فصل: هل النافي للحكم يلزمه الدليل

138 paragraphs · vol. 1, p. 451

Page 3 of 4

  1. فصل

    وإذا اختلف الصحابة على قولين: لم يجز للمجتهد٤ الأخذ بقول بعضهم من غير دليل٥.

    vol. 1, p. 470
  2. خلافًا لبعض الحنفية وبعض المتكلمين: أنه يجوز ذلك، ما لم ينكر

    vol. 1, p. 471على القائل قوله؛ لأن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين.

  3. ولهذا رجع "عمر" -رضي الله عنه- إلى قول "معاذ" في ترك رجم المرأة١.

  4. وهذا فاسد؛ فإن قول الصحابة لا يزيد على الكتاب والسنة، ولو تعارض دليلان من كتاب أو سنة: لم يجز الأخذ بواحد منهما بدون الترجيح.

  5. ولأننا نعلم أن أحد القولين صواب، والآخر خطأ، ولا نعلم ذلك إلا بدليل.

  6. وإنما يدل اختلافهم على تسويغ الاجتهاد في كلا القولين، أما على الأخذ به: فكلَّا.

  7. وأما رجوع "عمر" -رضي الله عنه- إلى معاذ: فلأنه بان له الحق بدليله، فرجع إليه١.

    vol. 1, p. 472
  8. الثالث: الاستحسان

    ولا بد أولًا من فهمه.

  9. وله ثلاثة معان٢:

  10. أحدها:
  11. أن المراد به: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة.

    قال القاضي يعقوب١: القول بالاستحسان مذهب أحمد -رحمه الله- وهو: أن تترك حكما إلى حكم هو أولى منه.

  12. وهذا مما لا ينكر، وإن اختلف في تسميته، فلا فائدة في الاختلاف في الاصطلاحات مع الاتفاق في المعنى.

  13. الثاني: أنه يستحسنه المجتهد بعقله.

    vol. 1, p. 474
  14. وقد حكي عن أبي حنيفة أنه قال: هو حجة؛ تمسكًا بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ١، وقوله: {اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} ٢.

  15. وبقول النبي -صلى الله عليه وسلم- "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" ٣.

  16. ولأن المسلمين استحسنوا دخول الحمام من غير تقدير أجرة، وكذلك نظائره؛ إذ التقدير في مثله قبيح، فاستحسنوا تركه.

  17. ولنا على فساده مسلكان:
  18. الأول: أن هذا لا يعرف من ضرورة العقل ونظره، ولم يرد من سمع متواتر، ولا نقل آحاد، ومهما انتفى الدليل وجب النفي٤.

  19. الثاني أنا نعلم -بإجماع الأمة قبلهم- على أن العالم ليس له الحكم بمجرد هواه وشهوته من غير نظر في الأدلة.

    vol. 1, p. 475
  20. والاستحسان من غير نظر حكم بالهوى المجرد، فهو كاستحسان العامي، وأي فرق بين العامي والعالم غير معرفة الأدلة الشرعية، وتمييز صحيحها عن فاسدها؟

  21. ولعل مستند استحسانه وهم وخيال، إذا عرض على الأدلة لم يحصل منه طائل.

  22. روي عن الشافعي -رحمه الله- أنه قال: "من استحسن فقد شرع" ١.

  23. ولما بعث معاذ إلى "اليمن" لم يقل: إني أستحسن، بل ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد فقط.

  24. وأما اتباع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا: فواجب، فليبينوا أن هذا أنزل إلينا، فضلًا عن أن يكون من أحسنه.

  25. والخبر٢ دليل على أن الإجماع حجة، ولا خلاف فيه.

  26. ثم يلزمهم استحسان العوام والصبيان، فإن فرقوا بأنهم ليسوا أهلًا للنظر، قلنا: إذا كان لا ينظر في الأدلة، فأي فائدة في أهلية النظر؟

  27. وما استشهدوا به من المسائل: لعل مستند ذلك: جريانه في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقريره عليه، من معرفته به؛ لأجل المشقة في تقدير الماء

    vol. 1, p. 476المصبوب في الحمام، ومدة المقام، والمشقة سبب الرخصة.

  28. ويحتمل أن يقال: دخول الحمام مستباح بالقرينة، والماء متلف بشرط العوض، بقرينة حال الحمامي، ثم ما يبذله له إن ارتضى الحمامي، واكتفى به عوضًا، وإلا طالبه بالتسديد إن شاء، فهذا أمر يقاس، والقياس حجة.

  29. الثالث: قولهم: "المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه" وهذا هوس١؛ فإن ما لا يعبر عنه لا يدري أهو وهم أو تحقيق، فلا بد من إظهاره ليعتبر بأدلة الشريعة، فلتصححه أو تزيفه.

  30. ...................................................

    vol. 1, p. 477
  31. الاستصلاح، أو المصلحة المرسلة

    الرابع من الأصول المختلف فيها: الاستصلاح١:

    وهو: اتِّباع المصلحة المرسلة.

    vol. 1, p. 478
  32. والمصلحة: هي جلب المنفعة، أو دفع المضرة.

  33. وهي ثلاثة أقسام:
  34. قسم شهد الشرع باعتبارها. فهذا هو القياس، وهو: اقتباس الحكم من معقول النص أو الإجماع٢.

  35. القسم الثاني:
  36. ما شهد ببطلانه: كإيجاب الصوم بالوقاع في رمضان على الملك؛ إذ العتق سهل عليه فلا ينزجر، والكفارة وضعت للزجر، فهذا لا خلاف في بطلانه؛ لمخالفته النص، وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع١.

  37. الثالث- ما لم يشهد له بإبطال، ولا اعتبار معين:

    وهذا على ثلاثة ضروب:

    أحدها: ما يقع في مرتبة الحاجات: كتسليط الولي على تزويج الصغيرة، فذلك لا ضرورة إليه، لكنه محتاج إليه؛ لتحصيل الكفؤ؛ خيفة من الفوات، واستقبالًا للصلاح المنتظر في المآل.

  38. الضرب الثاني: ما يقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية حسن المناهج في العبادات والمعاملات، كاعتبار الولي في النكاح؛ صيانة

    vol. 1, p. 480للمرأة عن مباشرة العقد؛ لكونه مشعرًا بتوقان نفسها إلى الرجال، فلا يليق ذلك بالمروءة، ففوض ذلك إلى الولي؛ حملًا للخلق على أحسن المناهج.

  39. ولو أمكن تعليل ذلك بقصور رأي المرأة في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظاهر: لكان من الضرب الأول، ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها.

  40. فهذان الضربان لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل؛ فإنه لو جاز ذلك: كان وضعا للشرع بالرأي، ولما احتجنا إلى بعثة الرسل.