
قد جاء مروان شبيه مروان … يقود جيشا غضبا للشيطان
بتغلب اللؤم وقيس عيلان
قالوا: ولما بويع مروان بالغوطة، وقوي أمره، ووهن أمر ابراهيم استخفى ابراهيم بن الوليد حتى أخذ له الأمان فكان مع مروان وفي طاعته، ولم يزل حيا حتى قتله عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس سنة اثنتين وثلاثين ومائة مع من قتل من بني أمية.
-
ويقال إنه أتى مروان خالعا لنفسه حتى وضع يده في يده فاعتذر إليه، ويقال أيضا إن مروان ظفر به فقتله وصلبه. والخبر الأول أثبت.
-
وكانت أيام ابراهيم أربعة أشهر، ويقال ثلاثة أشهر، وبعضهم يقول أربعون يوما.
-
ولما دخل مروان دمشق طلب عبد العزيز بن الحجاج، ويزيد بن خالد القسري فظفر بهما فقتلهما بعثمان والحكم، وصلبهما على باب الجابية، ويقال على باب الفراديس بدمشق، وقال هشام بن عمار: كان الذي ظفر بهما زامل بن عمرو الجذامي عامل مروان، وبايع مروان لابنيه عبد الله وعبيد الله.
- vol. 10, p. 203
[أمر أبي محمد السفياني بعد مقتل الوليد]
قالوا: ولما قتل الوليد غضب له مروان بن محمد بن مروان، ومروان بن عبد الله بن عبد الملك، وأبو محمد زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكان مروان بن عبد الله عاملا للوليد على حمص، وكان من سادة بني مروان نبلا وفضلا وكمالا، فأكبر قتل الوليد ودعا أهل حمص إلى الطلب بدمه فأجابوه، وتأهب للمسير إلى يزيد بن الوليد الناقص فوقع بينه وبين أبي محمد السفياني اختلاف، فقال أبو محمد زياد بن عبد الله السفياني: يا أهل حمص إن مروان بن عبد الله يريد أن يريّثكم عن الطلب بدم الخليفة، ووقع فيه، فوثب السّمط بن ثابت من ولد شرحبيل بن السمط الكندي، والصّقر بن صفوان الكندي، وغالب بن ربعي الطائي في جماعة فقتلوا مروان بن عبد الله بن عبد الملك، فلم يشعر أبو محمد السفياني إلاّ برأس مروان بن عبد الله على رمح، فاغتم وقال: لم أرد هذا، قالوا:
فقد كان.
- vol. 10, p. 204
وبايعوا أبا محمد السفياني، وأقبل حتى نزل جوسكية (١) وهو حصن من حصون حمص، وبلغ يزيد بن الوليد الناقص أمره فوجه إلى أهل حمص سليمان بن هشام، وعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فنزلا ثنية العقاب، وأقبل أبو محمد السفياني فنزل موضعا يعرف بقطيفة (٢) هشام، وكان هشام بن عبد الملك اتخذها فقصد سليمان بن هشام إلى أبي محمد فالتقوا بالسليمانية، وكان سليمان بن عبد الملك اتخذها فقاتلهم أبو محمد فخذله جنده فأسر وقدم به على يزيد الناقص فحبسه مع ابني الوليد الحكم وعثمان، ثم أمر أيضا بحبس يزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان فحبس معهم.
-
وحدثني داود بن عبد الحميد عن أشياخه قالوا: لم يزل الغيلانية بيزيد الناقص حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده، ومات يزيد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، ولم يتم لإبراهيم بن الوليد أمر. كان يسلّم عليه جمعة بالخلافة، وجمعه بالإمارة. وكان يقال له: الصلتان، وكانت أمه بربرية، ولم تكن أم يزيد الناقص.
وقال بعض الشعراء:
نبايع إبراهيم في كل جمعة … ألا إنّ أمرا أنت واليه ضائع
نبايع إبراهيم في كل جمعة … فكم كم إلى كم كل يوم نبايع
فما زال على هذه الحال حتى قدم مروان فخلع نفسه، وقتل مروان عبد العزيز بن الحجاج، وابراهيم الخشبي من أولاد المختارية.
vol. 10, p. 205قالوا: ولما ولي مروان بن محمد نبش قبر يزيد بن الوليد بن عبد الملك واستخرجه وصلبه، فيزعمون أنهم وجدوا كتابا فيه: يا مبذّر الكنوز، يا سجاد الأسحار كانت ولايتك لهم رحمة وعليهم حجة، أخذوك فصلبوك.
-
وقد ذكر بعضهم أن الناقص سئل أن يولي أخاه إبراهيم عهده، فلم يفعل فلما أغمي عليه أو مات كتب قطن كتابا، وختمه بخاتم الناقص عهدا لإبراهيم بالخلافة.
- vol. 10, p. 207
يوم القاع ويوم الفلج الأول (١) باليمامة
قالوا: لما قتل الوليد كان على اليمامة من قبل يوسف بن عمر الثقفي:
علي بن المهاجر بن عبد الله الكلابي فقال له المهير بن سلمى بن هلال أحد بني الدئل بن حنيفة: أخل لنا بلادنا فأبى ذلك فجمع له المهير وسار إليه وهو في قصره بقاع حجر فالتقوا بالقاع بسوق حجر، فهزمه المهير حتى أدخله قصره، وخرج من ناحية القصر فهرب إلى المدينة، وقتل المهير بن سلمى ناسا من أصحابه، وكان يحيى بن أبي حفصة أشار على ابن المهاجر أن لا يقاتل فعصاه فقال:
بذلت نصيحتي لبني كلاب … فلم تقبل مشوراتي ونصحي
فدى لبني حنيفة من سواهم … فإنهم فوارس كل فتح
وقال شقيق بن عمرو السدوسي:
vol. 10, p. 208إذا أنت سالمت المهير ورهطه … أمنت من الأعداء والخوف والذعر
به دفع الله النفاق وأهله … وأحيا به أهل المجاعة والفقر
فتى راح يوم القاع روحة ماجد … أراد بها حسن السماع مع الأجر
وتأمّر المهير على اليمامة، وكان على شرطه عبد الحكم بن حكّام العبيدي فركب المهير والناس معه فشدّ قوم على عبد الحكم فقتلوه فقال القحيف العقيلي:
لقد جمع المهير لنا فقلنا … ألسنا نحن عرضتنا الجموع
ثم مات المهير واستخلف عبد الله بن النعمان أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل.
قالوا: فاستعمل عبد الله بن النعمان المندلث بن إدريس الحنفي على الفلج - والفلج قرية من قرى بني عامر بن صعصعة، وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية بن الخطفى: هي لبني نمير - فجمع له بنو كعب بن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل، وأتوا الفلج فقاتلهم المندلث بالفلج فقتل المندلث، قتله رحّال بن فروة القشيري، وقتل أكثر أصحابه وظفرت بنو عامر ولم يقتل منهم كبير أحد، وقتل يومئذ يزيد بن المنتشر، وأمه الطثرية من طثر بن عنز بن وائل، وكان معهم فقال القحيف:
إن تقتلوا منا شهيدا صابرا … فقد تركنا منكم مجازرا
خمس مئين (١) … لم يدخلوا المقابرا
وقال ثور بن الطثرية يرثيه:
vol. 10, p. 209أرى الأثل من نحو العقيق مجاوري … مقيما وقد غالت يزيدا غوائله
مضى فورثناه دلاصا مفاضة … وأبيض هنديا طوالا حمائله
وقد كان يحمى المحجرين بسيفه … ويبلغ أقصى حجرة الحيّ نائله
في أبيات. وقال القحيف:
أتانا بالعقيق صريخ كعب … فحلّ النبع والأسل النهال
[يوم الفلج الثاني]
-
لما أتى عبد الله بن النعمان خليفة المهين قتل المندلث جمع جمعا بلغ ألفا من حنيفة وغيرها من ساكني اليمامة فغزا الفلج، فلما تصافّ الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلي فقال الراجز:
فرّ أبو لطيفة المنافق … والجعونيان وفرّ طارق
لما أحاطت بهم البوارق … والموت حيث الخرّق الخوافق
طارق بن عبد الله القشيري، والجعونيان من بني قشير، وتجللت بنو جعدة البراذع وقاتلوا حتى قتلوا إلاّ نفرا منهم، وقطعت يد زياد بن حيّان الجعدي فجعل يقول:
أنشد كفا ذهبت وساعدا … أنشدها ولا أراني واجدا
ثم قتل.
وقال الأسوار بن عمرو مولى بني هزان:
سلوا الفلج العاديّ عنا وعنكم … وأطمة إذ سالت مدامعها دما
عشيّة لو شئنا سبينا نساءكم … ولكن صفحنا عفّة وتكرّما
vol. 10, p. 210وقال بعض الربعيّين:
سمونا لكعب بالصفائح والقنا … وبالخيل شعثا تنتحي في الشّكائم
فما غاب قرن الشمس حتى رأيتنا … نسوق بني كعب كسوق البهائم
بضرب يزيل الهام عن سكناته … وطعن كأفواه المزاد الشّواجم
وفر أبوك يا لطيفة هاربا … ولم ينج من أسيافنا وهو سالم
- - يوم معدن الصحراء:
-
وأغارت بنو عقيل وقشير، وجعدة بن كعب، ونمير بن عامر بعد الفلج الثاني، وقد تجمعوا عليهم بنو سهلة النميري، على من كان من بني حنيفة بمعدن الصحراء، فقتلوا من وجدوا من بني حنيفة، وسلبوا نساءهم، وكفّت بنو نمير عن النساء، غير ان رباح بن جندل بن الراعي سبى امرأة واحدة مخصّلة بخصل الفضّة، فقال القحيف:
ورثنا أبانا عامرا مشرفيّة … صفائح فيها اليوم أنصاف ما بها
ضربنا بها أعناق بكر بن وائل … جهارا وجاوزنا بها من ورائها
- يوم النشّاش (١) :
-
قالوا: ولما أوقع بالعامرييّن يوم الفلج الثاني قال عمر بن الوازع الحنفي: لست بدون عبد الله بن النعمان وغيره ممن يغير، وهذه فترة يؤمن فيها السلطان، فمضى يريد أضاخ (٢) ، فلما كان بأرض الشريف بثّ خيله فأغارت وأغار فملأ يده من الغنائم، وأقبل ومن معه حتى
vol. 10, p. 211نزلوا النشاش، وأقبلت بنو عامر حاشدة حتى أغارت فلم يرع عمر بن الوازع إلا رغاء الإبل، فجمع ابن الوازع النساء في فسطاط وأقام عليهنّ حرسا من ثقاته، ولقي القوم فقاتلهم فهزمت حنيفة ومن معها، وهرب ابن الوازع فلحق باليمامة، وتساقط منهم خلق في قلب النشاش من العطش وشدة الحر، فطلب ابن الوازع فلم يقدر عليه، ورجعوا بالأسرى والنساء. فقال بعض بني نمير:
إذا عدّ الفعال وجدت قومي … نميرا بذّ فعلهم الفعالا
هم قتلوا البهيم بها وجونا … علانية وما قتلا اغتيالا
بهيم بن عزّة.
وقال حديج النميري:
كأنّ أبانا عامرا لم يلد لنا … أخا غير نصل السّيف عند الشدائد
فنحن نداوي بالقنا صفحاتهم … وبالبيض نخليها مناط القلائد
وقال دلم بن صامت النّميري:
أنا النّميري الذي يحمي مضر … يرفع من أبصارهم فوق البصر
مبارك الراية مرزوق الظّفر … إنّ اليمانيّين فرسان الحمر
لم يصبروا للمشرفيّات البتر … والطعن بالمرّان أجواف البهر
لما ضربناهم بصيّاح ذكر … طاير عنه القين شذّان (١) الشّرر
vol. 10, p. 212وقال القحيف أيضا:
وبالنشّاش يوم طار فيه … لنا ذكر وعدّ لنا فعال
وقال أيضا:
فداء خالتي لبني عقيل … وكعب حين تزدحم الجدود
وهم تركوا على النشاش صرعى … بضرب ثمّ أهونه شديد
وقال حصين النميري:
يا دار جمل بلوى متالع (١) … كأنها بعد الجميع الرابع
سحق يمان بعد لون ناصع (٢) … الله لقّى عمر بن الوازع
دائرة السوء بفجع فاجع … لما لقونا خلفه الطلائع
ولّوا شلالا كالنّعام الفازع
وقال بعض بني نمير:
فليت ابن المهير رأى نميرا … بنشّاش تواجهنا النّخيل
وفي أيماننا بيض رقاق … صوارم ما يقوم لها قبيل
غزا يرجو الغنيمة من نمير … فلم يغنم وأعجزه القفول
vol. 10, p. 213وقال القحيف العقيلي:
من مبلغ عنا قريشا رسالة … وأفناء قيس حيث سارت وحلّت
بأنا تركنا من حنيفة بعد ما … أغارت على أهل الحمى ثم ولّت
تسكّ نمير بالقنا صفحاتهم … فكم ثمّ من نذر لها قد أحلّت
في أبيات: وقال سعد بن عيّاش الغنوي:
نحن صبحنا عمر بن الوازع … ملمومة ذات غبار ساطع
باكره الورد بموت ناقع … تحت ظلال الخرّق اللوامع
وقال القحيف:
تركنا على النشّاش بكر بن وائل … بطون السّباع العاويات قبورها
قتلناهم حتى رفعنا أكفّنا … بمشهورة بيض حداد ذكورها
وشيبان قد كانت لحين وشقوة … كباحثة عن شفرة تستثيرها
قالوا: وكفّت قيس يوم النشّاش عن السلب، فجاءت عكل من الحلة فسلبتهم، ولم يكن لحنيفة بعد هذا اليوم جمع، غير ان عبيد الله بن مسلم الحنفي جمع جمعا وأغار على ماء لقشير يقال له حلبان (١) فقال الشاعر:
لقد لاقت قشير يوم لاقت … عبيد الله إحدى المنكرات
لقد لاقت على حلبان ليثا … هزبرا لا ينام على التّرات
وأغار على عكل فقتل منهم عشرين رجلا، فقال نوح بن جرير بن عطية:
وضيّعتم يا عكل بالسرّ نسوة … فباتت علوج القريتين تكومها (٢)
- vol. 10, p. 214
ثم قدم المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة واليا على اليمامة من قبل أبيه، حين ولي العراق من قبل مروان الجعدي، فوردها وهي سلم فلم يحارب، وتشاهدت بنو عامر على بني حنيفة فتعصب لهم المثنى بالقيسية، فضرب عدّة من بني حنيفة فقال بعضهم:
إن تضربونا بالسياط فإننا … ضربناكم بالمرهفات الصوارم
وإن تحلقوا منا الرؤوس فإننا … قطعنا رؤوسا منكم بالغلاصم
ثم إن المثنى جعل يرفعهم إلى قاضيه طلحة بن إياس العدوي، فلم يقبل شهادة عامريّ فهدأت البلاد وسكنت، ولم يزل عبيد الله بن مسلم مستخفيا حتى قدم السريّ بن عبد الله بن الحارث بن عباس بن عبد المطلب واليا على اليمامة، من قبل بني العباس فدلّ عليه فقتله لما صنع، فقال نوح بن جرير:
فلولا السريّ الهاشمي وسيفه … أعاد عبيد الله شرا على عكل
vol. 10, p. 215بسم الله الرحمن الرحيم
[أمر محمد بن مروان وولده]
-
وأما محمد بن مروان بن الحكم، ويكنى أبا عبد الرحمن، وأمه أم ولد، وكان من أشد ولد مروان وأشجعهم في حسن خلق، وهو الذي حارب مصعب بن الزبير بن العوام فقتله بمسكن من أرض السواد، وقتل ابراهيم بن الأشتر النخعي وقد كتبنا خبره.
-
وكان عبد الله بن يزيد بن معاوية متقدما محمد بن مروان عند عبد الملك، وذلك لأن أخته عاتكة بنت يزيد كانت عنده، وكان يحبها وكان يقال إن عبد الملك كان يحسد محمدا لأنه كان يرى جلد أخيه وبأسه وعارضته، ويحب أن يصغّر منه لا سيما بعد قتله المصعب، فعزم محمد على إتيان أرمينية فأمر بإبله فرحّلت، فدخل على عبد الملك مودّعا وقال: إني أريد الغزو بأرمينية، وتمثّل:
فإنك لن ترى طردا لحرّ … كإلزاق به بعض الهوان
ولو كنا بمنزلة جميعا … جريت وأنت مضطرب العنان
فقال عبد الملك: أقسمت عليك يا أخي لما أقمت في الرحب والسّعه، فوالله لا أقذي في عينك ولا أقدم عليك غيرك ولا ترى مني سوءا ما بقيت، وولاه الجزيرة وأرمينية.
- vol. 10, p. 217
[أمر مروان بن محمد بن مروان]
- فولد محمد بن مروان:
-
يزيد، وأمه أم يزيد بنت يزيد بن عبيد الله بن شيبة بن ربيعة.
-
وعبد الرحمن، وأمه أم جميل من ولد عمر بن الخطاب.
-
وعبد العزيز لأم ولد.
-
ومروان بن محمد، وهو الجعدي، وأمه كردية أخذها أبوه من عسكر ابن الأشتر، وكان مروان يكنى أبا عبد الملك.
وقال أبو الحسن المدائني: وقوم يقولون إن أم مروان عربية من تنوخ، وذلك باطل. ويقال: كانت أمه جارية لمصعب أخذت وبها حمل، ويقال:
كانت جارية لزربي طباخ مصعب أو خبازه.
قالوا: وبويع مروان لأربع عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة، وكان أبيض أحمر أزرق أهدل الشفة لا يخضب، ولم يكن بالذاهب طولا، وكنت إذا استدبرته ظننت أن على منكبيه رجلين جالسين، واسع الصدر. وكان يقول: اللهم لا تبلني بطلب ما لم تجعل لي فيه رزقا:
vol. 10, p. 218وكان يقول في خطبته: اللهم إنك أعلم بوليّنا وعدونا منا، فكن لنا وليا وحافظا، وكان يقول: ما كان أبو بكر ولا عمر بأعفّ من هذا مني.
قال: وكان غيورا، وجد كتابا إلى جارية له من أمها فقال: من أدخل هذا الكتاب؟ فقال خصي: أنا رحمت أمها لبكائها. فقطع يد الخصي.
قالوا: وعرض مروان الجند فشكّوا في حلية رجل فأسقطه، فقال:
هلا بعين الجر حليتني … لما توافى القوم في الخندق
فقال: أجيزوه، فأجازوه.
-
وكان مروان أول من حلّى الجند. وكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعيد، مولى بني عامر بن لؤي ويقال مولى بني مروان، ويقال كان من أهل الأنبار، وكان على شرطه الكوثر الغنوي، وكانت حرسه نوائب. قال الشاعر:
يا أيها السائل عن مروانا … دونك مروان بعسقلانا
يجيد ضرب القوم والطعانا … حتى ترى قتلاهم ألوانا
وكان مروان بخيلا.
-
وولد مروان بن محمد: عبد الله وعبيد الله.
وقال أبو اليقظان: لا يعلم له ولد غيرهما، وغير عبد الملك بن مروان وعبد الغفار.
-
وولي مروان بعد خلع ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك خمس سنين، وقتل بمصر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهو ابن تسع وستين سنة.
قالوا: وكان الجعد ساير يوما مروان في أول خلافة هشام، وقبل تولية هشام إياه أرمينية فأصابت ركبته ركبة مروان فقال: أعجلتني دابتي.
فقال: على نفسك فأبق.
- vol. 10, p. 219
قرأت على أبي الحسن المدائني، وحدثني غيره من أهل العلم، قالوا:
كان هشام بن عبد الملك ولى مروان بن محمد أرمينية وآذربيجان، فلما ولي الوليد بن يزيد أقره، فقتل الوليد ومروان بكسال من أرض أرمينية، فأتاه خبره وهو بها، فعزم على إتيان الجزيرة والشام فقيل له: إن عطّلت الثغر اصطلم الخزر ومن فيه من الأمم أهله من المسلمين، فخطب مروان ودعا الناس إلى السمع والطاعة والبيعة لمن يجتمع الناس عليه، وأعطاهم أرزاقهم، وفرض لعشرة آلاف من الأبناء وغيرهم، وبعث إسحاق بن مسلم العقيلي، وثابت بن نعيم الجذامي إلى أهل الباب والأبواب وملوك الجبال وتفليس يدعوهم إلى بيعة من رضي المسلمون به، وولى آذربيجان حميد بن عبد الرحمن اللخمي، فلما رجع ثابت بن نعيم من حيث وجهه إليه مروان فارق مروان وخالفه، ودعا أهل الشام إلى الخروج معه، وقال: قد قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك فسيروا على راياتكم إلى الشام قافلين، فأجابوه وقالوا: قد قتل الخليفة فليس لأحد علينا سلطان، فالرأي أن نأتي الشام فنكون مع من يجتمع الناس عليه ويرضون به، فعسكروا وبلغ مروان ذلك فقال: إنكم إنما أردتم الإغارة على أهل الذمة فيما بينكم وبين الشام.
-
فاجتمع على قتالهم ودعا أهل الجزيرة إلى ذلك فأجابوه، فترك أهل الشام ما أجمعوا عليه من أمر ثابت بن نعيم ورفضوه، وأسلموا ثابتا فأخذه مروان فحبسه وحبس بنيه وهم: نعيم، وبكر، ورفاعة، وعمران، وهمّ بقتلهم.