فصل: في تعريف الكلام وأقسامه
78 paragraphs · vol. 1, p. 505
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 513
ومثال التأويل في العموم القوي: قول الحنفية في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ١. قالوا: هذا محمول على الأمة.
-
فثناهم عن قولهم "فلها المهر بما استحل من فرجها" ؛ فإن مهر الأمة للسيد فعدلوا إلى المكاتبة.
- vol. 1, p. 514
وهذا تعسف ظاهر؛ لأن العموم قوي، والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء.
-
وليس من كلام العرب إرادة الشاذ النادر باللفظ الذي ظهر منه قصد العموم إلا بقرينة تقترن باللفظ.
-
وليس قياس النكاح على المال، والإناث على الذكور: قرينة تقترن باللفظ وتصلح لتنزيله على صورة نادرة١.
- ودليل ظهور قصد التعميم٢ أمور:
-
الأول: أنه صدر بأي، وهي من كلمات الشرط، ولم يتوقف في عموم أدوات الشرط جماعة ممن خالف في صيغ العموم.
-
الثاني: أنه أكد بـ "ما" وهي من مؤكدات العموم.
-
الثالث: أنه رتب بطلان النكاح على الشرط في معرض الجزاء.
-
ولو اقترح على العربي الفصيح أن يأتي بصيغة دالة على العموم مع الفصاحة والجزالة: لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة.
-
ونعلم أن الصحابة لم يفهموا من هذه الصيغة "المكاتبة" ولو سمعنا نحن هذه الصيغة: لم نفهم منها "المكاتبة" .
-
ولو قال القائل: أردت المكاتبة: لنسب إلى الأإغاز٣.
- vol. 1, p. 515
ولو أخرج "المكاتبة" وقال: "ما خطرت ببالي" لم يستنكر.
-
فما لم يخطر على البال إلا بالإخطار كيف يجوز قصر العموم عليه؟
-
وقد قيل في تأويل قوله -عليه السلام-: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام بالليل" ١ -يحمله على القضاء- إنه من هذا القبيل٢؛ لأن التطوع غير مراد، فلا يبقى إلا الغرض الذي هو ركن الدين، وهو صوم رمضان، والقضاء والنذر يجب بأسباب عارضة، فهو كالمكاتبة في مسألة النكاح.
- vol. 1, p. 516
والصحيح: أنه ليس ندرة هذا كندرة المكاتبة١، وإن كان كالغرض أسبق إلى الفهم، فيحتاج هذا التخصيص إلى دليل قوي.
-
وليس يظهر بطلانه كظهور التخصيص بالمكاتبة.
-
وعند هذا يعلم: أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ممتنع، وبينهما درجات تتفاوت في البعد والقرب.
-
ولكل مسألة ذوق يجب أن تفرد بنظر خاص، ويليق ذلك بالفروع.
- القسم الثالث- المجمل:
-
وهو: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى٢.
- vol. 1, p. 517
وقيل: ما احتمل أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر١.
-
وذلك مثل: الألفاظ المشتركة كلفظة "العين" : المشتركة بين "الذهب" و "العين الناظرة" وغيرها٢. و "القرء" للحيض والطهر٣، والشفق للبياض والحمرة٤.
-
وقد يكون الإجمال في لفظ مركب، كقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} ٥، متردد بين الزوج والولي٦.
- vol. 1, p. 518
وقد يكون بحسب التصريف كالمختار، يصلح للفاعل والمفعول١.
-
وقد يكون لأجل حرف محتمل: كالواو، تصلح عاطفة، ومبتدأة٤.
-
و "من" تصلح للتبعيض، وابتداء الغاية، والجنس، وأمثال ذلك.
-
[حكم المجمل]
-
فحكم هذا التوقف فيه حتى يتبين المراد منه٤.
- vol. 1, p. 519
[صور اختلف في إجمالها]
-
فأما قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة} ١ ونحوها٢: فليس بمجمل، لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل، والعرف كالوضع.
-
ولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية٣.
-
ومن أنس بتعارف أهل اللغة: علم أنهم يريدون بقوله: "حرمت عليك الطعام" : الأكل، دون اللمس والنظر، و "حرمت عليك الجارية" : أي الوطء. ويذهبون في تحريم كل عين إلى تحريم ما هي معدة له.
-
وهذا اختيار أبي الخطاب وبعض الشافعية٤.
-
وحكي عن القاضي أنه مجمل٥؛ لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم حقيقة، وإنما يحرم فعل ما يتعلق بها، فلا يدري ما ذلك الفعل في الميتة:
vol. 1, p. 520أكلها، أم بيعها، أم النظر إليها أو لمسها؟
-
وهذا قول جماعة من المتكلمين.
-
وقد ذكرنا أن هذا ظاهر من جهة العرف في الأكل، والصريح يكون بالوضع تارة، وبالعرف أخرى.
-
وقوله الله -تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} ١: ليس بمجمل، وإنما هو لفظ عام، فيحمل على عمومه٢.
وقال القاضي: هو مجمل٣.