أمر هشام بن عبد الملك بن مروان
822 paragraphs · vol. 9, p. 367
Page 14 of 21
- vol. 10, p. 219
فطلب إليه فيهم فخلاّهم.
-
واستخلف مروان على أرمينية عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، وتوجّه يريد الشام، وقدم ابنه عبد الملك بن مروان بن محمد إلى الجزيرة،
vol. 10, p. 220وبلغ يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أن مروان قد عزم على إتيان الشام ليبايع ليزيد بن الوليد، فكتب إليه: العجب لك تبايع ليزيد وهو قتل الوليد فلم يبق أحد من بني مروان إلاّ وهو طامع في الخلافة وأنت سنهم وشيخهم.
-
فلما قرأ كتابه أقام بالجزيرة، فأرسل إليه يزيد بن الوليد الناقص يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وحميد بن نصر اللخمي، وعمارة بن كلثوم بن أبي كلثوم الأزرق ليأتوه ببيعته، وبيعه من قبله من أهل الجزيرة، وضمن له إن سارع إلى بيعته ولم يقدّم ويؤخر أن يوليه أرمينية وآذربيجان والجزيرة، فيقال إنه أبى ذلك ودسّ إلى من معه أن يأبوا بيعة يزيد. فقالوا: لا نبايع الناقص وقد قتل خليفتنا. فقال بعض رسل يزيد لمروان: إنّ هذا الأمر تحت كنفك وتدبيرك. فقال له: يا بن اللخناء لهممت أن أضرب عنقك.
-
ويقال إنه كتب إلى يزيد ببيعته مع رسله ثم ردهم، ثم جاءته وفاة يزيد، وقيام إبراهيم بن الوليد، فردّ الرسل الذين مضوا ببيعته من قنسرين، ودعا الناس إلى الطلب بدم الوليد، وأتى أهل حمص وأهل قنسرين بيعة ابراهيم وتحرزوا، فوجّه إبراهيم بشرا ومسرورا ابني الوليد بن عبد الملك إلى قنسرين في خمسة آلاف، ووجّه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك إلى حمص، ونادى عبد العزيز: من وافى فله كذا. فقال الحنتف الضبي من بني ضبة بن سعد بن ليث بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة:
لبيك لبيك ولي العهد … أتاك قومي ضبّة بن سعد
قد لبسوا الدروع فوق الزّرد … وجرروا كل حصان ورد
vol. 10, p. 221ونشروا للحرب كل نهد … ونهدة تزلّ تحت اللّبد
إيها فداكم طار في وتلدي … فجالدوا عن دينكم بجدّ
وعن ذوات الحجل الممتد … أتاك مروان بكل عبد
مخالف ينصر دين الجعد … مكذّب يجحد يوم الوعد
فسار مروان بجند أهل الجزيرة، فلقيه بشر ومسرور، ومالت قيس كلها، ويزيد بن عمر بن هبيرة إلى مروان، ومضى إلى حمص ومعه أهل الجزيرة وقنسرين، وكان عبد العزيز بن الحجاج محاصرا لأهل حمص، فلما دنا منه مروان رجع عبد العزيز إلى دمشق، فوجه ابراهيم إلى مروان سليمان بن هشام، فأقبل في خلق من الخلق فنزل بعين الجرّ، ورجع إليه مروان بأهل الجزيرة وقنسرين، وهو في زهاء سبعين ألفا، فنزل بدير الأبرش وسليمان بعين الجر وبينهما ثلاثة أميال وذلك في صفر سنة سبع وعشرين ومائة.
-
وكتب مروان كتابا منه إلى أهل فلسطين: إني نزلت بدير الأبرش، وسليمان بعين الجر فطالعت عسكره بنفسي فرأيت جيشا كثيفا، وأنا متوجه إليكم في طريق كذا، ودفع الكتاب إلى رجل قال له: تعرّض لهم. ففعل فأخذ وأتي به سليمان بن هشام، فلما قرأ الكتاب قال: أنا أبو أيوب هرب مروان، والله لأحولنّ بينه وبين ذلك.
وقال مروان لابنه عبد الله: إني مرتحل غدوة فإن ارتحل سليمان من هذا المنزل فانزله، وخلّفه في غيضة هناك كامنا في العين.
-
وأصبح مروان يوم الأربعاء فغدا متوجها في طريق المغرب، وخرج سليمان زعم يبادره إلى الطريق التي ذكر مروان في كتابه أنه يسلكها، وأقبل
vol. 10, p. 222ابن مروان فنزل عسكره، وسرح إلى أبيه رسولا يعلمه ذلك فلما أعلمه الرسول رجع وقد سار ستة أميال فصار في عسكر سليمان فقال سليمان: مكر بنا مروان، وإنما فعل ذلك لأن عسكر سليمان أخصب وأحصن وأكثر مياها، فقاتلهم مروان فظفر بهم وقتل منهم مقتله عظيمة يقال عشرة آلاف، وأخذ يزيد بن العقار الكلبي، والوليد بن مصاد فضربهما مروان بالسياط حتى ماتا.
-
ومضى سليمان منهزما إلى دمشق فأخذ مالها فقسمه بين أصحابه، وأتى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك الخضراء في جماعة منهم يزيد بن خالد القسري، وفيها الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد، وأبو محمد زياد بن عبد الله بن يزيد السفياني، ويزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان وهو خال عثمان بن الوليد بن يزيد، ويوسف بن عمر الثقفي، فوثبت أبو الأسود مولى خالد بن عبد الله فقتل الحكم وعثمان ويوسف بن عمر، وكان الناس قد أحجموا عن قتل ابني الوليد وقالوا: هما صبيّان.
-
وقيل لرجل كان محبوسا من الأعاجم: اقتلهما. فقال: أنا أقتل الفرسان ولا أقتل الصبيان، ويقال إنه قتل ابني الوليد أبو الأسود، قتلهما بعمود، ثم دخل يزيد بن خالد إلى يوسف فأخذ بلحيته وكانت طويلة، فجذبه ونتره نترا شديدا، فقال له يوسف: ما هذا السّفه يرحمك الله؟ قال: أنت والله أسفه مني يا بن الحمقاء حين ضربتني بالعراق ألوف أسياط. فقال: فعلتموها، والله ما فعلتم هذا حتى أخزاكم الله ولقد انهزمتم، فأخرجه فضربه، وقال: لعلك يا بن الزانية ترى أنني أقتلك بأبي، وقال: ما أقتلك إلا بغلامنا غزوان أو طهمان، ثم رجع فأخذ بيد
vol. 10, p. 223خال عثمان بن الوليد فقتله، وبقي أبو محمد السفياني فقام فردّ الباب وكان حديدا وألقى محبسه وراءه واعتمد عليه، فدفع الباب فلم يقدر على فتحه.
-
وماج الناس حين قتل الصبيّان ابنا الوليد وانهزم سليمان، وهرب عبد العزيز، ويزيد بن خالد ومن كان معهما.
-
وجاء مولى لأبي محمد السفياني يقال له مهران فنادى من خوخة من ناحية المسجد: يا أبا محمد أبشر فقد أتاك الفرج، فقال: ويحك أما ههنا أحد؟ قال: بلى. قال: فجئني بمن قدرت عليه، فأتى بجماعة ففتح أبو محمد الباب فاحتملوه في قيوده حتى وضعوه على المنبر، فدعا لمروان وبايعه الناس فقال:
شددنا ملكنا ببني نزار … وقوّمنا بهم ما كان مالا
وطحطحنا بهم قحطان حتى … أقرّوا بالصّغار لنا ذلالا
وقال بعض شعراء بني عامر بن صعصعة:
ويوم بعين الجرّ يفخر جاثما … سليمان كاليعفور جمّ الهزائم
وطار عليها المخلصون لربّهم … سراعا نبيعات الأكفّ السلائم
فلما تمطّت في الغبار وواجهت … دمشق شجرنا رأسها بالشكائم
يقول: حبسنا شجرته عن الأمر: حبسته.
-
ومن زعم أن أبا محمد قتل في محبسه فقد غلط.
-
وأقبل مروان على اثني عشر ميلا من دمشق، وهرب سليمان بن هشام، وقال أبو محمد السفياني: من جاء برأس عبد العزيز بن الحجاج فله عشرة آلاف درهم، فطلبه الناس وأتوا داره فأحاطوا بها ليحرقوها فقال بعضهم: إنه ألقى إليهم بدرة نثرها فتشاغلوا بها، وخرج من باب آخر
vol. 10, p. 224فرأته امرأة فعرفته، ومرّ بها قوم يطلبونه فدلّتهم عليه فوطئوه حتى قتلوه.
فقال الشاعر:
رجاء أخذها عبد العزيز بسيفه … فصار قتيلا في الأزقة يسلب
ويقال إن مروان أقبل، فتلقّاه أبو محمد السفياني، وعبد الله بن سفيان بن عتبة بن يزيد بن معاوية، فسلم عليه أبو محمد بالخلافة وعزّاه عن الوليد وابنيه وقال له: يا أمير المؤمنين إن الحكم وعثمان جعلا لك العهد بعدهما، وكان مع مروان حوثرة بن سهيل الباهلي، والكوثر الغنوي والوثيق بن الهذيل، وأبو الورد الكلابي، وعبد الرحمن بن الأشهب الجعدي، ونباتة العقيلي، وابن سعيد الحرشي فقال مروان: إن هذين الغلامين جعلا لي الأمر بعدهما، والله يعلم أنني لم أطلبها في ليل ولا نهار.
-
ثم ارتحل فنزل مرج راهط فقال له ابن سراقة الأزدي: هذا والله الموضع الذي ضرب فيه جدك مروان فسطاطه. فنظر إليه فسرّه ذلك.
-
وقيل لسراقة: كذبته وغررته فقال: اسكتوا، من كان يقوم فيردّ علي؟ فبويع مروان ثم دخل دمشق من باب الجابية فرأى عبد العزيز مقبلا فقال: يا كوثر من هذا؟ قال: السفيه عبد العزيز. فقال مروان: لا يزال صبي من آل مروان يتعرّض للفتن، وطلب إبراهيم وسليمان ونادى بأمانهما فأتياه، فخلع ابراهيم نفسه فأمنّه، وأمرّ سليمان بن هشام، واستعمل مروان على حمص معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير السكوني، ثم اتهمه فعزله، واستعمل عبد الله بن شجرة فناصحه ابن شجرة، واستعمل على فلسطين ثابت بن نعيم - وكان قد رضي عنه بعد حبسه إياه واستصلحه - ويقال ولاه فلسطين والأردن، والأول أثبت.
- vol. 10, p. 225
وولى قنسرين عبد الملك بن الكوثر، ووجه في طلب من شايع على قتل الوليد فأتي بنحو من مائتي رجل، فقتل بعضهم، وقطع أيدي بعض.
-
وأمرّ إسحاق بن إبراهيم بن الوليد وسليمان بن يزيد بن عبد الملك فبايعاه.
-
ثم حمل مروان ما كان بدمشق وترك بها زامل بن عمرو السكسكي، وخلّف معه خالد بن يزيد بن هبّار في ألف فارس، فأقام في حران ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم بلغه أن ثابت بن نعيم بن زرعة بن روح بن زنباع بن روح بن سلامة بن حداد بن حديدة الجذامي قد خلع، وكان عامله على فلسطين، فسار يريده فكان من أمره دونه ما نحن ذاكروه إن شاء الله.
- vol. 10, p. 227
أمر حمص ودمشق وأمر يزيد بن خالد القسري قالوا: سار مروان يريد ثابت بن نعيم فنزل حماه من حمص ليلة الفطر سنة سبع وعشرين ومائة، وسليمان بن هشام بن عبد الملك معه آثر من عنده من بني مروان، وكان قدم عليه حران فأكرمه فصلّى مروان العيد بالناس، ومعه سليمان، وعبد الملك، وعبد الله، وعبيد الله وعبد الغفار بنوه، فلما صلى أتاه رجل من أهل حمص فأعلمه أن أهل حمص قد غدروا وأن كلبا دخلت المدينة وعليها الأصبغ بن ذؤالة، ومعه بنوه حمزه، وذؤالة، وفرافصة، ومعه عصمة بن المقشعر مولى كلب، وطفيل بن حارثة ومعاوية بن عبد الأعلى السكسكي، وقد بايع ابن ذؤالة من أهل حمص السمط بن ثابت بن يزيد بن شرحبيل بن السّمط بن الأسود بن جبلة الكندي وغالب بن ربعي الطائي، فارتحل مروان من حماه فنزل على نهر الأرنط، ثم سار على تعبئة إلى حمص فأتاها نصف النهار، وعلى الحائط جماعة من كلب، فأرسل مروان إليهم: ما بالكم؟ قالوا: نحن على طاعتك وهؤلاء سفهاء دخلوا مدينتنا، فقال: افتحوا بابا ففتحوه، فاقتحم عمرو بن الوضاح في الوضاحية فقاتلهم وأصيب من الفريقين، وهرب
vol. 10, p. 228الأصبغ بن ذؤالة، واتبعتهم خيل لمروان فقتلوا منهم جماعة، ونجا الباقون وأسر في المدينة رجال منهم ذؤالة بن الأصبغ بن ذؤالة، وأخوه فرافصة بن الأصبغ بن ذؤالة.
-
وكان الأصبغ قد وجّه ابنه حمزة إلى ثابت بن نعيم يعلمه دخوله مدينة حمص فبلغته قبل وصوله إلى ثابت هزيمة أبيه وأسر أخويه فمضى إلى تدمر، وقتل مروان الأسرى، وقتل ابني الأصبغ أيضا، وكان الأسرى أربعمائة فصلبوا حول مدينة حمص، وهدم مروان من حائطها مائتي ذراع، وأقام بها ثمانية أيام.
-
وروي أيضا أن اليمانية عصت لتقديم القيسية عليها، فهمّ بنو مصاد بن زهير الكلبي أن يفتكوا بمروان، فشاع أمرهم، وكان معهم معاوية بن عبد الأعلى السكسكي، فأتى حمص فدعا أهلها إلى خلع مروان فأجابوه، وأمّروا عليهم السّمط بن ثابت ويقال الأصبغ، فخرج عبد الله بن شجرة عامل مروان على حمص إلى سلمية فقتل بها، قتله رجل من كلب يقال له المنهال بن عبد الملك.
-
وخرج رجل من حمص يقال له حجر، ومروان محاصرهم إلى القرى يستنجدهم، فأخذ وأتي به مروان فقال مروان: هيه يا حجر، خرجت تستنجد أهل القرى ثم تأتي حمص، أما إنك ستأتيها، وأمر به فوضع في المنجنيق ورمي به فصكوا به حائط المدينة فتفسّخ.
-
وأخذ غلام من المدينة فأتي به مروان فخرجت أمه فقالت: يا أمير المؤمنين أذكرّك الله فإنه ما لي ولد غيره وقد نهيته عن السعي والقتال فعصاني.
فقال مروان: ذلك أحرى أن أقتله إذ عصاك، وأمر به فضربت عنقه.
- vol. 10, p. 229
وكان أهل حمص ينادون ومروان محاصر لهم: يا بن مصعب فيقول:
شريف كريم، وينادون: يا بن الأشتر، يا بن زربي الخباز، يا بن الكرديّة. فيقول: خلطتم لعنكم الله. وكان الخوارج في أيامهم ينادونه:
يا بن الطنفسة (١) .
قالوا: وأمن مروان أهل حمص إلا سعيد بن هشام، والسمط بن ثابت، وكان سعيد مع أهلها، فنجا سعيد بن هشام حتى قتله عبد الله بن علي.
- وثلم مروان حائط المدينة فقال بعض الحمصين:
-
يا حمص ويحك لا تجزعي … قصّصك (٢) الجعدي سكنينه (٣)
-
وكلم الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك، وكان عامل مروان على الأردن، مروان في السمط وعمل في أمره حتى أمنه مروان، وكان يختلف إلى إسحق بن مسلم العقيلي ونزل عليه، قال الحارث بن يزيد:
فقال لي الوليد بن معاوية: ألا تعجب من السمط ينزل على إسحاق بن مسلم ويدعني وقد قمت بأمره، قال الحارث: فلقيت السمط فقلت له في ذلك فقال: أنت عاجز، أنا أدع إسحاق وهو رجل إن غضب غضب لغضبه عشرة آلاف، قال: فأخبرته بذلك فأقعد للسمط رجلين فقتلاه وهو
vol. 10, p. 230يريد مروان، ويقال بل دسهما مروان، ويقال دسهما عبد الله بن شجرة.
وقال الهيثم بن عدي: قتله مروان.
قالوا: ولما فرغ مروان من أمر حمص بلغه أن أهل غوطة دمشق دعوا إلى ثابت بن نعيم، وحصروا عامله على دمشق، وهو زامل فوجه مروان إليهم أبا الورد الكلابي، وعمرو بن الوضاح في عشرة آلاف، فلما وردا دمشق أتاهم أبو علافة السكسكي، ويزيد بن خالد القسري، فانضما إليهم مخالفين لمروان فاقتتلوا فانهزم أبو علافة ويزيد وظفروا بعسكرهما، ثم ظفر أبو الورد بيزيد وأبي علافة بالمزة فقتلهما، وبعث برؤوسهما إلى مروان.
-
ويقال إن يزيد لما انهزموا خرج من باب الفراديس هاربا فانتهى إلى برزة، فلقيه رجل من الأشعريين فقال له: ابغني منزلا أكون فيه فأدخله منزله، ثم فكّر فخاف فدلّ عليه فبعث به إلى مروان فدفعه إلى المضريّة فحملوه على بغل بإكاف وجعلوا وجهه مما يلي ذنبه، وجعل رجل من محارب يقول: يا معشر الفرسان أين الحكم وعثمان؟ ويقال إن مروان كتب إلى زامل: إنك لتعلم مكان يزيد بن خالد، ووالله لتأخذنّه، أو لأقتلنّك، فطلبه فأصيب في بيت لهيا فقال رجل من موالي بني سلول: تأتون به زاملا وهو يمان فيحبسه ثم يشفع فيه ويستوهبه، فشدّ عليه فطعنه، وذلك لقتله يوسف بن عمر، وكان يزيد بن خالد لما قتل يوسف أمر بحبل فشدّ في مذاكيره وجرّ به، ففعل بيزيد مثل ذلك.
-
ويقال إن رجلا من لخم أتى زامل بن عمر فأخبره أن يزيد بن خالد يأتي زرّاعة لهم بقرب الغوطة مستخفيا، فأرسل زامل خيلا فأصابته في زرّاعة اللخمي، وعليه قميص سنبلاني، فأخذوه وأقبلوا به على بغل بإكاف، وقد
vol. 10, p. 231عرض عليه، فتلقاهم رجل من بني نمير فقتله واحتز رأسه وأتى به زامل بن عمر فقال: كله بخلّ وخردل، فقال: الأمير أحقّ برأس ابن عمه.
-
وبعث زامل برأسه إلى مروان وعلق الناس في رجله حبلا فجرره الصبيان في السكك. ويقال أيضا إن النميري مر بقوم من بجيلة وقد قطع من لحم يزيد قطعا فألقاها إليهم فقال: كلوا، فجعلوا يأكلون قسرا والسيوف على رؤوسهم، ثم مضى.
- vol. 10, p. 233
[أمر ثابت بن نعيم بن زرعة بن روح بن زنباع الجذامي]
قالوا: خلع ثابت بن نعيم وقال: أنا الأصفر (١) القحطاني لست لنعيم إن لم أخل الشام من أولاد قيس، وكان مروان قد ولاه فلسطين مستصلحا له بعد حبسه إياه بأرمينية.
-
وذكر قوم أن سبب خلعه أن عطية بن الأسود مولى كلب قال:
يا ثابت بن نعيم دعوة جزعا … عقّت أباها وعقّت أمها اليمن
أتارك أنت مال الله يأكله … عير الجزيرة (٢) والأشراف تمتهن
وكان يقال لمروان حمار الجزيرة.
أوقد على مضر نارا يمانية … تشفي الغليل وتحيي بعدها السّنن
ويقال إنه قال هذا الشعر بعد خلعه.
قالوا: فلما فرغ مروان من أهل حمص، وثار ما ثار من أهل الغوطة، ومعهم أبو علافة، ويزيد بن خالد القسري فانقضى أمرهم، أقبل ثابت من
vol. 10, p. 234فلسطين في كنف من لخم وغيرهم يكونون زهاء خمسين ألفا، فحصر الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان عامل مروان بطبرية مدينة الأردن، فسار إليه أبو الورد، فلما التقوا خرج إليهم الوليد بن معاوية في أهل الأردن فهزموا ثابتا وقتلوا أصحابه، وتفرّق من بقي منهم عنه.
-
ومضى ثابت إلى فلسطين واتبعه أبو الورد فلحقه، فأسر من بنيه ثلاثة: نعيما، وبكرا، وعمران، فبعث بهم إلى مروان فحبسهم. وغلب أبو الورد على فلسطين، ولحق ثابت بن نعيم وابنه رفاعة بجبال الشراة فظفرت به خيل لمروان كان قد وجّهها مادّة لأبي الورد فأخذوه وأتوا به مروان وهو بدير أبوب (١) فقتله مروان، وقتل بنيه وقطع أيديهم وأرجلهم، وأفلت ابنه رفاعة بن ثابت، وأخذ مع عثمان بن هلال الجهني وعمرو بن يزيد اللخمي فقتلهم مروان جميعا.
وقال بعضهم: لحق ثابت بمصر، فوجّه إليه مروان الكوثر فهزم أصحابه وأخذه أسيرا فبعث به إلى مروان فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق، سمرّه بمسامير. وقال بعض الشعراء قصيدة له ويقال إنه الرمّاح بن ميّادة:
حذارك أن تلقاك يوما بموطن … فوارس يهديها أبو الورد والصّقر
فوارس صدق لا يبالون من ثوى … يجرّون أرماحا حواملها حمر
وكوثر المهدي لمصر جياده … وأرماحه حتى استقامت له مصر
vol. 10, p. 235فمالك بالشام المقدس منزل … ولا لك في نجد ذراع ولا شبر
بنجد ثبا (١) … منا وبالشام مثلها
متى تعصنا يغضب لنا البرّ والبحر
وأقام مروان بدير أيوب إلى هلال المحرم، وبايع به لابنيه: عبد الله وعبيد الله، وزوّج عائشة بنت هشام من عبيد الله ابنه، وزوج أم بنت هشام عبد الله بن مروان ابنه، وأقبل فنزل الرصافة فأقام بها يوما (٢) .
- vol. 10, p. 237
[أمر سليمان بن هشام بن عبد الملك]
قالوا: ولما توجه مروان إلى الرصافة استأذنه سليمان بن هشام في المقام ليتجهز، فأذن له، ومضى فنزل الرقة، ثم أتى قرقيسياء، وأقبل عبد الرحمن بن أيوب الضبّي إلى سليمان بن هشام وهو بالرصافة ومعه خيل لمروان كان ضمها إليه، فقال لسليمان بن هشام: أنت والله أحقّ بالخلافة من الجعدي. وكان في نفسه على مروان أشياء في يوم عين الجرّ وغير يوم عين الجرّ، فخلع مروان وصار إلى حمص فدخلها وبايع أهل حمص على الموت، فأقبل مروان زاحفا بعد أن قرب من قرقيسياء وعلى مقدمته ابنه فألصق بحمص ووضع عليها المجانيق حتى فتحها، وهرب سليمان بن هشام إلى تدمر، وأقام مروان حتى استقصى هدم حائط حمص.
-
قال أبو الحسن المدائني عن أشياخه وداود بن عبد الحميد قالوا: أظهر سليمان خلع مروان وقد فارقه بالرصافة، وقدم مروان الرقة فتوفي ابنه عبد الملك، فترك الإنحدار إلى العراق.
- vol. 10, p. 238
ومضى سليمان في خفّ من أصحابه إلى حمص، وبنى ثلما كان مروان ثلمه في حائطها. وكان في نهر الهني (١) قصران يقال لأحدهما الكامل والآخر العجب، فخلّف فيهما سليمان قوما من الذكوانية وغيرهم وأكثرهم موالي هشام، وأمرهم أن يمنعوا من أراد مروان من أصحابه ومن يأتيه بالخبر، فبعث اليهم مروان: لئن أقمتم على ما أنتم عليه ثم ظفرت بكم لم أستبق منكم أحدا. فلم يقبلوا، فأما من كان في العجب فإنهم نزلوا على حكمه فأمنهم، وأما أهل الكامل فأبوا أن يقبلوا أمانه فبعث إليهم خالد بن عمير بن الحباب فعرض عليهم الأمان فلم يقبلوه، ورجع مروان ومرّ بهم فشتموه، فأمر رجلا من أصحابه بقتالهم، فنصب عليهم المجانيق فلم ينتصف النهار حتى أفضى إلى القصر فطلبوا منه أمانا، فأبى أن يؤمنهم إلاّ على حكمه، فقطع مروان أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وهدم الحصن، وجعل الرجل يقول للرجل منهم: أيما أحب إليك، أقتلك شدخا أم أفقأ عينك أم أقطع يديك ورجليك، فأتي برجل منهم فقيل له ذلك فضحك وقال: ما أدري ما أختار من الشرور. فقتلوا بالعمد وبقطع الأيدي والأرجل، فقال بحر بن عمرو القشيري:
ظفرت بهم إذ عاندوك سفاهة … فنكّل بهم حتى تدرّهم العصب
فإنك إذ تفعل تجدهم أذلّة … إذا نكبوا يوما أذلّهم النّكب
وقتل مروان يعقوب مولى هشام غدرا، خرج إليه من الكامل بأمان فقال: لا أعطي أهل الكامل الأمان إلا على حكمي فليس بيني وبينهم إلا السيف، وقتله.
- vol. 10, p. 239
وبايع أهل حمص سليمان، وتبايعوا على الموت، واستوثقوا من حائطهم وبنوا ثلمه، فتوجه إليه مروان فلما دنا من حمص جدّد فرسان أهل الشام ممن مع سليمان البيعة على الموت، وجدّدها أهل حمص أيضا وقالوا:
اخرجوا إلى الجعدي فإما قتلنا وإما ظفرنا به، فانتدب منهم ستة آلاف مع معاوية بن عبد الأعلى السكسكي وثبيت البهراني فبلغ ذلك مروان فسار اليهم على تعبئة، وتحرزوا وكمنوا لمروان في الزيتون فلم يشعر وهو يسير على تعبئته حتى ثاوروه فقاتلهم وصرع معاوية بن عبد الأعلى وانهزم الآخرون، وقتل منهم أربعة آلاف، فقال مروان لمعاوية: أنت مطاع في أهل حمص فادعهم إلى بيعتي وأؤمنك. قال: نعم. فأرسله إليهم في خيل وأمرهم أن يحفظوه ولا يفارقوه حتى يردّوه، فأتاهم وهم مشرفون من المدينة فدعاهم إلى بيعته فقالوا: لا ولا كرامة، ولا نبايع لابن زربي الخباز. فقال: إذا لم تفعلوا فابعثوا إلي غلامي ميسرة الأسود وليكن معه ثيابي كلها، وانصرف إلى مروان، فقال للذين كانوا معه: ماذا قال؟، فأخبروه. فقال: أتدرون ما أراد؟. قالوا: لا. قال: إذا أمسيتم فاحملوا السلاح وبيّتوهم واحملوا على الميسرة، فأمر بمعاوية فقطعت يداه ورجلاه وشدخ بالعمد.
وقال بعضهم: إن رجلا من بني مجاشع كان مع مروان يقال له حويّ أسر معاوية بن عبد الأعلى وأتى به مروان فقال: استبقني فإني أشد العرب.
فقال: الذي أسرك أشد منك. وقال مروان:
يا ربّ ابراهيم أمتعنا به … إنّ حويّا نعم ما أبلى به
والسّكسكيّ صاغرا جانا به
vol. 10, p. 240فلما أمسى مروان صيّر الفرسان وحماة قيس في الميسرة، فلما مضى ثلث الليل بيّتهم أهل حمص وقد حذرهم مروان فاقتتلوا فلم يقدروا على ما أرادوا فرجعوا إلى سليمان، فرأى سليمان صلابة مروان وصعوبة الأمر في محاربته فخرج من حمص وخلّف أخاه سعيد بن هشام وأتى تدمر فنزلها، وأقام مروان على حمص يقاتلهم عشرة أشهر أو أقل، وبسط لهم الأمان فقيل إنه أمّنهم، وقيل إنهم نزلوا على حكمه فلم يقتل إلاّ عبدا أسود وشمّاسا نصرانيا كان شجاعا وكان يقول: إن كان السكسكي ذهب فأنا السكسكي فقتله.
وقال: ما كان خطر ببالي أن أؤمّن شماسا. ويقال إنه لم يؤمّن سعيد بن هشام ورجلا من اليهود.
-
وأتي بأمية بن معاوية بن هشام أسيرا فقطع يديه ورجليه ثم شدخه، فغلظ الناس على مروان ولعنوه، وهدم مروان حائط حمص، وكلّم في سعيد فأمّنه وكان معه وبقي حتى قتله ابن علي.
وقال المدائني: أمّر مروان سليمان على إحداثه ومقاتلته إيّاه عن الناقص وابراهيم، فركب سليمان يوما مع مروان بعين الجرّ، فقال له مروان: يا أبا أيوب - ورفع حاجبيه كالمتوعّد - فقال: يا أمير المؤمنين أعرض عن هذا. فلم يزل سليمان مضمرا له على شرّ.
قالوا: وجمع سليمان بن هشام جمعا بتدمر وبايعه أهلها، ولجأ إليها كل لصّ وخارب (١) ، وعامة أهلها كلب، فصار إليهم مروان، فقال زميل بن سويد:
vol. 10, p. 241يا ويح تدمر ويحها وعويلها … ماذا يراد بعامرية تدمرا
يا ويحها من كيد أبيض ماجد … أعطى بعذراء الجيوش وشمّرا
فلما أناخ بها مروان سألوه الأمان وأن يضع لهم كل دم أصابوه، فأمّنهم على أن يهدم حائطها فلم يمكنه، وهرب سليمان حين قرب مروان منها فانحطّ إلى خساف فنزلها، فوجّه إليه مروان عوف بن إسحاق بن مسلم فأسرته خيل لسليمان، فوجّه إليه مروان الكوثر فقاتله سليمان، وأتاهم مروان فتقاتلوا فاستعلاهم سليمان ثم إنه انهزم فاتبعه مروان فالتقوا أيضا بمرج خلف صفّين، وقدّم مروان ابن الصحصح فاقتتلوا فهرب سليمان وأسر من أصحابه خلقا فقتلهم مروان بالعمد بقرب ملاّحة هشام، وصار سليمان مع الخوارج، وقد كتبنا خبره بعد هذه القصص، حتى قتله أمير المؤمنين أبو العباس.
-
ويقال إن مروان قتل سعيد بن هشام غيلة، ويقال ضرب عنقه.
-
ويقال إنه بقي حتى خرج في أيام بني هاشم فقتل، والله أعلم.
-
وأسر خالد بن هشام بن اسماعيل المخزومي أخو ابراهيم ومحمد يوم خساف، أصابته خلفة (١) فنزل وستره مواليه وأخذ فأتي به مروان، فأمر فشدخ بالعمد.